مش كفاية تحكم منال على

رفعت نادية الموبايل على ودنها ببطء، وهي حاسة إن صوت ضربات قلبها عالي جوا دماغها.

— «ألو؟»

— «مساء الخير يا مدام نادية. مع حضرتك أستاذة سارة من مكتب عقارات. بنتصل بخصوص شقة خالتك الله يرحمها… كنا حابين نعرف إذا كنتِ ناوية تبيعي الشقة ولا هتسكني فيها؟»

نادية سكتت شوية. هي أصلًا لسه ماشافتش الشقة. لكن كلمة “شقتي” كانت بترن جواها بشكل غريب.

قالت بهدوء: — «عايزة أشوفها الأول.»

قفلت المكالمة، وساد الصمت في البيت.

حسام كان باصلها كأنها شخص غريب.

— «إنتِ أكيد بتهزري… صح؟ هتروحي فين يعني؟ عندك بيت وجوز وعيلة… وأمي.» بقلم منــال عـلـي

قاطعته نادية بهدوء: — «بيتك إنت… وعيلتك إنت… وأمك إنت. أنا طول عمري هنا مجرد ضيفة تقيلة.»

أمينة هانم قربت منها وهي رافعة دقنها بنفس النظرة المستفزة المعتادة.

— «واضح إنك نسيتي مين اللي فتحلك بيته. لولا حسام ولولانا كنتِ فين دلوقتي؟»

بصتلها نادية بثبات لأول مرة: — «يمكن من غيركم كنت عرفت أتنفس من زمان.»

سكتت لحظة… وبعدها قالت:

— «أنا ماشية بكرة.»

عدّت من جنبهم ناحية أوضة النوم، وسابت وراها ريحة الهوا السقعة اللي دخلت من باب الشقة… ومعاها إحساس جديد تمامًا: الحرية.بقلم منال علي

تاني يوم الصبح، القاهرة شكلها كان مختلف.

الشمس طالعة دافية، والهوا أخف، وكأن الدنيا كلها بتقولها “ابدئي من جديد.”

كانت واقفة قدام مبنى مكتب الأستاذ شريف المنياوي في وسط البلد. قلبها كان هادي لأول مرة من سنين.

الإجراءات خلصت بسرعة: كام ورقة، كام إمضا، وختم رسمي.

ابتسم المحامي وهو بيديها الملف.

— «مبروك يا مدام نادية. رسميًا الشقة اللي في الزمالك بقت ملك حضرتك.»

خرجت نادية الشارع وهي رافعة وشها للسما. لأول مرة حست إن الدنيا بتاعتها فعلًا متوفره على روايات واقتباسات

الشقة كانت في عمارة قديمة شيك، ببلكونات حديد وشبابيك خشب كبيرة. أول ما دخلت، ريحة الخشب القديم والذكريات ضړبتها في قلبها.

الريسبشن واسع، الباركيه بيصرّ تحت رجليها، والشمس داخلة بهدوء من الشبابيك الكبيرة.

المكان كان دافي بشكل غريب… كأنه مستنيها من سنين.

موقع أيام نيوز
وفجأة لمحت دبدوب صغير محطوط على الشباك.

وقفت مكانها.

كان نفس الدبدوب القديم بتاع طفولتها.

مدّت إيدها ولمسته، وحست بغصة خانقة في زورها. دموعها نزلت لوحدها… دموع هادية، مريحة، كأنها بتغسل كل الۏجع القديم.بقلم منال علي ه

قعدت تلات أيام كاملة بتنضف الشقة وترتبها. كانت بتشيل ورق الحيطان القديم، وتمسح التراب، وتفتح الشبابيك للهوا والشمس.

وفي دماغها فكرة واحدة بس:

“دي حياتي أنا.”

من غير خناق. من غير تحكم. من غير إحساس إنها غريبة في بيتها.

في اليوم التالت، موبايلها رن.

حسام.

ردت بعد تردد.

صوته كان مكسور ومتعب: — «نادية… ممكن نتكلم؟ أنا غلطت. وأنا وأمي آسفين. ارجعي البيت… من غيرك المكان فاضي.»

فضلت ساكتة شوية.

زمان كانت هتضعف أول ما تسمع نبرته بالشكل ده. لكن دلوقتي… قلبها كان هادي بشكل غريب. لا ڠضب، ولا شفقة.

قالت بهدوء: — «يا حسام… أنا مش زعلانة. أنا بس عايزة أعيش. أعيش بجد.»

فضل يتكلم عن العِشرة، وعن السنين، وعن المسامحة… لكنها بطلت تسمعه.

كانت الشمس داخلة من الشباك، والتراب الصغير بيرقص في الهوا، والحياة حوالين نادية بتتخلق من جديد.

بعد شهر…

كانت نادية قاعدة في مطبخها الجديد بتضحك مع منى وهما بيشربوا القهوة قبل الشغل.

وبالليل… بقت تنام من غير خوف.

أوقات كانت تسمع صوت حسام أو أمينة هانم في أحلامها، لكن الأصوات دي كانت بتضعف يوم بعد يوم… لحد ما بقت مجرد ذكرى بعيدة.

المكان اللي كان مليان خوف زمان… بقى مليان هدوء.

وفي الهدوء ده، نادية أخيرًا بقت صاحبة كل حاجة:

صاحبة بيتها. وصاحبة قرارها. وصاحبة عمرها.

شقتها بقت بتاعتها فعلًا.

وحياتها كمان.

أما كلمة “غريبة”… اختفت من حياتها للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *