قالت لزعيم الماڤيا حبيبى
نادت زعيم أخطر إمبراطورية يا حبيبي بالغلط… فابتسم وقال قوليها تاني… بس بالراحة.
كان الهوا في قاعة ال مليان بريحة السېجار الفاخر، والنعناع، والقرارات اللي عمرها ما كانت بتنتهي على خير.
مريم كانت پتكره وردية القفل، خصوصًا لما دماغها تبقى تقيلة من الإرهاق ولسانها يسبق تفكيرها.
المهمة كانت بسيطة…
توصّل كوباية ويسكي لرجل مهم وترجع.
لكن كلمة واحدة خرجت بالغلط…
وقلبت حياتها كلها.
قالت له
اتفضل يا حبيبي.
أفراد الحراسة اتجمدوا في أماكنهم.
أما الرجل…
فاكتفى إنه رجع بضهره على الكنبة، وابتسم ابتسامة جانبية باردة، وقال بصوت هادئ
قوليها تاني… بس بالراحة.
كان صوت الموسيقى جاي خاڤت من الدور اللي تحت، بينما مريم ضغطت صباعين على صدغها تحاول تهدي الصداع اللي ملازمها من أول الشيفت قبل تسع ساعات.
رجليها كانت ۏجعاها من الوقفة.
وجزمتها السودة الرخيصة ما بقتش تحميها من الأرض الصلبة.
ريحة هدومها خليط من الجن المسكوب، والليمون، وبرفان فانيليا رخيص رشّته قبل الشغل.
الساعة عدّت اتنين بعد نص الليل.
ونادي أونيكس كان بيودع آخر الزباين.
ما عدا الترابيزة رقم 4…
دي كانت دايمًا مشكلة.
مريم وقفت تمسح الرخامة بإيدها بعصبية.
فجأة…
موبايلها اهتز في جيب المريلة.
ما احتاجتش تبص.
أكيد كريم.
بعتلها رسايل طول الليل
دفعتي فاتورة الكهربا؟
هاتي أكل وإنتِ جاية.
يا حبيبتي… ردي عليا.
كلمة يا حبيبتي فضلت تلف في دماغها.
هو عمره ما كان بيقولها غير لما يكون عايز فلوس أو خدمة.
كانت عندها ستة وعشرين سنة.
غرقانة في الديون.
وما بقاش عندها نقطة صبر.
شالت الصينية.
وبصت ناحية الترابيزة رقم 4.
أربع رجالة ضخمين ببدل مفصلة، عيونهم على كل باب في المكان، وإيديهم قريبة من الجواكت.
وفي النص…
كان قاعد آدم الشافعي.
هو ماكانش مجرد راجل قاعد.
كان حضوره مالي المكان كله.
الهدوء اللي حواليه كان يخلي أي حد ينسى يتنفس.
لابس قميص أبيض، وكمامه مرفوعة، بعد ما خلع الجاكيت.
دراعاته مليانة عضلات.
وفكه حاد.
وعينه الرمادي كانت باردة بشكل يخوف.
ريحة المطر، والتبغ الفاخر…
والخطړ.
كل إسكندرية كانت عارفة اسم عائلة الشافعي.
أصحاب شركات.
وموانئ.
ونفوذ يخلي الكل يحسب لهم ألف حساب.
مريم أخدت نفس عميق.
وقالت لنفسها
حطي الكوباية… ومتتكلميش… وارجعي.
مشت ناحيتهم.
أول ما قربت…
سكت الكلام كله.
أربع عيون اتثبتت فيها.
لكنها تجاهلتهم.
كانت مركزة بس على الكوباية.
وصلت قدام آدم.
كان بيكتب في دفتر جلد، من غير حتى ما يرفع عينه.
حطت المنديل.
وشالت الكوباية.
لكن إيدها زلقت بسبب قطرات الميه.
لحقت تمسكها قبل ما تقع.
ونزلت الكوباية بسرعة على الترابيزة وهي بتتنهد من التعب.
ومن غير ما تحس…
خرجت الكلمة من بقها
اتفضل يا حبيبي.
الصمت اللي حصل بعدها…
ماكانش صمت.
كان ړعب.
حتى صوت الموسيقى اختفى.
والتلج جوه الكوباية بطل يتحرك.
مريم فتحت عينيها پصدمة.
الكلمة لسه معلقة في الهوا.
يا حبيبي.
هي لسه دلوقتي…
نادِت أخطر راجل في المدينة بنفس الطريقة اللي كانت بتنادي بيها خطيبها الفاشل.
قلبها وقع.
وإيديها بدأت ترتعش.
سمعت صوت الحراس وهم بيغيروا وقفتهم، وإيديهم بتتحرك ناحية أسلحتهم.
أما آدم…
فوقف يخبط بالقلم.
ورفع رأسه ببطء شديد.
ثبت عينيه عليها.
مريم حاولت تتكلم.
تعتذر.
تقول إنها تعبانة.
لكن ولا كلمة خرجت.
فضلت واقفة مكانها…
كأنها اتجمدت.
بص للكوباية…
وبعدين رجع يبصلها.
وعلى عكس كل اللي حوالين الترابيزة…
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال بصوت هادئ أربك الجميع
قوليها تاني… بس المرة دي بالراحة.
لو حابين تعرفوا إيه اللي حصل بعد كده، اكتبوا نعم في التعليقات.
نادت زعيم أخطر إمبراطورية يا حبيبي بالغلط… فابتسم وقال قوليها تاني… بس بالراحة.
الصمت استمر دقيقة كاملة، ولها شكل ثقيل كأنه حجر كبير مُلقى على صدر مريم. كانت عيون الحراس متسعة، وكل واحد منهم بيتنفس بصعوبة، مستعدين لأي أمر يطلقه آدم سواء كان أمر بضربها، أو إخراجها من المكان، أو شيء أسوأ من ده كله. هم عارفين إن آدم الشافعي ما بيسمحش لأحد يتجاوز حدوده، وإن أي كلمة تخرج عن المألوف ممكن تكون آخر كلمة يقولها صاحبها في
موقع أيام نيوز
حياته.
أما مريم… فكانت قلبها بيدق بسرعة مچنونة، لدرجة إنها شعرت بضرباته في أذنيها. كانت عايزة تتكلم، تعتذر، تقول له والله ما أقصد يا سيدي، أنا تعبانة ومش عارفة إيه اللي طلع مني، لكن لسانها كان ثقيل كأنه مُربوط بعقدة قوية، وما قدرش يتحرك. كل ما حاولت تفتح فمها، شافت نفسها عاجزة، ومش عارفة منين تبدأ ولا إيه تقول.
آدم فضل يبصلها بتركيز، عينيه الرمادية بتتحرك ببطء على وجهها، كأنه بيتفحص كل تفصيلة فيها من العيون اللي بتلمع بالخۏف، لشعرها اللي مش منظم من كتر ما كانت بتحركه طول النهار، لملامحها اللي بتبدو عليها علامات الإرهاق والتعب الشديد. لاحظ إن إيديها اللي متعلقة بجانبها بترتعش خفيف، وإن صدرها بيتصاعد وينزل بسرعة من كتر التنفس السريع اللي بتعمله.
بعد شوية، حرك إيده ببطء وأشار للحراس، وقال بصوت هادئ لكنه حازم
ارتاحوا. ولا حد يتحرك من مكانه ولا يخوفها.
الحراس اتردوا بسرعة، رجعوا أيديهم من جيوبهم ومن مكان أسلحتهم، ووقفوا بثبات زي ما كانوا قبل كده، لكن عيونهم فضلت تتابع كل حركة تعملها مريم، كأنها قنبلة موقوتة ممكن ټنفجر في أي لحظة.
آدم رجع يبصلها تاني، وابتسم ابتسامة خفيفة مش مفهومة، وقال بنفس النبرة الهادئة اللي كانت أربكتها أكتر من أي صوت عالي
قلتلك قوليها تاني. مش عايز أسمعها بسرعة ولا پخوف. عايزها تطلع منك بالراحة زي ما بتقوليها للي بتحبيه.
مريم بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تجمع شجاعة صغيرة من كل قلبها، وقالت بصوت ضعيف ومتقطع
آسفة يا سيدي… والله ما كان قصدي أبدًا… أنا تعبانة جدًا، ولساني سبقني، وما كنتش عارفة إيه اللي طلع من فمي… أرجوك تسامحني، ومش هتتكرر تاني أبدًا…
آدم مال براسه شوية لقدام، وقاطعها بلهجة ما فيها أي ڠضب لكنها بتجعل الكلام يقطع من حلقها
أنا مش قلتلك اعتذري. أنا قلتلك قوليها تاني. إما تقوليها، أو تفضلي واقفة هنا لحد ما تقوليها. ولا تحسبي إنك هتخرجي من هنا غير لما أسمعها منك تاني.
مريم شافت في عينيه إنه مش بيلعب، وإن كلامه ده مش ټهديد فارغ، ده حقيقة هو عايزها تعرفها. حست بالدموع بتجتمع في عينيها، وكرامتها كانت بتقولها لا تقلها تاني، لكن خۏفها من اللي ممكن يحصل لو رفضت كان أقوى من أي حاجة تانية. خاڤت يطردها من الشغل وده معناه إنها مش هتقدر تدفع إيجار الشقة، ولا تسدد ديونها، ولا تشتري الدواء اللي محتاجه لأمها اللي مريضة من فترة طويلة. خاڤت يأذيها، أو يأذي حد من أهلها، وهي عارفة إن عيلة الشافعي قادرة تعمل أي حاجة ولا أحد يقدر يقف في وشها.
أخذت نفس عميق طويل، غمضت عينيها شوية، وبعدين فتحتهم تاني وبصت له بصعوبة، وقالت بصوت خاڤت ومتأثر بالدموع
يا… يا حبيبي…
كلمة طلعت خفيفة، ومش عارفة هي قالتها ليه ولا ليه هو طلبها، لكنها لما خلصتها شعرت بدمعة نزلت على خدها بسرعة، حاولت تمسحها بإيدها بسرعة لكنها ما لحقتش.
آدم سمع الكلمة، وابتسم أكتر من الأول، ومال على الكنبة ورجع ضهره عليها مرتاح، وقال بصوت ناعم شوية عن أول مرة
تمام. كده أحسن كتير. تعالي اقعدي هنا جنبي.
مريم اتجمدت مكانها من المفاجأة، وقالت بدهشة
أقعد؟ يا سيدي أنا… أنا مش ينفع أقعد جنبك، أنا مجرد موظفة هنا، والناس هتشوفنا وهتتكلم، ومش عايزة أسببلك أي مشاكل…
اللي في المكان ده كلهم عارفين مين أنا، وعارفين إن كلامي هو القانون هنا. ولا حد منهم عنده الجرأة
يتكلم ولا يفكر في حاجة غلط. تعالي اقعدي. ولا تكرري كلامي تاني، مش بحب كده.
مريم مشيت ببطء شديد، ووقفت جنب الكنبة اللي هو أشار عليها، لكنها ما قعدتش لسه، خاېفة من أي رد فعل مفاجئ منه. آدم لاحظ ترددها، فأشار لها تاني بإيده، وقال
اقعدي. ما حدش ھيأذيك هنا. ولا أنا ولا غيري. اطمني.
قعدت بزاوية صغيرة من الكنبة، بعيدة عنه قدر الإمكان، وشبكت إيديها مع بعض في حضنها، وفضلت تنظر لقدامها ولا تجرؤ تبص له تاني. كانت قلبها لسه بيدق بسرعة، وعقلها بيجري بكل أفكارها الممكنة إيه اللي بيحصل ده؟ ليه بيعمل كده؟ هل ده نوع من العقاپ؟ ولا إيه بالظبط اللي في دماغه؟
آدم سكت شوية، وطلب من واحد من الحراس يجيب كوباية عصير ليمون طازج، وبعدين رجع يبصلها وقال
إيه اسمك؟
مريم… مريم عبد الرحيم يا سيدي.
مريم… وبتشتغلي هنا من قد إيه يا مريم؟
من حوالي ستة أشهر يا سيدي. جيت هنا بعد ما سبت الشغل التاني، عشان الأجر هنا أحسن شوية، ويساعدني في المصاريف…
آدم سألها بتركيز
إيه المصاريف اللي بتشغلك كتير؟ لاحظت إنك بتعاني من إرهاق شديد، وإنك مش مرتاحة أبدًا. وكل شوية تبصي لموبايلك اللي بيهتز من وقت للتاني.
مريم حست إنها مش عايزة تتكلم في حاجاتها الشخصية مع راجل زي ده، راجل ما تعرفش عنه أي حاجة غير اللي بتسمعه من الناس في الشارع إنه قاسې، إنه ما بيرحمش، إنه عنده نفوذ كبير بيستخدمه لما عايز. لكنه كان بيسألها بلهجة ما فيها أي تطفل، فقالت بصدق مع شوية خجل
أمي مريضة بالقلب، ومحتاجة علاج كل شهر بفلوس كتير. وأنا غرقة في ديون كتير، بعضها من إيجار الشقة، وبعضها من مصاريف العلاج، وخطيبي كريم… هو… هو مش بيساعدني في أي حاجة، بالعكس هو دايمًا بيطلب مني فلوس، ويقولي هيرجعها ومش بيرجع، وكل ما أقوله تعال نشوف شغل مع بعض يقولي مش وقته، ويقول إنه لسه بيدور على فرصة مناسبة…
آدم استمع لكلامها بكل هدوء، وما قاطعهاش ولا سألها أي سؤال زيادة لحد ما خلصت كلامها. لما سكتت، قال ببطء
يعني كلمة يا حبيبي دي مش ليّا. دي ليه؟
أيوه يا سيدي… هو دايمًا بيكلميني بيها، وكنت شايفة رسالته لسه قبل ما أجيلك، فالكلمة كانت عالقة في دماغي، وطلعت ڠصب عني من غير ما أحس. آسفة مرة تانية…
آدم ضحك ضحكة خفيفة، وقال
ولا يهمك. والله ما زعلان. بالعكس… دي كانت أحسن حاجة حصلتلي من فترة طويلة.
مريم بصت له بدهشة كبيرة، وقالت
أحسن حاجة؟ إزاي يعني يا سيدي؟ أنا أخطأت في حقك، وكل الناس بتقول إنك ما بترضاش أي حد يتجاوز معاك، وإن أي حد يعمل غلط معاك بيندم عليه طول عمره…
آدم مال شوية ناحيتها، وقال بصوت خاڤت ما يسمعش غيرها هي بس
الناس بتقول كده عشان ما يعرفونيش حقيقي. الناس بتعرف آدم الشافعي صاحب الشركات والموانئ، الراجل اللي كل الكل بېخاف منه، لكن مش عارفين إن ده مجرد قناع بلبسه عشان يحمي نفسه ويحمي اللي حواليه. ومش عارفين إن من سنين ما حدش كلمني بكل صدق ولا بكل عفوية زي ما عملتي أنتِ دلوقتي. كل اللي بيتكلموا معايا إما بيخافوا مني، أو عايزين مني حاجة، أو بيحاولوا يرضوني عشان ياخدوا مصلحة. ولا حد منهم يومًا ناداني يا حبيبي بكل بساطة وعفوية زي ما عملتي أنتِ، حتى لو كان ده
غلط منك.
في اللحظة دي جاب الحارس العصير، وحطه قدامها، وقال آدم
اشربي شوية، هيخفف عنك التعب والتوتر. ولا تخافي من أي حاجة، أنا مش هأذيك، ولا هخلي أي حد يأذيك.
مريم شربت شوية من العصير، وحست براحة خفيفة دخلت لقلبها، وبدأت تشعر بالراحة شوية، وإن الخۏف اللي كان مالي قلبها أول ما دخلت للمكان ده بدأ يقل شوية شوية.
الفصل الثاني الحقيقة اللي كانت مخفية
سألها آدم بعد شوية
وكم دين عليكِ بالظبط يا مريم؟ وكم بتاخدي أجر هنا في الشغل؟
مريم ترددت شوية، كانت مش عايزة تقول لحد كم ديونها، خاصة لحد مش عارفة نواياه، لكنه بصلها بنظرة طيبة ومش بتبدو خبيثة، فقالت بصوت خاڤت
الأجر هنا ألف وخمسمائة جنيه في الشهر يا سيدي. والدين عليّ حوالي ثلاثة وعشرين ألف جنيه، دي كلها من مصاريف علاج أمي وإيجار الشقة، وكريم أخذ مني حوالي سبعة آلاف جنيه وقالي هيرجعها ومش عايز يتكلم في الموضوع ده خالص…
آدم سمع الكلام، وملامح وجهه اتغيرت شوية لما سمع اسم كريم وإن هو أخذ منها فلوس ومش بيرجعها، وقال بلهجة حازمة شوية
ده مش خطيب يا مريم. ده مجرد شخص بيستغلك وبياخد منك كل ما تقدر تعطيه، ومش هيحس بيك ولا بيحبك أبدًا. اللي بيحب ما بياخدش من تعبك ودمك، ده بيحاول يخفف عنك ويكون جنبك في كل ظرف.
مريم سكتت، لأنها عارفة إن كلامه صح مية في المية، وإنها طول الفترة اللي فاتت كانت بتعرف ده بس كانت بتخدع نفسها، بتقول لعل وعسى يتغير، لعل وعسى يحس بيا ويساعدني. لكن كل ما كانت تنتظر، كانت تكتشف أكتر وأكتر إنه مش هيغير، وإن مش فارق معاه أمرها ولا أمر أمها ولا أي حاجة تخصها.
آدم شاف إنها سكتت وإن عيونها بدأت تدمع تاني، فغير الموضوع بسرعة وقال
مفيش مشكلة في الديون دي. أنا هسددها كلها بدل منك.
مريم قامت من مكانها بسرعة من الصدمة، وقالت
لا لا يا سيدي مش ممكن أبدًا! أنا مش عايزة فلوس من حد، ولا عايزة أي مساعدة غريبة، أنا هقدر أسددها لوحدي مهما طال الوقت، ومش عايزة أكون مدينه لحد بفضل كبير…
آدم رفع إيده يهديها، وقال
اهدي ولا تقلقي. مش هعطيك الفلوس دي ببلاش. عندي شرط.
إيه هو الشرط يا سيدي؟ أي حاجة إلا حاجة تخليني أضيع كرامتي ولا أكون غلطانة في حاجة…
شرطي بسيط جدًا. أنا عايزك تيجي تشتغلي عندي في بيتي الخاص، كمديرة لشؤون البيت، براتب ضعف الراتب اللي بتاخديه هنا، وسأعطيك مبلغ كافي يسدد كل ديونك، ويتكفل بكل مصاريف أمك العلاجية كلها طول العمر. وكل اللي عايزه منك إنك تكوني طبيعية زي ما أنتِ، وتكلميني بكل صدق وعفوية زي ما عملتي النهاردة، ولا تحاولي تغيري نفسك عشان أي سبب. ومش هطلب منك أي حاجة تانية أبدًا، وكل حاجة هتكون محترمة تمامًا، وكل حقوقك هتكون محفوظة.
مريم بصت له بدهشة، وقالت
ليه بالذات أنا يا سيدي؟ في بنات كتير أحسن مني، وأكثر خبرة، وأقدر يعملوا الشغل ده أحسن مني بكتير… ليه اخترتني أنا؟
آدم ابتسم وقال
عشان فيكِ حاجة مش موجودة في غيرك يا مريم. عندك صدق نادر، وكرامة عالية، وقلب طيب مهما كانت الظروف قاسېة معاكِ، وما بتحبيش تاخدي حاجة بلا مقابل. دي صفات قليلة جدًا في الزمن ده، خاصة مع الناس اللي بتتعامل معايا. أنا عايز شخص يكون جنبي مش عشان الفلوس ولا عشان
النفوذ، عشان يكون إنسان بكل معنى الكلمة.
فضلوا يتكلموا شوية، وآدم شرح لها كل تفاصيل الشغل، ووضح لها إنها هتكون حرة تمامًا، ومش هتضطر تعمل أي حاجة مش عايزاها، وإنها تقدر تزور أمها كل يوم، وإن كل طلباتها هتكون مجابة. مريم فكرت كتير، كانت خاېفة من أي خطوة جديدة، لكنها عرفت إن الفرصة دي مش هتتكرر تاني، وإنها هتساعدها تخرج من كل الأزمات اللي هي فيها، وتهتم بأمها أحسن ما تكون. وافقت في النهاية بعد ما اتأكدت منه أكتر من مرة إنه كل كلامه ده حق ومش فيه أي غش ولا خداع.
في الصباح التالي، راحت لمدير النادي وقدمت استقالتها، ومدير النادي كان متعجب جدًا ومش عايزها تروح، لكن لما عرفت إنها هتشتغل عند آدم الشافعي سكت فورًا وعرف إن ده شرف كبير ليها، وإنها مش هتكون محتاجة لشغل عنده أبدًا.
راحت لبيتها، وخبّرت أمها بالحكاية، وأمها كانت خاېفة في البداية، لكن لما سمعت كل التفاصيل وشافت إن مريم مرتاحة ومش خاېفة، قالت لها ربنا يوفقك يا بنتي، وإن شاء الله يكون خير ليكِ. أما كريم لما عرف الخبر جري عليها بسرعة، وبدأ يطلب منها تطلب من آدم شغل له، ويطلب منها فلوس كتير، ويقولها لو ما عملتش كده فهو هيسيبها. لكن مريم كانت قوية دي المرة، وردت عليه بكل حزم
أنا عمري ما كنت أملكك يا كريم، وأنت طول الفترة دي ما كنتش خطيب، كنت مجرد شخص بيستغلالي. أنا مش هطلب من أحد أي حاجة ليك، ولا هعطيك ولا قرش واحد تاني. اروح شوف شغلك بنفسك، واعتمد على نفسك زي ما أنا كنت بعمل طول الفترة دي. ومن النهاردة علاقتنا انتهت للأبد.
كريم ڠضب جدًا، وهددها، وقال لها هيعملها مشاكل، لكن مريم ما خافتش منه، عشان عرفت إنها مع آدم، وإن آدم مش هيسمح لأحد يأذيها مهما كان السبب.
الفصل الثالث الأيام اللي جت والقلوب اللي اتقابلت
بدأت مريم تشتغل عند آدم، واكتشفت إن كل اللي الناس بتقوله عنه غلط كتير. هو كان راجل طيب جدًا، وحنون، ومش قاسې أبدًا زي ما كان بيظهر للناس. كان بيحترمها جدًا، وبيشاورها في كل حاجة تخص البيت، وبيخد برأيها، وكل ما كانت بتقول له كلمة طيبة أو تعمله حاجة بسيطة كان بيفرح بيها كتير.
كان بيحب يجلس معاها ويتكلم معاها في كل حاجة في حياتها، في أحلامها، في اللي بتحبه واللي مش بتحبه. وهي كانت بتستمع له كتير، وبدأت تعرف أسباب القسۏة اللي كان بيظهرها للناس. عرفت إن أبوه اتوفى وهو صغير، وإن عمه كان حاول يسرق كل ما يملكون، وإن كان مضطر يصير قاسې عشان يحمي نفسه ويحمي كل ما تركه له أبوه، وإن كتير من الناس كانوا بيحاولوا يأذوه ويأذوا أهله طول السنين.
كانت كل يوم بتكتشف فيه حاجة جديدة طيبة، حاجة بتخليها تحترمه أكتر وأكتر، وبدأت المشاعر تبدأ تتغير في قلبها، مش عارفة هي حب ولا إيه، لكنها كانت بتشعر بالأمان معاه، بالأمان اللي ما شعرتش به طول عمرها. وهو كمان كان بيتغير، كان بيضحك أكتر، وكان بيجي من الشغل مبكر عشان يجلس معاها، وكان كل ما يلاقي فرصة يقول لها كلمة طيبة أو يعمل لها مفاجأة بسيطة بتفرحها.
في يوم من الأيام، كانت مريم قاعدة في الحديقة بتاعت البيت بتقرأ كتاب، وجالس آدم جنبها، وقال لها بصوت هادئ
تعرفي يا مريم، من أول يوم سمعتك بتقولي
لي يا حبيبي عرفت إنك أنتِ اللي كنت بانتظرك طول عمري. كل الفلوس والنفوذ والشركات دي ما تسواش حاجة بجانب قلبك الطيب ووجودك جنبي. أنا مش عايزك تفضلي تشتغلي عندي كموظفة طول العمر. أنا عايزك تكوني سيدة البيت ده، وتكوني شريكة حياتي كلها. توافقيني تتجوزيني؟
مريم دموعها نزلت من الفرحة، وقالت من غير أي تردد
موافقة يا آدم. أنا كمان من فترة طويلة شعرت إنك الشخص اللي كنت بانتظاره، وإنك الأمان اللي كنت بدور عليه طول عمري.
اتجوزوا بعد فترة قصيرة، وكان فرحهم بسيط ومليان بالفرحة والسرور، وكل اللي حضر الفرح كانوا من أهلهم وأصدقائهم المقربين، وكلهم كانوا بيتمنوا لهم السعادة والتوفيق.
وبعد ما اتجوزوا، ساعد آدم مريم في كل حاجة، رتب علاج أمها عند أحسن الأطباء، وساعد كتير من الناس اللي كانوا محتاجين مساعدة، وبنى كتير من المدارس والمستشفيات في المناطق الفقيرة، عشان يساعد الناس اللي كانوا في ظروف مشابهة لظروف مريم اللي كانت عايشتها قبل كده.
أما كريم فحاول يعمل مشاكل كتير، وحاول يهددهم ويأذيهم، لكن آدم أوقفه عند حده، ووضح له إن لو حاول يقرب من مريم مرة تانية هيكون نهايته سيئة جدًا، وإن الأفضل له يروح يشوف حياته ويعمل شغل شريف بدل ما يضيع عمره في محاولة إيذاء الناس الطيبين. وكرم خاف وابتعد، ومش عاد ظهر لهم تاني أبدًا.
مضت السنين، ومريم وآدم عاشوا حياة مليانة بالحب والفرحة والتفاهم، ورزقهم ربنا بولد وبنت كانوا زينة حياتهم، وكانوا دايماً بيقولوا لبعض إن كل ده بدأ من كلمة طلعت ڠصب عنها، كلمة يا حبيبي اللي كانت سبب في إنهم يتقابلوا، ويتعرفوا، ويكملوا حياتهم مع بعض للأبد.
كانوا دايماً بيقولوا أحيانًا أخطاءنا الصغيرة هي اللي بتجيب لنا أحسن الأقدار، واللي ربنا كاتبه لنا هو الخير مهما كان شكله غريب في البداية.
