قناع الامومه منال على الثانى

بعدها دخلت على تسريحة مريم، وفتحت علبة قطيفة قديمة تخص جدة مريم الله يرحمها. طلعت منها سلسلة دهب عيار 21 فيها دلاية “ما شاء الله”، دي كانت الحاجة الوحيدة الغالية اللي فاضلة لمريم من ريحة عيلتها المتوفية. بقلم منــال عــلي

أمي بكل برود حطت السلسلة والورق في شنطتها!

كنت ضاغط على الموبايل في إيدي كأني عايز أكسره من كتر الغضب والذهول.

​تاني يوم الصبح، روحت الشقة ومعايا اتنين أمناء شرطة من القسم عشان أمنع أي شوشرة أو خناق.

أمي فتحت الباب وهي متشيكة كأنها رايحة فرح: عقد اللولي في رقبتها، روج أحمر فاقع، ونظرة كبرياء وشماتة في عينيها.

​بصت لي وقالت ببرود:بقلم منــال عــلي

“أخيراً جيت؟ هات البت مراتي دي عشان تبوس على إيدي ورجلي وتطلب السماح.”

​من غير ما أنطق، مديت إيدي وسلمتها إنذار رسمي على يد محضر بالطرد وإخلاء الشقة، مع محضر بعدم التعرض لمريم أو يحيى نهائياً من اللحظة دي.

​أمي بصت للورق، وضحكت بصوت عالي فيه كمية غل وجبروت رهيب:بقلم منــال عــلي

” بقى بتبيع أمك اللي ربتك عشان حتة بت خايبة لا راحت ولا جت؟”

​بصيت في عينيها.. ومكنتش قادر أشوف فيها الست اللي كانت بتأكلني وتكبرني زمان.. كانت غريبة تماماً عني.

وقلت لها بمنتهى الهدوء والحسم:

“أنا ماببعش حد.. أنا بختار عيلتي وبيتي اللي بيتهد.”

​ملامح وشها اتغيرت فجأة، الغضب غطى على ملامحها، قربت مني ووشوشتني بصوت زي فحيح الأفاعي:بقلم منــال عــلي

“براحتك يا طارق.. بس افتكر كويس، الأم بتعرف أسرار وبلاوي عن ابنها، مراته عمرها ما لازم تعرفها.. وخلي بالك من خطوتك الجاية.”

​في اللحظة دي، عرفت إن المواجهة لسه مخلصتش.. وإن الوحش ده لسه محتفظ بأقذر ضربة ليه للآخر.

​أمي مغلبتش.. وبدأت حربها القذرة في المكان اللي عارفة إن تأثيره زي النار في الهشيم بالنسبة للناس والبيوت المصرية: “الفيسبوك”.

​من غير أي مقدمات، لقيتها منزلة صورة قديمة قوي ليا وأنا لسه عيل صغير عندي بتاع سبع سنين، لابس جلابية بيضاء وواقف في حضنها قدام مقام السيدة زينب، وكاتبة بوست طويل عريض بأسلوب يستدر عطف الحجر. بوست مليان لوم وندم ودموع مصطنعة، كاتبة فيه إن ابنها اللي طفحت الدم عشان تكبره وتعمل منه راجل وبشمهندس، طردها من بيته ورمى هدومها في الشارع عشان يرضي مراته الحرباية المسيطرة اللي ممشياه على عجين مايلخبطوش. بقلم منــال عــلي

​قالت في البوست إن مريم كسولة، وبتاعة مظاهر، وناكرة للجميل، وإنها كانت بتعاملها كأنها خدامة عندها. وزعمت إنها مكنتش بتعمل حاجة غير إنها بتساعدنا في شيل ابننا يحيى، وإنها كانت بتدبر لنا قرشنا، لكن أنا، بعد ما البت دي “عملت لي عمل” وعمت عيني، هُنت عليها وهنت شيبتها وطردتها في نصايب الليل.

​في خلال ساعات قليلة، البوست ده بقى تريند في وسط العيلة والمعارف. الكومنتات بدأت تنزل علينا زي السكاكين. تيتات العيلة، والعمات، والخالات، وحتى جيران زمان في شبرا اللي مأعرفش جابوا الأكاونت بتاعي منين، كلهم دخلوا يقطعوا في فروتي وفروة مراتي:بقلم منــال عــلي

“يا خسارة تربيتك يا كريمة.. ده زمن ملوش أمان.”

“بقى يبيع أمه عشان حتة عيلة لا راحت ولا جت؟ دي شكلها من أول يوم باين عليها إنها صفرا ومش وش نعمة.”

“اتقِ الله يا طارق.. الجنة تحت أقدام الأمهات، بكره ابنك يعمل فيك نفس اللي عملته في أمك.”

​مريم كانت لسه قاعدة في السويت بتاع الأوتيل، ماسكة الموبايل وإيديها بتترعش ودموعها نازلة مغرقة وشها وهي بتقرأ الكلام ده. كانت حاسة بظلم وقهر يهدوا جبال، خصوصاً وهي لسه في فترة النفاس وجسمها وهان ونفسيتها في الأرض.

​روحت عليها بالراحة، سحبت الموبايل من إيدها بحنان، وبست راسها وقلت لها بصوت مليان يقين:

“حقك عليا يا مريم.. المرة دي مفيش حد هيدافع عنك غيري. والمرة دي الحرب مش هتبقى بالشتيمة ولا بالكلام.. الحرب هتبقى بالحقيقة.”بقلم منــال عــلي

​أنا مكنتش هقعد أكتب بوستات طويلة وأرد على خالاتي وعماتي وأبرر. في الزمن ده، الناس مابتصدقش غير اللي بتشوفه بعينيها. عشان كده دخلت على صفحة أمي، وعملت منشن لكل شخص كتب كومنت سلبي، ونشرت فيديوهين اتنين بس من كاميرات المراقبة بتاعة بيتنا.بقلم منــال عــلي

​الفيديو الأول: كان بيعرض مريم وهي دايخة، بتسند على الحيطة وصدرها بيطلع وينزل من التعب، ومرة واحدة وقعت من طولها على الكنبة وفقدت الوعي تماماً، في نفس اللحظة اللي كان فيها يحيى بيصرخ بهستيريا في سريره الصغير لدرجة إن وشه كان أزرق. وعلى بعد خطوتين بس، كانت أمي قاعدة على السفرة، حاطة رجل على رجل، وبتاكل صباع محشي بكل برود وهدوء، حتى مكلفتش نفسها تبص على البنت المرمية ولا تهز سرير الواد!

​الفيديو الثاني: كان متصور الساعة تلاتة الفجر. الصالة ضلمة كحل، ومريم نايمة أخيراً من التعب. وفجأة تظهر أمي وهي بتتسحب زي الأشباح، دخلت أوضة البيبي، راحت على السرير الهزاز، وهزته بعنف وقسوة لدرجة إن الواد اتفزع وبدأ يصرخ بجنون، وبعدين سابته وخرجت بسرعة وراحت قفلت النور والباب وراها وهي مبتسمة بانتصار!بقلم منــال عــلي

​مكتبتش تحت الفيديوهات دي أي خطب عصماء ولا كلام درامي. كتبت جملة واحدة بس وجعت كل اللي قراها:

“دي المساعدة اللي أمي كانت بتساعدها لمراتي وهي والدة قيصري بقالها تلات أسابيع.. ودي الرحمة اللي كانت بتقدمها لابني الرضيع.”بقلم منــال عــلي

​الصمت اللي حل بعد البوست ده كان رهيب. كأن الشارع كله سكت مرة واحدة.

الناس اللي كانت بتدعي عليا وتتهمني بالعقوق مسحت كومنتاتها في ثواني. عمتي الكبيرة، اللي كانت كاتبة كلام يجرح، اتصلت بيا وهي بتعيط وتقول لي: “سامحني يا ابني.. أنا مكنتش أعرف إن كريمة يوصل بيها الجبروت للدرجة دي.. دي مبتتقيش ربنا في لحمها.”

وخالتي قاطعتها ومبقتش ترد على تليفوناتها. حتى أم محمد جارتها القديمة في شبرا، اللي كانت دايماً تدافع عنها، لما شافتها في الشارع تاني يوم لفت وشها الناحية التانية وقفت الباب في وشها. الحقيقة كانت واضحة وصادمة، ومكنش ينفع تتدارى بغربال المسكنة.بقلم منــال عــلي

​بس الحكاية مخلصتش هنا. كان لسه فيه موضوع “السلسلة الدهب” و”الورق”.

​أنا مكنتش هعدي سرقة شقا مراتي وورث جدتها الله يرحمها. روحت على طول لقسم الشرطة وعملت محضر رسمي بالسرقة، وقدمت التسجيل اللي مسجل فيه أمي بالصوت والصورة وهي بتسرق السلسلة الدهب وبتفتش في أدراجنا وبتاخد ورق وعقد الشقة وباسبورتاتنا.بقلم منــال عــلي

​لما أمناء الشرطة راحوا للعنوان اللي كانت قاعدة فيه مؤقتاً عند واحدة صاحبتها، أمي في الأول عملت فيها الشريفة المظلومة وصوتها علي وبدأت تصوت وتقول: “يا ناس يا عالم الحقوني.. ابني جايب لي البوليس عشان يتبلى عليا!”

ولما المحقق واجهها بالفيديو، وشافت نفسها وهي بتحط السلسلة في شنطة إيدها، وشها جاب ميت لون، وبدأت تتلعثم وتقول: “دي حاجتي.. دي حاجة العيلة وأنا كنت بحافظ عليها عشان مريم مهملة وممكن تضيعها.”

​لكن قدام القانون مفيش كلام من ده. لما لقت إن الموضوع فيه حبس وق*ضية سرقة واضحة وممكن تتبهدل في النيابة، طلعت السلسلة الدهب والورق من شنطتها وهي بتترعش ورمتهم على المكتب كأنهم جمر نار بيحرق إيدها، وبصت لي بنظرة غل وعينين حمرا وقالت: “بقى بتكلبش أمك يا طارق؟ ماشي.. حسابي معاك عسير.”بقلم منــال عــلي

​لما رجعت الأوتيل وسلمت مريم السلسلة والورق، مريم مسكت السلسلة وبكت بدموع تانية خالص. دموع راحة، دموع حسستها إن كرامتها رجعت لها وإن حقها وحق جدتها ماراحش هدر. السلسلة دي مكنتش مجرد جرامات دهب.. دي كانت أثر دافي من عيلة مريم اللي مابقاش ليها وجود، والوحيدة اللي كانت دايماً بتطبطب عليها وتفكرها بأيام الدفا قبل ما تدخل دوامة الصراع دي.بقلم منــال عــلي

​مرت الشهور.. والشهور دي كانت بمثابة عمر جديد لينا.

حياتنا والبيت بتاعنا اتغيروا تماماً بنسبة 180 درجة.

البيت مبقاش فيه ريحة الخوف والتوتر اللي كانت بتخنقنا أول ما نعتب الباب. ريحة الزجر والتعالي اختفت. وبقى البيت مليان روايح تانية تفتح النفس.. ريحة قهوة الصبح اللي بنشربها مع بعض وأنا بجهز عشان أنزل شغلي، ريحة بودرة الأطفال وتالكو يحيى وهو بيلعب على السجادة وبيضحك ضحكة صافية من قلبه، ريحة شوربة العصفور الدافية اللي مريم بتعملها بحب ومزاج رايق لما تحب تدلعنا، مش وهي واقفة مرعوبة تحت تهديد الأوامر والنظرات القاسية.

​يحيى بدأ ينام بانتظام، وبقيت أشوف الضحكة واللمعة في عيون مريم من تاني. الوش الباهت الخاطف رجع له نضارته وشبابه. وأنا نفسي اتعلمت درس عمري: اتعلمت إني أرجع بيتي بدري، اتعلمت إن الشغل والفلوس مش هما كل حاجة لو خسرت أمان مراتي وولدي، واتعلمت إني أسمع مراتي بقلبي وعقلي، ومخلطش أبداً بين “بر الوالدين” وبين السماح بخراب البيوت وظلم شريكة حياتي.

​أمي حاولت تتصل بيا كتير جداً.بقلم منــال عــلي

كانت بتبعت رسايل طويلة على الواتساب، وتبعت خطابات مع قرايبنا، وتسيب ريكوردات بصوت باكي متهدج وهي بتدعي بالمرض والتعب. بس الغريب في كل الرسايل دي والدموع دي، إنها عمرها ما قالت كلمة “آسفة” أو “سامحوني”. كانت دايماً بتدور حولين نفس النغمة: “أنا اللي ربيتك وتعبت فيك.. أنت عاق.. أنت مدين ليا بعمرك كله.”بقلم منــال عــلي

​في يوم من الأيام، وصلني ظرف مقفول ملوش اسم راوتر ولا عنوان مرسل. أول ما شوفت خط الإيد الرفيع المايل عرفت إنه منها.

وقفت قدام باسكت الزبالة في الصالة، ماسك الظرف في إيدي لكام ثانية.

الناس ممكن تفتكر إني كنت حاسس بغل أو رغبة في الانتقام، أو حتى بتأنيب ضمير وعقوق.

بس الحقيقة.. مكنتش حاسس بأي حاجة من دي.

كنت حاسس بحالة سلام داخلي ونقاء ملوش مثيل. حالة هدوء بتيجي لما تقفل باب عاصفة كانت هتهد حياتك كلها.

​قطعت الجواب نصين.. وبعدين أربعة.. ورميته في الباسكت من غير ما أفتحه ولا أقرأ سطر واحد فيه.

​في الليلة دي، وأنا بمر على أوضة يحيى وببص عليه وهو نايم في أمان، وبعدين دخلت أوضتنا ولقيت مريم نايمة في سلام، ويحيى الصغير نايم على صدرها بحنان ودفا، اتعلمت أصعب وأقوى درس في حياتي كلها:

​” صلة الدم مش مبرر أبداً للظلم والأذى. والأم اللي بتهد بيتك وتدمر شريكة حياتك وتأذي ابنك الرضيع، مفيهاش ذرة من غريزة الأمومة اللي ربنا خلقها، والست دي تستاهل منك المسافة والحدود، مش الطاعة العمياء.بقلم منــال عــلي “

​وعشان تحمي عيلتك الحقيقية اللي أنت مسئول عنها قدام ربنا، لازم تعترف بالحقيقة المرة وتتقبلها.. وهي إن الوحش مكانش عايش بره البيت.. الوحش كان قاعد معانا على نفس السفرة وبياكل من أكلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *