سر الوحمة بقلم منال عباس الثالث
الثالث
مرت الأيام التالية ببطء شديد.
كان الجميع ينتظر نتيجة التحليل.
حتى وإن لم يعرفوا السبب الحقيقي وراء توتر الجد.
أما ليان فكانت تشعر أن شيئًا كبيرًا يقترب منها.
شيء سيغير حياتها كلها.
لكنها لم تكن تعرف ما هو.
—
في إحدى الأمسيات…
كانت تسقي الزهور في الحديقة الخلفية.
حين اقترب منها كريم كعادته.
جلس فوق حافة النافورة وقال مبتسمًا:
ـ عندي سؤال.
ضحكت.
ـ وخايفة من السؤال ليه؟
ـ لأن إجابته مهمة.
رفعت حاجبها باستغراب.
ـ قول.
نظر إليها مباشرة.
ـ لو واحد حبك… تعرفي؟
تورد وجهها.
ـ معرفش.
ـ وأنا أعتقد إنك تعرفي.
ـ كريم…
ـ أنا بتكلم بجد.
لأول مرة بدا جادًا تمامًا.
لكن قبل أن تكمل الرد…
ظهر سليم فجأة.
ـ جدو بيدور عليكي يا ليان.
نهضت بسرعة.
ـ حاضر.
وتركت المكان.
نظر كريم إلى سليم بضيق.
ـ توقيتك دايمًا ممتاز.
ابتسم سليم بهدوء.
ـ وأنت دايمًا مستعجل.
—
في اليوم نفسه…
كانت ليان في طريقها إلى مكتبة القصر.
وفجأة سمعت صوتًا قادمًا من إحدى الغرف المغلقة.
اقتربت بحذر.
ثم دفعت الباب قليلًا.
لتجد الجد يتحدث مع المحامي.
ـ لو النتيجة طلعت إيجابية هنسجل كل أملاك جنى باسمها.
تجمدت ليان مكانها.
جنى؟
من هي جنى؟
تابعت الاستماع دون قصد.
ـ دي الوريثة الشرعية الوحيدة للعائلة.
شعرت بدوار مفاجئ.
لكنها لم تستطع سماع المزيد.
لأن الأرضية أصدرت صريرًا خفيفًا.
فالتفت الجد نحو الباب.
أسرعت ليان بالابتعاد قبل أن يراها أحد.
وقلبها يخفق بقوة.
—
في تلك الليلة…
عادت الذكريات تطاردها.
رأت في نومها امرأة تحتضنها.
ورجلًا يحملها على كتفيه.
ثم رجلًا آخر مخيفًا ينتزعها منهما بالقوة.
استيقظت فزعة.
والدموع تملأ عينيها.
ـ مين أنا؟
—
في صباح اليوم التالي…
وصل الدكتور سامح إلى القصر.
كانت سيارة سوداء تقف أمام البوابة.
وترجل منها حاملًا حقيبة صغيرة.
استقبله الجد بنفسه.
بينما كان فارس يراقب المشهد بصمت.
دخلوا جميعًا إلى المكتب.
وأغلق الباب.
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم فتح الباب أخيرًا.
خرج الدكتور أولًا.
أما الجد فكان واقفًا في الداخل.
وعيناه ممتلئتان بالدموع.
شعر فارس أن قلبه توقف.
ـ جدو؟
نظر إليه الرجل.
ثم قال بصوت متهدج:
ـ النتيجة طلعت.
اقترب فارس بسرعة.
ـ وإيه هي؟
رفع الجد الورقة المرتجفة.
وقال:
ـ ليان…
هي جنى.
حفيدتي.
بنت ابني.
وريثة العيلة كلها.
—
وفي اللحظة نفسها…
كانت ليان تمر أمام المكتب.
وسمعت الكلمات بوضوح.
توقفت مكانها.
شعرت وكأن العالم كله تجمد حولها.
حفيدة العائلة؟
وريثة القصر؟
هي؟
دفعت الباب ببطء.
والجميع التفت نحوها.
نظرت إلى الجد بعينين دامعتين.
ـ الكلام دا حقيقي؟
اقترب منها الرجل العجوز.
وكانت الدموع تنساب على وجهه.
ثم رفع يده المرتجفة ولمس وجهها.
ـ أخيرًا لقيتك يا جنى.
وانهار باكيًا.
فشعرت دموعها تنهمر هي الأخرى دون إرادة.
ورغم أنها لم تتذكر كل شيء…
إلا أن قلبها أخبرها أن هذا الرجل ليس غريبًا.
أبدًا.
—
وفي مكان بعيد…
كان الخاطف يجلس أمام هاتفه.
حين وصله اتصال قصير.
فتح الخط.
فجاءه صوت الرجل الذي يعمل داخل القصر.
ـ خلاص…
عرفوا الحقيقة.بقلم منال عباس
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تحولت ملامح الخاطف إلى غضب مرعب.
وأغلق الهاتف بعنف.
اتجه نحو خزانة قديمة.
وأخرج منها ملفًا مليئًا بالأسرار.
ثم نظر إلى صورة عائلة الدمنهوري.
وقال بصوت مخيف:
ـ لو جنى رجعت…
يبقى لازم كل العيلة تختفي.
مرة واحدة وإلى الأبد.بقلم منال عباس
ساد القصر جو من الفرح والصدمة في آن واحد.
الخدم يتحدثون همسًا في الممرات.
والمحامي يراجع الأوراق.
أما الجد عزيز فلم يفارق جنى لحظة واحدة.
كان ينظر إليها وكأنه يخشى أن تختفي من جديد.
—
جلست جنى في غرفة واسعة كانت يومًا غرفتها وهي طفلة.
كانت تتأمل الصور المعلقة على الجدران.
صور لعائلتها.
صور لأبيها وأمها اللذين رحلا منذ سنوات في حادث غامض بعد اختفائها.
وصور لها وهي طفلة صغيرة.
مررت أصابعها فوق إحدى الصور.
ثم همست:
ـ يعني كنت عايشة هنا فعلًا…
دخل الجد بهدوء.
وجلس بجوارها.
ـ المكان ده كان مملكتك الصغيرة.
نظرت إليه بعينين دامعتين.
ـ ليه كل ده حصل؟
تنهد الرجل طويلًا.
ـ لأن في ناس كان قلبها مليان حقد.
ثم بدأ يحكي لها.
—
قبل ثمانية عشر عامًا…
كان لعزيز الدمنهوري شريك قديم يدعى رافت.
رجل طماع حلم بالسيطرة على ثروة العائلة.
لكن جد جنى اكتشف خيانته وطرده من كل أعماله.
ومن يومها تحول الحقد إلى نار داخل قلبه.
وفي أحد الأيام…
اختفت جنى الصغيرة.
اختفت دون أثر.
ورغم سنوات البحث لم يعثروا عليها.
أما رافت فاختفى هو الآخر من المدينة.
لكن لم يملك أحد دليلًا ضده.
—
كانت جنى تستمع والدموع تنهمر من عينيها.
ـ يعني هو السبب؟
ـ نعم.
ـ ضيع عمري كله.
احتضنها الجد بقوة.
ـ المهم إنك رجعتي.
—
في الأيام التالية…
بدأت جنى تتأقلم مع حياتها الجديدة.
لكن الأمر لم يكن سهلًا.
فبالأمس كانت خادمة.
واليوم أصبحت الوريثة الوحيدة.
كثيرون احترموها.
لكن آخرين نظروا إليها بعين الحسد.
—
أما كريم…
فصار أكثر تعلقًا بها.
يحاول إسعادها في كل لحظة.
ويغرقها بالهدايا والورود.
وفي إحدى الأمسيات قال لها مباشرة:
ـ أنا بحبك يا جنى.
تجمدت في مكانها.
نظرت إليه بدهشة.
ـ كريم…
ـ من أول يوم شفتك فيه.
صمتت للحظات.
ثم قالت بلطف:
ـ أنت إنسان جميل… بس قلبي مش قادر يديك الإجابة اللي مستنيها.
انطفأت الابتسامة على وجهه.
لكنه ابتسم رغم ألمه.
ـ كنت عارف.
—
أما سليم…
فكان أكثر هدوءًا.
لكنه لم يستطع إخفاء مشاعره طويلًا.
وفي إحدى نزهاتهما داخل الحديقة قال لها:
ـ يمكن أكون اتأخرت…
بس أنا كمان بحبك.
نظرت إليه بحزن.
ـ سليم…
ابتسم بهدوء.
ـ متكمليش.
واضح إن قلبك اختار حد تاني.
خفضت رأسها.
ففهم كل شيء.
ورغم الألم ظل يحترم قرارها.
—
لكن الشخص الذي اختاره قلبها…
لم يكن كريم.
ولا سليم.
بل فارس.
الرجل الذي بالكاد كان ينظر إليها.
الرجل الذي كان دائم الهروب منها.
والأغرب أنها لم تعرف متى أحبته.
—
أما فارس…
فكان يعيش صراعًا قاسيًا.
كلما اقترب منها ازداد تعلقه بها.
وكلما شعر بذلك ابتعد أكثر.
حتى لا يجرح أحدًا.
خصوصًا كريم وسليم.
—
وفي إحدى الليالي…
كانت جنى تسير في الشرفة وحدها.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها.
التفتت.
فوجدت فارس.بقلم منال عباس
وقف أمامها للحظات طويلة.
ثم قال:
ـ لازم أبعد عنك.
تجمدت.
ـ ليه؟
نظر إليها بعينين امتلأتا بمشاعر أخفاها طويلًا.
ـ لأن وجودك بقى أخطر حاجة عليا.
شعرت أن قلبها بدأ يخفق بعنف.
ـ مش فاهمة.
اقترب خطوة.
ـ كل يوم بحاول أقنع نفسي إنك مجرد بنت عاشت هنا فترة.
وكل يوم بفشل.
حبست أنفاسها.
أما هو فأكمل بصوت منخفض:
ـ بحاول أقنع نفسي إني مش بحبك.
لكن الحقيقة إني وقعت من زمان.
ولأول مرة في حياته…
اعترف فارس بما في قلبه.
وفي اللحظة نفسها…
كان رجل يرتدي السواد يتسلل إلى القصر.
يحمل في يده مس*دسًا.
وعيناه مليئتان بالحقد.
لقد وصل رافت بنفسه.
وبدأت أخطر ليلة في حياة جنى وعائلتها.