بيت اهل جوزى حكايات امانى السيد ٢
قفلت باب الأوضة بالمفتاح، والكل بره في الصالون صوته بدأ يعلو. سمعت صوت جوزي إبراهيم وهو بيزعق وبيحاول يلطف الجو مع إخواته وسلايفي، وصوت نيرمين وهي بتقول بغل: “شايف يا إبراهيم؟ شايف مراتك بتكلم أولاد أكابر إزاي؟ دي طردتنا من بيت عيلتنا!”
كنت بلم هدومي في الشنطة بسرعة، إيد بتترعش من الزعل وإيد ثابتة بقوة الموقف. فجأة، لقيت مقبض الباب بيتحرك بعنف، وبعدها خبط رزع.. صوت إبراهيم كان جاي من ورا الباب مخنوق ومكتوم: “إيمان! افتحي الباب ده فوراً.. إيه الشنطة اللي بتلميها دي؟ أنتِ اتجننتي؟ عايزة تفضحيني قدام أهلي؟”
فتحت الباب ببطء، ووقفت في وسطه وشنطتي في إيدي. بصيتله من فوق لتحت.. كان وشه مخطوف، ميكس بين العصبية والكسوف من إخواته اللي سامعين كل حاجة. قلتله بنبرة واضحة: “الفضيحة مش إني ألم هدومي وأمشي كرامتي معايا يا إبراهيم.. الفضيحة هي وقفتك وسطهم وأنت بتهز راسك على كلامهم وتتفرج عليا وأنا بتهان.. وسع من طريقي.”
مسك إيدي بجفاء وقال: “مش هتخرجي من هنا بالمنظر ده.. اتهدي واقعدي ولما الناس تمشي نتفاهم، مش هسمحلك تكسري كلمتي قدام إخواتي.”
نترت إيدي من إيده بقوة وعيني في عينه: “كلمتك أنت اللي كسرتها لما مكنتش راجل في ضهري وسمحت لسلفك وسلفتك يقولوا على مراتك شغالة.. وسع يا إبراهيم.”
طلعت من الأوضة والشنطة في إيدي، الصالون كله كان واقف بيتفرج.. نيرمين لشرت شفايفها وبصت لسيلفتي التانية بنظرة شماتة، وحماتي كانت واقفة ومربعة إيدها وبتقول: “سيبيها يا إبراهيم تروح لأهلها.. تلاقيها هي اللي نيتها مكنتش صافية من الأول وجاية تعمل علينا حكاية عشان متبقاش معانا في البيت.”
مردتش على حد، ولا حتى بصيت ورايا. نزلت السلم ودموعي نزلت غصب عني، بس كانت دموع حرقة مش ندم. ركبت أول تاكسي وطلعت على بيت أبويا.
أول ما دخلت، أمي اتخضت من منظري والشنطة اللي في إيدي، وأبويا قام من مكانه مخضوض: “في إيه يا بنتي؟ إيه اللي جابك في وقت زي ده ومعاكي الشنطة دي؟ إبراهيم جراله حاجة؟”
رميت الشنطة من إيدي واترميت في حضن أبويا، وبكيت بكل قهر.. بكيت على الأيام اللي كنت بطلع فيها عيني في الخدمة عشان أرضيهم، وعلى ضهري اللي كان بيتكسر عشان أسمع في الآخر كلمة “شغالة”. حكيت لأبويا وأمي كل كلمة اتقالت ورا الحيطة، وكل حرف اتقال في الصالون، ورد فعل إبراهيم وسكوته وضحكته.
أبويا وشه اتغير تماماً، وعروق إيده برزت من كتر الغضب. خبط بإيده على التربيزة وقال بصوت يهز البيت: “بنتي أنا.. اللي مخلتهاش تحتاج حاجة، واللي كنت بشيلها من على الأرض شيل، يتقال عليها شغالة في بيت اللي صانته وصانت أهله؟ وجوزها قاعد يضحك؟”
أمي بدأت تهديني وهي بتقول بحرقة: “حقك علينا يا بنتي.. إحنا اللي علمناكي الأصول والشهامة وسط ناس متسواش.. والبيت اللي ميهزوش كرامة ست، ميبقاش بيت رجال.”
مفيش ساعة زمن، ولقينا الباب بيخبط بعنف.. كان إبراهيم، وجايب معاه عمي الكبير عشان يدخل واسطة خير ويهدي الموضوع قبل ما يتفضح وسط المنطقة.
دخل إبراهيم وعمي، وأول ما إبراهيم شاف أبويا، بدأ يتكلم بسرعة وبلسان حلو: “يا عمي، حصل خير.. دي نرفزة ستات، وإيمان كبرت الموضوع وزعلت من كلمتين هزار وسط الإخوات، وأنا جيت لحد هنا عشان خاطرها وخاطر قعدتنا.”
أبويا وقف بكل هيبة، وبص لإبراهيم بنظرة خلت إبراهيم يرجع خطوة لورا، وقال بصوت حاسم: “هزار إيه يا إبراهيم اللي يخلي كرامة مرتك في الأرض وأنت بتضحك؟”
إبراهيم اتلعثم للحظات، ووشه جاب ألوان قدام نظرات أبويا الحامية، وبص لعمي المستشار عشان يلحقه. عمي اتنحنح وقال بهدوء: “يا حاج، إحنا عارفين إن إيمان بنت أصول ومتربية، وإبراهيم برضه ابن ناس، والكلام في ساعة الغضب بيكبر.. إحنا جايين نصفي النفوس، والست العاقلة متهدش بيتها عشان كلمتين اتقالوا في قعدة عائلية.”
أبويا رفع إيده يوقف عمي عن الكلام، وبص لإبراهيم مباشرة وقال: “البيت اللي بيتهد يا أبويا، هو البيت اللي ملوش جدران تحميه.. وجدران الست هو جوزها. لما جوزها يبقى هو أول واحد يشرخ الجدران دي بضحكته وسكوته على إهانة مراته، يبقى البيت مهدود من زمان.. إيمان مش هترجع معاك يا إبراهيم.”
إبراهيم اتنرفز وصوته علي شوية: “يا عمي إيه مش هترجع دي؟ دي مراتي! وأنا جيت لحد هنا وقدرتكم، مكنش حتة قلم ولا إهانة يعني عشان الموضوع يوصل لخراب البيوت! دي كلمة نيرمين قالتها بهزار وسلفها ضحك عليها.. إيمان مكبرة الموضوع وعايزة تعمل راسها براس إخواتي وسلايفي!”
هنا أنا مقدرتش أسكت، وقفت وخرجت من ورا ضهر أبويا، وبصيت لإبراهيم وعينيا مفيهاش دموع، فيها نظرة شخص فاق تماماً: “نيرمين وإخواتك قالوا اللي في نيتهم من ناحيتي يا إبراهيم.. نيرمين شافتني الشغالة اللي بتريحها من وقفة المطبخ وتغسل مواعينها، وإخواتك شافوني الست اللي واخدة على الشقا وصحتها حديد.. لكن أنت؟ أنت كنت شايفني إيه؟ كنت مبسوط وأنت بتداري عيب إخواتك وكسل سلايفك بشقايا؟ كنت حاسس بالوجاهة وأنت مراتك طالع عينها جوه والكل بره بيمدح في خدمتها؟”
إبراهيم زعق: “أنا كنت شايفك ست أصيلة بتكرمي أهلي!”
رديت عليه بضحكة وجع: “الأصيلة بتتكرم في بيت أهل جوزها، مش بتتوصف بالخدامة الرسمية للبيت.. أنا لو كنت شغالة، كنت هاخد أجري، لكن أنا كنت بعمل كده بكرامتي وبحبي.. والنهارده الحب ده اتمحى والكرامة هي اللي باقية.”
عمي حب يتدخل تاني وقال: “طيب يا بنتي، إيه اللي يرضيكي ويرد كرامتك؟ إبراهيم يتأسف لك هنا ونقفل على الموضوع؟”
بصيت لعمي وقلت: “تأسف إبراهيم هنا في الصالون مش هيغسل الإهانة اللي حصلت وسط عيلته.. أنا ليا شروط عشان رجل بره البيت ده.”
إبراهيم ربع إيده وبصلي بنظرة تحدي: “وشروطك إيه بقى يا ست إيمان؟”
قلتله بثبات هز المكان: “أولاً، العزومات في بيت عيلتك أنا ماليش علاقة بيها تاني.. أدخل ضيفة، أقعد في الصالون زيي زي سلايفي، والطبق اللي آكل فيه هو بس اللي يتغسل، واللقمة اللي هتدخل المطبخ تعملها هي اللي هتتاكل. ثانياً.. نيرمين وإخواتك اللي ضحكوا واستهزأوا بيا، يعتذروا لي قدامك وقدام حماتي في نفس الصالون اللي اتهنت فيه.. وثالثاً وأهم من ده كله.. يتكتب لي مؤخر يضمن حقي، لأن اللي يفرط في كرامة مراته عشان ضحكة إخواته، سهل يفرط في أي حاجة تانية.”
إبراهيم وشه اسودّ من الصدمة، ووقف بغضب وعروق وشه بارزة: “أنتِ اتجننتي رسمي يا إيمان! عايزاني أكسر إخواتي وأخليهم يعتذروا لك؟ وعايزة تكتفيني بمؤخر؟ أعلى ما في خيلك اركبيه.. الشنطة اللي لمتيها دي مش هترجع البيت تاني إلا بشروطي أنا، والبيوت مليانة ستات تخدم وتصون!”
أبويا وقف وفتح الباب بكل هدوء وشاور لإبراهيم ولعمي بره وقال: “طريقتك خضرا يا ابن الناس.. الباب يفوت جمل، وبنتي في بيت أبوها معززة مكرمة، والستات اللي بتقول عليهم يملوا البيوت، روح دور عليهم.. بس بنت الأصول متلقهاش مرمية على الرصيف.”
خرج إبراهيم وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم وعمي بيحاول يهديه، وقفلنا الباب وراهم.
مرت الأيام.. أسبوع ورا أسبوع، وإبراهيم مبيصلش، ولا حد من أهله فكر يرفع سماعة التليفون. نيرمين كانت منزلة بوستات على صفحتها تلميحات وتريقة على “الناس اللي فاكرة نفسها حاجة وهما ميسووش”، وكلها تلقيح كلام عليا.
كنت قاعدة في أوضتي، قلبي واجعني بس عقلي مرتاح.. وفي يوم جمعة، وهو نفس اليوم اللي كانت العيلة كلها بتتلم فيه، تليفوني رن برقم غريب.. فتحت الخط، وجالي صوت مكنتش متوقعة أسمعه أبدًا.. صوت سيلفتي الصغيرة، بس صوتها كان مرعوب وبتعيط!
