صينية العشا منال عباس
الجزء الأول
كانت ليلة دخلتي اللي كنت مستنياها من سنين، ليلتي اللي حلمت بيها زي أي بنت… فستان أبيض، زينة، وزغاريط تملى المكان، وقلبي كان بيرعش من الفرحة والخوف في نفس الوقت.
دخلت بيت جوزي وأنا حاسة إني داخلة عالم جديد، كله غُربة بس مليان أمل. حماتي كانت واقفة في الصالة، باصة لي بنظرة ما قدرتش أفهمها، لا فرحة ولا ترحيب، كأنها بتقيسني من أول وجديد.
عدّت الساعات الأولى بهدوء نسبي، لحد ما جه وقت “العشا”، زي ما العادات بتقول. المفروض تتقدم صينية العروسة، أكل محترم يليق بالليلة دي… كباب وكفتة ومحاشي زي ما اتفقوا قبلها.
بس اللي حصل كان عكس كل توقعاتي.
لما دخلت الصينية، شمّيت ريحة غريبة، مش ريحة اللحمة اللي اتكلموا عنها طول النهار. بصّيت جواها لقيت صدمة عمري… فول وطعمية! أكل بسيط جدًا، كأنها متحطش
لليلة زي دي أي قيمة.
ساعتها بصيت لحمايا مستغربة، وهو نفسه كان باين عليه الصدمة، لكن ساكت.
وقبل ما أتكلم أو أفهم، سمعت صوت حماتي وهي بتقول ببرود: “اللي مش عاجبه يروح بيت أهله… إحنا مش بنبالغ في الليالي دي.”
الكلام وقع عليا زي الصاعقة. حسيت بالإهانة، مش بس في الأكل… لكن في الرسالة اللي ورا اللي حصل. كأنها بتقولي إن وجودي نفسه مش مرحب بيه.
وقبل ما أستوعب، لقيت نفسي وسط همسات، والجو اتقلب فجأة بدل الفرح إلى توتر غريب.
وفي لحظة ما كنتش متوقعة، قالت كلمة أخيرة قطعت قلبي: “خديها وارجعي بيت أبوكي… الليلة دي مش هتكمل كده.”
ساعتها الدنيا اسودت في عيني، وماعرفتش أرد… كل اللي كنت فاهماه إن في حاجة أكبر من مجرد “صينية عشا” اتعملت ضدي، وإن الليلة اللي حلمت بيها اتحولت لبداية صراع مش مفهوم لسه.
الجزء
الثاني
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أستوعب اللي حصل، صوت حماتي لسه بيرن في وداني، وكلمتها “ارجعي بيت أبوكي” كانت زي سكينة بتقطع جوايا.
بصيت لجوزي، مستنية منه كلمة، أي رد فعل يوقف اللي بيحصل… لكنه كان واقف بين الاتنين، ساكت، عينه بتتنقل بيني وبين أمه كأنه مش عارف يختار يقف في صف مين.
حسيت وقتها إني لو فضلت لحظة كمان هانهار.روايات منال عباس
فجأة لقيت واحدة من قرايبي بتهمسلي: “الصينية دي مش طبيعية… دي متبدلة.”
الكلمة شدتني. بصيت تاني جوا الصينية… فول وطعمية بس بشكل غريب، كأنها اتعملت بسرعة أو مش نفس الأكل اللي اتجهز من قبل.
قربت واحدة من الستات وقالت بصوت واطي: “الكباب والكفتة كانوا في المطبخ من شوية… فجأة اختفوا.”
ساعتها قلبي دق بسرعة. اختفوا؟ يعني إيه؟
لفيت ناحيت حماتي لقيتها واقفة بكل
هدوء، بس عينيها فيها حاجة غريبة… راحة زيادة عن اللزوم، كأنها كانت مستنية اللي حصل ده.
حسيت إن في لعبة بتتلعب، بس مش قادرة أفهم أطرافها.
دخلت المطبخ بسرعة، وفتحت الباب، ولقيت طبق كبير مستخبي في ركن بعيد… عليه بقايا الكباب والكفتة اللي كان المفروض يتقدموا في العشا.
اتجمدت مكاني.
يبقى اللي قدام الناس ده متبدل عمدًا.
رجعت تاني وأنا في نار مشتعلة جوايا، وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت: “مين اللي بدّل الصينية؟”
الكل سكت، لكن نظرة حماتي كانت كفيلة تجاوب من غير كلام… نظرة فيها تحدي وهدوء مخيف.
وفي اللحظة دي، جوزي أخيرًا اتكلم، بس جملته كانت أغرب من الصمت نفسه: “ممكن نعرف الحقيقة بعدين… الليلة مش وقتها.”
الكلمة وقعت عليا أقسى من أي إهانة.
وبدون ما أرد، حسيت إن في حاجة أكبر من مجرد خلاف… في سر متخطط
له من البداية، وأنا داخلة فيه من غير ما أعرف نهايته فين.
