التابوت بيتهز والميت جو

.التابوت بيتهز والميت جواه بيتنفس، والكل واقف مرعوب مش عارف دي معجزة ولا بداية لكابوس أسود! كنت واقف بودع مراتي الغالية وهي في الكفن، وفجأة لمحت بطنها بتحرك، في الأول قولت لنفسي ده من كتر الحزن والوهم، بس بطنها اتهزت تاني، وفي لحظة، وقدام أكتر من مية واحد من المعزيين اللي اتسمروا في مكانهم من الرعب، مراتي اللي الدكاترة قالوا إنها ماتت فتحت عينيها وهمست بكلمات قلبت العزاء لقضية جنائية مرعبة، أنا اسمي طارق، واللي هحكيه ده حصل هنا في القاهرة، من تلات أيام بس، الدكاترة بلغوني إن نيرمين حب عمري وأم ابننا اللي لسه ما جاش الدنيا خلاص راحت، ومن ساعتها والكل بيقولي نفس الكلمة البايخة شد حيلك، شد حيلك وأنا بقع في طرقة المستشفى، شد حيلك وأنا بوقع ورق الدفن وإيدي بتترعش، وخصوصاً لما جوز أمها رأفت بيه الراجل الغني صاحب النفوذ، مسك كل ترتيبات الجنازة والعزاء كأنه بيملك الوجع نفسه، رأفت بيه ده بيعشق السيطرة والمنظرة، وكان دايماً

يقولي الكبار هما اللي يتصرفوا، ودلوقتي أنا واقف جنب خشبة الكفن في صوان العزاء المليان على آخره، أكتر من مية شخص متجمعين، أهل وصحاب ورجال أعمال وسياسيين من معارف رأفت بيه، ريحة البخور والمسك مغرقة المكان، وصوت القرآن شغال في الخلفية بخشوع، وفي وسط كل ده كانت مراتي نيرمين نايمة، لابسة عباية سودا حرير عمري ما وافقت عليها، ومكياج وشها كان غريب ومش طبيعي، مفيش حاجة هنا تشبه نيرمين، فضلت باصص لوشها الهادي، وبعدين نزلت عيني على بطنها المرفوعة، ابننا اللي جوة، أو ده اللي الكل كان فاكره، إيدي اترعشت وقربت منها وهمست يا رب، ارحمنا برحمتك، خليني أشوفك لآخر مرة، وقبل ما كمل كلمتي، القماش اللي على بطنها اتهز مش هزة خفيفة، لأ، دي حركة واضحة ومقصودة، أنا اتجمدت ونفسي انقطع، وفجأة الحركة تكررت تاني بشكل أوضح تحت العباية، رجعت لورا وأنا مذهول وزعقت أنتم شايفين اللي أنا شايفه؟، الصوان كله سكت في ثانية، وكل العيون اتوجهت للكفن، رأفت بيه بربش وبان عليه التوتر وقال بزعيق جرى إيه يا طارق؟ اهدى وادعيلها، بس رد فعله كان غريب، ما كانش متفاجئ ولا مفركش، كان مرعوب، أم نيرمين صرخت، وواحد من المعزيين زعق اطلبوا الإسعاف بسرعة، الهرج والمرج ملا المكان، ناس بتقدم وناس بترجع لورا، ورأفت بيه قرب من الكفن بسرعة غريبة كأنه عايز يسيطر على الموقف قبل ما حد يتحرك، وفي اللحظة دي في حاجة نورت في دماغي، غلطة وتناقض واضح في التقارير الطبية بتاعة نيرمين محدش خد باله منه، لأن رأفت بيه نسي حاجة مهمة جداً، أنا مش مجرد جوز نيرمين، أنا طبيب شرعي وضابط تحقيق، وشغلتي كلها قايمة على كشف الكدب والتناقضات ورا الحكايات المترتبة، والأرقام في ملف نيرمين ما كانتش مظبوطة، لا تحليل الدم ولا توقيت الوفاة ولا السبب، بقالي أيام حاسس إن في ملعوب، ودلوقتي الإحساس ده رجع وبقوة، وخلال دقائق، رجال الإسعاف والطوارئ دخلوا الصوان، والناس وسعت والتوتر وصل لأعلاه، المسعف قرب ورفع القماش من على بطنها، والكل حابس أنفاسه ومستني، وهنا حصلت المعجزة، البيبي اتهز تاني حركة قوية مستحيل حد ينكرها، المسعف حط إيده على رقبتها بسرعة، وفجأة، نيرمين خدت نفس طويل وصوت شهقتها هز الصوان كله، الناس صرخت وفي ستات أغمى عليهم من الصدمة، ورأفت بيه رجع لورا وشه بقى أبيض زي القماش، جريت عليها ومسكت إيدها وجسمي كله بيتفض، وللإعجاز، ضغطت على إيدي بضعف بس الحركة كانت حقيقية، دموعي نزلت وصرخت نيرمين، وواحدة واحدة فتحت عينيها وبصتلي وهي مرعوبة ومش فاهمة حاجة، وقالت بصوت ضعيف طارق، الصوت ده زلزل كياني، قولت لها أنا هنا، أنا جنبك يا حبيبتي، عينها لفت في المكان ووقعت على رأفت بيه، والرعب ظهر في ملامحها في ثانية، كل اللي واقفين سكتوا ومستنيين الكلمة، فنطقت نيرمين بهمس خلا الدم يتجمد في عروقي دول كانوا عايزين يموتونا.
يا ترى إيه السر المرعب اللي نيرمين هتكشفه؟ ومين اللي خطط ودفنها وهي صاحية؟ الحكاية مش مجرد معجزة، دي بداية لغز أسود
لمحة نيوز

وهيقلب عائلات كبيرة رأساً على عقب، استعدوا للمفاجآت اللي جاية لأنها فوق الخيال.
الصوان كله سكت.
حتى صوت القرآن في الخلفية بقى كأنه بعيد جداً.
كل العيون اتثبتت على نيرمين وهي راقدة على السرير المتحرك اللي جابه المسعفين.
أنا كنت ماسك إيدها ومش مصدق إنها عايشة.
لكن الجملة اللي قالتها خلت كل حاجة تانية تختفي من دماغي
دول كانوا عايزين يموتونا.
بلعت ريقي وسألتها بسرعة
مين يا نيرمين؟ مين اللي كان عايز يموتك؟
عينيها اتحركت ناحية رأفت بيه.
في اللحظة دي بالذات، شفت حاجة عمري ما شوفتها قبل كده.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
الراجل اللي طول عمره متحكم في كل حاجة كان واقف متجمد.
ونيرمين قالت بصوت متقطع
هو… هو يعرف…
قبل ما تكمل فقدت وعيها من جديد.
نقلناها فوراً للمستشفى تحت حراسة أمنية.
وأنا بصفتي ضابط تحقيق وطبيب شرعي طلبت تجميد كل أوراق الوفاة فوراً.
بعد ساعات بدأت أراجع الملف الطبي من أول وجديد.
وكل ما قرأت أكتر اكتشفت مصايب أكتر.
تحاليل متبدلة.
أوراق ناقصة.
توقيعات مزورة.
وأدوية اتكتبت باسم نيرمين لكنها عمرها ما أخدتها.
الموضوع كان أكبر من مجرد خطأ طبي.
كان فيه حد بيتعمد يدفن الحقيقة.
بدأت التحقيق الرسمي.
وأول شخص استدعيتُه كان الطبيب المعالج.
في البداية أنكر كل شيء.
لكن لما واجهته بالأدلة انهار.
وقال
أنا ما كنتش أقصد تموت… والله ما كنتش أقصد.
سألته
مين اللي دفعلك؟
سكت.
ثم قال اسم هز الدنيا كلها
رأفت بيه.
لكن القصة ما كانتش بالبساطة دي.
لما فتشنا مكتب رأفت بيه لقينا ملفات سرية ومستندات مخفية.
واكتشفنا السر اللي خلى نيرمين لازم تختفي.
قبل سنة كاملة كانت نيرمين شريكة قانونية في شركة استثمارات ضخمة ورثتها عن والدها الحقيقي.
شركة بمئات الملايين.
لكن رأفت بيه كان بيدير كل حاجة نيابة عنها.
ومع الوقت بدأ يسرق الأموال ويحركها لحسابات سرية.
المشكلة إن نيرمين اكتشفت كل شيء.
وكانت ناوية تبلغ الجهات المختصة.
بل وكانت جمعت أدلة كافية لإدانته.
ولما عرف إنها حامل بابنها الأول، خاف أكتر.
لأن الطفل كان هيبقى الوريث الشرعي لكل شيء.
وساعتها هتنكشف كل جرائمه.
خطة رأفت كانت شيطانية.
استغل حملها.
واتفق مع طبيب فاسد يعطيها دواء يسبب حالة نادرة جداً تشبه الوفاة.
نبض شبه معدوم.
تنفس بطيء للغاية.
وجسم يبدو كأنه ميت تماماً.
وكان الهدف إن تُدفن قبل ما تستعيد وعيها.
ثم يتم تسجيل الوفاة بشكل طبيعي.
وتنتقل السيطرة الكاملة على الأموال إليه.
للأبد.
لكن اللي ما حسبوش…
إني كنت طبيب شرعي.
وإني كنت بحب نيرمين لدرجة حفظت كل تفصيلة فيها.
عشان كده شكي ما راحش.
وعشان كده لاحظت التناقضات.
وعشان كده ربنا كتب إنها ترجع للحياة قبل تنفيذ الجريمة بالكامل.
بعد أيام بدأت نيرمين تستعيد صحتها.
وأول ما بقت قادرة على الكلام سجلنا شهادتها كاملة.
أكدت كل حاجة.
وحكت إزاي سمعت رأفت والطبيب بيتكلموا قبل ما تفقد الوعي.
وحكت إزاي كانت واعية جزئياً وهي متغطية بالكفن.
كانت سامعة الأصوات حواليها.
لكن جسمها ما كانش قادر يتحرك.
مجرد التفكير في الرعب اللي عاشته كان كفيل يخليني ما أنامش ليالي.
القضية انفجرت في الإعلام.
الصحف اتكلمت.
والقنوات نقلت التفاصيل لحظة بلحظة.
وتم القبض على رأفت بيه والطبيب وثلاثة موظفين شاركوا في تزوير الأوراق.
وخلال المحاكمة ظهرت أدلة جديدة.
حسابات سرية.
رشاوى.
تزوير عقود.
واختلاسات بالملايين.
وفي النهاية صدر الحكم.
السجن المؤبد لرأفت بيه.
وأحكام طويلة لباقي المتورطين.
وانتهى نفوذ الرجل الذي كان يظن أنه فوق القانون.
بعد ستة أشهر.
دخلت غرفة الولادة وأنا أرتجف أكتر مما ارتجفت يوم العزاء.
لكن المرة دي من الفرح.
وصوت بكاء طفل صغير ملأ المكان.
الممرضة خرجت وهي مبتسمة.
وقالت
مبروك يا دكتور… جالك ولد.
دخلت الغرفة.
لقيت نيرمين حاضنة ابننا.
وعيونها مليانة دموع.
لكن دموع سعادة.
قعدت جنبها.
ومسكت إيدها.
وقلنا من غير اتفاق
الحمد لله.
بعد سنوات.
كبر ابننا.
وكان كل ما يسألنا
إزاي اتقابلتوا؟
نبص لبعض ونضحك.
لكن لما كبر شوية حكينا له الحقيقة.
حكينا له إن أمه رجعت من على حافة الموت.
وإن العدالة انتصرت.
وإن الحقيقة مهما اتدفنت…
لازم في يوم ترجع للنور.
وفي ذكرى الحادث كل سنة، كنا نزور نفس المسجد اللي كان فيه العزاء.
نقف دقيقة صمت.
ثم نمشي.
مش علشان نفتكر الرعب.
لكن علشان نفتكر المعجزة اللي أنقذت أسرتنا.
وفي كل مرة كانت نيرمين تمسك إيدي وتبتسم.
وأعرف ساعتها إن النهاية السعيدة أحياناً بتبدأ من أحلك لحظة ممكن يتخيلها الإنسان.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *