قتل اولادها التوأم حكايات صافى هانى الثانى والاخير
جسمي اتجمد في مكاني والتليفون لسه على ودني، صوت الصريخ وصوت الحاجه وهي بتقع على أرض المحطة كان بيرن في دماغي زي القنبلة.
سماح بصتلي وهي بتسوق وقالت بخوف: “في إيه يا فريدة؟ مين اللي كان بيكلمك؟”
نطقت بالعافية والصوت طالع من حنجرتي بالعذاب: “أم أحمد.. الدادة.. شريف وميرفت مكنوش شغالين لوحدهم، في حد لسه برة بيراقبها.. الخط قطع بعد ما صرخت في محطة القطر”.
سماح فرملت العربية فجأة على جنب الطريق لدرجة إن الكاوتش عمل صوت قوي، وبصتلي وعينيها متسعة من الرعب: “محطة القطر؟ محطة رمسيس؟ فريدة، لو حد تبع شريف وصل لها قبلنا، التسجيل هيضيع وأم أحمد هتروح فيها.. دي الشاهدة الوحيدة اللي شافت وعاشت المؤامرة!”
حطيت إيدي على راسي بحاول أجمع تشتت عقلي، 12 سنة شغل في كشف الفساد والجري..مة المادية علموني إن المجرم لما بيحس إن الحبل بيقرب من رقبته، بيبعت كلابه تخلص على أي خيط يوصل له، شريف محبوس في الحجز دلوقتي، وميرفت معاه، يبقى مين اللي بيتحرك برة لحسابهم؟ مين الطرف الثالث اللي مصلحته يداري على الجري..مة؟
فجأة افتكرت.. أخو ميرفت الكبير، “مدحت”، كان شغال مسجل خطر ومقضي نص عمره في السجون، وشريف كان دايماً بيشغله معاه في عمليات “تأمين” شحنات الاستيراد والتصدير المشبوهة، هو ده! هو الذراع اليمين اللي بينفذ القذارة كلها في السر.
قولت لسماح بسرعة: “اطلعي على محطة رمسيس علطول، مش هنلحق نبلغ الشرطة وتتحرك، عقبال ما يعملوا إذن ويوجهوا قوة هتكون الدادة اتمحت من الدنيا، أنا هكلم ظابط المباحث في الطريق يفهمهم هناك، بس إحنا لازم نكون أسرع”.
سماح داست بنزين بأقصى سرعة وهي بتتفادى العربيات وسط زحمة شوارع القاهرة، وأنا طلعت تليفوني وطلبت رقم الرائد أحمد، ظابط المباحث اللي قبض على شريف وميرفت في الجنازة.
رد عليا بصوت حاد: “أيوة يا فندم، أنا لسه مخلص ترحيل المتهمين للنيابة، في جديد؟”
حكيت له كل حاجة في أقل من دقيقة، صوت دادة العيال، التهديد، مكالمتها من محطة القطر، والاسم اللي شكة فيه: مدحت حامد.
الرائد أحمد قال بصوت جهوري: “أنا هحرك قوة حالا من نقطة شرطة المحطة، بس يا فريدة هانم، أرجوكي أوعي تتصرفي من نفسك، الراجل ده خطر وممكن يعمل أي حاجة لو حس إن أخته بتضيع”.
وصلنا المحطة بعد ربع ساعة كانت كأنها سنة كاملة، نزلت من العربية قبل ما سماح تركن تماماً، جريت وسط زحمة الناس والمسافرين، عيني كانت بتدور في كل ركن، على الأرصفة، جنك الأكشاك، عند شبابيك التذاكر، قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة إنه هيخرج من صدري، “يا رب متحرمنيش من حق عيالي.. يا رب متضيعش الشاهد الوحيد”.
لمحت من بعيد لقطة غريبة، ورا الرصيف رقم 4، عند الممرات الضيقة اللي بتؤدي لمخازن المحطة القديمة، كان في راجل ضخم، لابس كاب مغطي وشه، وبيجر وراه ست بكل قوته وهي بتحاول تقاوم وتكتم صرختها، الست كانت لامة طرحتها بالعافية.. كانت أم أحمد!
جريت بكل طاقة في جسمي، وصوت جزمتي كان بيضرب في الأرض، وسماح ورايا بتصرخ: “أقفي يا فريدة! استني البوليس!”
المسجل خطر حس بحركتنا، لف وشه فجأة، وتحت الكاب ظهرت ملامح وش مدحت القاسية، عينيه كانت مليانة غل، أول ما شافني عرفني علطول، زق أم أحمد على الأرض بقوة لدرجة إن راسها خبطت في الحيطة الحديد وقامت مغمى عليها والشنطة بتاعتها اتفتحت ووقع منها جهاز تسجيل صغير.
مدحت مد إيده في جيبه وطلع مطواة قرن غزال، فتحها بتكة رنت في الممر الفاضي، وقرب مني بخطوات سريعة وهو بيبرق وعينيه كلها شر وقال بنبرة فحيح الأفاعي: “أنتي اللي جبتيه لنفسك يا ست فريدة.. شريف وميرفت هيطلعوا منها، وأنتي اللي هتحصلي عيالك الليلة!”.
وقفت في مكاني، متهزتش ولا خطوة لورا، النار اللي في قلبي على روز وسليم كانت أقوى من أي خوف، عيني جت على جهاز التسجيل اللي واقع على الأرض جنب الدادة، وبصيت في عين مدحت وقولتله بكل برود وقوة خلوه يتصدم ويهدي خطوته: “اضرب يا مدحت.. اضرب عشان تضمن لنفسك حبل المشنقة مع أختك وجوزي، البوليس محاصر المحطة كلها، وأي حركة هتعملها هتبقى نهايتك هنا”.
مدحت هجم عليا فجأة والمطواة في إيده المرفوعة لفوق، وفي نفس اللحظة، صوت ضربة نار هزت سقف المحطة الحديد..
صوت ضربة النار هز جدران الممر الضيق، والطلقة جت في الحيطة الخرسانية على بعد سنتيمترات من كتف مدحت.
الراجل اتنفض من الخضة، وفي ثانية واحدة كانت القوة اللي بعتها الرائد أحمد ملت المكان، وتلاتة من أمناء الشرطة هجموا عليه، ثبتوا إيده اللي فيها المطواة ولوا دراعه ورا ضهره لحد ما عضمه طقطق، ووقعوه على الأرض والكلبشات قفلت على إيديه في لمحة عين.
سماح جريت عليا وهي بتترعش وخدتني في حضنها: “أنتي كويسة يا فريدة؟ أنتي كويسة؟”
مكنتش سامعاها، مكنتش شايفة غير جهاز التسجيل الصغير اللي واقع على الأرض، سحبت نفسي من حضن سماح ووطيت بسرعة، إيدي كانت بتتنفض وهي بتشيل الجهاز، ضغطت على زرار التشغيل ودموعي بتتحجر في عيني، صوت شريف ظهر علطول، كان واضح ونقي وهو بيتكلم في الجراج مع ميرفت:
“بقولك سلك الفرامل اتقطع خلاص، الرحلة بتاعة بكرة هتبقى الأخيرة، فريدة مش هتلحق تعمل حاجة، الدادة هتاخدهم وتطلع بيهم على طريق السخنة والجو مطر، والعربية هتتقلب بيهم، بوليسة التأمين بـ 4 مليون جنيه يا ميرفت، والورث كله هيبقى بتاعي بعد ما أثبت إنها اتهبلت”.
وصوت ميرفت رد عليه بضحكة مسمومة: “عفارم عليك يا حبيبي.. كده اللعبة كملت، والعيال هيروحوا لأصحاب نصيبهم، وفريدة هتموت بحسرتها”.
نزلت على ركبي في الأرض وأنا حاضنة الجهاز وبصرخ بصوت مكتوم، صوت طالع من غل تلات أسابيع من القهر والظلم والكسرة، الحق ظهر، الدليل القاطع اللي هيودي شريف وميرفت للمشنقة وبدون أي ثغرة بقى في إيدي.
سماح وطت على أم أحمد الدادة، بدأت تفوقها وبيدلكوا لها وشها بمياه، الدادة فتحت عينيها وبصتلي بدموع وهي بتترعش: “سامحيني يا ست فريدة.. هددوني ب ابني، قالوا لي لو نطقتي بكلمة هنموت الواد، بس والله ما قدرت، ذنب روز وسليم كان بيموتني كل يوم”.
طبطبت على كتفها وقولت لها: “خلاص يا أم أحمد.. خلاص، أنتي في أمان، وحق العيال رجع”.
الرائد أحمد وصل المحطة وجري علينا وهو بينهج، بص لمدحت اللي كان بيتجر على الأرض وهو بيشتم وبيدعي علينا، وبص للجهاز اللي في إيدي وقال بنبرة انتصار: “الملف كده اتمسير يا فريدة هانم، التسجيل ده مع تقرير المعمل الجنائي اللي هنطلبه لإعادة فحص العربية، ومع ورق التزوير والتحاليل اللي جبتيها من الخزنة.. القض..ية بقت قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وجلسة محاكمة عاجلة”.
بعد أربعة أيام..
واقفة في ممر المحكمة الكبيرة، لابسة أسود في أسود، بس المرة دي راسي مرفوعة، مفيش انكسار ولا دموع ضعف، شريف وميرفت كانوا خارجين من قفص الاتهام بعد ما القاضي أمر بتجديد حبسهم وتحويل أوراق القض..ية للجنايات كمتهمين رئيسيين في جري..مة قتل طفلين.
شريف أول ما شافني واقفة، وشه كان شاحن، دقنه طلعت، وهدومه اتبهدلت، ملامح الغرور والشر اللي كانت في الجنازة اختفت تماماً وحل مكانها رعب الموت، حاول يهرب من العساكر ويقرب مني وهو بيصرخ بدموع مزيفة: “فريدة! أنا جوزك حبيبيك! ميرفت هي اللي وزتني، ميرفت هي اللي لعبت في دماغي وفهمتني إنهم مش عيالي.. سامحيني يا فريدة، ضيعي الورق ده وأنا هعيش خدام تحت رجليكي عمرك كله!”
ميرفت صرخت فيه وهي بتتجر وراه: “أنا يا واطي؟ أنت اللي كنت عاوز الفلوس والورث! أنت اللي قتلت عيالك بإيدك!”
وقفت قدامهم، والمسافة بيني وبين شريف مكنتش تزيد عن خطوتين، بصيت في عينيه المرعوبة بكل برود، وابتسمت نفس الابتسامة الصفرا اللي ميرفت ابتسمتهالي في الجنازة، وقولتله بصوت واطي وهادي بس رن في الممر كله: “فاكر لما قولتلي في الجنازة إن ربنا خدهم عشان عارف أنا أم شكلها إيه؟.. ربنا فعلاً خدهم عشان يحميهم من أب مجرم زيك، وعشان يفرغني ليك، عشان أكون أنا اللي هلف حبل المشنقة حوالين رقبتك ورقبة عشيقتك بإيدي دي.. غورتكم في داهية”.
العساكر سحبوهم وهم بيصرخوا وبيتخانقوا مع بعض، وصوت الكلبشات كان بيختفي بالتدريج في ممر السجن المظلم.
لفيت ضهري ومشيت في ممر المحكمة، وبصيت للسما من الشباك الكبير، وحسيت بنسمة هوا باردة بتلمس وشي، كأنها ضحكة روز وسليم..
أنا فريدة خبيرة كشف الفساد، وأم التوأم.. والنهاردة بس، عيالي عرفوا يناموا في تربتهم بسلام.