حقى لا يضيع الثالث ل منال عباس

كانت نرجس تجري في شوارع البلد كالمجنونة، شعرها مبعثر وصوتها مبحوح وهي تنادي: ـ آآدم! يا ابني رد عليا!

الناس خرجت من البيوت تبص عليها بقلق، وبعضهم بدأ يساعد في البحث، لكن قلبها كان بيقول إن الموضوع أكبر من مجرد طفل تايه.

فارس أمسك تليفونه بعصبية واتصل بسالم عشرات المرات، لكن سالم ماكانش بيرد.

ركب عربيته بسرعة واتجه للمخزن القديم اللي سالم بيقابل فيه رجاله دايمًا.

فتح الباب بعنف، ولقي سالم قاعد يدخن وسيجارته بترتعش بين صوابعه.

صرخ فيه: ـ آدم فين؟!

رفع سالم عينه ببرود مصطنع: ـ وأنا أعرف منين؟

قرب منه فارس بعنف: ـ ما تكدبش عليا! الناس اللي بتشتغل معاك خطفوه!

وقف سالم فجأة وهو يزعق: ـ أيوه! خطفوه… بس ماكنتش عايزهم يأذوه!

اتجمد فارس مكانه.

سالم ضرب بإيده على الترابيزة: ـ هي السبب في كل اللي إحنا فيه! الناس بقت تضحك علينا… وهي بقت ست البلد!

ـ دي أختك يا سالم!

ـ أختي ماتت يوم ما رجعت تكسرنا قدام الناس!

في اللحظة دي، دخل واحد من رجال سالم بخوف: ـ المشكلة كبرت… الواد هرب منهم.

التفت الاتنين له بصدمة.

ـ يعني إيه هرب؟!

ـ العربية عملت حادثة بسيطة على الطريق… والولد جري وسط الزراعات.

شهق فارس: ـ يا نهار أسود!

خرج بسرعة من المخزن، بينما سالم وقف مكانه وعينه مليانة توتر لأول مرة.

وفي مكان بعيد وسط الأراضي الزراعية…

كان آدم يجري وهو بيعيط، هدومه متبهدلة وركبته بتنـزف بعد ما وقع أكتر من مرة.

صوت الكلاب البعيدة ورياح الليل كانوا مرعبين لطفل صغير زيه.

وفجأة…

شاف نور عربية جاية ناحيته.

وقف مرعوب، لكن العربية فرملت بسرعة، ونزل منها رجل خمسيني بملامح وقورة.

قرب منه بهدوء: ـ إنت لوحدك يا ابني؟

آدم هز راسه وهو بيبكي: ـ عايز ماما…

الرجل أخده بحنان للعربية: ـ خلاص… ماتخفش.

وفي نفس الوقت، كانت نرجس قاعدة على الأرض قدام الفندق منهارة بالكامل.روايات منال عباس

إيديها بترتعش وهي تضم قميص آدم الصغير لصدرها.

همست وسط دموعها: ـ يارب رجعهولي… ماليش غيره.

فارس وصل قدامها وهو نفسه مقطوع.

أول ما شافته قامت عليه بعنف تضربه في صدره: ـ إنتوا السبب! إنتوا دمرتوا حياتي كلها!

سابها تضربه وهو ساكت، وعينيه مليانة ندم.

ثم قال بصوت مكسور: ـ أقسم بالله هرجعهولك… حتى لو هدفع عمري.

وفجأة…

عربية سوداء فخمة وقفت قدام الفندق.

نزل منها الرجل الخمسيني، وآدم نزل يجري بأقصى سرعته: ـ مامااا!

صرخت نرجس وهي تضمه بقوة، تبكي بشكل هستيري وكأن روحها رجعتلها.

كانت تقبل وشه وإيده ورأسه وهي تردد: ـ حبيبي… إنت كويس؟!

آدم أشار للرجل: ـ الراجل دا أنقذني.

رفعت نرجس عينيها للرجل وهي تحاول تستوعب الموقف.

لكن الصدمة الحقيقية إنها عرفته فورًا.

كان “رؤوف المنشاوي”…روايات منال عباس

زوج ليلى المنشاوي السابق، وأحد أكبر رجال الأعمال في البلد كلها.

الرجل ابتسم بهدوء وقال: ـ واضح إننا محتاجين نتكلم يا مدام نرجس… لأن اللي بيحصل حواليكي أخطر بكتير مما تتخيلي.

وفي مكان آخر…

كان سالم جالس وحده في الظلام، يشرب بعصبية، حين دخل عليه الرجل الخطير الذي يتعامل معه.

قال الرجل بوجه جامد: ـ العملية فشلت… والفلوس اللي عليك قرب وقتها.

بلع سالم ريقه بتوتر: ـ اديني مهلة.

اقترب الرجل منه ببطء مرعب: ـ لو ما دفعتش… هتخسر أكتر من فلوسك المرة الجاية.
قعدت نرجس في بهو الفندق وهي ضامة آدم لصدرها، وعينيها لا تزال مليانة خوف.

أما رؤوف المنشاوي، فكان يجلس أمامها بهدوء غريب، ينظر لها وكأنه يعرف عنها أكثر مما تتخيل.

قال بصوت منخفض: ـ ابنك كان هيضيع الليلة لو رجالتي ما شافوش العربية وقت الحادثة.

تنهدت نرجس وهي تمسح دموعها: ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي.

هز رأسه بهدوء: ـ الشكر مش مهم دلوقتي… المهم تعرفي مين عايز يكسرك.

تجمدت ملامحها: ـ تقصد إخواتي؟

سكت لحظة ثم قال: ـ إخواتك مجرد بداية.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

اقترب آدم منها بخوف: ـ ماما… أنا تعبان.

أخذته بسرعة للأعلى، وبعدما نام أخيرًا، عادت لتجلس مع رؤوف في غرفة المكتب الخاصة بالفندق.

أخرج ملفًا سميكًا ووضعه أمامها.

ـ شوفي دا.

فتحت الملف بارتباك، ومع أول ورقة شحب وجهها.

كانت عقود بيع… عليها توقيع والدها.

همست بصدمة: ـ مستحيل… أبويا عمره ما باع الأرض دي.

رفع رؤوف عينيه إليها: ـ لأنه ماباعهاش.

اتسعت عيناها: ـ يعني العقود مزورة؟!

ـ أيوه… واتعملت قبل وفاة والدك بأيام.

جلست مكانها غير قادرة على الكلام.

بدأت قطع كثيرة تتجمع في رأسها.

إصرار سالم على أخذ توقيعها… سرعة تقسيم الميراث… خوفهم الدائم من ظهور أي أوراق قديمة…

قالت بصوت مرتجف: ـ يعني أبويا مات وهو متظلم؟!

رؤوف نظر لها بجدية: ـ والدك كان ناوي يكتب جزء كبير من أملاكه باسمك قبل وفاته… لكنه مات فجأة قبل ما يتم كل حاجة.

شهقت وهي تضع يدها على فمها.

أما في بيت سالم…

فكان الوضع يزداد سوءًا.

رجال الديون اقتحموا البيت بعنف، وزوجة سالم تصرخ بخوف بينما الأطفال يبكون.

أمسك أحد الرجال بسالم من جلابيته: ـ آخر مهلة خلصت.

صرخ سالم: ـ هجيب الفلوس!

الرجل دفعه بقوة: ـ منين؟! تجارتك وقعت… والبنك حجز على المخازن.

وقف حمدي في الزاوية يرتجف: ـ إحنا لازم نبيع البيت الكبير.

صرخ سالم بجنون: ـ البيت دا آخر حاجة فاضلة من اسمنا!

لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت.

كل شيء ينهار.

وفي الليل…

كان فارس واقف وحده أمام قبر والده.

الهواء البارد يحرك جلابيته، وصوته يخرج مكسورًا: ـ سامحني يا حاج… إحنا ظلمناها.

دموعه نزلت لأول مرة منذ سنوات.

وفجأة سمع صوت خطوات خلفه.روايات منال عباس

التفت بسرعة، ليتفاجأ بنرجس واقفة بعيد، ترتدي عباءة سوداء، وعيناها ثابتتان عليه.

اقتربت ببطء حتى وقفت أمام القبر.

قالت دون أن تنظر له: ـ كنت فاكرة إن وجعي الأكبر إنكم أكلتوا حقي… بس طلع وجعي الحقيقي إن أبويا نفسه مات مظلوم.

خفض فارس رأسه بعجز: ـ كنت جبان… خفت من سالم وسكت.

التفتت له بعين دامعة: ـ والسكوت ساعات بيبقى أقذر من الظلم نفسه.

كلماتها نزلت عليه كالسكاكين.

ثم مدت يدها بورقة نحوه.

أخذها بارتباك، وما إن قرأها حتى تجمد مكانه.

كانت بلاغًا رسميًا بفتح تحقيق في تزوير أوراق الميراث.

رفع عينيه لها بصدمة: ـ إنتِ هتبلغي عن إخواتك؟!

قالت بصوت هادئ لكنه حاسم: ـ أنا سكت كتير… دلوقتي الدور على الحقيقة تتكلم.

وفي نفس اللحظة…

كان سالم داخل مكتبه المظلم، يشرب بعصبية، حين رن هاتفه.

رد بعصبية: ـ عايز إيه؟!روايات منال عباس

جاءه صوت الرجل الخطير ببرود: ـ في خبر لازم تعرفه… أختك فتحت تحقيق رسمي.

سقط الكوب من يد سالم وتحطم على الأرض.

لكن الصدمة الأكبر جاءت بعدها مباشرة:

ـ ولو التحقيق بدأ… ممكن يوصّل لحقيقة موت أبوك.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *