اخت مراتى حكايات زهرة الربيع الثاني

فضلت ألف بالعربية في الشوارع لساعات، ومشغل التكييف على آخره علّ وعسى يطفي النار اللي قايدة في صدري، بس مفيش فايدة. كلام سارة وصوت عياط “هنا” كان بيتردد في ودني زي صدى صوت في مغارة ضلمة.

كنت بسأل نفسي: “أنا ذنبي إيه؟ صنتها في غيابها وفي حضورها، وشيلتها فوق راسي وهي تعبانة، تكسرني الكسرة دي؟ وتخليني أعيش في بيتي مرعوب ومقروف من تلميحات بنت لسه في سن المراهقة، لمجرد إنها ‘بتختبرني’؟!”

الساعة دخلت على 4 الفجر، وموبايلي مصلش رن.. مكالمات ورسايل ورا رسايل من سارة: *”أرجوك ارجع يا أحمد”، “أنا كنت هموت من الرعب لا تضيع مني”، “والله بحبك ومقدرش أعيش من غيرك”*. كل رسالة كانت بتزود فجوة الخذلان اللي جوايا.

لقيت نفسي من غير ما أحس واخد طريق بيت حماتي.. كنت عايز أفهم، هل الأم كمان كانت شريكة في المؤامرة دي؟ ولا سارة لعبت اللعبة دي من ورا الكل؟

وصلت البيت، وطبعاً الوقت كان متأخر، بس أول ما رنيت الجرس، لقيت حماتي هي اللي بتفتح والدموع في عينيها، ملامحها كانت بتقول إنها عارفة كل حاجة، أو إن سارة كلمتها وهي بتموت من الرعب.

دخلت الصالة وأنا هدمتي مبهدلة ونظرتي مكسورة. حماتي قعدت قدامي ومسكت إيدي وهي بتبكي وقالتلي:

“يا ابني وحياة غلاوتك عندي أنا مكنت أعرف حاجة عن جنان سارة! أنا بعتلك ‘هنا’ بحسن نية عشان تشيل مع أختها التعبانة.. سارة لما لقت أختها الصغيرة طايشة وبتسمع كلامها، استغلتها وضغطت عليها بالعيط والدموع وفهمتها إن بيتها هيتخرب لو مساعدتهاش تطمن عليك.. أنا لسه عارفة منها في التليفون حالا وطردت أختها من البيت وجيت على هنا.. سارة غلطت يا أحمد، غلطت غلطة العمر، بس الحب ساعات بيبقى مرض ويعمي صاحبه.”

ضحكت بوجع وقلت لها بنبرة هادية بس طالعة من وسط حطام نفسي:

“حب؟! هو اللي بيحب حد يا أمي بيمرغ كرامته وسيرته في التراب؟ اللي بيحب حد بيخليه يشك في أخلاقه ويحس إنه عايش مع تعبان في البيت؟ سارة مش بس اختبرتني.. سارة دمرت الأمان اللي كنت بحس بيه وأنا قفل عليا وعليها باب واحد.”

قمت وقفت وحماتي بتحاول تهديني وتخليني مأخدش قرار سريع، بس أنا كنت حاسم. سبتها ورجعت شقتي.. الشقة اللي خرجت منها من كام ساعة وأنا حاسس إن الدنيا اتهدت فوق دماغي.

أول ما فتحت الباب، لقيت سارة قاعدة على الأرض في الصالة، ضامة رجليها لصديرها وبتعيط بهستيريا، وشها كان شاحب وتعب الحمل باين عليها ومضاعف مية مرة من القهر.

أول ما شافتني، جرت عليا وارتمت تحت رجلي وهي بتصرخ:

“أحمد.. طلقني، اعمل فيا اللي أنت عايزه، بس متمشيش وتسيبني.. أنا غبية، أنا اتعميت، الشيطان لعب بدماغي لما حسيت إني مبقتش مالية عينك بسبب تعبي.. والله العظيم بحبك!”

بصيتلها وأنا واقف مكاني زي الصنم، ممدتش إيدي أشيلها زي كل مرة كانت بتزعل فيها. النظرة اللي في عيني كانت كفيلة تخليها تتجمد مكانها. سحبت نفسي بهدوء وقعدت على الكرسي المقابل ليها، وقلت لها بصوت واطي ومخيف من كتر هدوءه:

“قومي اقعدي يا سارة.. وعياطك ده مش هيغير حقيقة إنك موتي أحمد القديم.. اللي حصل ده مش هيعدي كأنه كابوس وهنصحى منه.. أنتِ حطيتي شرخ في جدار الجواز ده، والشرخ ده محتاج وقت عشان أعرف بس هقدر أبص في وشك تاني وأنا مآمنلك، ولا لأ.”

سارة مسحت دموعها برعب وقالت: “يعني إيه يا أحمد؟ هتطلقني؟ وابننا اللي في بطني؟”

بصيت لبطنها، وحسيت بغصة في حلقي.. وفجأة، وقبل ما أنطق بالقرار اللي هاخده، تليفون سارة رن برقم والدتها، سارة ردت بسرعة وهي بترتعش، بس ثواني ولقيت التليفون وقع من إيدها، ووشها اتحول للون أبيض كأنه قطن، وبصتلي وعينيها متسعة من الرعب وهي بتقول بصوت مش مسموع:

“أحمد.. هنا.. أختي انتحرت!”

الكلمة نزلت عليا زي صعقة كهربا ضربت جسمي كله.. “هنا انتحرت؟!”

في ثانية واحدة، تحول البيت من ساحة عتاب وخناق لسرادق عزا وصراخ هستيري. سارة وقعت في الأرض مغمى عليها والتليفون جنبها بيوش بصوت حماتي الـ بتصرخ وتولول من الناحية التانية.

شيلت سارة وأنا مش حاسس برجلي، دخلتها الأوضة وحاولت أفوّقها وبقيت بصرخ فيها: “سارة! سارة إصحي! اخلصي قوليلي إيه الـ حصل؟!”

فتحت عينيها وهي بتصرخ وتلطم على وشها بنفَس مقطوع: “أختي ماتت يا أحمد.. أنا الـ موتها.. أنا الـ دمرتها بغيرتي وجناني! هنا بلعت شريط كامل من دواء السرطان بتاع بابا الله يرحمه!”

سيبتها وجريت على بره، ركبنا العربية وأنا بسوق بأقصى سرعة عندي، مكنتش شايف قدامي من كتر التوتر. كان عقلي بيلف في ساقية: البنت عندها 17 سنة، مراهقة، سارة ضغطت عليها واستغلت قلة خبرتها في الدنيا عشان تلعب دور قذر، ولما اللعبة اتكشفت وحماتي طردتها وهزأتها، البنت مستحملتش الفضيحة والكسرة قدام نفسها وقدام “جوز أختها” الـ كانت بتعتبره أخوها الكبير.

وصلنا المستشفى، لقيت حماتي واقعه في الأرض في الممر، وناس من قرايبهم متجمعين. جريت على الدكتور أول ما خرج من غسيل المعدة، وبقيت بمسكه من بالتو الـ دكتور ودموعي نازلة: “طمنا يا دكتور، أرجوك قولي إنها عايشة!”

الدكتور نفخ بضيق وتعب وقال: “الحمد لله لحقناها على آخر لحظة، ربنا ستر وقلبها وقف ورجعناه بصدمات الكهربا.. بس البنت لسه في العناية المركزة وتحت الملاحظة، الـ 24 ساعة الجايين هما الـ هيحددوا كل حاجة.”

قعدت على كرسي في الممر، وحطيت راسي بين إيديا وأنا حاسس بـ قرف ووجع عمري ما حسيته في حياتي. بصيت لسارة الـ كانت قاعدة بعيد، منهارة وبتعيط وخايفة تقرب مني، وخايفة تبص في وش أمها الـ محملّاها الذنب كله.

مراتي، الـ كانت من كام ساعة ملاك في نظري، بقيت شايفها واحدة تانية خالص.. الشك والغيرة مش بس هدو بيتنا، دول كانوا هيضيعوا روح بريئة ملهاش ذنب غير إنها سمعت كلام أختها الكبيرة.

فضلت قاعد في المستشفى لحد الصبح، مكلمتش سارة ولا كلمة. وفي تمام الساعة 9 الصبح، خرج الممرض من العناية وقال: “هنا فاقت، وطلبت تشوف حد.. طلبت تشوف أبيه أحمد!”

حماتي وبصتلي والدموع في عينيها وسارة قامت وقفت وهي بتبصلي برجا وعيون مكسورة كأنها بتقولي “أبوس إيدك روح وشوفها وصالحها”.

دخلت الأوضة بخطوات تقيلة، لقيت هنا نايمة على السرير، وشها أصفر زي الليمونة، وأجهزة المحاليل والنبض متحوطة بيها من كل حتة. أول ما شافتني، عينيها دمعت وبصتلي بنظرة كسرة عمري ما هنساها..

قربت منها وقعدت على الكرسي جنبها، ومسكت إيدها الساقعة وقلت بصوت مخنوق: “ليه كدا يا هنا؟ ليه تعملي في نفسك كدا يا بنتي؟”

هنا بلعت ريقها بصعوبة وقالتلي بصوت حشرجة وضعييف جداً:

“أنا أسفة يا أبيه.. والله العظيم أنا مكنتش عايزة أعمل كدا.. سارة هي الـ قالتلي إنك بتتغير معاها وإنها خايفة تسيبها، وقالتلي اختبره عشان أأكد لها إنك بتحبها.. أنا مكنتش فاهمة إن الموضوع هيوصل لكدا، ولما حماتي طردتني وقالتلي إني بنت مش متربية وجرحتني في شرفي، مأستحملتش.. حسيت إني رخيصة أوي في نظرك ونظر الكل.. بس أنا طلبتك أنت بالذات عشان أقولك على حاجة سارة مكنتش تعرفها.. حاجة أنا خبيتها عنها في اللعبة دي!”

قلبي دق بسرعة ورعب، وبقيت باصص لها بلهفة: “حاجة إيه يا هنا؟!”

هنا بصت لسقف الأوضة ودموعها نازلة ووقالتلي كلام خلاني أحس إن الأرض بتهتز بيا من تاني:

“أنا في الأول كنت بنفذ كلام سارة وبس يا أبيه.. بس بعد كام يوم، ولما لقيت حنيتك وطيبتك وخوفك عليا وعلى أختك.. أنا.. أنا فوقت ولقيت نفسي وقعت بجد.. أنا حبيت أحاسيسك وطيبتك بجد ومبقتش بمثل!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *