ندم متأخر حكايات منى السيد الاول

بعـد 7 سنيـن جـواز وأنا بـعدّي مواقـف كتيـر عشـان خاطـر بيتـي، اتفاجئـت إن حمـاتي عزمـت قرايبهـا كلهـم على الغـدا في شقتـي من غيـر ما تعرفنـي… والمفاجـأة الأكبـر كانـت اللي حـصل بعـد كـده!!

— أنا آسفـة.. قولـتِ إيـه؟ ….سألت وأنا بلقط بالصدفة آخر جملة كانت حماتي بتقولها لجوزي في التليفون.
طنط تيسير كانت واقفة في نص الصالة، بعبايتها الكريب الكحلي المطرزة باللولي الأبيض، العباية اللي بتلبسها في كل مناسبة من يجي عشرين سنة. شعرها مفرود ومصقول لورا بالملي، وعلى شفايفها نفس الابتسامة الصفراء المرسومة اللي بتوزعها على الناس. بس عينيها.. عينيها كانت باردة زي مية الساقعة في طوبة….

— سمعـتِ كويـس يا منـى …. قالتها وهي بتنطق اسمي وكأنها بتنطق كلمة عيب.
— أنا عزمـت قرايبـي من ناحـية بابا شريـف، ناس متعلمـة وواصلـة وليهم برستيجـهم. وأنـتِ.. يعني، أنـتِ فاهمـة طبـعاً، مش عاوزيـن كسـوف قدامهـم….

كنت فاهمة. يا رب، كنت فاهمة جداً….
كنت فاهمة من أول يوم دخلت فيه شقتهم القديمة اللي كانت إيجار، وأنا ماسكة في إيد شريف، فرحانة وبترعش من كتر الأمل…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…..
طنط تيسير بصت لي وقتها من فوق لتحت وقالت:
“وهي منـي من عيلـة ميـن في طنـطا؟” السؤال ده كان جواه كل حاجة: الحكم عليا، والتقلِيل مني، والثقة العمياء إني عمري ما هكون مقامي من مقام ابنها الوحيد….
#حكايات_منـي_السيـد
فات سبـع سنيـن من ساعتهـا. سبع سنين مستحملة، ببتسم، وبطبخ، وبنظف، وبحمل وبخلف، وبشتغل، وأرجع تاني للمطبخ وأنا مبتسمة. اتعلمت أبلع الكلام المسموم، وأعمل نفسي مش سامعة لما تقول على أكلي “موش من مقامنا” أو لبسي “بلدي شوية”. اتعودت أسكت لما تقول قدام القرايب في العزومات: “والله جيل خايب، إحنا زمان كنا بنعرف مقام حمواتنا ونقف انتباه”….
بس النهاردة.. النهاردة جابت آخرها معايا…

— طنـط تيسـير …. حطيت مج الشاي على السفرة وحاولت أتحكم في إيدي عشان متبانش بتترعش.
— البيـت ده بيـتنا. بيـتي أنا وشريـف، والعزومـة دي إحـنا اللي هنحـدد هنعـمل فيها إيـه، وميـن هيـعزم مـين.. إحـنا مع بعـض، في بيتـنا الصغـير.
طلعت ضحكة ناشفة، قصيرة ومليانة تريقة، كأني قولت نكتة بايخة : بيتـكوا؟ … كررت الكلمة بنبرة تقرف…
— البيـت ده لما يـكون فيه احـترام للكـبار. وإنـتي حتـى سفـرة مش عارفة ترصيـها عـدل. إيه الهـباب اللي شريـاه ده؟ دي أطـباق ملاميـن رخيـصة من العتـبة! حاجـة تكـسف الصراحـة قـدام النـاس.

بصيت على السفرة بتاعتنا. كانت خشب متين، دافية، وريحتها مالية البيت بالبركة واللمة. أنا وشريف اخترناها سوا واحنا بنضحك لما لقيناها مش راضية تدخل في الأسانسير ونزلنا شيلناها مع العمال. ومصطفى، ابننا اللي عنده ست سنين، هو اللي رص الفوط والملاحات لوحده؛ كان هيوقع من على الكرسي ولحقناه إحنا الاثنين وفضلنا نبوس فيه. دي كانت سفرتنا.. بتاعتنا إحنا…
#حكايات_منـي_السيـد
— طنط تيسـير … سمعت صوتي طالع كأنه جاي من برة، هادي، وثابت، لدرجة إني معرفتوش…
— لو الأطبـاق مش عاجبـاكي، ولا عاجـبك طريقـتنا وعيشـتنا.. البـاب يفـوت جـمل. تقـدري متحـضريش العزومـة دي وتقعـدي في شقـتك.. لوحـدك.

في ثانية، الصمت هبط على الصالة. حتى مصطفى اللي كان بيلعب بالمسدسات في الطرقة سكت ومتحركش.
طنط تيسير لفت بوسطها كله ناحيتي، وعينيها ضاقت.
— إنـتِ.. إنـتِ بتطرديـني؟ …. سألت بصوت واطي جداً، بس كان مليان سم لدرجة إني رجعت خطوة لورا غصب عني.
— فـي بيتـي؟
— ده مـش بيتـك — رديت، ورغم إن صوتي اتهز لثانية بس كملت: ده بيـتنا. أنا وشـريف اللي شاريينـه بفلوسـنا وشـقانا. شقتـك إنـتِ في مـصر الجـديدة…

فتحت بقها.. وقفلتُه. ورجعت فتحته تاني كأنها بتدور على أكتر كلمة تجرحني بيها.
— أنا هعـرف أتكـلم مـع ابنـي …قالتها في الآخر وهي بتجز على سنانها…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
— هو اللي هيـعرف يربيـكي. شريـف طـول عمـره عـارف مـين كلمته بتمـشي هـنا…

ومشيت وهي رافعة راسها لفوق، كأنها ملكة اتأذت من ناس ملهمش قيمة… حصري على صفحة روايات و اقتباسات
فضلت واقفة في نص الصالة، باصة للسفرة، وللستائر، والنور اللي داخل من البلكونة. ولأول مرة من سبع سنين، حسيت بوضوح إن فيه حاجة جوايا اتكسرت.. حتة واحدة.. ومفيش أي أمل إنها تتصلح تاني.

على المغرب، شريف وصل. كان راجع هلكان وعينيه حمرا من التعب؛ تقفيل الحسابات السنوية في الشغل دايماً بيكون كابوس. رحت أفتح له الباب ووو…!!!
#حكايات_منـي_السيـد

شريف دخل الشقة، رمى مفاتيحه على الجزامة بصوت رن في ودني زي جرس إنذار. قلع الجاكيت ورمى نفسه على أول كرسي في الصالة، وفضل يفرك في وشه بتعب وهو بيـّنهد تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعه.
بصيت عليه.. الراجل اللي عشت معاه سبع سنين، شيلنا الهم سوا، وفرحنا سوا، وبنينا البيت ده طوبة طوبة. كنت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك، إيدي سسقعانة وضوافري مغروزة في كف إيدي من التوتر.
— مالك يا منى؟ واقفة كدا ليه زي الغريبة؟ ومصطفى فين؟ — سأل شريف وهو بيفتح زراير قميصه الفوقانية وبيحاول يلقط نفسه.
قبل ما أنطق بكلمة واحدة، تليفونه اللي على الجزامة نور واهتز.. شاشة التليفون كان مكتوب عليها “أمي”. النفس اتقطع جوايا. شريف مد إيده وأخده، فتح الخط وحطه على ودنه:
— أيوة يا أمي.. مساء الخير.. آه لسه واصل حالا.. إيه؟! لاء مش فاهم.. براحة بس يا أمي مال صوتك؟
أنا كنت سامعة صرصار الحقل وهو بيمشي في الصالة من كتر الهدوء، بس صوت طنط تيسير كان طالع من سماعة التليفون حاد وزي السك..ينة، مشحون عياط مصطنع وصويت ونبرة قهر متمثلة بأعلى إتقان:
— شريف يا ابن بطني.. بقى دي آخرتها؟ أتهان في بيت ابني الوحيد؟ طردتني يا شريف! بنت طنطا طردتني وقالت لي الباب يفوت جمل! بتقولي شقتك في مصر الجديدة ومالكيش قعاد هنا.. أنا اللي عشت وعلمتك وكبرتك، يتقال لي متحضرش العزومة وتقعد لوحدها؟ بقى الحتة دي تعمل فيا أنا كدا؟ لو مجبتليش حقي يا شريف، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!
الخط قطع. شريف نزل التليفون من على ودنه وبص لي.. النظرة دي عمري ما هساها. عينيه التعبانة اتحولت في ثانية لكتلة نار، العروق اللي في جبهته برزت، ووشه اتخطف وبقى أحمر دم. وقف على حيله وبقى طوله بعرضه قدامي، نبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت مرعبة:
— الكلام ده حصل يا منى؟ أنتِ طردتي أمي من بيتي؟
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
النفس اللي جوايا هدي فجأة. الخوف اللي كان مرعش إيدي من شوية اتمسح، وحل مكانه برود غريب، برود الست اللي جابت آخرها وفاض بيها الكيل.
— أمك مطرودتش يا شريف — رديت وصوتي كان طالع واطي بس ثابت وزي الحديد. — أمك دخلت هنا من ورايا، عزمت قرايبها كلهم من ناحية أبوك في شقتي، من غير ما تكلف خاطرها ترفع سماعة التليفون وتقولي يا منى أنا عازمة حد.. دخلت تعيب في عيشتي، وفي أطباقي، وفي أصلي، وبتقولي مش عاوزين كسوف قدام الناس الواصلة المتعلمة.. كأني جربوعة متجوزاها من الشارع!
شريف قرب مني خطوة، وصوته علي أكتر:
— تقوميييي تطرديها؟ تقولي لها الباب يفوت جمل؟ دي أمي يا منى! أمي يعني خط أحمر! تعزم اللي هي عاوزاه في أي وقت، البيت ده بيتها زي ما هو بيتي!
— لاء مش بيتها! — صرخت أنا كمان، والصوت طلع رعد وهز حيطان الصالة. — البيت ده بيتي أنا وأنت.. بفلوسي وفلوسك، بشقايا وشقاك.. أمك عندها فيلا وشقة في مصر الجديدة، مش هتيجي تعمل علينا أسياد هنا وتكسر نفسي في وسط بيتي وعيالي.. أنا بقالي سبع سنين بتبلع لها السم، وبقول معلش عشان خاطرك، وعشان خاطر بيتنا ومصطفى.. سبع سنين بتقولي على أكلي ولبسي بلدي ومش من مقامها وبسكت.. لكن تمنعني من إني أكون صاحبة القرار في بيتي؟ لاء يا شريف.. لاء لحد هنا وستوب!
شريف بص لي وكأنه بيشوفني لأول مرة، مكنش متعود مني على الرد ولا على الصوت العالي.. دايماً كنت أنا اللي بطيب الخاطر وبقول “حاضر يا طنط” وبمشي الأمور.
— أنتِ اتجننتي يا منى؟ — قالها وهو بيجز على سنانه وعينيه بتطق شرار. — صوتك يعلى عليا وعليها؟ عشان عزومة؟ عشان أهلي جايين ياكلوا لقمة؟ أنتِ إيه الأنانية والغل اللي جواكي ده من ناحية أمي؟
الكلمة دي.. “الغل والأنانية”.. نزلت على قلبي زي مية نار. سبع سنين تضحية، سبع سنين بشتغل الصبح وبالليل واقفة على رجلي في المطبخ عشان أعمل لها الأصناف اللي بتحبها لما تشرفنا، وفي الآخر أنا اللي جوايا غل؟
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
— شريف.. اوزن كلامك — قولت الكلمة وأنا برفع صباعي قدامه. — العزومة دي مش هتم في الشقة هنا. أمك عاوزة تعزم قرايب البرستيج بتوعها؟ تعزمهم في شقتها في مصر الجديدة، أو تاخدهم مطعم.. شقتي مش هتفتح للي يقلل مني ومن أهلي.
شريف ضحك ضحكة صفرا، شبه ضحكة أمه بالملي، وقال بنبرة مليانة تحدي وقسوة:
— لاء هتم يا منى.. وهتم هنا في الشقة دي بالذات.. ورجلك فوق رقبتك! وهتطبخي أحسن أكل، وتفرشي أحسن فرش، وأمي هتيجي راسها مرفوعة.. ولو مش عاجبك، الباب اللي قولتِ لأمي عليه يفوت جمل.. تقدري تاخدي حاجتك وتروحي لأهلك في طنطا.. وريني بقى مين فينا اللي كلمته هتمشي!
الكلمات طلعت من بقه وسابت وراها سكوت تام.. سكوت قاتل.
بصيت لشريف.. الراجل اللي اخترته وسيبت الدنيا عشانه.. الراجل اللي شيلت معاه الطوب ونزلنا على السلم عشان السفرة دي.. بيخيرني بين كرامتي وبين بيتي.. بيطردني عشان خاطر رغبة أمه في إنها تكسرني قدام قرايبها.
في اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود تام لف كل جسمي. دموعي اللي كانت محبوسة نشفت تماماً. بصيت له بنظرة خالية من أي مشاعر.. نظرة خوّفته هو شخصياً لدرجة إنه سكت ومكملش كلامه.
— تمام يا شريف — قولت الكلمة دي بمنتهى الهدوء. — أنت اللي اخترت.
مشيت من قدامه ودخلت أوضة الأطفال.. لقيت مصطفى قاعد على سريره، ضامم رجله لبطنه وماسك مسدسه اللعبة وعينيه مليانة خوف من صوت خناقنا. قلبي اتقطع عليه، بس اتمالكت نفسي. قعدت جنبه وأخدته في حضني وطبطبت عليه:
— متخافش يا قلب ماما.. مفيش حاجة.. يلا عشان ننام.
غيرت له هدومه ونيمته، وقعدت جنبه على السرير باصة للسقف.. والليل عدا عليا وكأنه سنة.. شريف نام في الصالة، وأنا فضلت صاحية، برتب كل حاجة في دماغي.. السبع سنين كلهم عدوا قدام عيني زي الشريط.. شريط مليان تنازلات، وكل تنازل كان بيصغرني في عينيهم أكتر.. لحد ما بقيت مش شايفة نفسي تماماً.
#حكايات_منـي_السيـد
تاني يوم الصبح.. شريف نزل الشغل من غير ما ينطق بكلمة، قفل الباب وراه برزع هزت الشقة كلها.
قومت من السرير، غسلت وشي، وبصيت في المراية.. الوش التعبان المجهد ده لازم يفوق.
مسكت التليفون وكلمت والدتي في طنطا.. أول ما سمعت صوتها، كان نفسي أعيط وأقولها “الحقيني يا أمي”، بس مسكت نفسي وقسّيت قلبي:
— أيوة يا ماما.. عاملة إيه؟.. الحمد لله بخير.. بقولك يا حبيبتي، أنا ومصطفى جايين نقعد معاكي كام يوم.. آه شريف عنده ضغط شغل وتصفيات سنوية ومسافر.. يلا إحنا ساعتين وهنكون عندك.
قفلت مع ماما، وجبت الشنطة الكبيرة من فوق الدولاب.. بدأت أحط فيها هدومي وهدوم مصطفى.. كل قطعة كنت بحطها، كنت بحس إني بلم البواقي اللي فضلت من كرامتي.
وأنا بقفل السوستة، تليفوني رن.. بصيت على الشاشة.. كانت طنط تيسير!
رديت وأنا حاطة التليفون على ودني ومنتظرة أسمع نبرة التشفي والانتصار:
— ألو.. أيوة يا منى.. شريف كلمك وعرفك غلطك؟ — صوتها كان مليان شماتة وغرور مش طبيعي. — عموماً أنا كلمت شريف وقولت له إني هعدي الليلة دي بمزاجي عشان خاطر قرايب بابا شريف الواصلين.. العزومة يوم الجمعة الجاية.. وعاوزاكي تبيضي وشي.. هتعملي محاشي وبط ورقاق باللحمة، والأطباق الملامين دي تشيليها ترميها في الزبالة، وأنا هبعت لك مع الشغال طقم الصيني بتاعي القديم تفرشيه.. فاهمة يا حبيبتي؟ مش عاوزة كسوف.
كنت سامعة نبرة صوتها وصورة ابتسامتها الصفرا بتترسم قدام عيني.. بس المرة دي، مكنتش متعصبة، ولا كنت متغاظة.. كنت ببتسم، ابتسامة حقيقية وباردة جداً.
— فاهمة يا طنط.. فاهمة جداً — رديت بنبرة ناعمة وهادية لدرجة صدمتها. — العزومة هتم زي ما أنتِ عاوزة بالظبط.. وفي المكان اللي أنتِ عاوزاه.. متقلقيش خالص.. كل حاجة هتترتب بالملي.
— أيوا كدا.. اتعدلي وخليكي شاطرة عشان بيتك يمشي — قالتها بغرور وقفتلت السكة.
رميت التليفون على السرير، وبصيت للشنطة وجرّيتها ورايا.. أخدت مصطفى في إيدي، وبصيت للشقة بستانداتها، بسفرتها الخشب اللي شيلناها، بكل ركن عشت فيه سبع سنين.. وقفت عند الباب، وطلعت المفاتيح من الشنطة.. وحطيتها على الجزامة.. جنح مفاتيح شريف.. وقفتلت الباب ورايا بهدوء شديد.. من غير أي صوت.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
يوم الجمعة.. يوم العزومة الموعودة.
الساعة كانت خمسة بعد الظهر.. شريف واقف في نص الصالة، لابس قميصه البنطلون الكلاسيك، ووشه جايب ألوان.. الشقة كانت فاضية تماماً، مفيش فيها ريحة أكل، مفيش نفس، مفيش ملايات مفروشة، ولا أطباق مرصوصة.. مفيش غير الصمت وسفـرة خشب فاضية وعليها تراب خفيف.
الباب خبط.. شريف جرى فتح وهو مرعوب.. كانت طنط تيسير بعبايتها الكحلي ومعاها تلاتة من كبار عيلة بابا شريف، اتنين رجالة وست شيك جداً ولابسين دهب كتير.
طنط تيسير دخلت ووراها قرايبها وهي بتقول بصوت عالي ومبهج:
— اتفضلوا يا جماعة.. اتفضلوا في بيت ابني شريف.. منى يا منى! أنتِ فين يا بنتي؟ الناس وصلت!
شريف كان واقف وشه أصفر زي الليمونة، مش عارف ينطق ولا يقول إيه.. بص لأمه وعينيه مليانة صدمة وكسرة..
طنط تيسير دخلت الصالة، وبصت يمين وشمال.. الشقة ساقعة، والمطبخ ضلمة.. مفيش أي أثر لمنى ولا لمصطفى.. ولا لأي لقمة تتاكل!
في اللحظة دي.. تليفون شريف رن.. بص على الشاشة، كانت رسالة من منى على الواتساب.. فتحها بسرعة وهو إيده بـترتعش، والرسالة كانت عبارة عن صورة..
صورة لمنى ومصطفى وقاعدين في وسط عيلتها في طنطا، وقدامهم سفرة مليانة أكل وضكحتهم مالية الوشوش.. وتحت الصورة كلام مكتوب بالخط العريض:
“العزومة هتم في بيتكوا يا شريف.. والباب يفوت جمل زي ما قولتلي.. طقم الصيني بتاع مامتك سيبتهولك في الدولاب عشان تفرشه بنفسك وتبيض وشها قدام الناس الواصلة.. ورقتي توصلني لحد عند أهلي في طنطا.. عشان بنت طنطا عِـزتها متتباعش بلقمة في بيت مالوش أمان.”
شريف نزل إيده بالتليفون، وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه.. طنط تيسير بصت له وبرقت عينيها وقالت بخضة:
— في إيه يا شريف؟ فين السفرة وفين مرتك؟ الناس واقفة!
شريف بص لأمه، ولأول مرة في حياته يصرخ فيها من قلبه وعينه مدمعة:
— منى مشيت يا أمي!.. منى سابت البيت وطلبت الطلاق!.. ارتاحي بقى.. ارتاحي وعيشي في البرستيج لوحدك!
وقع شريف على الكرسي وحط وشه بين إيديه وهو بيبكي بحرقة.. بينما طنط تيسير واقفة في نص الصالة، مذهولة، والابتسامة الصفرا اتسحبت من على وشها للأبد.. وبدأ قرايبها يبصوا لبعض بكسوف وهم مش عارفين يروحوا فين..
يا ترى شريف هيقدر يرجع منى بعد ما كسرها؟ وهل طنط تيسير هتسكت ولا هتقوم الدنيا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *