إبوس إيدك يا عمو إنقذ أمي عشان

إبوس إيدك يا عمو إنقذ أمي عشان متموتش وتسيبني لوحدي!.. طفلة صغيرة عندها 6 سنين دخلت أكبر برج إداري في التجمع، ووقفت قدام ملياردير معروف بقسوته وسط حرسه وصدمته بالجملة دي.. مكنتش تعرف إن الكلمتين دول هيغيروا قدرهم هما الاتنين، وتكشف سر قديم ملوش حل!
صالة الاستقبال في برج أوميجا الإداري، اللي يعتبر قلب منطقة المال والأعمال في التجمع الخامس، كانت عاملة زي ساحة عرض للقوة والنفوذ. الساعة تمانية الصبح في يوم تلات، رجال أعمال ببدل غالية بيمشوا على الرخام الأبيض الفاخر بخطوات سريعة، التليفونات مابتنزلش من على ودانهم، وعينيهم باصة قدامهم ومبتشوفش أي حد غلبان. الجو كان ريحته قهوة غالية مستوردة وحركة سريعة مابتلتفتش وراها. وسط سيل البشر اللي بيجروا دول، كل حاجة وقفت فجأة. في نص الصالة، كانت واقفة طفلة عندها ست سنين، مابتتحركش من مكانها، ومثبتة شنطة مدرستها القديمة الباهتة على صدرها، وعينيها العسلي الواسعة باصة بذهول وخوف من الدوشة اللي حواليها.
هنا مكانتش مكملة متر في الطول، بس كان فيه حاجة في ثبات نظرتها

تخلي المكان كله يجبر على السكوت. أول ما رأفت الشناوي صاحب مجموعة الشركات الكبيرة اللي واخدة آخر عشر أدوار في البرج كله دخل من الأبواب الزجاجية الضخمة، اتنين من رجال الأمن بتوعه اتهزوا بسرعة ورايحين ناحية البنت عشان يبعدوها عن طريقه. بس قبل ما يقربوا منها، البنت خطت خطوة واحدة لقدام ورفعت صوتها بنبرة واضحة ومسموعة شرخت هدوء المكان وقالت بوس إيدك يا عمو إنقذ أمي عشان متموتش وتسيبني لوحدي.. مامي تعبانة قوي في المستشفى وأنا مش عاوزاها تضيع مني. رأفت وقف مكانه كأنه اضرب بالرصاص. رجال الأمن اتجمدوا في مكانهم، والصالة كلها كتمت نفسها ومحدش بقى بيتحرك.
رأفت الشناوي عنده اتنين وأربعين سنة، ثروته بتتقدر بمليارات الجنيهات، وسمعته في السوق إنه راجل ناشف ومبيترددش في أي قرار، وميعرفش الرحمة في الشغل. بس في اللحظة دي، قدام طفلة عندها ست سنين وعينيها مليانة رجاء وأمل، ملقاش كلمة واحدة يقولها. رأفت مكنش مولود وفي بقه معلقة دهب، ده بنى إمبراطوريته بدراعه وشقاه وذكائه؛ ولدلوقتي وهو في السن ده بيمضي عقود بمئات الملايين، طويل، وشعره فيه خصلات شايبة بتديله هيبة، ونظرته حادة ومحدش بيستحملها كتير. بس رغم كل الغنى ده، كان فيه أوضة واحدة في قصر الكبيرة اللي في الشروق بتفضل مقفولة دايماً؛ أوضة السفرة، لأنها كانت كبيرة قوي على راجل عايش لوحده بطوله ملوش ونيس ولا عيلة.
في الناحية الثانية من القاهرة، في شقة صغيرة في شبرا، كانت الأم سمر بتصحى قبل الشمس ما تطلع، عندها أربعة وتلاتين سنة، شعرها الأسود ملموم دايماً كحكة على السريع، والهالات السودا تحت عينيها مغطياها بابتسامة رضا حقيقية. سمر كانت قاعدة من الشغل بقالها تمن شهور بعد ما الدكاترة شخصوا حالتها بضعف حاد في عضلة القلب. هنا، بنتها، كانت مختلفة عن أي طفل رأفت قابله في حياته، ذكية ومدركة لأكبر من سنها بكتير؛ كانت عارفة إن أمها بتبلع الحبوب من وراها وهي بتعيط، وأخذت قرار من ورا الكل إنها تنزل تعمل حاجة. ركبت الأتوبيس الصبح مع جارتهم العجوزة بعد ما لفت على عنوان الشركة من مجلة قديمة، ودخلت البرج ده بقلب ميت ومترددتش.
رأفت رفع إيده بحركة حاسمة ورجّع الحرس لورا، ووطى على ركبته عشان يبقى في نفس مستوى طول البنت، ولأول مرة من سنين، مبقاش عارف يبدأ الكلام إزاي مع حد. سألها بصوت طالع حنين وغصب عنه أنتِ اسمك إيه يا شاطرة؟ قالت له بدموع أنا هنا.. ومامي اسمها سمر. رأفت في اللحظة دي لغى اجتماع الصبح المهم جداً اللي كان فيه صفقة وأوراق ب 40 مليون جنيه ومن غير ما يفكر في الخسارة، لدرجة إن كل المديرين بقوا يبصوا لبعض بذهول. بعد ساعتين، عربيتة الفخمة كانت واقفة قدام بيت قديم في شبرا.
الشقة كانت ضيقة وصغيرة جداً، بس أول ما رأفت دخل، حس بحاجة قصره الكبير في الشروق عمره ما حس بيها؛ ريحة أكل بيتي دافي، ورسومات طفولية مبهجة ملزوقة على الثلاجة بالصلصال. سمر استقبلته وهي واقفة على رجليها، كرامتها في السماء وعينها مليانة عزة نفس رغم إن وشها كان شاحب وأبيض زي الورقة من التعب؛ مطلبتش منه مليم، ومبكتش، وشكرته على زيارته بأدب وأصول خلت رأفت يتصدم من هيبتها ونبلها أكتر من أي كلام ممكن يتقال. الدكتورة الكبيرة اللي رأفت كلمها بالليل قالت له الحقيقة في التليفون سمر حالتها خطيرة،
لمحة نيوز

ومحتاجة رعاية ودكاترة قلب تقال، وأدوية مستوردة غالية جداً، وممكن تحتاج عملية دقيقة في الصمام؛ وتكلفة العلاج ده كله فوق طاقة أي عائلة بمراحل. رأفت فضل ساكت لفترة طويلة وهو باصص من شباك مكتبه والسيجارة في إيده، وبعدها أخد قرار فاجأ بيه نفسه قبل أي حد تاني، ورجع الشقة وبص لسمر وقال لها أنا عندي عرض ليكي يا مدام سمر.. وطالب منك تسمعيني للآخر قبل ما تقولي أيوة أو لأ.
يا ترى إيه هو العرض الصادم اللي رأفت الشناوي هيعرضه على سمر وهيقلب حياتهم هما التلاتة؟ وإيه السر اللي هيتكتشف في ماضي رأفت وله علاقة بمرض سمر وهز كيان الإمبراطورية كلها؟ الحكاية مش مجرد فاعل خير، دي ليلة هتحرك حكاية قديمة ميتة من سنين!

سمر بصت لرأفت باستغراب وهي ماسكة إيد هنا الصغيرة، وقالت بهدوء
عرض إيه يا رأفت بيه؟
رأفت سكت لحظة، وبص حوالين الشقة الصغيرة اللي رغم بساطتها كان فيها دفء عمره ما لقاه وسط رخام قصره وملايينه.
وقال تنتقلي أنتِ وهنا لبيت تابع ليا فترة العلاج، يكون فيه ممرضة قريبة منك ودكاترة يتابعوا حالتك… وأنا هتكفل بكل حاجة.
وش سمر اتغير فوراً.
رجعت خطوة وقالت أنا مقدرة مساعدتك، بس أنا مش ببيع كرامتي قصاد علاج.
الكلمة هزته.
كل الناس اللي قابلها في حياته كانت بتطلب منه حاجة.
فلوس.
سلطة.
مصلحة.
لكن الست اللي واقفة قدامه ومش قادرة تقف على رجليها من التعب رفضت ملايينه عشان كرامتها.
ابتسم لأول مرة من قلبه وقال أنا مش بشتري حاجة يا سمر… أنا برد دين.
استغربت دين؟ إحنا منعرفش بعض.
بص لهنا اللي كانت ماسكة لعبتها القديمة وقال يمكن ربنا بعت بنتك النهاردة عشان يفكرني بحاجة نسيتها.
بدأ علاج سمر.
ورأفت استخدم كل علاقاته عشان يوصل لأفضل الأطباء.
لكن مع مرور الأيام حصل شيء محدش كان عامله حساب.
القصر البارد بدأ يتغير.
أوضة السفرة اللي كانت مقفولة سنين اتفتحت.
ضحكة هنا بقت مالية المكان.
ورسوماتها اتعلقت على تلاجة قصر بالملايين زي ما كانت متعلقة في شقة شبرا الصغيرة.
أما رأفت…
فالراجل اللي كان بيخوف مئات الموظفين بقى يقعد على الأرض يصلح لعبة طفلة صغيرة.
وفي يوم، وهو بيوصل سمر للمستشفى، الدكتور القديم اللي كان ماسك ملف حالتها أول ما شاف رأفت اتجمد.
وقال حضرتك رأفت الشناوي؟
رد باستغراب أيوة.
الدكتور سكت، وبعدها قال غريبة قوي الدنيا.
رأفت حس إن فيه حاجة غلط.
تقصد إيه؟
الدكتور طلع ملف قديم وقال من أكتر من سبع سنين، في حادث حصل على طريق العين السخنة… كان فيه شاب اتصاب وكان محتاج نقل دم نادر بسرعة.
رأفت اتجمد.
كان فاكر اليوم ده كويس.
اليوم اللي كان هيموت فيه.
قال الدكتور الشخص اللي أنقذ حياتك وقتها واتبرع لك بالدم… كانت هي.
وشاور على سمر.
رأفت بص لها بصدمة.
سمر نفسها كانت ناسية الموقف.
قالت أنا كنت راجعة من الشغل وشوفت الحادث… عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله.
رأفت ضحك بحزن وقال لأ يا سمر… مش أي حد.
وقتها فهم.
هو مكنش بينقذها.
هو كان بيرد حياة هي ادتهاله زمان.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت بعدها بأيام.
محامي رأفت اكتشف إن مرض سمر اتأخر علاجه بسبب شركة تأمين رفضت أوراقها وضيعت ملفها عمداً عشان المصاريف.
ولما رأفت فتح التحقيق، اكتشف إن مدير الشركة هو نفس الشخص اللي كان بيحاول يدخل معاه شراكة كبيرة.
في الاجتماع الكبير، دخل رأفت ورمى الملف على الترابيزة وقال
الفلوس اللي بتعمل أصحابها بلا رحمة ملهاش قيمة.
والصفقة اللي كانت بملايين اتلغت في نفس اللحظة.
والشركة اتحاسبت على كل الحالات اللي ظلمتها.
مرت شهور.
عملية سمر نجحت.
واليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، هنا جريت على رأفت وحضنته وقالت
أنا قلت لك تنقذ ماما… بس أنت كمان بقيت تضحك.
الكلمة وجعته وفرحته في نفس الوقت.
لأن طفلة عندها ست سنين فهمت اللي محدش فهمه.
إنه كان عايش… بس من غير حياة.
بعد سنة كاملة، وقف رأفت في نفس صالة برج أوميجا.
نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
لكن المرة دي مكنش داخل وسط حراس وخوف.
كان ماسك إيد هنا، وسمر واقفة جنبه بصحتها وضحكتها راجعة.
سأله أحد الصحفيين
إيه أكبر مشروع عملته في حياتك يا رأفت بيه؟ البرج؟ الشركات؟
بص لسمر وهنا وابتسم.
وقال
لأ… أكبر حاجة عملتها إني اتعلمت أبقى إنسان من جديد.
ومن يومها، محدش افتكر رأفت الشناوي بس كرجل أعمال قوي.
افتكروه كراجل أنقذ أم…
وطفلة صغيرة أنقذته هو من الوحدة.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *