لقمة الذل منال على
“سـكتي الـبت دي بـدل ما أسكتـها أنـا!”..
الصـرخة دي زلـزلت البـيت كـله مع خـبطة إيـد أمـي العنـيفة على طـرابيزة السـفرة. بـنتي “ليـلى” صـريخها زاد من الخـوف وهـي في حـضني، وأخـويا “كـريم” بـص لي بابتـسامة شماتة وقـال ببرود: “سمـعتِي مـامـا قـالت إيـه؟ يا تـدفعي الإيـجار الـلي عليـكي النهـاردة يا تـشوفي لكـي مكـان تـاني يلمـك أنـتِ وبنـتك.”
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا انكسرت للأبد. قمت من غير ولا كلمة، أخدت بنتي وشنطة غيارها، وخرجت في عز البرد والليل بدموعي وبس.. كنت فاكرة إن الخروج هو أصعب خطوة، لحد ما فات 6 شهور ولقيتهم هما اللي بيترجوني أرجع.بقلم منــال عــلي
عمري ما تخيلت إن حياتي تتهد في قعدة عشاء واحدة. بنتي “ليلى” كان عندها 8 شهور، وكانت “مأريفة” وتعبانة، سنانها كانت بتطلع والدنيا كلها كانت تقيلة عليها. كنت قاعدة على سفرة أمي، بحاول أهديها وأهزها براحة على كتفي، والبيت كان طول عمره عامل زي المعسكر.. أمي بتحب كل حاجة بالمللي وبالنظام.بقلم منــال عــلي
فجأة ليلى صوتها علي بالعيط. وقبل ما ألحق أقوم بيها عشان أسكتها، أمي رزعت إيدها على السفرة لدرجة إن الأطباق اتنططت من مكانها.
أمي: “اكتميها يا رشا! البيت ده مش حضانة، مش ناقصين وجع دماغ.”
كلمتها جرحتني أكتر من صوت الخبطة بكتير. أما “كريم” أخويا الصغير، فمرفعش عينه حتى من الموبايل، وسند ضهره لورا ببرود وقال: “والله يا ماما عندك حق، بقالك 3 شهور هنا يا رشا، ومصاريفك كترت.. والإيجار اللي اتفقنا عليه ميعاده النهاردة.”بقلم منــال عــلي
مرارة العودة
أنا رجعت لبيت أهلي بعد طلاقي بـ 3 شهور. طليقي أخد مني كل حاجة، الشقة والعفش والاستقرار اللي كنت فاكرة إني بنيته. وبعدها بشوية خسرت شغلي، ومكانش قدامي ملجأ غير البيت اللي كبرت فيه.بقلم منــال عــلي
كنت كل يوم بصبر نفسي وبقول “فترة وهتعدي”.. بس مكنش فيه أي حاجة في البيت ده تحسسني بالدفا.
أمي كانت بتنتقد كل تصرف بعملة، من أول لبس بنتي لحد القرش اللي بصرفه.
وكريم كان بيحسسني إني حمل تقيل وضيفة تقيلة في بيتي القديم.
في الليلة دي، صبري نفد وقررت آخد موقف.
قلت بصوت واطي ومبحوح: “أنا ماشية.” بقلم منــال عــلي
أمي ضحكت باستهزاء: “بلاش هبل، هتروحي فين في السقعة دي؟”
كريم هز كتافه وقال: “ورينا شطارتك، هتمشي تروحي فين بالظبط؟”
الحقيقة.. مكانش عندي أي فكرة هروح فين.بقلم منــال عــلي
بس كان عندي يقين إن القعدة هنا معناها إني بسمح لهم يذلوني ويهينوا بنتي كل يوم.
قمت، شلت شنطة ليلى، ومسكت شنطة إيدي، وسحبت الجاكت الخفيف اللي كان ورا الباب. إيدي كانت بتترعش بس رجلي كانت ثابتة.بقلم منــال عــلي
أمي قالت بلسان لاذع: “هترجعي.. بكرة تزنقي وتخبطي على الباب ده.”
وكريم ضحك وقال: “يومين بالكتير وهنلاقيكي هنا.”
خرجت لبرد الليل وليلى لسه بتعيط في حضني.
مكانتش عارفة السكة هتوديني لفين.. بس كنت متأكدة من حاجة واحدة:
إني مش هرجع البيت ده تاني أبداً.
يتبع..
أول ليلة قضيتها أنا وليلى كانت في العربية.
ركنت قدام سوبر ماركت شغال 24 ساعة، عشان نور المكان كان بيحسسني بالأمان شوية. ليلى كانت متغطية ببطاطين كتير في الكرسي بتاعها، وأخيراً نامت بعد ساعات من العياط المتواصل. فضلت قاعدة باصة لها وهي نايمة، وبسأل نفسي: إزاي حياتي وصلت للنقطة دي في غمضة عين؟
على الصبح، لقيت الموبايل عليه 12 مكالمة فائتة.
كلهم من أمي.
وكام مكالمة من كريم. بقلم منــال عــلي
ولا رسالة واحدة.. مجرد رن وبس.
عملت “بلوك” للرقمين.
بعدها سقت العربية لحد “كافتيريا” صغيرة على الطريق السريع، لأنها كانت أرخص مكان ممكن أقعد فيه شوية وأفكر. طلبت قهوة وعيش محمص وحاولت أبان طبيعية قدام الناس.
بس الحقيقة إني كنت مكسورة.
الويترس اللي كانت شغالة هناك، ست عندها حوالي 50 سنة اسمها “مدام نادية”، خدت بالها من ليلى ومن حالتي بسرعة.
مدام نادية: “شكلك قضيتي ليلة صعبة يا بنتي؟”
مش عارفة ليه، بس الحنية اللي في صوتها خلتني أنهار وأحكي لها كل حاجة.. الطلاق، خسارة الشغل، طردة أهلي، وإني ماليش مكان يلمني.
سمعتني للآخر من غير ما تقاطعني.
ولما خلصت، كتبت رقم على منديل وادتهوني.
نادية: “كلمي أختي ‘أبلة عفاف’.. عندها حضانة صغيرة وساعات بتساعد الأمهات اللي ظروفهم صعبة.”
بصيت للمنديل كأني ماسكة كنز وخايفة يطير.
بعد ساعة كلمتها.
أبلة عفاف ردت عليا علطول: “هاتي البنت وتعالي يا حبيبتي.. وهنتصرف.”
الكلمة دي لوحدها غيرت حياتي.
—
أبلة عفاف كانت ساكنة في بيت بسيط في حي هادي. استقبلت ليلى كأنها تعرفها من زمان. وفي خلال أسبوع، ساعدتني ألاقي “أوضة وصالة” ملحقين بجراج. الحيطان كانت محتاجة دهان، والحوض بيسرب، والمكان يا دوب يكفي سرير البيبي.
بس كان بيتنا.. مكاننا اللي محدش له جمايله علينا فيه.
لقيت شغل “بارت تايم” في الحسابات لشركة مقاولات صغيرة. أبلة عفاف كانت بتخلي ليلى عندها وأنا في الشغل، ورفضت تاخد مني مليم لحد ما أموري تستقر.
واحدة واحدة، بدأت حياتي تتبني من تاني.
فات 6 شهور.بقلم منــال عــلي
ليلى كبرت وبقت قوية، وبدأت تزحف في الصالة الصغيرة بتاعتنا كأنها ملكة المكان.
ولأول مرة من يوم طلاقي، حسيت إني بدأت أتنفس بجد.
لحد ما المكالمات بدأت ترجع تاني.
مش من رقم أمي.. أرقام غريبة ومجهولة.
في الأول كنت بطنش.
بس الرن كان مستمر.. الصبح، الظهر، وبالليل.
وفي ليلة، قررت أرد.
“رشا؟” صوت هامس وعارفاه كويس.
قلبي وقع في رجلي.
كانت أمي.بقلم منــال عــلي
قفلت السكة في وشها فوراً.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الموبايل كان هيقع مني. دقيقة والظبط ورن تاني.. رقم غريب تاني.. مردتش. على آخر الأسبوع كنت عاملة “بلوك” لأكتر من 15 رقم! اللي بيساعد أمي توصل لي مبيزهقش. بقلم منــال عــلي
لحد ما في يوم العصر، سمعت خبط على باب شقتي الصغيرة.
قلبي كان بيدق زي الطبل.. مفيش غير اتنين بس اللي بيجولي، يا “أبلة عفاف” يا صاحب البيت.
فتحت الباب.. واتسمرت مكاني.
“كريم” أخويا كان واقف قدامي.
بس مكانش كريم اللي أعرفه؛ الواثق في نفسه اللي بيتمسخر عليا. كان شعره منكوش، وعينيه حمراء، وصوته مخنوق وهو بيتكلم:
كريم: “رشا.. أرجوكي ما تقفليش الباب في وشي.”
ربعت إيدي وقلت بحدة: “عرفت طريقي منين؟”
مسح وشه بتعب وقال: “ماما عرفت مكان شغلك، وفضلت ورا أبلة عفاف في التليفونات لحد ما قالت لها ساكنة فين.”
الدم غلي في عروقي: “مالهاش حق تدور عليا!”
رد كريم بصوت واطي: “عارف.. بس.. ماما جالها جلطة.” بقلم منــال عــلي
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بوجع في صدري.
كريم كمل: “وقعت من أسبوعين.. الدكتور بيقول هتقوم منها بس محتاجة مساعدة، علاج طبيعي وحد يخلي باله منها في البيت.. أنا مش هقدر أشيل الشيلة دي لوحدي يا رشا.”
لأول مرة في حياتي، أشوف كريم خايف ومكسور كده.
بصيت ورايا في الصالة، ليلى كانت قاعدة بتلعب بالمكعبات البلاستيك.. بنتي.. هي السبب الوحيد اللي خلاني أمشي وأستحمل المرمطة.
قلت له بمنتهى الحسم: “أنا مش هسيب بيتي وأرجع أعيش هناك تاني.”
كريم هز راسه بسرعة: “مش طالب منك كده.. بس تعالي شوفيها.. أرجوكي.”
المواجهة الصامتة
أوضة المستشفى كانت هادية جداً لما دخلت.
أمي كان شكلها أصغر وأضعف بكتير من اللي فاكراه، هيبتها وجبروتها راحوا وحل مكانهم العجز. أول ما شافتني واقفة على الباب، عينيها اتملت دموع.
همست بصوت مجهد: “سامحيني يا رشا.. أنا آسفة.” بقلم منــال عــلي
الكلمة دي كان ممكن تغير كل حاجة لو قالتها من 6 شهور.. دلوقتي وقعها كان غريب ومعدتش تفرق كتير، بس ليلى فجأة مدت إيدها الصغيره ناحية أمي وهي بتضحك، كأنها متعرفش أي حاجة عن اللي حصل بينا.
في اللحظة دي، الجو المشحون هدي شوية.بقلم منــال عــلي
مارجعتش أعيش معاهم.
بدل كده، حطينا حدود واضحة. ساعدت في ترتيب جلسات العلاج الطبيعي وجبنا ممرضة مقيمة معاها. كريم شال مسؤولية أكبر بكتير مما كنت أتوقع.. وبالراحة، وبطريقة غريبة، بدأنا نبني علاقة “أصح” من اللي كانت موجودة زمان.
مش علاقة مثالية.. بس أحسن بكتير.
أوقات “البعد” مش بيكون نهاية الحكاية..
أحياناً بيكون هو الطريقة الوحيدة عشان تبدأ حكاية تانية أنضف وأجمل.
