حقى لا يضيع الرابع والاخير ل منال عباس

اتجمد الدم في عروق سالم.

قبض على التليفون بعنف وهو يهمس: ـ تقصد إيه بحقيقة موت أبويا؟!

جاءه صوت الرجل ببرود مخيف: ـ فاكر اللي حصل ليلة موته؟ ولا ضميرك دفنه من زمان؟

وقبل ما يرد، الخط اتقفل.

وقف سالم وسط المكتب وأنفاسه تتسارع بشكل مرعب. ذكريات الليلة المشؤومة بدأت ترجعله رغماً عنه…

ليلة كان الحاج عبد الرحيم واقف فيها غاضبًا، يلوح بعصاه في وجه أولاده.

ـ أنا عرفت كل حاجة! زورتوا أوراق وبعتوا أرض من ورايا؟!

حمدي وقتها انهار من الخوف، أما فارس فكان مصدومًا لأنه لأول مرة يكتشف اللي عمله أخواته.

لكن سالم… كان أعمى بالطمع.

صرخ وقتها: ـ كل دا تعبنا! وإنت هتديها للبنت؟!

رد الأب بغضب: ـ نرجس بنتي زيها زيكم! وليها حق يتاخد غصب عنكم لو لزم الأمر!

ثم أمسك صدره فجأة بتعب شديد.

اقترب فارس بفزع: ـ يابا!

لكن سالم أوقفه.

لحظة واحدة فقط… لحظة تردد قاتلة.

وقف يشاهد والده ينهار أمامه دون أن يطلب الإسعاف بسرعة.

ولما تحرك أخيرًا… كان الأوان فات.

عاد سالم للحاضر وهو يرتجف.

ـ لا… أنا ماقتلتوش… أنا بس…

لكن الجملة ماتت على لسانه.

في صباح اليوم التالي، البلد كلها اتقلبت بعد وصول لجنة التحقيق.

الناس تجمعت أمام البيت الكبير، والهمسات تملأ المكان.

ـ بيقولوا الأوراق مزورة. ـ وبيحققوا في موت الحاج عبد الرحيم كمان!

أما نرجس، فكانت واقفة بثبات أمام البيت الذي خرجت منه مكسورة يومًا ما.

لكنها اليوم لم تعد تلك المرأة الضعيفة.

كانت ترتدي ملابس سوداء بسيطة، وعيناها مليئتان بقوة السنين.

خرج سالم من البيت بوجه شاحب، وما إن وقعت عيناه عليها حتى شعر أنه يرى شبح ذنوبه كلها.

اقتربت منه بهدوء وقالت: ـ كنت فاكر إن الدنيا هتفضل واقفة جنبك؟ روايات منال عباس

خفض رأسه لأول مرة في حياته.

أما حمدي، فانهار باكيًا أمام الشرطة: ـ سالم هو اللي بدأ! أنا كنت خايف منه!

وفارس وقف بعيدًا، عيناه مليئتان بالخذلان من نفسه ومن إخوته.

وبعد أسابيع طويلة من التحقيقات…

ثبت تزوير العقود، وعادت معظم الأراضي والممتلكات إلى أصحابها الشرعيين.

أما سالم، فخسر كل شيء.

تجارته… أمواله… هيبته… وحتى البيت الكبير تم الحجز عليه.

وفي يوم خروجه الأخير من البيت، وقف يتأمل الجدران التي ظن يومًا أنها ستبقى ملكه للأبد.

لكن أكثر ما كسره… أنه رأى نرجس تدخل البيت من الباب الرئيسي، والناس تستقبلها باحترام وفخر.

مرت بجواره بهدوء.

رفع عينيه لها وقال بصوت محطم: ـ سامحيني.

نظرت له طويلًا، وفي عينيها ألف حكاية وجع.

ثم قالت: ـ أنا سامحت علشان أعيش… لكن اللي انكسر جوايا عمري ما هيرجع زي الأول.

تركته ومشت.

أما فارس، فاختار أن يبقى بجانبها، يساعدها في إعادة بناء تجارة والدهم كما كان يحلم دائمًا.

وحمدي رحل من البلد كلها بعدما عجز عن مواجهة الناس.

ومع مرور السنوات…

تحول اسم نرجس إلى واحدة من أهم سيدات الأعمال في المحافظة.

بنت مدارس ومستشفى خيري ومصانع شغلت مئات الأسر.

وكانت دائمًا تقول لكل امرأة مكسورة تقابلها: ـ الحق ممكن يتأخر… لكنه عمره ما يضيع طول ما صاحبه ما استسلمش.

وفي ليلة هادئة، وقفت نرجس في شرفة البيت الكبير، وآدم بجانبها بعدما أصبح شابًا يافعًا.

ابتسم لها وقال: ـ جدي أكيد فخور بيكي دلوقتي.

رفعت عينيها للسماء، ودمعة دافئة لمعت في عينيها.

ثم همست بابتسامة هادئة: ـ أخيرًا… رجعت البيت بحقّي.
تمت
فضلا متابعة ولايك ليصلك كل جديد من بيدج روايات منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *