حجر الشيطان الثالث
توقفت السيارة تحت تلك البناية والتى توجد بها شقة فتون..لتترجل فتون من السيارة يتبعها ياسين الذى اتجه إلى حقيبة السيارة يأخذ منها حقيبة فتون الوحيدة والتى جاءت بها إلى بيروت..كانت فتون تتابعه بعينيها تتساءل فى حيرة وقلق عن سر حالته الغريبة تلك؟..أتراه عرف أنها أخت ميسون وأنها ما جاءت إليه إلا إنتقاما منه؟..ولذلك يعاملها بكل هذا الجفاء والبرود؟أم أنه فقط مشغول البال بتلك الصفقة الجديدة..لتنفض الاحتمال الأخير ..فياسين الذى تعرفه ..لا تهمه تلك الصفقات ولا توتره فلديه قدرة عملية كبيرة على إدارة كل شئ وقد لاحظت ذلك بنفسها وربما كان هذا هو السبب فى أن مروان شريك ياسين يدع كل شئ فى الشركة تحت قيادة ياسين وهو مطمئن..بالإضافة إلى أن ياسين كان على مايرام تماما قبل أن تنام هي فى الطائرة..ترى ما الذى حدث؟تنهدت وهي تشعر بالإرهاق..عليها أن تدع التفكير فى تلك الحالة التى عليها ياسين للغد ..فقد كان اليوم مرهقا بما فيه الكفاية.
اقترب منها ياسين لتمد يدها إليه تحاول ان تأخذ حقيبتها منه ليتجاهلها تماما وهو يسبقها إلى مدخل البناية لتهز كتفيها مجددا وهي تتبعه..حتى وصلا للمصعد ليدلفاه سويا وتضغط فتون زر الطابق الثالث بهدوء..وصلا إلى شقتها..ليقف ياسين أمام الباب فتمد فتون يدها إليه وهنا منحها حقيبتها وابتعد مغادرا دون كلمة ليتوقف عندما نادته فتون بإسمه قائلة:
ياسين.
إلتفت إليها ببطئ حتى استقرت نظراته عليها لتقول بهدوء:
ادخل إشرب حاجة قبل ما تمشى.
هز رأسه نفيا وهو يقول:
للأسف مش هينفع الوقت متأخر..وأنا مضطر أمشى.
اومأت برأسها ليلتفت مغادرا تتابعه عيناها قبل أن تفتح الشقة وتدلف إليها.
كاد ياسين أن يدلف إلى السيارة مجددا ليقودها متجها إلى فندقه ليرى فجأة فى المقعد المجاور له حقيبة يد فتون والتى يبدو انها نسيتها ..ليزفر فى ضيق وهو يأخذها مغلقا السيارة مرة اخرى ومتجها إلى شقتها..دق جرس الباب فلم يجيبه أحد..ليعقد حاجبيه فى حيرة يتساءل..هل نامت بتلك السرعة؟كاد أن يغادر ولكنه توقف فى مكانه لدى سماعه لأنين مكتوم..ليعقد حاجبيه وهو يقترب من الباب بأذنه يحاول التأكد مما سمعه..ليتكرر الصوت مجددا فتتسع عين ياسين بصدمة وهو يدرك أن فتون فى خطر..ليضرب الباب بكتفه بقوة فلم يستجب له فى المرة الأولى ولكنه استطاع كسره فى المرة الثانية ليتوقف فى جمود وهو يرى ذلك المشهد أمامه..يرى ذلك الرجل المقنع والذى يحيط فتون بيد يكتم بيها فاهها بينما باليد الأخرى يحمل سكينا مسلطا على عنقها..وعيناه تحملان فى تلك اللحظة وهما تواجهان عينا ياسين….. كل الشر.
********************
دلفت سوزى بطلتها الساحرة و المعهودة..تبدو فاتنة واثقة من نفسها لمن لا يعرفها..ولكن مروان يعرفها حق المعرفة..يدرك أنها تخفى حية سامة خلف مظهر خلاب..يشعر بكل ذرة فى كيانه.. نافرة مشمئزة من تلك المرأة ولكنه أخفى مقته خلف مظهر هادئ وهو يقف مستقبلا إياها بطلته الساحرة لتتأمله سوزى بعيون راغبة..تتطاير شراراتها لتصل إليه بوضوح..ولكنه تجاهل تلك النظرات وهو يراها تمد يدها إليه ليمد إليها يده بدوره يسلم عليها لتضغط على يده وهى تقترب منه قائلة بدلال:
وحشتنى يامروان..يعنى لو مسألتش عليك..متسألش علية؟
ترك مروان يدها وابتعد يتجه لمقعده خلف المكتب قائلا:
إزاي تقولى كدة بس؟..طب ده أنا لسة كنت بفكر فيكى.
قالت فى لهفة:
بجد يامروان؟بتفكر فية إزاي؟
ابتسم فى سخرية وهو يجلس على مقعده قائلا:
طب اقعدى بس الأول وأنا أقولك.
جلست قائلة:
قعدت أهو..قول بقى إزاي؟
مال للأمام قائلا:
مش كنتى عايزانى أشغلك فلوسك معايا؟
تراجعت فى مقعدها تشعر بخيبة الأمل ولكنها قالت بهدوء:
آه..طبعا ..عايزة .
ابتسم قائلا:
وأنا لقيتلك الفكرة اللى هتخليكى مش بس هتشغلى فلوسك معايا ..لأ.. وهتكسبى مليارات كمان.
اتسعت عيناها فى جشع لبيتسم مروان بداخله وهو يدرك أنها ابتلعت الطعم..خاصة وهي تقول:
إزاي بقى؟
تراجع مروان فى مقعده قائلا:
صفقة هتدخلى فيها معايا ومع شريك تالت كمان..الصفقة دى هنجيبها من برة بملاليم وهنبيعها هنا بمليارات..ها إيه رأيك؟؟
تظاهرت سوزى بأنها لا تعرف شيئا عن تلك الصفقة وهي تقول:
والصفقة دى عبارة عن ايه ؟ومين شريكنا التالت؟
كادت ضحكة ساخرة ان تنفلت من فم مروان ولكنه تمالك نفسه فى اللحظة الأخيرة قائلا:
شريكنا التالت إسم معروف عندنا فى عالم الأعمال بالشيطان.
حاولت إدعاء الدهشة وهي تقول:
مش معقول..عدنان المسيرى مرة واحدة؟
أومأ مروان برأسه..ليستطرد قائلا:
وليه لأ؟الصفقة كبيرة وفى مجال خطير..ومحتاجة حد تقيل وخبرة معانا زي عدنان.
عقدت سوزى حاجبيها قائلة:
انت قصدك ان الصفقة دى عبارة عن…..
قاطعها مروان قائلا:
سلاح ومخدرات.
لتتظاهر سوزى بالصدمة قائلة:
سلاح ومخدرات..لأ طبعا ..المجال ده خطير وممكن يودينا كلنا فى داهية.
تراجع مروان يستند إلى مقعده قائلا بلامبالاة:
مع قوة وسلطة ومعارف عدنان ومع دماغى ..معتقدش ممكن يبقى فيه أي خطورة علينا..عموما ده اللى أدامى دلوقت..وتعرفى لولا العشرة القديمة وإنك لجأتيلى عشان اشغلك فلوسك أنا مكنتش عرضت عليكى الصفقة دى..أنا لو كنت اقدر عليها لوحدى مكنتش دخلت شريك معايا..أرباح الصفقة دى مليارات زي ما قلتلك..والطبيعى انى احب يكون مكسبها كله لية لوحدى.
تأملته سوزى قائلة بنبرة صادقة:
اتغيرت أوى يامروان وبقى كل همك الفلوس.
قست عينا مروان وهو يقول:
اللى شفته مش قليل ..علمنى ان الدنيا غابة وان البقاء فيها للأقوى وأنا مش هتردد ثانية عشان أكون فيها الأقوى.
أومأت سوزى برأسها قائلة :
معاك حق..عموما سيبنى افكر وأرد عليك.
أومأ مروان برأسه قائلا:
تمام بس متتأخريش علية..عشان أرتب أمورى.
نهضت سوزى وهي تمد يدها إليه قائلة:
أكيد..هشوفك بعدين..سلام دلوقتى.
نهض بدوره وهو يمد يده إليها مصافحا قائلا:
هوصلك للباب.
ابتسمت قائلة بدلال:
انت كدة بتدلعنى وانا خايفة آخد ع الدلع.
ابتسم وهو يمشى معها إلى خارج الغرفة ثم توقف أمامها تماما قائلا:
لأ متخافيش..الأيام اللى جاية كلها دلع ياسوزى.
رأتهم زينة التى كانت تمر بالصدفة لتتوقف وهي ترمقهم بنظرة غيرة ظهرت جلية على ملامحها .. لتبتسم سوزى بداخلها وهي تقول بدلال:
أنا معايا تليفونك وأكيد هكلمك سلام.
ثم مالت على وجنته تقبله ببطئ ليحاول مروان التماسك بينما اتسعت عينا زينة فى صدمة لتتراجع مسرعة إلى حجرتها تحت أنظار الجميع..لتبتسم سوزى بانتصار بينما تغادر بخطوات أنيقة.. بصق مروان خلفها..وهو يمد يده بمنديله يمسح وجنته قائلا باشمئزاز:
هانت ياسوزى ونهايتك هتبقى على إيدى..هانت .
ثم نظر فى إثر زينة ليعقد حاجبيه ..يتذكر ملامح الغيرة والصدمة على وجهها لتتأكد لديه حقيقة واحدة..زينة مازالت تحبه..اذا لم تخلت عنه بالماضى؟..بالتأكيد هناك سر ويجب أن يعرفه..لقد حانت لحظة المواجهة إذا..ليتجه إلى حجرتها بخطوات حاسمة.
*******************************
كانت سوزى تقود سيارتها بسرعة تشعر بالسعادة تغمرها فأخيرا سمح لها مروان بدخول حياته..وربما أصبحت تحتل جزء كبير من قلبه..فمجرد اقتراحه دخولها صفقة مثل تلك الصفقة هو اكبر دليل على ذلك..لابد وأن تشكر عدنان لإدخالها إلى حياة مروان مجددا..لا لن تشكره حتى لا تثير ريبته..يكفيها سعادتها بمايحدث ..لترفع يدها وتلمس شفتيها التى قبلت وجنته بسعادة..تراجع تلك الذكرى مرارا وتكرارا..تعد نفسها بيوم يكون لها مروان قلبا وقالبا..وربما مع الوقت استطاعت التخلص من عدنان نهائيا ولكن ليس قبل أن يخلصها من تلك الزينة والتى تشكل أكبر خطر على علاقتها بمروان..نعم لابد وأن تفعل ذلك.
******************
تبادل ياسين مع هذا الرجل نظرة تحدى بينما ألقى ياسين نظرة إلى تلك الفتاة المرتعبة والتى تتسع عيناها من الخوف ليغمض عينيه ويفتحهما مجددا وهو يومئ برأسه يطمئنها بحركته تلك ..ثم يعيد النظر إلى ذلك الرجل والذى ترتعش يداه ليدرك ياسين أنه خائف..مثلهم تماما.
ليقول بهدوء:
لو جاي هنا عشان الفلوس ..خد الفلوس اللى انت عايزها وسيبها وامشى واحنا مسامحين.
قال الرجل فى توتر:
مافي مصاري هون ….انتو خلاص شفتوني وعرفتوني ..وماضل مجال أخليكم عايشين .
نظر ياسين إلى محيطه يدرسه ليعاود النظر الى ذلك المقنع قائلا:
وإيه اللى هتستفيدوا لو قتلتنا؟..وبعدين تفتكر انك لو حاولت حتى تقتلنا هتقدر علينا احنا الاتنين..ولو قتلت اللى انت ماسكها مابين ايديك دى ..ايه اللى يضمنلك انك هتعيش ثانية واحدة بعدها وانا فى جيبى مسدس..هيطير دماغك فى ثوانى؟
ظهر الخوف جليا على عيني المقنع ليتمالك نفسه بسرعة قائلا:
لو انت بدك تضل ع السنيورة هي.. طلع المسدس من جيبتك وحطو تحت رجلك.. وارميه لعندي.
تظاهر ياسين بالتوتر ثم الرضوخ لذلك المقنع..وهو يخرج مسدسه من جيبه بهدوء تحت أنظار اللص..وينزله عند قدميه ثم يركله بقوة وهنا غفل اللص عن ياسين للحظات وهو يتابع المسدس لتكون هذه اللحظات كفيلة لياسين كي يهجم على اللص ليركل السكين وهو يبعد فتون عنه ثم يكيل ذلك الرجل اللكمات وقد اعجزته المفاجأة..ولكن سرعان ما تمالك نفسه وهو يرد تلك اللكمات لياسين الذى تفاداها بسهولة ليعيد لكم ذلك اللص حتى وقع مغشيا عليه.. وما ان إلتفت ليطمأن على فتون حتى وجدها تندفع إلى حضنه تضمه بقوة ودموعها تنهمر بغزارة..ليجد يده رغما عنه ترتفع وتضمها يتأكد بأنها على قيد الحياة لتتناهى شهقاتها إلى مسامعه..يدرك أنها تحت تأثير الصدمة ليربت على ظهرها بحنان..قائلا بهمس:
خلاص يافتون..انتى بخير..أنا مش ممكن أسمح لحد يإذيكى طول ما أنا عايش.
قالت من وسط شهقاتها:
أنا مش عارفة لو مكنتش رجعت كان حصلى إيه؟
ليضمها بقوة يستبعد ذلك الاحتمال الذى كاد أن يطيح بعقله..وهو يقول بلهفة:
عشان خاطرى متفكريش بالشكل ده..أهم حاجة دلوقتى إنك بخير يافتون..دى نعمة من ربنا.
اومأت برأسها قائلة بهمس:
الحمد لله.
ليبعدها ياسين عن مرمى ذراعيه وهو يمسح دموعها بيديه قائلا فى حنان:
روحى يلا اغسلى وشك واهدى وكل شئ هيبقى تمام.
اومأت برأسها ليبتعد قليلا ولكنها تمسكت بيده قائلة:
انت رايح فين؟
ابتسم وهو يقرصها من وجنتها قائلا:
مش همشى..أنا بس هكتف الباشا اللى مرمى ع الأرض ده وهتصل بالبوليس ولا عايزاه يفوق ويهددنا من تانى.
قالت بسرعة وخوف:
لأ..كتفه..كتفه بسرعة ياياسين.
ابتسم قائلا:
هكتفه ..بس انتى روحى زي ما قلتلك إغسلى وشك وتعالى وأنا هكتفه وأعملك أحلى لمون عشان يهدى اعصابك.
ابتسمت فى امتنان وهي تومئ برأسها..ثم مشت بخطوات بطيئة باتجاه الحمام لتلتفت مرة أخرى باتجاه ياسين تنظر إليه وقد خلع حزامه وشرع يقيد ذلك اللص به..لتبتسم مجددا ولكن تلك المرة ……فى عشق.
الفصل الثانى والعشرون
كان نبيل يجز على أسنانه لايدرى ربما للمرة الخمسون فى تلك الساعة التى قضاها فى ذلك الإجتماع مع ذلك المدعو توفيق والذى منذ أن رأى دارين وهو لم يرفع عينيه من عليها سوى للحظات يتحدث فيها مع نبيل ثم يعاود النظر مجددا إليها بطريقة أثارت حفيظة نبيل وغيرته وغضبه..ولولا أهمية تلك الصفقة فى القضاء على شركة ياسين لألغاها فى التو واللحظة..فهو يعلم أن أعمال هذا المدعو توفيق مثيرة للشبهات..وأن بضائعة التى لجأ إلى شركتهم لاستيرادها بالتأكيد ستكون محملة بالمخدرات..لذا اضطر إلى احتواء غضبه ونفوره من ذلك المدعو توفيق وهو يقول بثبات:
أظن احنا كدة اتفقنا مبدئيا على شروط الصفقة..وفاضل بس نمضى على العقود..وطبعا هنضطر نستنى ياسين وفتون لغاية ما يرجعوا من السفر..يعنى بعد يومين بالكتير.
أومأ توفيق برأسه وهو يقول :
تمام وانا هستنى من الآنسة دارين تليفون عشان تحددلى الميعاد اللى هنمضى فيه العقود.
إلى هنا وكفى ..خاصة عندما ابتسمت دارين..صحيح أنها ابتسامة مجاملة لم تصل إلى عينيها ولكنها جعلت ملامح توفيق تشع بالسعادة ليقف نبيل قائلا فى عصبية:
التعامل هيبقى معايا أنا وبس..حتى الاتصال اللى هنحددلك فيه الميعاد واللى هنمضى فيه العقود ..أنا اللى هعمله ..مفهوم ولا نلغى الصفقة؟
قال توفيق بارتباك:
مفهوم طبعا.
نظر نبيل إلى دارين التى ما تزال جالسة تنظر إلى انفعال نبيل بدهشة ليقول فى عصبية:
الهانم لسة قاعدة بتعمل إيه؟عجبتك القعدة..تحبى أمشى وتكملى إنتى؟
نظرت إليه فى صدمة من كلماته ..ثم نهضت بارتباك..ليبتعد نبيل مغادرا تتبعه دارين وقد أحست لأول مرة فى حياتها…..بالإهانة.
********************
كانت زينة تجلس فى سريرها تنهمر دموعها بغزارة..تتساءل بألم..ألا يكفيه ما فعله بها فى الماضى؟ألا يكفيه عذابها معه؟حتى يكون مع عدوتها..يبادلها المشاعر وكأنها لم تكن يوما زوجة أبيه..وكأنها لم تكن يوما تلك الحقود التى لطالما اخبرها بأنه لا يرتاح لها..فجأة أصبحت مناسبة له..فجأة يريدها فى حياته..هل تأثر بجمالها؟هل تغير إلى تلك الدرجة..بل هل كانت زينة مخدوعة فيه وأنه هكذا منذ البداية ؟إنها حقا لم تعد تدرى..كل ما تدركه الآن أنها تموت ألما لرؤيتهما سويا..تشعر بالغيرة الحارقة تكوى فؤادها..تتساءل فى مرارة..لما كان هو من دون كل البشر و الذى ركبت سيارته هربا من جحر الشيطان؟لماذا إلتقيا مجددا؟كفاها ألما..فلم تعد تحتمل..نعم ستنهض الآن وتغادر ذلك المكان وستأخذ فارس معها ..حتى وان وجدها عدنان ورجاله..سيكون الأمر أهون بكثير مما تعانيه من عذاب مع هذا الرجل..مروان.
نهضت بالفعل وتوجهت لتغادر الحجرة وما ان فتحت الباب حتى تواجهت مع هذا الرجل الذى تهرب منه..توقفت فى جمود تطالعه بعينان غاضبتان مشتعلتان بينما يطالعها هو ببرود..يختلف عن مشاعره الثائرة لرؤية دموعها التى تغرق وجهها فتمزق قلبه حزنا.. ليقول بعد لحظة:
بتعيطى ليه؟
قالت فى عصبية:
وانت مالك؟ابعد من طريقى عشان أمشى من هنا.
تحطمت تلك الواجهة الباردة وقد اشتعلت عيناه قائلا فى حدة:
والهانم رايحة فين بقى؟
قالت فى غضب :
قلتلك وانت مالك بية؟أخصك فى إيه أنا عشان تسألنى رايحة فين أو جاية منين..بعد اللى شوفته النهاردة خلاص..مش هقدر أقعد هنا ثانية واحدة بعد كدة.
اقترب منها وملامحه تشتعل لتتنافر عروق جبهته بطريقة أوجفت قلبها خيفة لتتراجع خطوة للوراء..وهو يقول بصرامة:
والهانم شافت إيه؟
قالت بارتباك :
شفت..شفت…
اقترب منها مجددا لتتراجع اكثر وهو يقول بحدة:
ماتنطقى ..شفتى إيه؟
لتتوقف وهي تقول بغضب:
شفتك مع الست سوزى..شفتها بتبوسك من خدك والبيه مبسوط ومعترضش..شفت انها بقت ملازماك بشكل كبير أوى ومقرف..إيه..دلوقتى سوزى بقت حلوة ومناسبة لسعادتك..مش دى سوزى مرات أبوك؟..مش دى سوزى اللى ياما قلتلى إنك مبتحبهاش وإنك مش مرتاحلها..هي ولا مش هي؟
أمسكها من كتفيها يقول بغضب:
هي فعلا..وتعرفى ليه احلوت فى عينى دلوقتى؟
اضطربت انفاسها لاقترابه منها تلفحها أنفاسه الحارة الغاضبة على وجهها وهو يستطرد قائلا:
عشان طول عمرها واضحة وصريحة..عمرها ما بانت عكس حقيقتها..عايزانى وقالتهالى ..مستخبتش ورا مشاعر الحب وبعدين غدرت بية زيك..ما اديتهاش قلبى وكسرته زيك..عايزة تعرفى أنا ليه معاها ؟عشان هي مش زيك.
طفرت الدموع من عيون زينة وهي تقول :
فعلا هي مش زيى..ولا يشرفنى انها تكون زيى..هي زيك انت..انت اللى سلمتلك قلبى وروحى وعمرى كله وغدرت بية..
عقد مروان حاجبيه لتستطرد زينة قائلة فى إنهيار:
انت اللى بعد ما حبيتك من كل قلبى بعتلى ورقة طلاقى.. ورميتنى وسافرت وسيبت كلبة زي سوزان تبيع وتشترى فية..سيبتها تبيعنى لعدنان عشان أعيش فى بيته أسوأ أيام حياتى..وبعد ده كله جاي بترمى كل اللى عملته علية ..وتقول انى أنا اللى عملته..حرام عليك ياشيخ اتقى الله بقى..وكفاية كدة..حرام..أنا تعبت والله العظيم تعبت ..تعبت.
لتنهار بين يديه فأسرع بإسنادها وإجلاسها على السرير قائلا بصدمة:
مين ده الل بعتلك ورقة طلاقك وسافر..انتى بتقولى إيه؟
تمالكت نفسها لتنظر إليه فى مرارة..لتعود وتنهض مجددا قائلة بألم:
بقول الحقيقة اللى انت دلوقتى بتحاول تغيرها..إنت..أيوة انت السبب فى عذابى طول السنين اللى فاتت…ورغم كل اللى عملته فية لسة قلبى الخاين بيحبك..ولسة بيتألم من غيرته عليك.. بس خلاص..خلاص انتهينا..أنا مش هفضل طول عمرى زينة الطيبة اللى الكل بيلعب بيها..لأ..أنا هخرج من هنا وصدقنى هنتقم منكم كلكم..وبكرة هتشوفوا.
كادت ان تغادر ليفيق مروان من صدمته وهو يسرع إليها يجذبها من ذراعها لتواجهه قائلا:
استنى هنا رايحة فين؟..أنا مطلقتكيش ..والله العظيم ما طلقتك ولا أعرف حاجة عن الورقة اللى جتلك دى..ولا حتى كنت مسافر..أنا كنت فى المعتقل..كنت بتعذب كل يوم ..مش من الكهربا ولا الضرب ولا حتى الحبس الانفرادى..كنت بتعذب عشان بعيد عنك ومش قادر أشوفك.. ولما جتلى سوزى فى المعتقل وهي شمتانة فية.. لما قالتلى ان البنت اللى حبيتها وفضلتها عليها هربت مع عزت الجناينى واللى كنت عارف انه معجب بيكى من زمان..مصدقتش.. بس لما اديتنى الاسورة الى كنت اديتهالك وقلتلك انها بتاعة أمى وانها شبكتك منى ورمز لحبنا اتأكدت من كلامها..وحلفت يومها انى هتحمل عذاب المعتقل لسبب واحد بس..إنى أخرج وأنتقم من كل اللى خدعونى وظلمونى وأولهم انتى..دورت عليكى كتير ملقتكيش فبدأت بالتانيين ولما لقيتك..قلت ده حظى عشان أقدر انتقم منك بس مع الأسف قلبى مطاوعنيش..عشان انا كمان لسة بحبك..رغم انى عارف انك بعتينى بالرخيص يازينة.
نظرت زينة إليه بصدمة لتدرك ملعوب تلك الشريرة سوزى..لتتبدل نظراتها المصدومة إلى نظرات غضب وهي تقول:
للأسف كنا ضحية للعبة قذرة يامروان..
لتمسك يده تبعده عن يدها التى يتمسك بها وترفع كمها قليلا وهي ترفع رسغها إليه ليرى فى صدمة علامة قطع بشعة فى رسغها بينما تقول وقد بدأت دموعها فى النزول :
ليلة ما باعتنى سوزان لعدنان..كانت مصممة اقلع الاسورة وأديهالها..ورغم انى كنت عارفة انك بعتنى بس مقدرتش أديهالها..فأخدتها غصب عنى.
لتتركه وسط صدمته وتتجه إلى دولابها تفتحه وتخرج من بين طيات فستانها الوحيد ورقة مهترئة ناولته إياها ليفتحها بيد مرتعشة ويقرأ محتواها والذى هو عبارة عن ورقة طلاق تحمل امضاءه فى أسفلها ليدرك أن تلك الورقة كانت من ضمن الأوراق التى جعلوه يمضيها فى المعتقل تحت تأثير العذاب..ترك الورقة من يده لتقع على الأرض وهو يمسك قلبه بضعف..يشعر بالوجع يمزقه لتتسع عينا زينة فى صدمة وتسرع إليه تسنده بقوة إليها وهي تجلسه على سريرها قائلة فى وجل:
مروان ..انت كويس؟
أومأ برأسه فى ضعف قائلا:
متقلقيش..الصدمة بس شديدة علية..بس أنا هبقى كويس.
نهضت زينة قائلة فى قلق:
لأ أنا هتصل بالدكتور بتاعك عشان نطمن.
أمسك يدها يجلسها بجواره مجددا وهو ينظر إلى عينيها مباشرة قائلا فى حنان:
قلتلك متقلقيش..بس بجد خايفة علية يا زينة..بجد لسة بتحبينى بعد كل اللى حصلك بسببى.
رفعت يدها تمررها على وجهه بحنان قائلة:
ولو رجع بية الزمن من تانى هختار حبك يامروان خصوصا بعد ماعرفت انك بريئ ..وحتى لو العذاب كان التمن..انت متعرفش انت إيه بالنسبة لى..انت روحى ..حبك بيجرى فى دمى..انت مش حبيبى وجوزى وبس يامروان..انت……
لتصمت وهي لا تدرى أتخبره الآن وقلبه بهذا الضعف؟أم تنتظر قليلا؟لتحسم نبراته الحانية ونظراته العاشقة رأيها وهو يقول:
أنا إيه ياقلب مروان؟
أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول:
انت أبو إبنى كمان.
اتسعت عيناه فى صدمة لتقول هي مستطردة:
أيوة يامروان ..انت أبو فارس.
أمسك قلبه وهو يأخذ نفسا عميقا لتشعر زينة بالخوف ولكنه مالبث ان قال بأمل :
انتى متأكدة؟
قالت بصوت قاطع:
طبعا متأكدة.
أحست بتردده وأن كلماته التى يود قولها تؤلمه وهو يقول:
ايه اللى خلاكى متأكدة بالشكل……
قاطعته وهي تضع يدها على فمه قائلة:
لأن انت الراجل الوحيد اللى لمسنى يامروان.
اتسعت عيناه فى صدمة لترفع يدها عن فمه وهي تطرق رأسها فى خجل قائلة:
دى الحقيقة وربى شاهد عليها.
قال مروان فى صدمة:
بس انتى قولتيلى…
قاطعته قائلة فى حزن:
كنت عايزة أوجعك زي ما وجعتنى..أنا صحيح كنت فى جحر الشيطان..وصحيح كانوا بيودونى كل فترة لراجل عشان يعنى ..يعنى…
أغمض مروان عينيه فى ألم ليفتحهما مجددا وهي تقول بسرعة:
بس دادة نجاة حست بية وعرفت ان ده لو حصل هموت نفسى..فاديتنى علبة منوم ..كنت بطلب من الراجل اللى باعونى ليه عصير وكنت بحطله فيه المنوم من غير ما ياخد باله والصبح كنت بظبط الدنيا عشان يفتكر أنه قضى معايا الليلة وبسيبه نايم وبخرج ألاقى عربية الشيطان واللى بترجعنى تانى لجحره..
أخذها مروان بين ذراعيه فى ألم لتضمه بقوة وتنزل دموعها حزنا وهي تقول :
كنت كل يوم بفكر فى الهروب بس وجود فارس عندهم كان بيمنعنى..كنت بضطر أرجع ليهم تانى ولما كنت بحاول اهرب منهم مع فارس..كانوا بيمسكونى ويضربونى..بس عمرى ما يإست..وجود فارس معايا كان بيقوينى..وجود فارس كان نعمة خليتنى اصبر على كل اللى حصلى..رغم انى لغاية النهاردة معرفش ليه خلونى احتفظ بيه مع ان كان بامكانهم يقتلوه.
قال مروان بقسوة:
عشان يضغطوا عليكى بيه..عدنان بيلوى دراعك بيه ..لأنه عارف ومتأكد انك مش هتهربى وتسيبيه زي ما قلتى..حرمونى الكلاب منك ومن ابنى بس والله ما هسيبهم.
ليبعدها عن محيط ذراعيه وهو يضم وجهها بين يديه قائلا فى تصميم:
اوعدك ..وحياتك عندى.. وغلاوة فارس..لهنتقم منهم كلهم وبكرة تشوفى.
أمسكت زينة وجهه بين يديها بدوره وهي تقول برجاء:
لأ يامروان..أبوس إيدك بلاش انتقام..متعرضش حياتك للخطر..عشان خاطرى وخاطر فارس.
مسح مروان دموعها بحنان قائلا:
متقلقيش ياحبيبتى..أوعدك انى احافظ على نفسى عشان خاطركم بس انتقامى مش هقدر أتنازل عنه..لو مكنش عشان خاطرنا والسنين اللى ضاعت مننا وعذابنا وبعدنا عن بعض ..يبقى عشان خاطر بابا اللى مات وانا بعيد عنه والله أعلم ان كان موته طبيعى ولا لأ..عشان خاطرى متمنعنيش.
احتضنته زينة مجددا بقوة ليتمسك بها مروان وهو يضمها ليتنفس رائحتها الهادئة والتى يعشقها..يشعر بروحه قد عادت إليه بعودتها مجددا إلى حضنه .
********************
كان نبيل يمشى بالحجرة ذهابا وإيابا بغضب ..يؤنب نفسه بشدة على ما فعله اليوم..ويتساءل عن حالة دارين الآن..فلم يكفيه توبيخها أمام توفيق وصمته طوال الطريق رغم رؤيته لها تمسح دمعة سقطت من عينيها داخل السيارة..بل إنه حين أدخلت إليه ورق شركة الحديدى والذى كان به ورقة ناقصة صرخ بها بغضب واتهمها بالإهمال .. لتلتمع عيناها بالدموع وتخرج من الغرفة بسرعة..ويظل هو بين نارين..يريد أن يطلب غفرانها ولكن الخجل من اعترافه بغيرته عليها يكبله..لينتصر قلبه الذى يخبره بأنه يجب أن يعتذر لها حالا وبأية طريقة.
ليسرع بالخروج من الغرفة ليجدها جالسة على مقعدها مطرقة الرأس تخفى ملامحها خصلات شعرها تهتز قليلا ليدرك فى وجع أنها تبكى بسببه..تنتحنح لتدرك وجوده وتسرع بمد يدها تمسح دموعها وهي ترفع وجهها إليه قائلة ببرود:
أفندم.
ما إن رأى عيونها المنتفخة حتى أحس بالنيران فى قلبه ليذهب إليها على الفور دون تفكير ويركع أمامها وسط دهشتها وهو يمسك يديها قائلا فى ندم:
أنا آسف..سامحينى.
نظرت إلى عينيه فى حيرة ليستطرد قائلا:
أنا غبى ..عارف إنى قسيت عليكى بس والله غصب عنى..لما شفتك فى الأول بتضحكى مع واحد كان خارج من عند أخوكى..لما شفت نظرتك ليه..اتجننت..ولما شفت توفيق مشالش عينه من عليكى ولما حسيت انك مبسوطة من نظراته مشفتش أدامى..سامحينى.
كادت دارين أن تطير من السعادة من كلماته التى تعبر عن غيرة شديدة هي بالتأكيد عنوان لعشق قوي..ربما لم يصرح به جهرا ولكنه صرح به فى طيات كلماته..لتحاول هي إخراج الكلمات من فمه ليرتاح قلبها وهي تقول:
وليه حاجة زي دى ممكن تضايقك؟
نظر إليها فى تردد..لتحثه عيناها على الحديث ..فأخذ نفسا عميقا قائلا:
كل اللى أقدر أقولهولك دلوقتى إن جوايا حاجات كتير تخصك يمكن فيه حاجات لسة مانعانى انى أصرح بيها بس أنا متأكد من مشاعرى وفى الوقت المناسب أكيد هتعرفيها..المهم دلوقتى انى مش عايز أكون السبب فى دموعك الغالية دى تانى وإنك بجد تكونى مسامحانى.
نظرت إلى عينيه بحب ..يكفيها ما قاله الآن وستنتظر أن تسمعها منه..فهي تشعر أنها لن تكون بعيدة بل أقرب مما تتصور..لتبتسم قائلة:
مسامحاك.
زفر بارتياح ليترك يدها ويمسح بقايا تلك الدموع من على وجهها قائلا بحنان:
هي دي دارين اللى حبي….
ليقطع كلامه وهو يستطرد قائلا:
اللى عرفتها.
ونهض متجها إلى غرفته ليوقفه صوتها الرقيق..التفت ليواجهها فقالت بتلك الابتسامة التى تخلب لبه:
اللى كنت ببتسمله وهو خارج من مكتب اخويا..ده مروان شريكنا فى الشركة وهو ..يعنى..زي أخ كبير بالنسبة لى..أما توفيق فأنا مكنتش طايقاه وكنت عايزة من اول لحظة أطلب منك نمشى بس خفت الصفقة تبوظ..اللى زي توفيق مستحيل أقبلهم او ارتاحلهم يانبيل.
أحس بالراحة من كلماتها التى طمأنت قلبه ليبتسم قائلا:
لو اتكرر الموقف ده تانى..قوليلى نمشى ومتتردديش..أنا أهم حاجة عندى هي انتى.. وتولع الصفقة..مفهوم؟
اتسعت ابتسامتها وهي تومئ برأسها فى سعادة ليلتفت متجها إلى غرفته بارتياح بينما تابعته عينا دارين بعشق حتى اختفى لترفع يدها تضعها على خافقها قائلة بهمس:
اهدى ياقلبى مش كدة..أومال لو قالى إنه بيحبنى..هتعمل فية إيه بس؟
الفصل الثالث والعشرون
وقف ياسين مستندا على الحائط بجوار الباب..يتأمل فتون وهي تفرش له ملاءة سرير غرفته..ليبتسم قائلا:
والله لو قلت لحد ان فتون هانم سلطان فرشتلى سريرى مش هيصدقنى.
اعتدلت فتون وهي تقف بعد أن أنهت مهمتها لتربع يديها أمام صدرها وهي ترفع حاجبها قائلة:
وده ليه بقى إن شاء الله؟هو أنا مش ست قبل ما أكون صاحبة شركة؟
ابتسم قائلا:
مين قال كدة؟
ثم اعتدل وهو يقترب منها لايحيد بنظراته عنها مما أصابها بتوتر ملحوظ ظهر فى تنفسها السريع..واضطراب جسدها والذى لم يخفى على ياسين..لتتسع ابتسامته وهو يقف أمامها تماما قائلا:
ده انتى ست البنات كلهم.
أطرقت برأسها تتحاشى نظراته فى خجل وهي تقول:
ميرسيه.
لترفع وجهها مجددا لتقابل عينيه وهي تقول:
احمم..مش عايز حاجة تانية؟
نظر إلى شفتيها الجميلتين ليقول وقد غامت عيناه:
عايز….بس للأسف مش هينفع.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بدقات قلبها المتسارعة لتحاول الابتعاد عنه قبل أن تضعف وهي تقول:
طيب تصبح على….
أمسكها من يدها يمنعها من الرحيل وهو يقول:
استنى رايحة….
اختل توازنها فسقطت عليه..لم يتوقع تلك المفاجأة فسقط على السرير ساحبا إياها لتقع عليه..أمالها جانبا بسرعة وهو ينظر إليها ليجد خصلات شعرها تغطى وجهها أزاحهم ببطئ ينظر إلى عينيها الجميلتين واللتين نظرتا إليه بنظرة ساحرة..غامت عيناه بالمشاعر..وهو ينظر إلى شفتيها المنفرجتين..ليقترب منها يستسلم لمشاعر اجتاحته فأغمضت فتون عينيها..تستسلم بدورها لتلك المشاعر..انتظرت قبلته كثيرا فلم يقبلها أحست بلمسة يديه تمر على وجهها وهو يقول بهمس :
فتون.
فتحت عينيها ببطئ لتواجه عينيه تشعر بحيرة شديدة ليستطرد قائلا:
أنا آسف ..بس خايف تكون دى لحظة ضعف وترجعى تندمى عليها يافتون.
شعرت فتون بمشاعر كثيرة متنازعة ولكن أكثر ماشعرت به فى تلك اللحظة هو الخجل من نفسها لتنهض بسرعة تغادر الحجرة ليوقفها صوت ياسين وهو ينادى باسمها قائلا:
فتون.
توقفت ولكنها لم تلتفت ليقول بصوت ضعيف متهدج النبرات:
صدقينى انا خايف عليكى انتى.
أغمضت عينيها ثم فتحتهما مجددا وهي تغادر الحجرة وتغلق بابها لتقف بجوار الباب تستند على الحائط وهي ترفع يديها تضعهما على وجهها تخفيه لتنزلهما مجددا وهي تقول بهمس:
حيرتنى معاك ياياسين..ماهو مستحيل واحد بأخلاقك دى ويقتل.
*******************
خرج مروان من حمام الغرفة يجفف وجهه بمنشفة صغيرة.. ما ان رأته زينة حتى اندفعت إليه تقول فى قلق:
انت كويس يامروان؟
وضع المنشفة على كتفه قائلا بابتسامة:
أنا كويس متقلقيش.
ليضمها من خصرها مقربا إياها منه هامسا أمام شفتيها قائلا:
بطلى قلق علية يازينة.
رفعت يدها تلمس وجهه برقة قائلة:
لو مقلقتش عليك انت هقلق بس على مين؟
قبلها بخفة على شفتيها ثم نظر إلى عينيها بعشق قائلا:
اطمنى يازينة..أنا معاكى لحد آخر لحظة فى عمرى.
احتضنته بقوة قائلة:
يارب العمر كله ليك ياحبيبى ..وحشتنى أوى يامروان..أوى.
ضمها بقوة يعتصرها بين يديه قائلا:
لو قلتلك انت وحشتينى أد ايه مش هتصدقى.
قالت فى همس:
أد إيه؟
ابتسم قائلا:
أد كل كلمة قالها عاشق لمعشوقته..أد كل نسمة هوا مرت مابينهم..أد كل لحظة حلوة عاشوها وأد كل لحظة اشتياق مروا بيها..بحبك أد الحب نفسه واللى سكن قلوب كل العاشقين اللى اتخلقوا من أول آدم وحوا لحد دلوقتى.
خرجت زينة من حضن مروان دون ان تخرج من محيط ذراعيه لتقول بعشق:
حبيبى بقى شاعر..ايه الكلام الحلو ده كله.
نظر إلى شفتيها بشوق قائلا:
حبيبك بقى مجنون زينة.
ليضم شفتيها فور انتهاء كلماته فى قبلة عاصفة..بادلته اياها على الفور وهي ترفع يدها تضم رأسه إليها بينما رفع يده إليها يضمها بقوة يرتوى من رحيق شفتيها واللتان لطالما راوداه فى أحلامه..لتتحول تلك الأحلام إلى واقع أحلى وأجمل من كل أحلامه.
********************
كانت فتون تجلس مع ياسين على مائدة الإفطار تسترق إليه النظرات..تشغل عقلها العديد من الأفكار ويشتعل قلبها بالعديد من المشاعر..تسأل نفسها هذا السؤال الذى سرق من عينيها النوم..ماالذى كان سيحدث لها ان لم يعد ياسين..وماالذى كان سيحدث لها ان استسلم ياسين فى لحظة ضعفهما..ولما تشعر بأنها مرتبكة تشعر بالحيرة ومكبلة بالقيود؟
رفعت عينيها فى تلك اللحظة إليه لتصطدم بعينيه وتضبطه متلبسا بتأملها بدوره ..لتتنحنح قائلة فى توتر:
احمم..هو ميعادنا مع وليد الساعة كام؟
جز على أسنانه وهو يراها تنطق اسم ذلك المدعو وليد بأريحية ولكنه تمالك نفسه قائلا:
الساعة ١٢ الضهر..يعنى لسة أدامنا وقت كويس عشان نراجع الديل .
قالت بهدوء:
تمام.
لتطرق برأسها للحظة ثم ترفعها قائلة:
بما ان وقتنا قليل وبكرة راجعين مصر بإذن الله..إيه رأيك بعد الاجتماع آخدك فى جولة سريعة كدة أفرجك على بيروت؟
ابتسم قائلا:
مع إنى شفتها قبل كدة ..بس أكيد معاكى هيبقالها شكل تانى.
ابتسمت رغما عنها فى خجل لتدخل دادة محسنة فى تلك اللحظة قائلة بابتسامة:
ياجمال ابتسامتك ياست الكل..وحشتينى والله.
قالت فتون بابتسامة:
والله انتى اللى وحشتينى أكتر يادادة.
ابتسم ياسين موجها حديثه إلى فتون قائلا:
كنتى تعالى شوفيها النهاردة وهي ماسكة فية واللى طالع عليها تقول حرامى ..حرامى..لغاية ما طلعتلها بطاقتى وشافت اسمى وساعتها بس سابتنى.
تطلعت فتون إلى محسنة بدهشة وهي تقول:
انتى عملتى كدة يامحسنة؟
لتضحك محسنة قائلة:
أعمل إيه بس ياستى ..دخلت الأوضة لقيت واحد غريب فيها كنت هفتكره إيه يعنى ..السباك؟يحمد ربنا ان نبيل كان مكلمنى وقايلى إنكوا شاركتوا واحد اسمه ياسين تاج الدين وانه جاي معاكى بيروت وإلا مكنتش هسيبه غير وأنا ضارباه علقة ومبيتاه فى القسم.
قال ياسين بمرح:
طب كنتى تعال انبارح للحرامى الحقيقى وقومى معاه بالواجب ده..حتى كنتى تقوى قلب ستك اللى وأنا بربط إيديه ألاقيها بتقولى.
وقلد صوتها وهو يستطرد قائلا:
بالراحة عليه شوية ياياسين..إيه القسوة دى؟
لتنطلق ضحكة فتون عالية ويتيه بها ياسين كلية ليفيق على صوت محسنة تقول بانبهار:
الله أكبر ..الله أكبر..عشت وشفت ضحكتك الحلوة منورة الدنيا ياست الكل..واللى ماشفتهاش من يوم المرحومة أختك ما مات…..
لتقطع كلماتها وهي ترى نظرة فتون الصارمة والتى تمنعها من الكلام..لتشعر محسنة بالارتباك وهي تقول:
أما..أما أروح أنا أجيبلكم الشاي..عن إذنكم.
قال ياسين بهدوء:
انتى كويسة يافتون؟
أومأت برأسها فى هدوء وقد تغيرت ملامحها كلية ليشوبها بعض البرود وهي تقول:
آه ..كويسة..لو خلصت فطار يبقى يلا بينا ع المكتب نشرب الشاي ونناقش بنود الصفقة للمرة الأخيرة قبل الاجتماع.
أومأ برأسه بهدوء وهو ينهض قائلا:
يلا بينا.
نهضت تسبقه ومشاعر الخيانة تقتلها..تشعر بأنها خانت ذكرى أختها حين تسللت إلى قلبها تلك المشاعر تجاه ياسين..لتنوى بكل قسوة أن توأدها فى قلبها حتى وان تألمت فكيف بالله عليها نسيت لبعض الوقت أن ياسين هو قاتل أختها الوحيدة..كيف؟
بينما تبعها ياسين وأفكاره تتخبط داخل رأسه فقد رأى نظرة فتون إلى الدادة التى بترت عبارتها من جراء تلك النظرة ورأى تغير ملامح فتون من بعدها ليدرك أن وراء ذلك سرا تخفيه فتون عنه ..ويجب أن يعرفه.
********************
كان مروان ينام على السرير آخذا زينة فى حضنه يمرر يده فى خصلات شعرها الحريرية بعشق..بينما زينة مغمضة العينين..تنام على صدره تستمع إلى نبضات خافقه والتى تمنحها شعورا بالأمان والقلق عليه فى نفس الوقت..تدرك ضعف قلبه الذى تحمل اليوم صدمات عديدة..أفاقت من أفكارها على صوته وهو يقول فى حزم:
احنا لازم نتجوز.
رفعت رأسها تنظر إليه فى حيرة قائلة:
ما احنا متجوزين..انت مش بتقول مطلقتنيش يامروان؟
اعتدل يمسك وجهها بين يديه قائلا بحنان:
أيوة بس أنا أقصد جواز رسمى وعلى إيد مأذون يازينة.
ظهرت الفرحة جلية على وجهها وهي تسرع باحتضانه قائلة:
بجد يامروان؟أنا مش مصدقة نفسى..بجد هبقى مراتك أدام الناس كلها؟
ضمها مروان بين ذراعيه بقوة وهو يقول:
بجد ياقلب مروان..بس….
خرجت من محيط ذراعيه وهي تنظر إليه فى قلق قائلة:
بس إيه؟
نظر إلى عينيها قائلا:
هنضطر نأجل حبة صغيرين.
قالت بقلق أكبر:
ليه؟
أرجع خصلة من شعرها خلف أذنيها قائلا:
انتى عارفة الوضع اللى احنا فيه دلوقتى..والخطة اللى راسمها عشان أوقع عدنان وسوزى..سوزى فاهمة دلوقتى انى وقعت فى غرامها ولو وصل ليها إنى اتجوزتك..الخطة كلها هتبوظ.
قالت فى حيرة:
وهيوصلها الخبر إزاي بس؟
قال فى تأكيد:
احنا متراقبين يازينة..كل حركة لينا محسوبة علينا ولازم ناخد بالنا من كل حاجة بنعملها..لو عايزين الخطة تكمل.ونقدر ننتقم من اللى آذونا.
قالت بقلق:
انت لسة مصمم ع اللى فى دماغك يامروان؟
أمسك يدها ذات الإصبع المجبر وهو يمرر إصبعه عليه قائلا فى مرارة:
ربنا اللى عالم أنا نفسى أد إيه آخدك وآخد فارس بعيد عن ده كله..بس مش هقدر أسيب اللى آذونا وفرقونا عن بعض كل السنين دى يعيشوا حياتهم كدة مبسوطين..لازم أنتقم منهم ولو كان ده آخر شئ هعمله فى حياتى.
احتضنته فى لهفة قائلة:
متقلش كدة يامروان عشان خاطرى..انت هتعيش..هتعيش عشانى وعشان فارس..اوعدنى يامروان..اوعدنى حالا.
ضمها بقوة قائلا:
أوعدك ياحبيبتى..أوعدك.
رغما عنه خرجت حروفه مهزوزة وغير واثقة لتعبر عن شعوره بالخوف من أن يبتعد عنها وعن ولده مجددا وتلك المرة للأبد..لينتقل شعوره هذا إلى زينة فتزيد من ضمه..وكأنها ستحميه بذراعيها من قدر تخشاه ..تحاول منعه ولكن ما باليد حيلة فهو آت لا محالة.
********************
أطرق عدنان برأسه يفكر فى ما قالته له سوزان للتو..يتساءل لما عرض عليها الدخول فى تلك الصفقة معهم..وهو يعلم جيدا أنهم قادرون تماما عليها وحدهم..ليفيق من أفكاره على صوت سوزى وهي تقول:
مقلتليش ياعدنان رأيك إيه؟
رمقها عدنان قائلا بهدوء:
مش عارف ياسوزى بس مستغرب من عرضه.
عقدت حاجبيها المنمقين قائلة بحيرة:
ومستغرب ليه؟
تراجع فى مقعده بهدوء قائلا:
عشان الصفقة مش محتاجة شريك تالت ياسوزى..فليه يدخلك معانا إلا لو كان عنده سبب تانى..وهو ده اللى قالقنى.
قالت سوزى فى عصبية:
وليه ما تقولش انه وقع تحت سحرى ومش بعيد يكون حبنى وعشان كدة حب إنى أشاركه فى صفقة مهمة زي دى.
قال عدنان بسخرية:
بالسرعة دى؟
نهضت سوزى قائلة فى استنكار:
وليه لأ..لما انت شاكك إنى مقدرش أخلى مروان زي الخاتم فى صباعى لجأتلى ليه ياعدنان؟
ابتسم عدنان قائلا فى هدوء:
اهدى بس واسمعينى..أنا معنديش شك طبعا فيكى وفى سحرك اللى وقعتينى فيه أنا شخصيا قبل كدة..أنا بس لازم أفكر كويس فى كل حاجة ومسيبش حاجة للصدفة وعشان كدة قلتلك انى عايز كل المعلومات اللى تقدرى تجيبيهالى من عنده عشان لو فكر يغدر بينا أبقى عامل حسابى..وأعرف إزاي أخليه يندم ع اليوم اللى فكر فيه يغدر بعدنان المسيرى.
جلست سوزى مجددا وهي تقول:
صدق من سماك شيطان..عموما متقلقش..مروان اتغير فعلا..الفلوس عنده بقت كل حاجة واهم حاجة..واذا كان ع المعلومات اللى ممكن تخليه تحت ايدينا فبسيطة الزيارة الجاية ليه هجيبهملك..ده أنا سوزى ياعدنان ولا نسيت؟
ابتسم وهو ينهض من مكانه مقتربا منها ليقف أمامها تماما يمسكها من كتفيها وينهضها لتكون فى مواجهته قائلا:
لأ طبعا منستش..بس انتى اللى نسيتى إنى عدنان ياقطة .
ليلمس وجنتها بنعومة ناظرا إلى شفتيها برغبة قائلا:
موحشتكيش؟ولا مبقيتيش تحبينى زي زمان؟
نظرت إليه قائلة بارتباك:
لأ..إزاي..أكيد وحشتنى.
لتقول بحزن مصطنع وهى تمط شفتيها بإغراء قائلة:
أنا قلت إن إنت اللى مبقتش تحبنى زي الأول وعشان كدة….
اقترب منها بوجهه يقول بإستمتاع وهو ينظر إلى ملامحها الفاتنة:
وعشان كدة إيه؟
لترفع يدها بإغراء تلمس شفتيه بأظافرها الطويلة الملونة قائلة:
وعشان كدة لسة شفايفك ملمستش شفايفى ياعدنان.
قال بأنفاس تثقلها الرغبة:
غلطة منى ياقلب عدنان وهصلحها حالا.
ليلتهم شفتيها بين شفتيه بقوة يجتاحها بقبلاته ولمساته..لتغمض عينيها تستسلم له وقلبها يإن اشمئزازا فمنذ أن وقعت بحب مروان ولم يعد هناك رجل آخر قد يرضيها..إنما هو وهو فقط من تتمنى أن يكون معها الآن يجتاحها بقبلاته..هو حبيبها الذى عذبها كثيرا ببعده ونفوره منها ولكنها قريبا..وقريبا جدا ستمتلكه..هو وحده ولا أحد غيره..إنه مروان…..مروان فياض.
********************
دلفت دارين إلى المنزل لتجد جدتها جالسة بالردهة تحتسى فنجالا من القهوة فى شرود لتتسلل إليها من الخلف ثم تقبلها بقوة فى وجنتها قائلة فى سعادة:
مساء العسل ياعسل.
كاد فنجال القهوة أن يسقط وتنسكب محتوياته لولا ان تمسكت به الجدة بقوة لتضعه على الطاولة وهي تلتفت إلى دارين التى جلست إلى جوارها قائلة فى تأنيب:
انتى مش هتعقلى بقى يادارين؟..ميت مرة أقولك متخضنيش بالشكل ده ..افرضى فنجال القهوة كان وقع دلوقتى..كنت هتعملى إيه؟
هزت دارين حاجبيها صعودا ونزولا قائلة بمرح:
كنت هعملك غيره ياسوسو.
ضربتها الجدة على رأسها بخفة وهي تبتسم قائلة:
مفيش فايدة فيكى.
ابتسمت دارين قائلة:
أيوة كدة ياسوسو..خلى الابتسامة الحلوة تطلع وتنورلى الدنيا بقى.
تفحصت الجدة ملامح دارين لتدرك أن خلف تلك الملامح السعيدة أمرا ما لتقول بهدوء:
طيب ممكن تقولى بنوتى الحلوة إيه اللى مفرحها كدة ومخلى ابتسامتها من هنا لهنا؟
نظرت إليها دارين قائلة بابتسامة:
أقولك الحقيقة ياتيتة..مش عارفة..جوايا مشاعر حلوة أوى مخليانى طايرة فوق فى السما..أول مرة قلبى يدق بالشكل ده وأول مرة أحس بالأحاسيس دى..وأول مرة أخاف..أخاف ميكونش هو كمان بيحس بالأحاسيس دى زيى..أخاف يكون اللى واصلى منه مجرد وهم بكبره فى دماغى وبطمن بيه قلبى..أخاف أصحى فى يوم وملقهوش جنبى..أول مرة ياتيتة أحب بجد وأخاف بجد..تعرفى.. النهاردة افتكرت كلامك عن انى محبتش مروان بجد وانى لما هقابل الحب الحقيقى هعرفه..زي حب جدى ليكى الله يرحمه..ياااه ..فرق كبير أوى ياتيتة بين الإحساسين..أنا مش عارفة إزاي أشكرك عشان اقترحتى علية أشتغل مع ياسين و خليتيه يوافق..عشان أشوف نبيل وأحبه..وأعيش السعادة اللى أنا حاساها دلوقتى..
لتضمها بقوة قائلة :
أنا بحبك أوى ياتيتة..بحبك أوى أوى اوى.
ضمتها الجدة وعينيها تشعان بالقلق..تندم على اقتراحها على ياسين بأن تعمل دارين معه..فهي لا ترتاح مطلقا للشركاء الجدد..تشعر بأن ورائهم سرا ..يحملون غموضا لا يريحها مطلقا..وها هما حفيديها بخطر..إحداهما أحبت نبيل.. والآخر وقع فى غرام فتون..فكيف تنقذ حفيديها من مصير مجهول..حقا لا تدرى..ولكن حان الوقت لتنبش فى ماضى هؤلاء الشركاء الجدد لعلها تجد ما يدحض شكوكها أو يؤكدها.
الفصل الرابع والعشرون
كان ياسين يشتعل من الغضب وهو يرى ابتسامة فتون الساحرة لهذا المدعو وليد..والذى يوجه لها حديثه الآن يذكرها بماضيهم سويا.. عندما كان يهدم قلاعها الرملية فتلاحقه هي حتى يصيبها الإنهاك وتبكى ليشفق عليها وليد..ويجلسان سويا يعيدان بنائهم من جديد..و تلك المرة التى كسر فيها زجاج سيارة والدها وتلقت هي تقريعه بدلا من وليد ..أو تلك المرة التى كتب لها فى المدرسة كلمات الاعجاب على ورقة وحين قذفها بها ..ارتطمت بالمعلمة لتقرأها ويحمر وجهها خجلا وهي تظن أن تلك الكلمات تخصها..لتضحك فتون بشدة وإلى هنا وكفى..لم يعد ياسين يحتمل..ليقول فى عصبية:
مش كفاية كدة بقى ونركز فى شغلنا؟الوقت ضيق..ولا إيه ياأساتذة؟
ابتسمت فتون بداخلها تدرك سر عصبيته بينما نظر إليه وليد قائلا بارتباك:
آه طبعا..اتفضل يااستاذ ياسين..إعرض شروطك عشان نتمم الديل.
رمق ياسين فتون شذرا ثم وجه انتباهه إلى وليد ليشرح له كل شئ بهدوء وعملية..لتجد فتون نفسها مجددا ورغما عنها منبهرة به..لتنفض عنها ذلك الشعور وهي تشيح بوجهها لتغمض عينيها تستحضر صورة أختها ميسون فى عقلها بصعوبة فقد ظهرت لها كصورة باهتة لتركز أكثر حتى ظهرت صورتها بقوة..صورة لفتاة جميلة ضاحكة..ذهبت ضحكتها للأبد بسبب ذلك الرجل ليمتلئ قلبها بالحزن وتمتلئ عينيها بالدموع ولكنها تمالكت نفسها بسرعة ثم فتحت عينيها مجددا وقد اختفت نظرة الاعجاب من عينيها ……تماما
********************
هتيجى جون ..والله هتيجى جون
قال فارس تلك الجملة فى حماس ليقول مروان وهو يناور لاعب فارس :
بأمارة إيه بس؟ده أنا قافل عليك من كل ناحية.
قال فارس وهو يميل بجهاز التحكم فى يده:
طب شوف كدة.
ليفاجئ مروان بإلتفاتة من لاعب فارس ثم تصويب على المرمى ليحقق هدف الفوز..ليترك فارس الجهاز من يده وهو ينهض ويقفز فرحا قائلا بسعادة:
كسبت..أنا كسبت.
لينظر إليه مروان متأملا إياه بحنان..يشعر بقلبه ينتفض من الفرحة لرؤية تلك السعادة على ملامح طفله.. فارس..من كان يصدق أن هذا الطفل الجميل والذى لطالما تمناه له ولدا أن يصبح بالفعل كذلك..من كان يصدق أن لديه طفل بهذا العمر ومن حبيبته الوحيدة زينة؟حقا إنها نعمة كبيرة يجب أن يحمد الله عليها كل يوم..لينوى إن مد الله فى عمره بعد أن يحقق انتقامه أن يذهب هو وزينة وولده فارس لآداء الحج وسيقوم بالبحث فى شركته عن غير القادرين على آداء تلك الفريضة العظيمة وسيجعلهم يؤدونها على نفقته الخاصة..هذا أقل ما يمكنه فعله ليحمد الله على نعمه الكثيرة عليه.
أفاق من افكاره على صوت فارس يقول بحيرة وهو يجلس بجواره مجددا :
انت زعلت يا آنكل عشان كسبتك؟
نظر إليه مروان قائلا فى حنان:
لأ طبعا ..ايه اللى خلاك تقول كدة ياحبيبى؟
قال فارس بصوت خافت:
أصلك سكت خالص ومتكلمتش.
ابتسم مروان قائلا:
عشان فرحان بيك يافارس..والفرحة مخلتنيش عارف أتكلم..أنا كدة.. لما بفرح بسكت.
ابتسم فارس قائلا:
أنا العكس خالص..لما بفرح بخلى الدنيا كلها تعرف إنى فرحان.
اتسعت ابتسامة مروان وهو يمد يده يبعثر مقدمة شعر فارس قائلا :
طالع لمامتك يافارس..ودى أحلى حاجة فيك.
نظر إليه فارس قائلا بصوت يملؤه الرجاء مما أوجع قلب مروان:
يعنى انت مش زعلان من ماما ياآنكل ومش هتودينا للشيطان اللى بيضرب ماما تانى؟
ضمه مروان على الفور يشعر بقلبه الآن يحترق..وهو يقول بألم:
لأ يافارس مش زعلان ومستحيل هوديكم عند الشيطان ده تانى وماما محدش هيقدر يمس شعرة منها طول ما أنا عايش..وأي حد آذاها أو حتى.. أوعدك إنى هنتقم منه ومش هسيبه أبدا.
ضمه فارس بقوة يشعر لأول مرة فى حياته بالأمان هنا بين ذراعي هذا الرجل الغريب عنه ولكنه أصبح أقرب الناس إليه بعد والدته..ليبتعدا عن أحضان بعضهما عندما سمعا حمحمة قريبة منهما ليلتفتا سويا لمصدر الصوت يطالعان تلك الفاتنة الرقيقة والتى يعشقانها سويا..لينهض فارس مسرعا إليها ومحيطا خصرها لتضمه بين أحضانها بحنان بينما يتابعهما مروان بعشق..لتلتقى عيناه بعينيها فى تلك اللحظة ليقرأ تلك الكلمة الصامتة فى عينيها ورسمتها شفتيها متمتمين..أحبك..ليهمس لها بصمت عاشق..أحبك أكثر.. فتبتسم تلك العينان اللتان سحرتاه من اللحظة الأولى..ولكنها تتذكر فجأة ماجاءت لتخبره به وأنساها إياه هذا المشهد الحان بين الأب وولده.. لتقول فى صوت استشعر فيه الغيرة فابتسم بداخله:
مدام سوزى تحت وطالبة تقابلك.
ابتسم وهو ينهض قائلا:
تمام..كملى مع فارس لعب يازينة وانا هخلص مع سوزى وأرجعلكم.
أومأت برأسها قائلة وهي تجز بأسنانها:
تحت أمرك يامروان بيه.
ليهلل فارس وهو يتجه إلى مكانه باللعب..بينما إقترب منها مروان ومع كل خطوة تزداد دقات قلبها سرعة حتى أصبح بجوارها تماما ليهمس قائلا:
وحشتى مروان بيه يازينة هانم.
نظرت إليه فوجدته يرسل إليها قبلة فى الهواء قبل أن يغادر الغرفة مبتعدا لتشعر زينة وكأنها قد عادت إبنة الثامنة عشرة مجددا..تشعر بالذوبان من نظرته..همسته بل من صورته حتى إن مرت بخيالها..لتفيق على صوت فارس وهو يقول:
إيه ياماما..واقفة كدة ليه؟مش هتيجى تلعبى؟
ابتسمت قائلة:
جيم واحد بس يافارس عشان ماما مش فاضية.
اومأ برأسه موافقا لتتجه إليه وتجلس بجواره تمسك بجهاز التحكم خاصتها …ليبدأ اللعب.
********************
جلست فتون إلى جوار ياسين فى السيارة لتجده متجهما فابتسمت بداخلها ..تدرك انه غاضبا للغاية من تباسطها مع وليد بالداخل وابتساماتها له ومازاد الطين بلة..حين قام وليد بدعوتهما للعشاء وعندما كاد ياسين أن يرفض..أسرعت هي بالموافقة لتشعر أن ياسين على وشك الغليان..من عروق جبهته ورقبته النافرين..مد ياسين يده يدير المفتاح لتوقفه يد فتون فانتفض مبعدا يده عن يدها وهو ينظر لها لتقول بنبرة إعتذار مصطنع:
خلاص بقى ياياسين ..ميبقاش قلبك إسود..عايزنى أعتذر..تمام..أنا آسفة ياسيدى.
نظر إليها متجهما وهو يقول:
انتى عارفة الأول انتى بتعتذرى عن إيه؟
إلتفتت إليه وهى تهز رأسها نفيا قائلة:
لأ مش عارفة..بس حاسة انك زعلان منى وانى عملت حاجة ضايقتك..وبصراحة مش حابة اشوفك وانت كدة.
رفع حاجبه قائلا:
كدة اللى هو إزاي يعنى؟
عقدت حاجبيها وهي تقول:
مكشر كدة..لأ ياسيدى.. أنا عايزاك زي الصبح.
لتقترب منه وهى تمسك وجنتيه بيديها الإثنتين تمطهما وهي تقول:
الابتسامة كانت من هنا لهنا.
ليتوقف الزمن عند تلك اللحظة ..الوجهين متقاربين والأنفاس متداخلة والعيون مسحورة كل منهما يتيه بعيون الآخر، يشعر بأنه يغرق ولكنه لا يتألم ولا يختنق..إنه غرق لذيذ لتترك فتون يديها ببطئ من على وجنتيه بينما ينظر هو إلى كرز شفتيها بأنفاس محبوسة..يدرك تماما أن مذاقهما كالشهد ولكنه حتى الآن شهد محرم عليه..ليغمض عينيه بقوة ليتمالك نفسه عن قبلة كانت آتية لا محالة ..بينما تراجعت فتون إلى مقعدها تشعر بالخجل ..بالإرتباك..بمشاعر عديدة ومختلطة..فآن الأوان أن تعترف لنفسها بعد أن أنكرت كثيرا أنها أرادت قبلته وبقوة..لتتنازعها المشاعر مجددا ولكن تلك المرة كانت الغلبة لمشاعر أخرى أدركت أنها لم يعد فى إمكانها نكرانها..لتشعر بالتيه..أفاقت من افكارها على صوت ياسين يقول فى هدوء:
انتى..يعنى.. مش كنتى واعدانى بجولة فى بيروت؟غيرتى رأيك ولا إيه؟
لتلتفت إليه تنظر إلى عينيه قائلة بارتباك:
آه..لأ طبعا مغيرتش..احم..إطلع بينا يلا؟
نظر إلى عمق عينيها وهو يقول:
على فين؟
قال قلبها (جهنم) وقال لسانها (الروشة) .
********************
دلف مروان إلى حجرة المكتب ليجد سوزى التى نهضت على الفور لدى رؤيته واقتربت منه تمد يدها إليه قائلة فى دلال:
ازيك يامروان..عامل إيه؟
سلم عليها وهو يضغط على يدها ليقفز قلبها فرحا وهو يقول:
أنا تمام ياسوزى..وحشتينى.
قالت فى لهفة:
بجد يامروان وحشتك..ولا بتجاملنى؟
مال عليها ينظر إلى عينيها مباشرة.. تلفحها أنفاسه الساخنة وهو يقول:
لو مكنتيش وحشتينى مكنتش قلتهالك..وبعدين مش معقول تكونى شاكة فى جمالك ورقتك اللى ممكن يأثروا على أي راجل.
اقتربت منه أكثر وهي ترفع يدها تمرر أظافرها الطويلة المطلية بعناية على وجنته قائلة :
أي راجل فى الدنيا إلا أنت..ياما تعبتنى وسهرتنى الليالى عشان أسمع منك الكلمتين دول وإنت ولا إنت هنا..وده اللى محيرنى يامروان..إشمعنى دلوقتى؟
أمسك مروان بيدها يقبلها فى نعومة خلبت لبها وأطارت عقلها لينظر إليها مجددا وهو يقول:
أياميها كنتى مرات بابا وكان مستحيل أبصلك ولو كنتى ملكة جمال..إنما دلوقتى……
وترك جملته معلقة لتظهر السعادة على وجهها وهي تقول:
بجد فرحتنى بكلامك يامروان..لدرجة إنى حاسة إنى طايرة فى السما.
إبتسم داخله بسخرية ولكنه قال فى نعومة وهو يترك يدها مشيرا إلى المقعد المواجه لمكتبه قائلا:
طب إنزلى على الأرض يابرنسيسة وأقعدى عشان نتكلم فى الشغل..مبقاش فيه وقت.
ليتركها ويتجه إلى مقعده بينما قالت هي بإحباط:
نزلت ياسيدى..ها..قول اللى عندك.
جلس يبتسم قائلا:
مش أنا اللى عندى كلام أقولهولك..انتى اللى عندك قرار هتقوليهولى حالا..معانا ولا مش معانا؟
جلست قائلة:
معاكم طبعا.
أحس بالإنتصار ليقول بإبتسامة حقيقية:
كدة تمام أوى..يبقى هنمضى العقود بكرة فى جحر الشيطان.
عقدت حاجبيها قائلة:
بكرة كدة علطول؟
ابتسم قائلا:
طبعا علطول.
ليشير إلى هاتفه القابع على مكتبه وهو يقول:
الناس لسة مكلمينى النهاردة وهيبعتوا البضاعة على آخر الأسبوع فلازم نكون جاهزين ونمضى معاهم العقود بكرة.
قالت سوزى بهدوء:
تمام..بكرة نتقابل ونمضى العقود..و…..
قاطع كلماتها صوت طرقات على الباب ليسمح مروان للطارق بالدخول وهو يعرف هويته مسبقا..لتظهر فاتنته على الباب..ترمق سوزى بنظرة حادة بادلتها إياها سوزى لتتجاهلها زينة تماما وهي تنظر إلى مروان قائلة:
ممكن كلمة على إنفراد؟
رمقتها سوزى بغل بينما قال مروان ببرود:
تمام بس بسرعة..إنتى شايفة إنى فى إجتماع مهم.
أحست سوزى بالإنتصار لترمق زينة بنظرة فوز تجاهلتها الأخيرة وهي تغادر يتبعها مروان الذى أغلق باب المكتب خلفه..لتقول زينة بغيرة واضحة:
يعنى مش كفاية قافل عليكم باب المكتب ..كمان بتكلمنى بالطريقة دى أدامها.
قال مروان بأسف:
معلش ياحبيبتى إنتى عارفة كل اللى بعمله ده عشان إيه؟
زفرت زينة قائلة:
وده اللى مصبرنى..المهم..أنا عارفة إنك من ساعة ماعرفت الحقيقة ومانعنى أشتغل فى البيت بس دادة تحية تعبانة ولازم أساعدها..ممكن ؟
رفع يده يمررها على وجنتها بحنان قائلا:
ممكن ..بس لغاية ما أجيب شغالة جديدة تريحك وتريح دادة تحية..مفهوم؟
أومأت برأسها بابتسامة ليبتسم إليها بدوره قائلا:
إمشى بقى من أدامى دلوقتى قبل ما أتهور وأبوسك وسوزى تشوفنا وكل اللى بعمله يبوظ.
ابتسمت قائلة:
لأ وعلى إيه..الطيب أحسن..سلام.
وأسرعت تمشى من أمامه ليوقفها صوته المنادى بإسمها التفتت اليه بحيرة ليقترب منها بسرعة يمسك رأسها بيده آخذا شفتيها فى قبلة حبست أنفاسها ثم تركها لتبتلع ريقها بصعوبة تشعر بقلبها تتقاذف دقاته ليربت على وجنتها بحنان يدرك قوة مشاعرها الآن وضعفها اللذان يشعر بمثيلهما فى قلبه قائلا:
امشى يازينة..ياإما هجازف بكل حاجة ومش هيهمنى سوزى .. أنا على أخرى.
أسرعت تغادر ليتابعها بعينيه فى عشق..ثم مالبث أن إلتفت متجها إلى تلك الحية.. ليدلف مجددا إلى الغرفة..حيث وجد سوزى جالسة تنظر إلى أظافرها المطلية بملل.. فقال لها بهدوء:
أنا آسف ..طولت عليكى بس دادة تحية تعبانة شوية وكنت بطمن عليها.
قالت سوزى بأسف مصطنع وهي تنهض متجهة إليه :
لأ ..سلامتها الف سلامة يامروان..عموما أنا كنت ماشية حالا لإنى إتأخرت على ميعاد مهم..أشوفك بكرة.
لتميل عليه مقبلة إياه فى وجنته..قبل أن تغادر ليمد يده فى جيبه يخرج منديله ويمسح به آثار قبلتها فى إشمئزاز ملقيا نظرة على هاتفه الذى تغير وضعه ليبتسم فى سخرية……وإنتصار.
الفصل الخامس والعشرون
تطلعت فتون إلى المارة بهدوء ثم نظرت إلى فنجال قهوتها لتغمس طرف إصبعها الخنصر فيه ثم تتذوقه وهي تغمض عينيها إستمتاعا ثم تفتحهما وهي ترفع فنجال قهوتها إلى شفتيها ترتشف منه برقة..حانت منها فى تلك اللحظة نظرة إلى ياسين الذى وجدته ينظر إليها بصدمة عاقدا حاجبيه..كادت أن تشرق ولكنها تمالكت نفسها وهي تنزل فنجالها من يدها قائلة فى حيرة:
مالك ياياسين؟بتبصلى كدة ليه؟
قال ياسين دون وعي منه:
الحركة اللى عملتيها دى.
قالت فى حيرة:
حركة إيه؟
أشار إلى إصبعها الخنصر وهو يقول :
لما نزلتى صابعك فى فنجال القهوة.
قالت بحيرة أكبر:
وفيها إيه دى؟
أغمض عينيه فى ألم قائلا:
فكرتينى بواحدة كانت بتعمل كدة بالظبط.
ابتلعت ريقها فى صعوبة وهي تقول:
والواحدة دى مين؟أختك؟
فتح عينيه وقد ظهر الألم بهما لتشعر فتون بالحيرة وهو يقول:
لأ مش أختى..بس هي كانت واحدة عزيزة علية أوى.
قالت فتون بأنفاس مختنقة:
كانت؟؟؟
أطرق برأسه قائلا:
مع الأسف مبقتش موجودة معانا فى الدنيا.
ليرفع إليها عينين تلمع فيهم الدموع لتشعر فتون بصدمة شديدة وهو يستطرد قائلا:
للأسف ماتت.
لم تدرى فتون سبب تلك الدموع الساكنة بعينيه..هل هي مزيفة أم أنها ناتجة عن ندمه الشديد ..ترى هل قتلها بالخطأ وشعر بالندم بعدها..أم أنه فقط ممثل بارع؟هي حقا لم تعد تدرى.
قالت بحزن:
الله يرحمها.
اغمض ياسين عينيه ليتمالك نفسه ثم يفتحهما قائلا بصوته الرخيم:
الله يرحمها.
لينظر ياسين إلى عمق عينيها قائلا:
بتفكرينى بيها أوى يافتون..فيكى كتير منها.
أحست فتون بالخطر..تشعر بانه على وشك كشف سرها..لتحاول تغيير الموضوع وهي تلمح طفلا صغيرا يحمل باقة ورد فأسرعت تقول:
شايف الطفل اللى هناك ده؟
نظر ياسين بإتجاه ذلك الطفل ليومئ برأسه قائلا:
آه شايفه..ماله؟
نظرت إليه قائلة:
كل ما بآجى هنا بشوفه..دايما كان فى إيده الورد والبسمة على شفايفه..لكن لما بصيت جوة عينيه لقيت دمعة مستخبية ..الدمعة دى من حزنه على والدته..مرة قعدته معايا وخليته يحكيلى ..قاللى إنها مريضة وإنه بيشتغل عشان يساعدها..حاولت أديلو فلوس مرضاش..عزة نفسه مش قادرة أقولك أد إيه بتجنن رغم فقره..بقيت آجى مخصوص هنا عشان آخد منه كل الورد وأديلو فلوسه ..دى الحاجة الوحيدة اللى قبل إنى أعملهاله.
نظر ياسين إلى نبرات صوتها الحانية الحزينة على حال الطفل الصغير وطيبة قلبها الظاهرة ليشعر بأنه يغرق أكثر فى عشقها..ليقوم بالإشارة للطفل الذى جاء على الفور بإبتسامة مشرقة حين رأى فتون قائلا:
أهلا وسهلا ست فتون.. طولتى الغيبة والله..نورتى المكان كلياته.
ابتسمت فتون قائلة:
ده نورك إنت ياجود.
نظر جود إلى ياسين قائلا:
وإنت يابيك نورت بيروت ..إنت من مصر ما هيك؟
ابتسم ياسين قائلا:
هيك.
إبتسم الطفل قائلا:
أؤمرونى.
قال ياسين:
الحقيقة ياجود..أنا كنت بدور على عقد ورد عشان فتون ملقتش حد ممكن يعملهولى..تقدر تعملهولى إنت؟
قال جود فى حماس:
طبعا يابيك..إذا بدك أنا بوصله لعندك
قال ياسين وهو يتظاهر بالحيرة قائلا :
مش هتعرف توصلى..طب هنعمل إيه؟أقولك..إدينى عنوانك وأنا ابعتلك واحد النهاردة ياخده منك..واللى تطلبه هتاخده ..ها إيه رأيك؟
ظهرت الفرحة جلية على وجه الطفل وهو يقول :
تكرم عيونك يابيك..اكتب عندك العنوان.
ليخرج ياسين مفكرته ويدون بها العنوان..لتدرك فتون أخيرا ما يحاول فعله..تتساءل بحيرة شديدة عن طبيعة ذلك الرجل..والذى بداخله كل ذلك الذكاء إلى جانب ذلك الحنان وتلك الطيبة التى تعامل بها مع الصبي..قبل أن يأخذ منه الورد وينفحه مبلغا من المال ليغادر جود وقد ارتسمت على ملامحه السعادة جلية..ليلتفت ياسين إلى فتون قائلا:
النهاردة ياستى هيروحلهم فاعل خير وهيخلى مامته تتعالج على حسابه وبكدة مشكلة جود اتحلت..
ليتنهد قائلا:
ياريت مشاكل الدنيا فلوس..مكنش هيبقى فيه حد مضايق أو زعلان.
نظرت فتون إليه فى حيرة قائلة:
وإنت مشكلتك إيه ياياسين؟
نظر إليها لثوان يتأمل ملامحها الرقيقة قبل أن يزفر وهو يشير إلى قلبه قائلا:
مشكلتى ده..قلبى..مهوش مرتاح..أدامه الراحة ومش عارف يوصلها ولا قادر يطولها أو يقرب منها.
عقدت حاجبيها قائلة:
وإيه اللى مانعك؟
تراجع ياسين فى مقعده قائلا:
مش عارف..يمكن خايف أو متلخبط..يمكن حاسس بالذنب وعشان كدة مش مرتاح..يمكن ويمكن ..بس الأكيد إنى تعبان ..تعبان أوى يافتون.
أحست فتون بالألم..اذا هو الذنب..الذنب هو ما يعذب كليهما ..فهو يشعر بالذنب لقتل أختها..وهي تشعر بالذنب لأنها أحبت قاتل أختها..تبا لذلك الإحساس البغيض ..وتبا لذلك العشق الذى حملته بقلبها.
*********************
جلست سوزى أمام عدنان وهي تمنحه الفلاشة قائلة بغرور:
وآدى الفلاشة اللى عليها كل حاجة تخص فون مروان ياعدنان..قلتلك إنى هقدر أجيبها وبسهولة كمان.
قال عدنان وهو يأخذ الفلاشة منها:
متأكدة إن عليها كل حاجة ياسوزى؟
قغلت سوزى بثقة:
طبعا متأكدة.
إلتمعت عينا عدنان بإنتصار وهو يقول:
كدة تمام أوى..هتأكد من اللى عليها ولو اطمنت يبقى هنمضى العقد وبكدة هنعلى أوى فى السوق ياسوزى..أنا ممكن أعتزل خالص بعد الصفقة دى.
التمعت عينا سوزى قائلة :
وانا كمان هعمل القرية السياحية اللى نفسى فيها.
نظر إليها عدنان قائلا:
هو لسة مصمم يدخلك شريكة معانا ياسوزى؟
قالت سوزى بحدة:
وانت عندك مانع ياعدنان؟
ابتسم عدنان ابتسامة شيطانية مثله وهو يقول:
لأ طبعا ياحبيبتى..إيه اللى هيخلينى أرفض بس؟
نظرت إليه سوزى قائلة بسخرية:
المليارات اللى هاخدها واللى أكيد كنت هتبقى عايزها لوحدك.
اتسعت ابتسامته الخبيثة قائلا:
وأنا وانتى إيه ياسوزى..مش واحد؟
تراجعت سوزى فى مقعدها وهي تضع قدما فوق الأخرى قائلة:
مش عارفة ياعدنان..قول إنت.
مال ينظر إلى عينيها وهو يقول بغمزة:
تحب أثبتلك وحالا على المكتب ده.. إن احنا واحد ياسوزى.
انطلقت ضحكتها لتقول بعدها:
مفيش فايدة فيك ياعدنان..دماغك دايما شمال.
ابتسم عدنان قائلا:
وماله الشمال ..ماهو اللى معيشنا فى العز ده كله..المهم خلينا فى الشغل.
قام بالضغط على زر..ليسمع بعدها طرقات على الباب فيسمح للطارق بالدخول فإذا به هارون الذى قال بهدوء:
تحت أمرك ياعدنان باشا.
أشار له عدنان بالتقدم ليمد يده إليه بالفلاشة قائلا:
الفلاشة دى تتفرغ حالا وتتأكدوا من كل المعلومات اللى عليها..ولما تتأكد تدينى الأوكيه فى خلال ساعة بالكتير.
تناولها منه هارون وهو يعقد حاجبيه قائلا:
مش هنلحق ياباشا.
طرق عدنان المكتب بقبضته فى قوة وهو يقول:
لما أقول ساعة تبقى هي ساعة..ولو مش هتقدر عليها ياهارون..أجيب اللى يحل محلك ويقدر عليها..مفهوم؟
جز هارون على أسنانه وهو يتمالك نفسه من غضب اشتعل بأحشائه قائلا:
مفهوم ياباشا..عن إذنكم.
وغادر الغرفة لتقول سوزى:
تؤ تؤ..مش كدة ياعدنان.. هارون مساعد شاطر جدا وانت كدة هتخسره.
أشار عدنان بيده بلا إهتمام قائلا:
هارون واللى زيه كلاب..موجودين فى كل حتة ..يغور واحد..ييجى عشرة..المهم أنا عايزك بكرة بعد مانمضى العقد مع مروان تبقى زي ضله..عينك متنزلش من عليه أبدا..مفهوم؟
أومأت برأسها فى هدوء غافلين عن أذنين سمعت حديثهم وأدرك صاحبهما أنه بلا قيمة عند رب عمله..وأنه يجب أن يتخذ خطوة تجاه ذلك..ولكنه فقط سينتظر الوقت المناسب.
********************
كانت دارين تسير خلف نبيل الذى سبقها بخطوة..تتساءل فى حيرة عن سر عصبيته الشديدة اليوم..حتى إنه لم يتطلع إليها ولو لمرة واحدة لتنتابها الشكوك مجددا حول مشاعره تجاهها وها هما الآن فى مرآب السيارات الخاص بشركة ذلك المدعو توفيق..لتلتمع الفكرة فى رأسها فجأة وتتساءل أهذا ما يؤرقه..ذهابهما إلى توفيق؟ ..أكان من المفترض أن تقول له أنها لا تزد الذهاب معه؟لتقول بسرعة ودون تفكير:
نبيل !
إلتفت إليها فجأة فإصطدم بها وكادت أن تقع ليسرع بإسنادها لتقع بين ذراعيه تغمض عينيها بقوة تتناثر خصلاتها على وجهها فى صورة خلبت لبه ليرفع يده يزيح خصلاتها خلف أذنها لتفتح عينيها ببطئ لتقابل عينيه اللتان تاهت فى ملامحها..ابتلعت ريقها بصعوبة..وهي تتأمل ملامحه بدورها لتذوب كلية حين مرر يده على وجنتها قائلا بهمس ملئ بالمشاعر والتى ظهرت جلية فى عينيه ونبراته:
مش تاخدى بالك يادارين.
قالت بتيه:
أنا…أنا…
تأمل شفتيها الجميلتين قائلا :
انتى إيه؟
حبست أنفاسها وهي تشعر بأن قلبها على وشك الإنفجار..لتغمض عينيها ثم تفتحهما مجددا وهي تعتدل ثم تبتعد عن مرمى ذراعيه ليتركها على الفور وهو يفيق بدوره من تلك المشاعر التى تملكته..لتقول هي بتوتر وهي تفرك يديها :
أنا مش عايزة أحضر الاجتماع ده.
تأمل ملامحها بهدوء قائلا:
ليه يادارين؟
نظرت إلى عينيه قائلة:
لإنى مش حابة البنى آدم ده ومش برتاح لنظراته لية..والأهم إنك بتزعل لما بجامله حتى بابتسامة باردة وأنا مش عايزاك تزعل منى.
تأمل ملامحها قائلا:
ويهمك اوى زعلى يادارين؟
قالت فى لهفة:
أكيد.
لتجده يبتسم فتطرق برأسها خجلا قائلة:
قصدى..يعنى.. انت رئيسى فى الشغل وأكيد مش هحب إنك تكون زعلان منى.
لتتسع إبتسامته وهو يرفع حاجبه قائلا:
رئيسك؟ماشى يادارين.
ليمسك يدها يتجه بها عائدا إلى السيارة لتقول بحيرة:
انت رايح بينا على فين؟
قال وهو يضغط ذلك الجهاز فى يده لتفتح السيارة :
هوصلك الشركة وأرجع تانى.
توقفت دارين مكانها ليتوقف نبيل بدوره ينظر إليها وهي تقول:
وليه بس تتعب نفسك..أنا ممكن أروح لوحدى على فكرة.
مال عليها قائلا:
وأنا مش هسيبك تروحى لوحدك..هوصلك.
نظرت إليه بحيرة قائلة:
بس إنت كدة هتتأخر على ميعادك مع توفيق.
إبتسم وهو ينظر إلى عمق عينيها قائلا:
مش مهم..المهم إنى أبقى مطمن عليكى يادارين.
حبست أنفاسها من كلماته التى جعلت قلبها ينتفض من السعادة..ليمرر يده على وجنتها قائلا بابتسامة:
هنفضل واقفين كدة كتير؟
أطلقت سراح أنفاسها وهي تترك يده متجهة إلى مقعدها بسرعة تضع يدها على وجنتيها التى اشتعلتا من الخجل يتابعها نبيل بعينيه قبل أن يتنهد وهو يتجه بدوره إلى مقعد القيادة..يشعر بأنه لن يستطيع الابتعاد عنها أكثر من ذلك..هو يحبها..يعشق تفاصيلها ..يريدها فى حياته وبقوة..ولكن يظل انتقامه من أخيها الحائل الأكبر بينهما..ولا سبيل لتفادى مرارة الفقدان.
الفصل السادس والعشرون
دلفت فتون إلى ذلك المطعم الشهير ببيروت..يجاورها ياسين..لتلتفت الأنظار إليهم على الفور وقد بدوا فى أجمل حلة..وكأنهما ثنائي سينمائي..اقتربا بهدوء من وليد الذى أشار إليهما ..ليقف ما ان اقتربا منه يسلم عليهما ويعرفهما على فتاة جميلة و رقيقة قائلا:
نهاد ..حبيبتى وقريب أوى هتبقى خطيبتى.
اتسعت عينا فتون فى دهشة قائلة:
مش معقول..واخيرا..فرحتنى أوى ياوليد.
لتلتفت إلى نهاد قائلة:
ألف مبروك يانهاد..قدرتى تعملى اللى محدش قبلك قدر يعمله ..وقعتى وليد فى الحب ..ده إنجاز كبير على فكرة.
ابتسمت نهاد وهي تغمز لها قائلة:
عارفة والله..الموضوع مكنش سهل برده..كل اللى احتاجه بلاغ فى القسم وقضية..وشكرا.
نظرت فتون إلى وليد فى صدمة قائلة:
بلاغ وقضية..انت عملت إيه ياوليد؟
ابتسم وليد قائﻻ:
والله ماعملت حاجة..اقعدوا بس وأنا أفهمكم.
ليجلسوا جميعا فيقول وليد على الفور:
كل الحكاية إن نهاد صحفية..وجالها معلومات عن صفقة مريبة بتم فى شركتى وطبعا الهانم راحت جري نشرت الكلام ده فى الجريدة اللى هي بتشتغل فيها..وأنا طبعا مسكتش أول ما عرفت ان فيه صحفية قالت كلام مش كويس عن الشركة قدمت فيها وفى جريدتها بلاغ وبعدين رفعت قضية..ويوم القضية…
لينظر إلى نهاد بعشق وهو يستطرد:
أول ماشوفت نهاد حسيت بقلبى بينتفض بإحساس حسيته لأول مرة فى حياتى كلها..حسيت إن هي دى اللى عشت عمرى مستنيها..نسيت أنا موجود فى المحكمة ليه ونسيت كل حاجة تانية غير إنى عايزها تكون فى حياتى وبس.
مدت نهاد يدها تمسك بيده وهي تبادله نظرة العشق قائلة:
واتنازل يوميها عن القضية وده خلانى أستغرب..فرحت بس مافهمتش ليه اتنازل ومااهتمتش..لقيته بعدها فى كل مكان ..وكأنه ضل لية..صديته فى الأول بس واحدة واحدة لقيت نفسى أنا كمان بحس ناحيته بإحساس أول مرة أحسه فى حياتى..ومن يومين عرض علية الجواز وأنا وافقت..
لتنظر إلى فتون وياسين قائلة :
بس مستنيين بابا ييجى من مصر عشان نعمل حفلة صغيرة نلبس فيها الدبل.
ليبتسم وليد قائلا:
والفرح هيكون بعد شهرين وأكيد أنتوووا معزومين من دلوقتى وجايين.
ابتسم كل من فتون وياسين وهما يومئا برءوسهما بينما قالت فتون بابتسامة رائعة:
أنا مش قادرة أقولكم فرحانة أد إيه..وبجد ده أحلى خبر سمعته من يوم وفا…
لتقطع كلامها فجأة وقد أدركت ما كادت أن تفصح عنه لتستطرد بهدوء:
من يوم ما عرفت وليد..ألف مبروك ياجماعة.
إبتسمت نهاد قائلة:
الله يبارك فيكى يافتون..وعقبالكم.
قالت فتون بسرعة:
لأ إحنا مش مع بعض.
لتسترق النظر إلى مروان الذى عقد حاجبيه قائلة بإرتباك:
يعنى..إحنا شركا فى الشغل وبس.
أدرك وليد توتر الموقف ليقول بهدوء:
الأغنية دى انتى بتحبيها يافتون..إيه رأيك؟
عقدت فتون حاجبيها بحيرة قائلة:
رأيى فى إيه؟
نهض قائلا وهو يمد يده إليها:
تسمحيلى بالرقصة دى؟
ابتسمت وهي تمد يدها إليه قائلة:
طبعا أسمحلك.
لتنهض قائلة:
بعد إذنكم..
تابعها مروان بعينين اتقدتا شرارة..يشعر بأنه على وشك إرتكاب جريمة قتل ..خاصة وهو يرى وليد يحيط خصرها بيده بينما يمسك بيدها باليد الأخرى..وهاهما الآن يتهامسان ويضحكان..ليكاد أن ينهض ويذهب إليهما ينتزعها إنتزاعا من بين ذراعيه..ولكنه تمالك نفسه حتى لايثير فضيحة فى ذلك المكان.
ليفيق على صوت نهاد وهي تقول:
قلتلى إنكم شركا وبس..مش كدة؟
نظر إليها قائلا فى هدوء:
أيوة..شركا وبس.
ابتسمت نهاد قائلة:
طب ليه كل الغيرة اللى فى عيونك دى وانت شايفهم بيرقصوا مع بعض.
نظر إليها ياسين بارتباك قائلا:
أنا..أنا مش غيران ولا حاجة.
اتسعت ابتسامة نهاد قائلة:
لأ غيران وأوى كمان وده بيدل على شئ واحد..وهو إنك بتحبها..بس لما انت بتحبها مبتقولهاش ليه؟
تعجب ياسين من صراحتها وأسلوبها المباشر معه رغم أنها لا تعرفه جيدا..ليدرك أن تلك طبيعتها الصحفية..أطرق ياسين برأسه قائلا:
لسة الوقت مش مناسب.
قالت نهاد بتقرير:
مادام بتحبها وهي بتحبك..يبقى مفيش وقت أنسب من كدة.
قال ياسين بشرود:
مش يمكن هي مبتحبنيش؟
قالت نهاد:
مين قال كدة؟..ركز معاها وهتلاقيها كل شوية عينها بتيجى علينا تدور عليك..إسألنى أنا وأنا أقولك..مش عشان صحفية وبس وباخد بالى من أدق التفاصيل..لأ..أنا كست أقدر أقولك..إن فتون بتحبك ويمكن مستنية خطوة منك عشان هي كمان تعترف بده.
نظر ياسين بإتجاه فتون ليجدها بالفعل تنظر إليهم ليعود بنظراته إلى نهاد وهو يقول لها:
مش عارف..يمكن معاكى حق.
لتلتمع عيناه قائلا:
طب إيه رأيك تسمحيلى أنا كمان بالرقصة دى؟
ابتسمت نهاد وهي تنهض قائلة بحماس:
بكل سرور ياياسين..يلا بينا.
لينهض ويمسك بيدها يتجهان إلى حلبة الرقص ويرقصان بدورهما على نغمات أغنية نخبى ليه (لوائل جسار)..بينما كل من فتون وياسين يسترقان النظر إلى بعضهما البعض حتى اقترب وليد بفتون من ياسين ونهاد ليقول بابتسامة:
تسمح تاخد شريكتك وتسيبلى خطيبتى أرقص معاها شوية.
قال ياسين بابتسامة:
ماهي كانت أدامك وانت اللى خدت شريكتى وسيبتها.
قال وليد بمرح:
خليك محضر خير..فتون وعدتنى برقصة من ٣ سنين وكان لازم توفى بوعدها..هات بقى خطيبتى قبل الأغنية ماتخلص.
ابتسم ياسين وهو يترك نهاد لتقترب من وليد وترقص معه بينما اقتربت فتون وهي تشعر بدقات قلبها المتسارعة خاصة حين وضع ياسين يده على خصرها بينما أمسك بيده الأخرى يدها لتقترب فتون منه أكثر تتغلغل كلمات الأغنية إلى قلبها وعقلها..لتترك كل الأفكار الآن وتستمع فقط إلى نغمات قلبها ….
(نخبى ليه فى اسرارنا وانا وانت مفيش غيرنا
ولو ننسى مشاعرنا نكلم مين يفكرنا
يا روح الروح بتنسانى و انا فاكر ومش بنساك
تغيب عن عينى من تانى ومن غير حب اعيش ازاى
ومهما تغيب… بعيش وياك و اشوفك و انسى فيك احزانى
ودمعة حب فى عينيا بتستناك يا احلى ملاك
قالولى الحب له علامات فى نبض القلب والهمسات
وروح تنادى عليك و رعشة ايدى فى السلامات
فى عز سكوتنا نتكلم عيوننا بتحكى
وبتحلم وانا حسيت بأنفاسك تدفى ايديا و تسلم
اقول انا اه
ومن غير صوت تحبنى موت و احبك موت
واحساسنا يونسنا و اقوى من الحياة و الموت
ومهما تغيب…. بعيش وياك و اشوفك و انسى فيك احزانى
ودمعة حب فى عينيا بتستناك يا احلى ملاك).
أغمض ياسين عينيه عندما شعر برأسها يرتاح على صدره يستمع بدوره إلى تلك الكلمات التى عبرت عما يدور بخافقه الذى ينبض الآن بجنون.
********************
تسلل مروان من خلف زينة الجالسة على المقعد أمام حمام السباحة تتابع فارس الذى يعوم بداخل..ليحيط عينيها بيديه قائلا:
أنا مين؟
ابتسمت وهي ترفع يديها تضعهما على يديه قائلة بعشق:
إنت حبيبى وعمرى وكل حاجة حلوة فى دنيتى.
رفع يديه عن عينيها وهو يحتفظ بيديها ويلتفت ليجلس بجوارها ينظر إلى عينيها الجميلتين قائلا بعشق:
لحد إمتى هيفضل كلامك يأثر فى قلبى ويخلينى عاجز عن إنى أرد عليكى..عايز أفضل أسمعك وانتى بتتكلمى وبس.
ابتسمت قائلة:
لحد ما نكبر ونعجز وتصدع منى.. وتقولى كفاية بقى كلام ..انتى رغاية أوى يازينة.
أحست بلمحة ألم تمر بعينيه لتختفى سريعا تاركة إياها فى حيرة وهو يقول بإبتسامة أحست بها لمحة من المرارة:
مش ممكن ده يحصل أبدا يازينة.
قالت زينة فى حيرة:
إيه ده اللى مش ممكن يحصل يامروان؟
داعب أنفها بيده قائلا بابتسامة:
إنى اقولك كفاية كلام وإنك رغاية..إنتى متعرفيش صوتك بس بيعمل فية إيه؟مابالك بقى بكلامك.
رفعت يدها تمررها على وجنته بحنان قائلة:
لأ عارفة..زي صوتك وكلامك مابيعملوا فية بالظبط.
تنهد فى عشق قائلا:
طب بس بقى ياست زينة وإلا والله العظيم.. أكون بايسك دلوقتى أدام فارس ويحصل اللى يحصل.
أطلقت زينة ضحكة صاخبة..ليتيه مروان فى تلك الضحكة التى لطالما خلبت لبه ثم يتنهد قائلا:
بحبك أوى يازينة..أكتر ما قلبى يتحمل بكتير.
قطعت ضحكتها عندما وصلت إليها كلماته العاشقة لتنظر إلى عينيه مباشرة قائلة:
بحبك أكتر ياقلب زينة إنت.
تاه كل منهما فى عين الآخر..وظلا هكذا لثوان حتى قطع هو تلك النظرات وهو ينظر إلى ساعته ليعقد حاجبيه قائلا:
ياه الوقت خدنى وكدة هتأخر.
ثم ينظر إلى زينة قائلا:
إدعيلى يازينة.
أمسكت زينة يده قائلة بقلق:
إنت برده رايح هناك؟
ربت على يدها قائلا بحنان:
متقلقيش..أنا رايح أمضى العقد وجاي علطول..مسافة السكة يعنى.
أومأت زينة برأسها قائلة:
خلى بالك من نفسك.
قرصها من وجنتها بخفة قائلا:
قلتلك متقلقيش.
ثم نهض ليستوقفه صوتها وهي تقول:
مروان انت كنت فين الصبح..أنا قلقت لما صحيت ملقتكش.
شعرت بارتباكه لثانية ثم تمالكه لنفسه وهو يقول:
أبدا ..روحت الشركة بس أطمن على شوية حاجات هناك..انتى عارفة ان ياسين مسافر.
ابتسمت قائلة:
تمام ياحبيبى ..ربنا يعينك.
ابتسم وهو يقبلها من وجنتها..ثم يشير إلى فارس المستغرق بالسباحة مودعا ليشير إليه فارس بدوره..ليغادر وقد زالت تلك الابتسامة على الفور لتتحول ملامحه إلى الألم..يدرك أنه كذب عليها ولكنه لم يرد فقط أن يقلقها..فتكرار نوبات ألم قلبه جعلته يخشى الموت ويترك زينة وولده بلا شئ يحميهم من عثرات الزمن..ليذهب إلى المحامى فى الصباح على الفور ويكتب كل شئ يملكه لهما..ليشعر ولو مؤقتا ……..بالإرتياح.
**********************
قالت الجدة فى جزع:
انت متأكد من الكلام ده يارءوف؟
أجابها محدثها لتغمض عينيها ثم تفتحهما مجددا وهي تشعر بالألم قائلة:
لأ خلاص..كفاية كدة..ابقى عدى علية عشان تاخد بقية حسابك.
استمعت إلى محدثها مجددا ثم قالت:
تسلم ياابنى..تسلم.
ثم أغلقت الهاتف وهي تجلس فلم تعد قدماها قادرتان على حملها..تدرك وبكل ألم أن حفيديها وفى القريب العاجل سيقعان تحت طائلة صدمة كبيرة..لا تعرف كيف تمهدها لهم..فحفيديها وقعا فى عشق اثنين لم يجيئا إلى مصر سوى لغرض واحد ..الانتقام من قاتل ميسون..حائرة أتخبرهما بتلك الحقيقة المرة وتصدمهما أم تتركهما ليغرقا أكثر فى أكاذيب فتون ونبيل؟..اومأت برأسها ..تعرف أنها لابد وأن تخبرهما بالحقيقة..لتدرك وبكل ألم أيضا أن قلوب حفيديها على وشك التحطم كلية..لتضع يدها على عينيها وهي تشعر بالقلق..الألم..والضياع.
********************
غمضى عنيكى بس ومتفتحهمش غير لما أقولك.
نطق نبيل بتلك العبارة وهو يسحب دارين من يديها وهي مغمضة العينين كما أمرها أن تفعل..لتقول فى حيرة:
مودينى بس على فين يانبيل؟
سمعت همسته الحانية القريبة من أذنيها وهو يقول:
ع الجنة..افتحى عيونك يادارين.
فتحت دارين عينيها ببطئ لترى محيطها..اتسعت عينيها بصدمة..فحولها تراصت مجموعة من البلالين الملونة الجميلة والتى تعشقها..وأمامها كتب على رمال الشاطئ بخط كبير (بحبك يادارين..تقبلى تتجوزينى؟)
نظرت إلى نبيل بعيون مصدومة تبغى أن تتأكد من صحة ما قرأت..ليبتسم نبيل قائلا:
من يوم ما شفتك وأنا بحبك..وأمنيتى اللى حلمت كتير إنى أحققها إنك تكونى ملكى..تقبلى يادارين..تقبلى تبقى حبيبتى ومراتى وأم عيالى.
ظهرت الفرحة جلية على وجهها وهي تقول:
طبعا أقبل..لأنى أنا كمان يا نبيل حبيتك من أول مرة شفتك فيها..وكل اللى اتمنيته من وقتها انى اكون ليك.
شعت عيون نبيل بسعادة طاغية ليحملها ويدور بها فى سعادة ..لتتناثر ضحكاتها تخترق سكون هذا المكان الساحر..لينزلها نبيل ببطئ يتأمل ملامحها الرقيقة الرائعة..لتتيه هي فى لون عينيه الرائعتين..نظرتهما إليها تأخذ أنفاسها بعيدا..تراه يقترب بوجهه منها فلم تستطع أن تحرك ساكنا..تنتظر قبلته الوشيكة بقلب ينتفض شوقا..حتى تقابلت الشفاه فى رقة لتنتابها العديد من الأحاسيس الجميلة..ليتعمق بقبلاته ينثرها على رقبتها وشفتيها.. آخذا إياها إلى الجنة..ولكن مهلا فجأة شعرت بالألم..الألم الشديد والغير محتمل ثم تذوقت طعم الدماء داخل حلقها.. لتبتعد عنه بقوة تمد يدها إلى شفتيها تلمسهما وهي تشعر بشئ لزج عليهما لترفع يدها أمامها وتتفاجأ برؤية الدماء عليها..نظرت إلى نبيل لتشعر بالصدمة تهز كيانها..فها هو يقف أمامها ولكنه مختلف تماما..عيناه الخضراوتان تحولتا إلى اللون الأحمر بينما ظهر له نابان طويلان..ونظرته إليها..نظرته أثارت القشعريرة فى جسدها وكأنه على وشك افتراسها..لتنتفض من الخوف وتبتعد مسرعة من أمامه ..تجرى بأقصى سرعة لديها هربا..ولكنه ما لبث أن أمسك بها لتدرك أن النهاية آتية لا محالة..لتصرخ فى فزع …
فتحت دارين عينيها تشعر بالرعب ..تنظر إلى محيطها بخوف لتهدأ أنفاسها وتضع يدها على قلبها تهدئ من نبضاته ايضا ..وهي تدرك أنها فى حجرتها وعلى سريرها..وأن كل ما مرت به هو كابوس فقط.. لتزفر ببطئ وهي تضرب على رأسها بخفة قائلة لنفسها فى غيظ:
كان لازم يعنى الحلم الحلو يقلب بكابوس فى الآخر..ما كنا ماشيين زي الفل والدنيا حلوة..يلا بقى.. عشان تحرمى تتفرجى على أفلام رعب قبل النوم يادارين.
نظرت إلى ذلك المنبه بجوار سريرها لتقول :
الساعة لسة ٦..هعمل إيه بس دلوقتى؟مش هعرف أنام تانى والشركة مش هتفتح قبل ٨.
لتنفض عنها غطاءها وقد لمعت عيناها قائلة:
أقوم أعمل شوية رياضة صباحية..من زمان معملتش رياضة..وأهو بالمرة أشغل بالى عن الكابوس اللى قلق منامى ده..بقى نبيل الكيوت..أحوله لمصاص دماء؟انا شكلى اتجننت رسمى.
لتنهض وتتجه إلى الحمام..تحاول أن تنسى كابوسها ولكن دون جدوى..فتجده يعود إلى عقلها كومضات يشغل فكرها ويصيبها رغما عنها بالقلق.
الفصل السابع والعشرون
سمعت فتون طرقات على باب حجرتها..فاتجهت إليه تفتحه لتفاجأ بياسين يقف أمام الباب..نظرت إلى عينيه قائلة بإرتباك:
ياسين..إيه اللى جايبك أوضتى فى الوقت المتأخر ده؟حصل حاجة؟
تأمل ملامحها لثوان قبل أن يقول بهدوء:
جالى تليفون من مصر ولازم ننزل بكرة الصبح عشان أمضى عقد شركة التوفيق..صاحبها طالب إنه يشاركنى فى الصفقة دى لوحدى..وبيقول إنه ميعرفش غيرى وميقدرش يثق فى حد تانى من شركائى.
قالت فتون بارتباك:
وانت..انت هتعمل إيه؟
تأمل ملامحها مجددا وهو يهز كتفيه قائلا:
هعمل إيه يعنى؟ ..هشاركه وهمضى..أنا خليت نبيل يتأكد إن وضع شركته كويس وإن كل حاجة تمام وهو إدانى الأوكيه من شوية..ييقى مفيش داعى نأجل وخصوصا اننا محتاجين سيولة عشان الصفقة بتاعة مروان.
نظرت إليه قائلة فى تردد:
يعنى خلاص هتمضى العقد؟وتشاركه لوحدك؟
نظر إلى عمق عينيها قائلا :
مع انى مش حابب بس انتى شايفة أدامى حاجة تانية ممكن أعملها؟بتهيألى ان الصفقة دى انتى اللى عرضتيها علية بنفسك وقلتيلى إنها صفقة مهمة ولا رجعتى فى كلامك؟
تنهدت قائلة:
لأ مرجعتش فى كلامى ولا حاجة..ميعاد الطيارة امتى؟ولا لسة محجزتش؟
قال فى هدوء:
لأ حجزت..طيارتنا بكرة الساعة ٨ الصبح.
أومأت برأسها فى هدوء قائلة:
تمام ..هكون جاهزة.
أومأ برأسه قائلا:
تصبحى على خير.
قالت بصوت خرج رغما عنها مهزوزا:
تلاقى الخير.
نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يلتفت مغادرا لتغلق الباب وتستند بظهرها إليه تغمض عينيها وهي ترفع يدها تضعها على خافقها ثم تفتح عيونها وهي تتجه إلى المرآه تنظر إلى صورتها فيها لتحادثها صورتها قائلة:
مالك بس يافتون؟مش ده اللى كنتى عايزاه؟إنه يمضى على العقد ويروح فى ستين داهية..بعد مايكون حبك ..عشان تروحيله النيابة وتقفى قصاده وتقوليله ان انتى السبب فى كل الألم والضياع اللى هيحس بيه..بعد ماخسر قلبه وفلوسه..ده غير اخته اللى هتخلى نبيل يكسر قلبها ويشوف بعينه ضياعها هي كمان..مش كنتى عايزاه ميت بالحيا..يتمنى الموت جوة سجنه وميلاقيهوش..عشان تقدرى تقفى قصاد قبر أختك وتقوليلها أنا عملت اللى علية وانتقمت لموتك ومقصرتش..ليه دلوقتى مش فرحانة وانتقامك على وشك انه يحصل..قوليلى ليه قلبك واجعك؟
ردت فتون على صورتها قائلة بارتباك:
عشان…عشان…
لتقول صورتها بسخرية:
عشان حبيتيه..صح؟حبيتى اللى قتل أختك وحرمك منها..حبيتيه يافتون.
إلتفتت فتون تقول بألم:
أنا ماحبيتوش ..ماحبيتوش.
لتستمع إلى ذلك الصوت يتردد فى أذنها قائلا:
لأ حبيتيه يافتون..وحبك ليه هيكون السبب فى ان اختك مش هترتاح فى قبرها..سامعانى أختك مش هترتاح فى قبرها.
التفتت فتون تنظر إلى صورتها فى المرآة قائلة فى جزع:
لأ..لا يمكن أسمح بده يحصل..لازم أحقق انتقامى منه عشان خاطر ميسون..حتى لو قلبى اللى هيدفع التمن.
ليظهر التصميم على وجهها وهي تردد:
لازم.
*********************
فى اليوم التالى
قال نبيل :
لأ..انتى النهاردة مش مركزة خالص يادارين.
زفرت ببطئ قائلة :
فعلا ..معاك حق..أنا آسفة.
نهض من مقعده متجها إليها لتجده يمسك يدها ويتجه بها إلى الأريكة التى تتوسط الحجرة وسط دهشتها ليجلس ويجلسها بجواره ثم ينظر إلى عينيها قائلا بهدوء:
يلا ..احكيلى إيه اللى شاغلك وقالق تفكيرك ومخليكى مش مركزة بالشكل ده؟
أحست بالارتباك لوجوده قريبا منها بهذا الشكل..يمسك يدها ويثير بداخلها أحاسيس عديدة..لذا قالت متلعثمة وهي تتحاشى النظر إلى عينيه:
أبدا ..بقالى بس يومين مش عارفة أنام كويس.
شعرت بيده تلمس ذقنها لترفع وجهها إليه وتتلاقى العينان ..نظرت إليه دارين فى اضطراب بينما نظر إليها نبيل فى حنان قائلا:
وإيه اللى مش مخليكى عارفة تنامى؟
نظرت إليه فى حيرة..لاتدرى ماذا تقول؟أتحكى له عن هذا الكابوس المتكرر والذى لاتدرى له تفسيرا..أتقول له أنها تشعر بالقلق من كابوس راودها عنه؟سيظنها بالتأكيد قد جنت..لذا قالت بتوتر:
أبدا..ياسين بس واحشنى ..متعودتش يغيب عنى وعن تيتة بالشكل ده..ياسين بالنسبة لينا مش بس أخ..لأ..أب وأخ وسند..لما بيغيب بحس ان روحى بتغيب معاه ..وعشان كدة تلاقينى قلقانة ومش مرتاحة.
أحس بالذنب يتآكله ليقول بتوتر:
ربنا يخليهولكم يادارين..
ثم مالبث أن تمالك نفسه ناظرا إلى عينيها قائلا:
وعلى العموم أنا هنا مكانه..لو احتاجتينى فى أي وقت أكيد هتلاقينى.
شعرت بالارتياح وأن قلقها لا مبرر له..لتقول :
أنا مش عارفة أشكرك إزاي على كلامك ده.
رفع يده يقرصها بخفة من وجنتها قائلا :
مفيش شكر بينا..مفهوم؟
أومأت برأسها وهي تبتسم تلك الابتسامة الخلابة ليتيه فيها نبيل وتتركز عيناه على شفتيها ثم ينظر إلى عينيها الجميلتين واللتان وقعتا تحت سحر نظراته فلم تحرك ساكنا ليفيقا سويا على صوت فتون وهي تقول:
احمم..أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا إيه؟
نهضت دارين على الفور وهي تشعر بالخجل لتتحول وجنتاها إلى اللون الأحمر القاتم..بينما قال نبيل بثبات:
حمد الله ع السلامة يافتون.
نقلت فتون نظراتها بينهم قائلة :
الله يسلمك يانبيل..إزيك يادارين؟
قالت دارين فى خجل:
أنا تمام..حمد الله على سلامتك.
ابتسمت فتون قائلة:
الله يسلمك..على فكرة ياسين بيدور عليكى.
ضربت دارين على رأسها بخفة قائلة:
ياسين ..إزاي نسيت؟..أكيد جه معاكى..عن إزنكم..أنا رايحاله حالا.
تابعها نبيل وهي تغادر بعينيه فى حنان..ليسمع فتون وهي تقول بعتاب:
أنا قلتلك وقعها فى حبك..مش تقع انت كمان فى حبها..كدة الموضوع هيكون صعب عليك زي ماهو هيبقى صعب عليها يانبيل.
نظر إليها نبيل للحظة قبل أن ينهض قائلا بهدوء:
ومين قالك انى ممكن اجرحها أو أزعلها؟مين قالك إنى ممكن أكسر قلبها..أنا بحبها ومستحيل هعمل كدة يافتون.
نظرت إليه فتون قائلة بثبات:
وتفتكر لما تعرف ان احنا السبب فى سجن أخوها وضياع فلوسه..مش هتزعل..مش هينكسر قلبها..تفتكر ساعتها هيكون ليكم مستقبل مع بعض؟
زفر نبيل وهو يمرر يده فى رأسه بضيق:
مش عارف يافتون..مش عارف.
اقتربت منه تضع يدها على كتفه قائلة:
هتصدقنى لو قلتلك إنى حاسة بيك..بس اللى احنا ابتديناه لازم نكمله يانبيل..ده تار أختى ومش ممكن هسيبه حتى لو هضحى بنفسى وقلبى عشان أحققه ..صدقنى مش هتردد..بس المسألة هنا هتكون معايا يانبيل ولا مش معايا؟
زفر نبيل قائلا:
معاكى يافتون..معاكى.
ربتت على كتفه مشجعة وهي تقول بتعاطف:
طب هات الورق بتاع الصفقة عشان أخليه يمضيه.
نظر إليها نبيل وكأنه يسألها سؤالا حتمي الإجابة ..أمازلتى على انتقامك؟فأومأت برأسها فى هدوء..ليغمض عينيه ثم يفتحهما وهو يتجه إلى مكتبه يفتح أحد أدراجه ليأخذ منها بعض الأوراق ويناولها إياها قائلا وهو يسألها للمرة الأخيرة:
إنتى متأكدة من اللى هتعمليه يافتون؟أنا حاسس ان فيه حاجة غلط فى اللى احنا بنعمله ده.
نظرت إلى عينيه لثوانى قبل أن تقول فى حيرة:
صدقنى مش عارفة يانبيل اذا كان اللى بنعمله صح او غلط..بس اللى أنا متأكدة منه إنى لازم أنتقم من اللى قتل أختى وحرمنى منها..وده الحل الوحيد أدامى.
اومأ برأسه بتأكيد لتغادر فتون وعيونه تتابعها..يعلم انه من اللحظة التى سيمضى فيها ياسين الأوراق..ستضيع منه دارين..ربما للأبد.
*********************
دلفت زينة إلى حجرة مكتب مروان دون استئذان..لتجده جالسا فى ذلك الركن البعيد شبه المظلم..لتشعر بالقلق..اتجهت إليه على الفور وجلست على ركبتيها أمامه..تمسك يديه بين يديها لينظر إلى عينيها فى صمت..قالت فى قلق:
مالك يامروان؟جيت على هنا علطول ومطمنتنيش..إيه اللى حصل؟
رفعها بيده وأجلسها على قدميه وضمها إليه فى قوة .. لتربت على رأسه بحنان قائلة:
مالك بس..زعلان ليه؟ممضتش العقد؟وإيه يعنى؟مش مهم..شيل من دماغك بقى حكاية الانتقام دى..وخلينا نروح فى أي حتة بعيدة عن هنا.
ابتعد عنها دون ان يخرج من محيط ذراعيها وهو ينظر إليها قائلا:
بالعكس..مضيته..وكل شئ تمام..وكلها يومين وهشوفهم مشرفين فى السجن وهحقق انتقامى اللى عشت أحلم بيه سنين.
نظرت إليه فى حيرة قائلة:
طب ايه اللى مزعلك بالشكل ده؟المفروض تكون فرحان دلوقتى.
زفر قائلا:
أنا مش زعلان ..أنا خايف.
عقدت حاجبيها قائلة:
خايف من إيه بس؟
نظر إلى عمق عينيها قائلا:
خايف أي حاجة تيجى وتبعدنى عنكم من تانى.
مررت يدها على وجنته بحنان قائلة:
مفيش حاجة ممكن تبعدنا عنك من تانى يامروان ..احنا خلاص لقينا بعض..ومفيش حاجة ممكن تفرقنا.
تنهد قائلا:
خلينى فى حضنك يازينة..ده المكان الوحيد اللى بحس فيه بالراحة..وطمنى قلبى بكلامك اللى بيريحنى ..قولى تانى ان مفيش حاجة ممكن تفرقنا.
شعرت زينة بالقلق من كلماته ولكنها أسرعت تضمه وزادت من ضمته إليها وهي تقول فى تصميم:
مفيش حاجة ياحبيبى ممكن تفرقنا تانى..أبدا.
*******************
قهقه عدنان وهو يضرب كأسه بكأس سوزى قائلا:
مضينا العقد ياسوزى..والدنيا هتحلو بقى.
ابتسمت سوزى وهي ترتشف رشفة من كأس الخمر خاصتها قائلة:
مبروك علينا ياحبيبى.
اقترب منها يضمها من خصرها إليه..ينظر إلى شفتيها الجميلتين قائلا برغبة:
وانتى كنتى عايزة تسيبينى وتخلى مروان يوصلك..طب ومين يحتفل معايا بالمناسبة السعيدة دى..ولا خروجك مع مروان كان أهم من احتفالك معايا؟
توترت سوزى قائلة:
ها..لا طبعا..انت اول ماقلتلى هنحتفل قعدت علطول..انا بس عربيتى عطلانة وقلت يوصلنى فى سكته.
ابتسم وهو يأخذ الكأس من يدها ويضعها مع كأسه على المكتب ثم يقترب منها مجددا هامسا أمام شفتيها قائلا:
شاورى ع العربية اللى انتى عايزاها توصلك واعتبريها ملكك ياحبيبتى..عربياتى كلها تحت امرك.
لم يدع لها فرصة لتتحدث وهو يقبلها بنهم ورغبة لتغمض عينيها تبادله قبلاته وهي تتخيل أن عدنان هو حبيبها الوحيد ……..مروان.
********************************
كانت فتون تقف متوترة أمام ياسين الذى يراجع العقد بهدوء..تشعر أنها على وشك أن تفقده للأبد ..لينتابها شعور مضني أليم أفقدها الراحة..تشعر بقلبها يموت بالداخل..هي تدرك أنها على وشك أن تحقق هدفها ..على وشك النيل من ياسين..ولكن هل تستطيع أن تتحمل نتيجة تحقيق انتقامها..هل تستطيع أن تراه يتألم ويتعذب فى غياهب السجن؟لقد كان هذا هو كل مناها قبل أن تعرفه وتحبه..نعم لابد وأن تعترف أنها أحبته وانتهى الأمر..لذا فانتقامها أصبح سلاح ذو حدين..ففى جانب أختها وفى الجانب الآخر قلبها..الذى أدركت الآن وهي على قاب قوسين او أدنى من تحقيق مأربها..أنه لن يسمح لها بأن تكمل لعبتها..لتجد نفسها رغما عنها وهي تراه يأخذ القلم ويبحث عن خانة التوقيع ليوقع أدناها..تسرع بأخذ الأوراق من يديه لينظر إليها فى تساؤل..هزت رأسها نفيا..وامتلأت عيونها بالدموع وهي تقول لصورة اختها التى تمثلت أمامها فى تلك اللحظة:
مش هقدر..أنا آسفة بس مش هقدر..سامحينى.
لتقطع الأوراق إلى نصفين أمامه ثم تسرع بمغادرة المكان..تتبعها عيونه الهادئة..لترتسم على شفتيه إبتسامة إرتياح.
الفصل الثامن والعشرون
قالت فتون ودموعها تتساقط بغزارة:
مقدرتش يانبيل ..مقدرتش..أنا مش عارفة إزاي بس هقف على قبرها وأقولها إنى ضعفت؟..إن حبى ليه كان أقوى من حبى ليها ..إزاي..إزاي؟
اتجه إليها نبيل يمسك يدها بقلق قائلا:
طب اهدى بس واقعدى ارتاحى يافتون..هيجرالك حاجة بالشكل ده..
جلست ليجلس نبيل بجوارها وهي تقول بألم:
خلاص يانبيل مبقاش فيه راحة.
لتنظر إليه قائلة بمرارة:
ياريتنى سمعت كلامك من الأول يانبيل..ياريتنى ما دورت عليه..ياريتنى مالقيته ولا جيت مصر وعرفته..كنت سبت عقابه للى خلقه.. هو اللى ينتقم منه على قتله ميسون..حتى أخته كمان خليتك توقعها فى حبك عشان تكسر قلبها وينكسر هو كمان.. كنت عايزاه يخسر كل حاجة وأهو أنا اللى فى الآخر خسرت..خسرت قلبى زي ما خسرت أختى قبل كدة.
سمعا صوت تحطم شئ بالخارج..لينظرا إلى بعضهما البعض بجزع قبل أن ينهض نبيل ويهرع إلى الخارج تتبعه فتون..ليجدا صينية على الأرض وزجاج مكسور ليدركا ماحدث بقلب وجل..لقد سمعت دارين حديث فتون..لتنظر فتون فى حزن إلى نبيل الذى أغمض عينيه فى ألم..ربتت على كتفه ففتح عينيه ونظر إليها يشعر بالضياع..فدارين قد ضاعت منه ولم يعد لحياته أي هدف او معنى..قالت فتون بحزم:
روح وراها.
نظر إليها فى حيرة لتستطرد قائلة:
حصلها..قولها اللى فى قلبك..أنا واثقة إنها هتسامحك.
قال نبيل:
بس…
قاطعته قائلة فى حزم:
انت لسة هتبسبس..روح وراها..إلحقها يانبيل..كفاية واحد فينا انكسر قلبه وخسر حبه.
أومأ برأسه وهو يغادر ليقف بغتة ثم ينظر إليها قائلا:
وإنتى….
قاطعته قائلة:
متقلقش علية..أنا هروح الفندق وهبقى كويسة.
ابتسم وهو يومئ برأسه ثم يغادر بسرعة..تتبعه بعينيها فى حزن وهي تبتهل إلى الله أن تسامحه دارين فنبيل يحبها حقا وان لم تسامحه سينكسر قلبه بدوره وسيكون ذلك بسببها..هي فقط ولا أحد غيرها.
********************
إنطلق نبيل خلف دارين..فلم يجدها..انتابه اليأس وكاد أن يتوقف عائدا إلى الشركة ليحاول الاتصال بها وقد نسي هاتفه بالشركة..لتلتمع عيناه وهو يلمحها وسط الزحام تجرى مسرعة..تتخبط فى بعض المحيطين بها..ليشعر قلبه بالتمزق وهو يدرى سر تخبطها…ناداها فتوقفت لثانية ثم التفتت إليه وما ان رأته حتى ظهرت الصدمة على ملامحها لتلتفت مجددا وهي تعدو مسرعة..أسرع فى عدوه حتى لحق بها ليمسك ذراعها يوقفها لتنفض ذراعها من يده قائلة فى مرارة:
سيب إيدى..جاي ورايا ليه..ها..جاي ليه؟عايز تتأكد إنك نجحت فى إنتقامك وإنكم حققتم اللى كنتوا عايزينه..ألف مبروك ياسيدى..نجحتم فى خطتكم وبإمتياز..كسرتوا قلبى وقريب اوى هتكسروا قلب ياسين..
لتستطرد فى مرارة قائلة:
حرام عليكم ..والله حرام.
وقف نبيل أمامها يدرك ألمها ومرارة كلماتها..ويدرك ايضا أنها على حق..لقد جاءوا إلى أخيها منتقمين ولكنها أبدا لم تدخل فى دائرة الإنتقام تلك ..لقد حرص هو على ذلك..وحتى فتون لم تستطع النيل من قاتل ميسون..فلقد ضعف قلبها وأوهنها عشقه..ولكن كيف يخبرها بكل ذلك..هي لن تصدقه ولكن عليه أن يحاول ..فهذا كل ما لديه.
ليقول بلهفة أليمة:
أنا عارف إنى لو قلتلك إنى برئ وإنك ظالمانى ..مش هتصدقينى..بس وحياة أغلى حاجة عندك ..وحياة تيتة وياسين..إدينى فرصة وإسمعينى.
هزت رأسها نفيا قائلة فى ألم :
آسفة مش مستعدة أسمع أكاذيبك يانبيل من تانى..أنا كان قلبى حاسس انك هتكسرنى وأديك كسرتنى يانبيل..بجد برافو عليك.
قال نبيل بحزن:
عشان خاطرى اسمعينى…وأوعدك بعد ما تسمعينى لو لسة عايزانى اخرج من حياتك..هخرج من حياتك للأبد.
أحست بالوجع لدى سماعه يقول تلك الكلمات الأخيرة لتلعن قلبها الذى مازال باق على عشقه رغم علمها بأنه لم يكن لها أية مشاعر وإنما كان كل شئ مخطط له منذ أن رآها لأول مرة..طالبها عقلها برفض منحه تلك الفرصة ولكن قلبها ظل يردد..امنحيه تلك الفرصة..فربما لا ترينه بعدها أبدا..لينتصر القلب على العقل مجددا..هكذا هي ولن تتغير أبدا..محركها قلبها وهذا ما يجلب الألم إلى حياتها مرارا وتكرارا..لذا قالت بهدوء وبنبرة حاولت أن تجعلها باردة قاسية كأيامها القادمة دونه:
أدامك بس نص ساعة..قول اللى انت عايز تقوله وخلصنى.
ابتسم بداخله يدرك أن قلبها الطيب هو مامنحه تلك الفرصة ويدرك أيضا أن تلك النبرة القاسية ما تحاول بها أن تحمى قلبها منه..ولكن هيهات فالدفئ فى عينيها يكذب تلك النبرات..يبث الأمل فى روحه من جديد..لذا قال فى هدوء:
تعالى نقعد فى أي حتة بس وأنا هحكيلك..هحكيلك كل حاجة من يوم ماجالنا تليفون من مصر بيقولنا..ميسون ماتت..مقتولة.
********************
كانت فتون تجلس على مقعدها فى حجرتها بذلك الفندق الذى ستغادره بعد ساعات قليلة..سترحل إلى بيروت وتترك مصر..تلك البلد التى شهدت ولادتها ثم رحيلها هي وذويها إلى بيروت..مصر..تلك البلد التى شهدت أيضا موت أختها غدرا..ثم شهدت وقوعها فى حب قاتل أختها لترتكب بذلك أكبر جرم فى حق نفسها وفى حق روح أختها المتوفاة..وها هي الآن على وشك الرحيل مجددا ولكنها فقدت هنا قلبها وروحها وأصبحت جسدا بلا روح..ستعيش فقط بالإسم ..ولكنها ماتت اليوم..وجدت نفسها رغما عنها تتساءل عن ياسين الآن وهل اكتشف انها أخت ميسون..وفيم يفكر..وماهو شعوره نحوها الآن..هل كرهها؟هل يود رؤيتها الآن أم لم يعد يطيق وجودها..وترى هل أحبها حقا..أم أنها كانت بالنسبة إليه كغيرها من الفتيات..كميسون مثلا..أحست بالصدمة من أفكارها ..هل أحبته لتلك الدرجة التى جعلتها تتغاضى عن كل ما فعله بأختها؟ متى وكيف..ولماذا؟تشعر فى داخل قلبها بشعور غريب من خيبة الأمل..من نفسها لوقوعها فى حبه وتخليها عن انتقامها ..ومن ياسين الذى لم تسمع عنه شيئا منذ تركته بالشركة.
انهمرت دموعها وهي تشعر بالضياع..لقد جنت بالتأكيد..ظلت هكذا لدقائق حتى سمعت طرقات على الباب..لتسرع بمسح دموعها..تدرك أن نبيل قد عاد لتتجه إلى الباب وتفتحه لتفاجأ بمحور أفكارها متجسدا أمامها يتأمل ملامحها الباكية بينما هي تتأمله بدورها..تدرك فى صدمة أنها اشتاقت إليه حقا فى تلك السويعات القليلة والتى ابتعدت فيهم عنه..قال فى هدوء:
لازم نتكلم.
أطرقت برأسها بهدوء وهي تتنحى جانبا تسمح له بالدخول..ليدلف إلى غرفتها..يلقى نظرة على حقيبة سفرها الموضوعة على سريرها ثم يلتفت إليها لتغلق الباب وهي تتنهد ثم تلتفت إليه لتتقابل الأعين ويقول ياسين بثبات:
ليه مكملتيش يافتون؟
نظرت إلى عينيه فى حيرة قائلة:
مكملتش إيه؟
قال فى هدوء:
انتقامك منى.
اتجهت إلى أقرب مقعد أمامها وجلست عليه فلم تعد قدماها قادرتان على حملها..وجلست مطرقة الرأس..ليقترب منها بهدوء ثم يجلس بجوارها قائلا:
صدقينى ..لو مش إجابة السؤال ده مهمة عندى أنا مكنتش جيت لحد عندك وسألتك.
رفعت إليه عينان دامعتان وهي تقول:
وهتفرق فى إيه إجابتى؟
نظر إلى عمق عينيها قائلا:
هتفرق كتير صدقينى.
قالت فى حزن:
خلاص ياياسين..كل شئ إنتهى..وكل واحد فينا لازم يبعد عن التانى..الماضى انتهى وياريت نقفل الصفحة دى بقى ﻹنى تعبت..بجد تعبت.
أمسك يدها قائلا فى حزم:
بس انا محتاج إجابة سؤالى قبل ما أقفل الصفحة دى زي ما بتقولى.
نظرت إليه إليه..إلى حبيبها وقاتل أختها فى نفس الوقت ..لتنفض يدها وهي تنهض قائلة بعصبية:
عايز تعرف إيه..ها..عايز تعرف ليه أنا اتراجعت ومخدتش حق أختى منك؟عايزنى تسمع ان حبى ليك منعنى..وان قلبى مطاوعنيش أشوفك بتخسر حريتك وفلوسك وقلبك وأختك وكل حاجة مهمة فى حياتك..ان قلبى مطاوعنيش إنى أشوفك ميت بالحيا زي ماخليتنى أنا كمان عايشة ومش عايشة من بعد ميسون..إنى حسيت بروحى بتخرج منى وأنا بتخيلك بتتعذب زي ما انا اتعذبت كتير…..أيوة حصل..كل ده حصل..بس متفتكرش انى مرتاحة عشان عملت كدة..أنا دلوقتى بكره نفسى..بكره ضعفى وبكره قلبى اللى خلونى مش قادرة آخد حق أختى منك.. ولا قادرة ارجع زي الأول..أنا بكرهك دلوقتى لأنك خليتنى بالشكل ده..سامع..بكرهك..بكرهك.
إلتمعت عيناه وهو ينهض مقتربا منها بهدوء حتى توقف أمامها تماما..ليمسكها من كتفيها يقربها إليه ليقول بأنفاس ساخنة لفحتها على وجهها وأثارت كيانها كله:
وأنا بحبك يافتون..بحبك.
نظرت إلى عينيه فى حيرة عاجزة عن الكلام وهو يستطرد قائلا:
إحساسى بإنك ممكن تكونى بتحبينى وإنك مش هتقدرى تإذينى هو اللى خلانى قادر أعيش بعد ما عرفت إنتى جيتى مصر ليه..متتصوريش لما عرفت كانت حالتى إيه؟ومتتخيليش لو واحدة غيرك كانت فكرت بس إنها تإذينى أنا كنت عملت معاها إيه؟
قالت فى صدمة:
انت..انت كنت عارف.
أومأ برأسه قائلا:
من يوم دادة محسنة ماغلطت فى الكلام وانتى بصيتى ليها وأنا شاكك فى الموضوع..خليت تحري شاطر يدور وراكى وفى آخر يوم لينا فى بيروت..عرفت إنك أخت ميسون وإنك بتدورى عن اللى قتل أختك من فترة وأكيد جيتى مصر علشان تنتقمى منه وده فسرلى حاجات كتير كانت غامضة بالنسبة لى.
أزالت يده من على كتفيها قائلة:
وليه مواجهتنيش ؟ليه كملت فى اللعبة..ده انت كنت هتمضى العقد أدامى.
ابتسم قائلا:
كنت مراهن نفسى إنك هتمنعينى..قلتلك قلبى كان حاسس إنك لا يمكن هتإذينى.
نظرت إليه قائلة فى غضب:
وأنا قلتلك إنى مش مبسوطة وإنى بكره نفسى دلوقتى عشان مقدرتش آخد حق أختى منك..أختى اللى كلمتنى يوميها وكانت طايرة من السعادة عشان ياسين جايلها وعملها مفاجأة..أتارى المفاجأة كانت قتلها..ذنبها إيه أختى عشان تقتلها..عملتلك إيه ياياسين عشان تحرمها من الدنيا دى..رد علية..ها..ذنبها إيييه؟وذنبى ايه انا كمان..قوللى؟
نظر إلى عمق عينيها قائلا:
أختك كانت حبيبتى ..واللى مفيش واحدة قدرت تاخد مكانها فى قلبى من بعدها غيرك إنتى..إزاي بس تفتكرى إنى ممكن أأذيها؟..انتى عرفتينى كويس ولو مكنتيش من جواكى واثقة إنى مش ممكن أكون الشخص ده ..مكنتيش حبيتينى.
عقدت حاجبيها فى حيرة قائلة:
قصدك إيه بالكلام ده؟
نظر إليها بثبات قائلا:
قصدى إنى روحتلها فعلا فى اليوم ده وكنت محضرلها مفاجأة زي ما قالتلك وهي إنى كلمت أهلى وجبت الدبل..كانت فى جيبى..بس لما روحت عندها …
ليبتلع غصة فى حلقه وهو يتذكر ذلك المشهد الذى يبدوا متجسدا أمامه فى كل مرة يفكر فيه وكأنه فقط بالأمس ولم يمر عليه سنوات..ليظهر الألم على ملامحه ونبرات صوته وتستشعره فتون لتتسع عينيها بقوة وهو يستطرد قائلا بوجع:
لقيت الباب مكسور..ولقيتها أدامى على الأرض..والدم مغرقها..جريت عليها شلتها بين إيدية جسيت نبضها لقيته مش موجود ولسة هصرخ بإسمها حسيت بضربة على راسى ومحستش بالدنيا بعدها.
********************
قال نبيل فى حزن:
هي دى كل الحكاية يادارين..صحيح احنا كنا جايين ننتقم من أخوكى بس لا أنا ولا فتون قدرنا نكمل.
قالت دارين :
وإيه اللى منعكم؟
نظر نبيل إلى عمق عينيها قائلا:
قلوبنا يادارين..كل واحد فينا اتعلق بحد من عيلة تاج الدين..على فكرة أنا عمرى ما فكرت ولو للحظة واحدة إنك تدخلى فى لعبة الانتقام ..ولا كنت أعرفك قبل ما آجى الشركة..ومن اول ثانية شفتك وانا قلبى حبك..بقيت أدور عليكى بعينية كل ما آجى الشركة..مكنتش اعرف انك أخت ياسين..ولما عرفت ورغم يأسى من إن يكون لينا مستقبل مع بعض..لقيتنى بحبك أكتر..مكنش بإيدى والله أبعد عنك..انتى شفتى بنفسك أد إيه بحبك وبغير عليكى..أكيد حسيتى بمشاعرى دى..الحب بيتحس يادارين..طمنينى وقوليلى إنك حسيتى بية..وإنك مصدقانى.
أطرقت برأسها وظلت صامتة ليمد يده يمسك بيدها الرابضة على الطاولة لترفع عينيها إليه تملؤها الحيرة..ليقول برجاء:
طمنى قلبى يادارين واوعى تقولى إنك محستيش بية..أو إنك بطلتى تحبينى.
قالت فى ألم:
وحتى لو لسة بحبك ومصدقاك..تفتكر هنقدر نكمل مع بعض ..أخويا مش هيفضل بينا؟كرهك ليه مش هيندمك على إنك أخترتنى وحبيتنى؟وفتون هتعمل إيه؟
قال فى قوة:
كفاية إنى أعرف إنك بتحبينى ومصدقانى وده يخلينى أتحدى الكون كله علشانك..أما بالنسبة لفتون فهي بنفسها اللى قالتلى روح وراها ومتخسرهاش وتكسر قلبك..انتى متعرفيش يادارين أنا بحبك أد إيه..انتى اول واحدة أحس ناحيتها بكل المشاعر دى.
قالت دارين فى يأس:
أنا كمان يانبيل اول مرة أحس بالمشاعر دى ناحية حد..أنا كمان بحبك أوى..بس.
قاطعها نبيل وقد إلتمعت عيناه من السعادة قائلا:
من غير بس..ده كفاية أوى عشان نتحدى اي شئ هيواجهنا.
نظرت إلى عينيه قائلة :
أنا معاك يانبيل بس..
كاد أن يقول شيئا لتقاطعه قائلة بسرعة:
بس فيه حاجة لازم تعرفها..
عقد حاجبيه لتنظر إلى عينيه بثبات قائلة:
أخويا ياسين مقتلش ميسون..اللى قتلها واحد تانى خالص.
اتسعت عينا نبيل فى صدمة ودارين تحكى له كل شئ تعرفه.
*********************
صرخت سوزى بإنهيار قائلة:
إلحقنى ياعدنان..البوليس عندى ..جاي يقبض علية..بيقولوا الصفقة اتمسكت وروحنا كلنا فى داهية.
اتسعت عينا عدنان فى صدمة وهو ينهض قائلا:
انتى بتقولى إيه ياسوزى؟
قالت سوزى بإنكسار:
بقول اللى سمعته ياعدنان..فيه حد مبلغ عننا والصفقة اتمسكت ..والبوليس واقف برة أهو مستنينى..أنا بكلمك بالعافية عشان تلحق تتصرف..روحنا فى داهية ياعدنان.
قال عدنان وهو يفتح زر قميصه العلوي يشعر بالإختناق:
ومروان فين؟
قالت فى سخرية مريرة:
مبيردش ..ولما الظابط ورانى العقد ملقتش امضته ياعدنان..وفى النسخة بتاعتى كمان.
اتسعت عينا عدنان بصدمة قائلا:
انتى بتقولى إيه؟
قالت سوزى ودموعها تتساقط بغزارة :
والشركة كمان اللى انت سألت عنها وقلت انها مضمونة..طلعت شركة أي كلام ومش حقيقية ..إحنا ضعنا ياعدنان..ضعنا.
قال عدنان فى ضيق:
طب اقفلى دلوقتى ياسوزى وانا هتصرف.
أغلق الهاتف وهو يبحث فى أدراجه عن العقد ليجده وينظر إلى خانة التوقيع فلم يجد إمضاء مروان بالفعل..ليشعر بالصدمة أفاق منها على دلوف هارون إليه ليقول بجزع:
امضته مش موجودة ..إزاي بس؟
لم يتحدث هارون ليتذكر عدنان وقت التوقيع عندما كاد مروان ان يوقع العقد..لينكسر سن القلم فجأة فى يده ويخرج قلمه الخاص يمضى به العقود ليدرك ما حدث..لابد وان قلمه ذا حبر سحرى يزول بعد ايام من الكتابة به..ليقول فى غضب:
ابن ال……..
ثم ينظر إلى هارون قائﻻ:
جهز كل حاجة ياهارون..احنا هنطلع على المطار حالا.
ليقول هارون ببرود:
بس فيه ناس برة عايزينك.
قال عدنان بحيرة:
ناس مين؟
قاطعه صوت حاد يقول:
احنا ياعدنان.
نظر عدنان إلى ذلك الضابط والذى تحيطه قوته الخاصة ليشعر أنه على وشك الاختناق والضابط يقول:
اتفضل معانا بهدوء ومن غير شوشرة.
قال عدنان بمرارة:
عملها مروان الكلب.
الفصل التاسع والعشرون
نظرت فتون إلى ياسين فى صدمة قائلة:
انت بتقول إيه؟يعنى انت مقتلتش ميسون؟
هز ياسين رأسه نفيا قائلا:
طبعا لأ..إزاي بس هقتلها وأنا كنت بحبها ؟أنا موتها كان بالنسبة لى موت لروحى قبل روحها..أنا لما فقت لقيت نفسى فى مكان زي السجن..بعدها عرفت إنى فى معتقل خاص..معتقل للى عايزينه ميشوفش الدنيا برة تانى ولا حد فى العالم كله يقدر يوصله..معتقل لدفن الأسرار وأكل الحقوق..كان معتقل للموت يافتون.
كانت فتون تستمع إليه فى صدمة..تكتشف مفاجأة تلو الأخرى..حتى قال كلماته الأخيرة بصوت متهدج..ليدق قلبها بعنف وهي تدرك ماتعرض له داخل ذلك المعتقل..ليغمض عينيه المغروقتين بدموع الذكرى الأليمة ثم يفتحهما وكأنه ينفض عن عقله تلك الذكريات المريرة..مد يده يمسح دموعا خائنة سقطت من عينيه لتشعر فتون بروحها تسحب منها لمرأى دموعه الغالية..بينما قال هو بحزن:
وقتها مكنتش صورة ميسون بتروح عن بالى..كنت عايز اعرف مين اللى قتلها وأنتقم منه وأشفى غليلى..كنت هتجنن ..لولا عرفت واحد فى المعتقل إسمه مروان..شريكنا فى الشركة واللى أكيد سمعتى عنه.. لولاه فعلا كنت اتجننت أو جرالى حاجة..حكيتله قصتى وقعدنا نفكر مع بعض ونشوف مين اللى ممكن يكون قتلها وليه؟كل اللى كنت أعرفه وقتها هو اللى قالتهولى.. إن واحدة صاحبتها شغالة فى شركة كبيرة وان فيه ورق مهم وقع فى إيدها يضر صاحب الشركة وهي كانت خايفة لو عرف يإذيها ففضلت إن هي تدى الورق ده لميسون ووصتها لو جرالها حاجة تسلمه للبوليس..أنا خفت عليها وقلتلها تدينى الورق أحتفظ بيه وفعلا هي كانت هتديهولى يوم الحادثة..بس القدر كان ليه رأي تانى..وزي ما كنت شاكك..قاللى ان الوحيد اللى له المصلحة فى موتها هو صاحب الشركة اللى شغالة فيه صاحبتها وان هو اللى قتلها.
اتسعت عينا فتون فى تلك اللحظة..تشعر بالكون ينهار من حولها لتجلس على سريرها فلم تعد قدماها تحتملان تلك المفاجآت حول مقتل أختها.. نظر ياسين إلى لون وجهها الشاحب والذى أصبح يحاكى الموتى..ليقول فى قلق:
فتون ..انتى كويسة؟
لتقول بألم:
أنا كويسة ..
ثم نظرت إلى عينيه قائلة بمرارة:
مين صاحب الشركة ..اسمه إيه؟
تنهد قائلا بألم:
وقتها مكنتش اعرف لإنى مكنتش شفت الورق ولا هي كمان قالتلى غير إسم صاحبتها وبس..وبعدها هربنا من المعتقل زي ما كتير هربوا وقت الثورة..وطبعا لإننا معملناش حاجة واللى حبسونا حبسونا من غير تهمة ولا أوراق ..قدرنا نمارس حياتنا الطبيعية وبعلاقات مروان واتصالاته قدرت اعرف مين هو صاحب الشركة اللى كانت شغالة فيها صاحبتها عشان أنتقم منه بعد ما تأكدت ان هو اللى عملها لإنه زي ما أخت صاحبتها قالتلى..إنه قتل صاحبتها هي كمان بسبب الورق ده ..ولما لقيت انا ومروان ان عدونا واحد ..اتحدنا وعملنا الشركة دى أنا وهو ..وخططنا للانتقام منه لإنه كان السبب فى كل حاجة وحشة حصلت لنا..وضياع أغلى الناس من حياتنا.
لترتسم ملامح الارتياح على وجهه وهو يستطرد قائلا:
والحمد لله قدرنا نعمل كدة..ودلوقتى وأنا واقف بتكلم معاكى حالا..بيتم القبض عليه وبإذن الله هياخد إعدام ونرتاح منه.
قالت فتون وقد اغروقت عيناها بالدموع:
انت بتتكلم جد ياياسين..اللى قتل ميسون بيتقبض عليه؟
ظهر الحنان فى عينيه قائلا:
ورحمة ميسون أنا لسة جايلى التليفون حالا من مروان..بيهنينى فيه على يوم اترد فيه لكل مظلوم حقه..اليوم اللى انتى فكرتى فيه انك ضيعتى حق ميسون وانك مخدتيش بتارها هو اليوم اللى هترتاح فيه ميسون فى قبرها وتعرف ان احنا مسيبناش حقها وان اللى كان السبب فى موتها دارت عليه الدنيا وهيتحط فى القبر هو كمان بس فرق كبير ما بينه وبينها عشان هي هتكون فى الجنة بس هو هيعيش فى النار.
نهضت فتون لتقترب منه تقول فى رجاء:
مين ده ياياسين؟مين اللى قتل أختى وحرمنى منها وخلانى كنت …..كنت…..
شعرت بالخجل من نفسها لما كادت أن تفعله به وبأخته ليشعر بها على الفور ويمد يده إليها يمسك بيدها ناظرا إلى عينيها قائلا:
يعنى انتى مصدقانى يافتون؟مش عايزة اثباتات؟أو حاجة تأكدلك كلامى؟
نظرت إلى عمق عينيه وهي تقول:
مش محتاجة إثباتات ياياسين..أنا كنت دايما بسأل نفسى إزاي حبيتك وأنا عارفة انك انت اللى قتلت أختى ؟ازاي واحد فى أخلاقك يقتل؟ أتارى قلبى كان عنده شك وعشان كدة مقفلش بابه فى وشك..ماهو مستحيل حد بشخصيتك يعمل عملة وضيعة زي دى.. بس نفسى أروح للى عمل العملة السودة عشان أشوفه لأول ولآخر مرة فى حياتى..أشوف اللى حرمنى من أختى وعذبنى المدة اللى فاتت دى كلها..وأقوله داين تدان ياحقير وان السبب فى دخولك السجن هو قتلك لميسون وعمايلك السودة.
ضغط على يدها قائلا:
هنروح سوا وهنقوله الكلام ده سوا يافتون.
نظرت إليه فى تردد:
سوا..هو احنا لسة سوا ياياسين؟
نظر إليها فى حنان قائلا:
من يوم ما شفنا بعض واحنا اتكتبلنا نكون سوا يافتون..ربنا جعل ميسون سبب يجمعنا..واللى جمعهم ربنا مستحيل مخلوق يفرقهم.
قالت فى أمل:
يعنى انت سامحتنى؟
ابتسم قائلا:
أنا مسامحك من قبل ما أعرفك يافتون..وزي ماحبك لية غفر خطيئة كبيرة كنتى مفكرانى عملتها..حبى ليكى غفر حاجة بسيطة زي فكرة انتقام مكتملتش..بس اللى مستغربله إن ميسون عمرها ما كلمتنى عنك ولا قالت إن ليها إخوات.
قالت فتون فى خجل:
أنا أصلى ..كنت موصياها متجيبش سيرتى لأي حد هترتبط بيه..احنا اخوات صحيح من أم واحدة وأب مختلف بس كنا اكتر من الشققا..وكان عدم معرفة أي حد ارتبطت بيه ميسون بية بيسهل معرفتى كل حاجة عنه وبكتشف اسرع إذا كان طمعان فيها أو لأ.
ابتسم قائلا:
أكتر حاجة شدتنى ليكى ذكاءك..مش سهلة أبدا يافتون.
عقدت حاجبيها قائلة:
ودى حاجة تضايقك؟
اتسعت ابتسامته قائلة :
بالعكس..الراجل اللى يخاف من ذكاء المرأة وميقدروش يبقى راجل ضعيف ومش واثق فى نفسه.
ابتسمت فتون وهي تدرك أنها أحبت رجلا عظيما لتغمض عينيها تحمد الله عليه قبل أن تفتحهما مجددا قائلة بعشق ملأ قلبها:
على فكرة أنا بحبك اوى ياياسين.
قال بابتسامة حانية:
بحبك أكتر ياقلب ياسين..يلا بينا بقى نروح نفرح تيتة بإن حفيدها اللى كان مدوخها ورافض الارتباط قرر خلاص يكمل نص دينه مع أرق وأجمل إنسانة على وجه الأرض..أو اقولك استنى لما امهدلها الأول..الست مش هتستحمل كل الاخبار الحلوة دى فى يوم واحد.
ابتسمت بعشق لتقول فجأة وهي تعقد حاجبيها قائلة:
استنى هنا..مقلتليش اسم الحيوان اللى قتل أختى إيه؟
هز رأسه فى قلة حيلة ..يدرك ان هذه طبيعة فتون وهو يعشقها على طبيعتها ليقول فى ثبات:
الشيطان.
لتتسع عينيها فى صدمة وهي تدرك أن قاتل اختها هو من كان يريد أن يشركها معه فى أعماله..فرفضت لسوء سمعته وإدراكها طبيعة أعماله..قاتل اختها هو رجل الأعمال المشهور عدنان…….عدنان المسيرى
*******************
ابتسمت زينة وهي تدرك سر سعادة مروان البادية على وجهه لتقول بارتياح:
ألف مبروك ياحبيبى..يارب دايما أشوفك فرحان ومبسوط كدة طول العمر.
ابتسم مروان قائلا:
ياه يازينة لو تشوفيهم وهما مسحوبين زي الكلاب ع النيابة ..أد إيه ربنا عادل ومبيضيعش حق المظلوم..وأد إيه كنت خايف انى مش هعيش لغاية ما اشوف اليوم ده.
وضعت زينة يدها بسرعة على فمه قائلة بلهفة:
متقولش كدة يامروان..بعيد الشر عنك ياحبيبى.
أمسك مروان بيدها الموضوعة على شفتيه يقبلها برقة قبل أن يرفعها قائلا بتردد:
زينة ..أنا..أنا عايز أتكلم معاكى فى موضوع مهم.
عقدت زينة حاجبيها وظهر القلق على ملامحها من تردده ليتراجع فى قراره بعد أن كاد أن يخبرها بحالته الصحية..يشعر بأنه إن أخبرها فلن تستطيع الاحتمال.. لذا عليه أن لا يخبرها على الأقل فى الوقت الحالى ليقول بهدوء:
احنا كنا مأجلين الجواز لغاية ما عدنان يتقبض عليه وأهو خلاص..راح فى ستين داهية..وأظن كدة مفيش داعى للتأجيل..ها ..إيه رأيك ؟
نظرت إليه بفرحة ظهرت جلية على ملامحها لتومئ برأسها فى خجل فابتسم قائلا:
يعنى ابعت أجيب المأذون؟
عقدت حاجبيها قائلة:
دلوقتى؟
رفع حاجبه قائلا فى استنكار:
لأ السنة الجاية..دلوقتى طبعا أنا عايزك حالا…
وصمت لتنظر إليه قائلة:
عايزنى فى إيه؟؟
نظر مروان إلى السماء قائلا بفروغ صبر:
يعنى يارب يوم ما أقع فى الحب ..أقع فى حب واحدة عبيطة.
عقدت حاجبيها فى غضب قائلة:
بقى أنا عبيطة ..طب مش هتجوزك يامروان.
واستدارت لتغادر ليمسكها مروان من ذراعها قائلا بابتسامة:
خلاص ياستى ..تعالى بس..أنا بهزر..انتى ما صدقتى؟
ليقول مقلدا لهجتها:
مش هتجوزك يامروان..
ليعود لنبرة صوته العادية وهو يقول بمرح:
يابايرة وهو انتى كنتى تحلمى أصلا؟
ضربته زينة فى صدره قائلة فى غيظ:
مروان !
سعل مروان بشدة وشحب وجهه لتشعر زينة بالقلق وتسرع بإحضار كوب من الماء لتمنحه إياه فشربه على جرعات حتى أصبح بحالة أفضل لتقول زينة بندم:
أنا آسفة يامروان ..والله ما كان قصدى.
أمسك بيدها يطمئنها قائلا:
انا كويس ..متقلقيش.
تفحصت ملامحه الشاحبة والتى بدأ اللون يعود إليها تدريجيا لتقول بقلق:
إزاي بس مقلقش؟..مروان احنا لازم نسافر نشوف موضوع قلبك ده..مفهوم؟
ابتسم فى حنان قائلا:
هنسافر بس واحنا متجوزين..أنا هبعت أجيب المأذون حالا يازينة ..قلتى إيه؟
نظرت زينة إلى عينيه قائلة:
موافقة طبعا.
لتبتسم قائلة:
ده حلمى فعلا زي ماقلت.
ليبتسم بدوره قائلا:
وانت حلمى يازينة.
ليأخذها فجأة بين ذراعيه ويضمها بقوة إلى صدره لتزول الابتسامة وتظهر على ملامحه القلق من حرمانه منها يوما وهو يشعر بقرب ذلك اليوم كقرب الموت منه و القادم إليه لا محالة.
********************
دلف ياسين إلى المنزل ليجد جدته جالسة فى الردهة لتقف على الفور لدى رؤيته قائلة:
كدة برده ياياسين..تيجى من السفر النهاردة الصبح ومتجيش البيت غير دلوقت.
قبل يدها ثم اعتدل قائلا:
سامحينى ياتيتة..بس والله النهاردة كان يوم طويل ومليان احداث هاخد شاور ع السريع ولما هاجى من برة هحكيلك.
عقدت حاجبيها فى حيرة قائلة:
وهو انت نازل تانى؟
ابتسم قائلا:
هشهد على عقد جواز مروان..
اتسعت عينيها فى صدمة قائلة:
مروان هيتجوز..مين ؟
ابتسم ياسين قائلا:
قلتلك الأحداث كتيرة اوى النهاردة..ولما هرجع هحكيلك..مستعجل.
كاد أن يغادر عندما استوقفه صوتها قائلا:
بس فيه موضوع مينفعش يتأجل..يخصك انت واختك ..ويخص الشركا الجداد.
التفت إليها متأملا ملامحها للحظة ثم يقول فى هدوء:
يبقى انتى عرفتى.
عقدت حاجبيها قائلة:
عرفت؟؟
ليقترب منها قائلا:
ان فتون أخت ميسون ..وانهم جم مصر عشان ينتقموا منى لإنهم فكرونى قاتل ميسون.
نظرت إليه الجدة فى دهشة قائلة:
انت كنت عارف؟
اومأ برأسه فى هدوء قائلا:
مبقاش حفيد شريف تاج الدين..لو معرفتش حاجة زي دى ياتيتة..بس انا عايزك تتطمنى..كل شئ انكشف وكل شئ رجع لأصله..وكل اللى اقدر أقولهولك دلوقت ان أحفادك خلاص قلبهم ارتاح..وأوعدك اول ما هاجى هحكيلك على مفاجآت هتريح قلبك ياحبيبتى.
نظرت الجدة إلى ملامحه المشعة ليطمأن قلبها ويذهب القلق بعيدا ..لتشعر بالراحة وهي تبتسم قائلة :
روح ياابنى خليك جنب صاحبك..فرحه وافرح معاه..وأنا هستناك لما ترجع عشان تفرحنى أنا كمان.
ابتسم ياسين ثم قبلها من رأسها وغادر مسرعا إلى حجرته تتابعه عينا الجدة التى قالت بحنان:
ربنا يسعدكم ياحبايبى ويكفيكم شر أي حاجة ممكن تكسر قلوبكم..أو تزعلكم.
الفصل الثلاثون
غمضى عنيكى بس ومتفتحهمش غير لما أقولك.
نطق نبيل بتلك العبارة وهو يسحب دارين من يديها وهي مغمضة العينين كما أمرها أن تفعل.. لتقول فى حيرة:
مودينى بس على فين يانبيل؟
سمعت همسته الحانية القريبة من أذنيها وهو يقول:
ع الجنة..افتحى عيونك يادارين.
فتحت دارين عينيها ببطئ لترى محيطها..اتسعت عينيها بصدمة.. وشعرت بالقلق وهي تتذكر ذلك الكابوس الذى طاردها منذ فترة..فها هو يتكرر بنفس التفاصيل فحولها تراصت مجموعة من البلالين الملونة الجميلة والتى تعشقها..وأمامها كتب على رمال الشاطئ بخط كبير (بحبك يادارين..تقبلى تتجوزينى؟)
نظرت إلى نبيل بعيون مصدومة ..ليبتسم نبيل قائلا:
من يوم ما شفتك وأنا بحبك..تقبلى يادارين..تقبلى تبقى حبيبتى ومراتى وأم عيالى.
قالت دارين هامسة :
لأ كدة كتير الصراحة..أنا بقول أمشى قبل ما تتحول.
عقد نبيل حاجبيه وهو يقول:
بتقولى حاجة يادارين؟
نظرت إليه قائلة فى ارتباك:
ها ..لأ مبقلش.
مال ينظر إلى عينيها الجميلتين قائلا فى عشق:
مقلتليش رأيك إيه؟
نظرت إلى عيونه الساحرة لتنسى كل القلق ويظل فقط العشق الخالص فى قلبها لتبتسم قائلة فى خجل:
موافقة طبعا.
شعت عيون نبيل بالسعادة ليحملها ويدور بها فى سعادة ..لتتناثر ضحكاتها تخترق سكون هذا المكان الساحر..لينزلها نبيل ببطئ يتأمل ملامحها الرقيقة ..ينظر إلى شفتيها بعشق..يقترب منهما ..ليتراءى لها هذا الكابوس من جديد..ترى تفاصيله تتكرر مجددا..لتضع هي يده على فمه قائلة بتوجس:
نبيل ..اوعى تتحول.
نظر إليها فى حيرة قائلا:
قصدك إيه؟
نظرت إلى عينيه الحائرتين لتلعن ولعها بأفلام الرعب والذى سيؤدى بها إلى الجنون..فكيف سيتحول نبيل إلى مصاص دماء..وهل هناك فى هذا الكون مصاصين دماء؟لقد جنت بالتأكيد..أفاقت على صوت نبيل يقول فى حيرة:
دارين انتى كويسة؟
نظرت إلى عمق عينيه الساحرتين لترفع يدها تضعها على وجنته قائلة بعشق:
أنا كويسة طول ما انت جنبى يانبيل.
ليبتسم بحنان وهو يميل يقبل يدها الرابضة على وجنته قبل أن يأخذها بين ذراعيه يضمها فى عشق نبض به خافقهم بقوة.
*******************************************
ظهرت الفرحة على الجميع وهم يهنأون مروان وزينة بعد عقد قرانهم ..لتقول فتون موجهة حديثها إلى مروان:
احنا صحيح شركا بس محصليش الشرف قبل كدة وقابلتك ياأستاذ مروان..ومش عارفة أشكرك إزاي انت وياسين على كل اللى عملتوه لينا أنا ونبيل ..وقعتوا الجانى وخليتوه ياخد جزاؤه.
ابتسم مروان قائلا:
أولا أنا مروان بس وبلاش أستاذ دى..احنا شركا زي ماقلتى وقريب هنبقى أهل زي ما فهمت من ياسين.
لتنظر فتون بخجل إلى ياسين الذى ابتسم لها بحنان ثم تنظر مجددا لمروان الذى استطرد قائلا:
ثانيا..مفيش داعى للشكر لإن تارك هو تارنا وعدونا كان واحد..ربنا قدرنا عليه والحمد لله هياخد جزاؤه على كل حاجة وحشة عملها فى حياته..ربنا بس يمد فى عمرى لغاية ما أشوفه متعلق على حبل المشنقة.
قال ياسين بسرعة:
هتعيش بإذن الله وهتشوفه ميت ياصاحبى.
نظر إليه مروان قائلا:
يارب ياياسين..يارب.
لم تستطع فتون فهم كلماتهم ولكنها أدركت ان هناك شيئا ما..فآثرت الابتعاد وتركهم يتحدثون بأريحية لتقول:
طيب أنا هروح أبارك لزينة ..عن إذنكم.
اومأوا برءوسهم وهما يتابعونها وهي تتجه إلى زينة التى تتحدث مع دادة تحية وفارس ثم استقبلت فتون بابتسامة رائعة لينظر ياسين إلى مروان ويجده ينظر إليها بدوره ليقول بهدوء:
مقلتلهاش..صح؟
تنهد مروان وهو ينظر إليه قائلا:
مقدرتش أصدمها..أقولها إيه بس..إنى ممكن فى أي لحظة أموت لإن قلبى ضعيف ولسة مش لاقيين متبرع ممكن قلبه يطابق قلبى..انى مستنى مكالمة من الدكتور يا يقوللى ان فيه أمل أعيش ياإما هموت وأنا مستنى المكالمة دى..لأ طبعا مقدرش أقولها كدة..اذا كنت انا مش قادر أستحمل فكرة إنى خلاص هبعد عنها ومبقاش موجود فى حياتها..هي ..زينة الرقيقة..هتستحمل ده ياياسين؟
قال ياسين بحزن:
لأ طبعا ..معاك حق..طب وهتعمل إيه يامروان..مينفعش تستسلم كدة وتستنى الموت.
تنهد مروان قائلا:
أنا مش مستسلم..يمكن قبل ما زينة ترجع لحياتى كانت حياتى نفسها متهمنيش بس دلوقتى وبعد ما رجعلتى هي وفارس..حياتى بقت مهمة أوى عندى ياياسين وباذن الله اول ما أطمن ان عدنان اتعدم..هسافر برة علطول.
أومأ ياسين قائلا:
خلاص يامروان هانت..أنا موصى عليه..قضيته هتتحدد بسرعة وهيتنطق فيها الحكم من أول جلسة.
قال مروان:
كدة تمام أوى بس هو وسوزى محتاجين زيارة فى النيابة عشان يعرفوا ان احنا اللى ورا كل حاجة بتحصلهم وعشان اشفى غليلى بكسرتهم.
قال ياسين:
متقلقش ..فتون كمان عايزة الزيارة دى وانا بحاول أرتبها..يومين بالكتير ونروح النيابة كلنا نزوره.
اومأ مروان برأسه قائلا:
كدة تمام أوى ..بالمناسبة ..ألف مبروك لدارين ونبيل..فرحت جدا عشانها.
ابتسم ياسين قائلا:
وحياتك انا فرحت أكتر..على أد ما كنت عارف أد إيه نبيل كويس ومحترم..على أد ما كنت بغير منه وأنا فاكر ان فتون بتحبه..بس النهاردة لما كلمنى وطلب منى إيدها وأنا قلتله انى هسألها ولقيت دارين بتاخد التليفون منه وبتقولى بفرحة الدنيا كلها انها موافقة..عرفت انهم بيحبوا بعض وانهم متفقين وأوهامى كلها ملهاش أي أساس..وخصوصا لما لقيت فتون ساعتها فرحانة جدا..ولما سألتها عن سر فرحتها قالتلى كلام صدمنى..تعرف قالتلى إيه؟
نظر إليه مروان قائلا:
قالتلك انه اخوها ولازم تفرحله.
نظر إليه ياسين فى صدمة قائلا:
وانت عرفت إزاي؟
ابتسم مروان قائلا:
ما هي باينة زي عين الشمس ياياسين..إيه اللى يخلى واحد فى مواصفات نبيل اللى قلتلى عليها ييجى مع فتون ويخططوا للانتقام منك مع بعض رغم خطورة الموضوع..حاجة من الاتنين ..يابيحبها ياعلاقتهم أخوة سواء فى الرضاعة أو كرابط فى التربية من صغرهم..وبما انه حب دارين يبقى مبيحبش فتون بالشكل اللى انت فهمته ويبقى أخوها..بس فى الرضاعة ولا التربية بقى..دى حاجة معرفهاش.
ابتسم ياسين قائلا:
يادماغك ياأخى..لأ فى الرضاعة..الحمد لله إنه أخوها ..كنت هبقى مقلق منه العمر كله..أصل الواد حليوة كدة وعيونه خضرا..وتحسه كدة إنه إيه ولا حسين فهمى فى زمانه.
قال مروان بسخرية:
وإيه كمان يابيضا؟
قال ياسين فى غيظ:
انت بتتريأ..بكرة تشوفه يااخويا ومش بعيد تغير على زينة منه.
قال مروان فى حدة:
زينة إيه انت كمان؟..أنا زينة دى تبقى مراتى..مرات مروان فياض..فاهم يعنى إيه مروان فياض؟
قال ياسين:
خلاص ياأخى ماكنتش كلمة..عارفين إنك مروان فياض ياسيدى..اهدى بقى أحسن جايين علينا.
ليلتفت مروان إليهم ويرى فاتنته تتهادى إليه فى ثوبها الذى اشتراه لها لتلك المناسبة السعيدة ..شعر بقلبه يذوب اكثر فى عشقها مع تلك الابتسامة الخلابة والتى منحتها إياه خصيصا..ليبتسم لها بدوره فى عشق..يدرك أنه الآن يتمنى لو كان هو وهي وحدهما فقط ليقترب منها ويقبلها.. لتنقل قبلته إليها تلك المشاعر التى تجول بكيانه فى تلك اللحظة.
********************
جلست زينة تفرك يدها تشعر بالخجل والتوتر وكأنها عروس لأول مرة بينما تأمل مروان ملامحها الرقيقة الخجولة فى عشق ليقول لها برقة:
مش هتقومى تغيرى يازينة؟
قالت فى ارتباك وهي تنهض :
آه..طبعا..هغير..ثوانى.
مرت بجواره ليمسكها من ذراعها يوقفها ثم يجعلها بمواجهته لتطرق برأسها فى خجل..ليمد اصبعه تحت ذقنها يرفعها قائلا بحنان:
انتى خايفة منى يازينة؟
نظرت إلى عمق عينيه قائلة:
أنا..أخاف منك انت يامروان؟..طب إزاي؟ ..ده انا مخفتش منك وانا فاكراك بعتنى هخاف منك وأنا عارفة انك بتحبنى وشارينى.
ابتسم قائلا:
أومال مالك كدة..مش على بعضك؟
قالت متلعثمة:
أنا..انا..بس مكسوفة منك شوية.
رفع احدى حاجبيه قائلا فى مرح :
مكسوفة منى أنا يازينة..زينة قلبى..إحنا بينا طفل..يعنى مش أول مرة نكون مع بعض..انتى هتستعبطى ولا إيه؟
ضربته بخفة على يده قائلة بغيظ:
انت قليل الأدب على فكرة.
ابتسم وهو ينظر إلى عينيها الجميلتين قائلا:
النهاردة بالذات ياحبيبتى لازم أكون قليل الأدب.
قالت زينة وقد أصبحت وجنتيها مشتعلتان من الخجل:
مروان !
قال فى حنان:
قلب مروان وعقله وحياته كلها.
قالت متلعثمة:
أنا..أنا..
ابتسم قائلا:
انتى إيه؟
قالت فى سرعة وهي تترك يده :
انا لازم اغير.
لتتجه إلى الحمام بسرعة تتبعها عيون مروان العاشقة..لتتذكر فجأة أنها لم تأخذ قميصها معها لتعود بسرعة تأخذه من على السرير وتجرى إلى الحمام مجددا لتتبعها فى تلك المرة ضحكاته التى زادت من خجلها.
********************
قال هارون فى برود:
أفندم..طلبتينى ليه؟
قالت سوزى فى رجاء:
مفيش أدامى غيرك ياهارون..أنا محتاجالك.
قال هارون:
آسف ..مفيش فى إيدى حاجة أقدمهالك.
قالت سوزى :
لأ فى إيدك..تهربنى من هنا.
مال ينظر مباشرة إلى عينيها قائلا:
وتفتكرى إيه اللى ممكن يخلينى أعمل كدة؟
قالت سوزى بتوسل:
عندى سر لو عرفته هتقدر تاخد فلوس مروان كلها وفى نفس الوقت ننتقم منه ومن اللى عمله فينا.
التمعت عينا هارون قائلا:
وإيه السر ده؟
قالت بحدة:
مش هقولهولك قبل ما تخرجنى من هنا.
قال فى لامبالاة :
ماهو ياتقوليهولى دلوقتى وأشوفه يستاهل المخاطرة ولا لأ..أو تحتفظى بيه لنفسك.. براحتك ياقطة..وياريت متضيعيش وقتى عشان ورايا حاجات كتير هظبطها بعد ما عدنان غار فى ستين داهية.
قالت سوزى بغل:
تربية الشيطان صحيح..ماشى ياهارون..هقولهولك وامرى لله.
نظر إليها منتظرا كلماتها لتقول مستطردة:
فارس ابن زينة.
عقد حاجبيه قائلا:
ماله؟
قالت فى غل:
يبقى ابن مروان كمان..انا لما جيبتهالكم كانت حامل منه..مش من الجناينى زي ما فهمت عدنان..ولا كنت اكتشفت انها مع جوزى زي ما قلتله..زينة كانت مرات مروان عرفى وقتها وحملت منه وده اللى خلانى طلبت من عدنان يبيعها ويسجنه ..لإنه فضل حتة الخدامة دى علية.
التمعت عينا هارون بشدة قائلا:
آه يابنت الأبالسة..كل ده يطلع منك انتى.
قالت سوزى بحدة:
ما تحترم نفسك ياهارون..انت اتجننت؟
ابتسم هارون ببرود متجاهلا كلماتها وهو يقول :
وانتى قصدك بقى نخطف فارس وناخد فلوس مروان عن طريق تهديده بقتله.
أخذت سوزى نفسا عميقا لتتمالك نفسها قائلة:
بالظبط.
قال هارون:
والله انا مش عارف أشكرك إزاي على المعلومات دى.
ثم نهض هارون مغادرا لتعقد سوزى حاجبيها قائلة:
انت رايح فين ياهارون..مقلتليش هتهربنى إزاي؟
التفت إليها هارون قائلا:
انا مقلتش إنى ههربك وحتى لو قلت اعتبرينى كنت بضحك عليكى..مش قلتى بنفسك انى تربية الشيطان..سلام ياقطة.
ليخرج من الغرفة متجاهلا صرخاتها بإسمه..لترتسم على شفتيه ابتسامة شيطانية مثله تماما.
*********************
خرجت زينة فجأة من الحمام لتجد مروان يلبس تيشيرته البيتى ولكن ليس قبل أن تلمح تلك العلامات فى ظهره لتسرع إليه قائلة فى قلق:
إيه العلامات دى يامروان؟
قال مروان فى لامبالاة:
دى آثار التعذيب فى المعتقل يازينة.
نظرت إلى عمق عينيه قائلة فى ألم:
ممكن أشوفها.
أحست بتردده لثوان قبل أن يومئ برأسه فى هدوء..لتلتفت خلفه وتمسك تيشيرته ترفعه ليفرد ذراعيه يسهل لها خلعه ..ليدق قلبها بعنف من مرأى تلك الآثار على جسده تشعر بالتحطم وهي تتخيله يتعرض لكل ذلك العذاب..تركت التيشيرت ليقع على الأرض..وهى تمد يدها تلمس تلك الآثار بتردد ليغمض عينيه بقوة..وتقول هي فى ألم:
لسة بيوجعوك؟
هز رأسه نفيا دون كلمة لتحيطه هي بذراعيها بقوة تضمه من ظهره إليها ليشعر هو بقلبه يتألم لحزنها حتى أصابه الجزع حين شعر بظهره يتندى بالمياه ليدرك أنها تبكى لأجله فتح عينيه وهو يسحبها من ذراعها لتواجهه ويرى دموعها الغالية تغرق وجهها ليمد يده يمسحهم فى حنان قائلا:
كل عذابى نسيته من يوم مارجعنا لبعض يازينة..وصدقينى مبقتش أحس بالمرارة زي زمان..رجوعك لية انتى وفارس كان أكبر هدية من ربنا كافئتى بيها على كل حاجة شفتها وأنا بعيد عنكم..بحمده ليل ونهار لإنه رجعكم لية من تانى..بس عمرى ماهرتاح غير لما أشوف اليوم اللى هيشنقوا فيه عدنان هو وسوزى..عشان يدفعوا تمن كل حاجة عملوها فينا..تمن سنين دقنا فيها احنا الاتنين عذاب ملوش آخر..هيدفعوا تمن كل لحظة ألم مريتى بيها وكل لحظة عذاب دوقوهالك وأنا بعيد عنك مش قادر أحميكى ..واليوم ده قرب اوى.
اومأت برأسها تأكيدا لينظر إلى عينيها قائلا:
وفيه حاجة كمان..
نظرت إلى عينيه متسائلة ليقول مستطردا:
بكرة لازم نقول لفارس إنى أبوه..لازم يعرف إنى مش عمه ولا جوز مامته زي ما هو فاهم..وان احنا أسرة واحدة بجد..لازم يازينة.
رفعت زينة يدها تضعها على وجنته قائلة بحنان:
حاضر ياقلب زينة وعمرها كله.
مال يقبل يدها الساكنة على وجنته..ثم نظر إلى عينيها قائلا:
زينة.. أنا لو مت قبل……
وضعت يدها على فمه على الفور وكلماته تؤكد مخاوفها ولكنها ابدا لن تستمع إلى كلماته اليائسة ستتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة فلم تجده لتفقده مجددا ..لتقول فى تصميم وهي تنظر إلى عينيه فى قوة:
هتعيش يامروان..عشان خاطرى وخاطر ابننا هتعيش..قلتلك قبل كدة..ربنا مجمعناش من تانى عشان يفرقنا..فاهم ولا لأ؟
قبل يدها الرابضة على شفتيه لتمتلئ عيونها بالدموع رغما عنها ..أدرك مروان ما تخفيه من ضعف وخوف خلف كلماتها القوية ليسرع بأخذها بين أحضانه ..يضمها بقوة فضمته بقوة بدورها ليدعها تفرغ دموعها داخل حضنه بينما أغمض هو عينيه على دمعتان سقطتا من عيونه رغما عنه.
********************
قال عدنان بهدوء:
خير ياشاويش محروس.
اقترب منه محروس قائلا:
حصل اللى قلتلى عليه ياباشا..هارون جه لسوزى..وقعدوا مع بعض وبعدين هارون مشى وسوزى فضلت تصرخ لغاية ما جالها انهيار عصبى ونقلوها المستشفى تحت الحراسة.
التمعت عينا عدنان قائلا:
والتسجيل.
منحه محروس هاتفه قائلا:
سجلتلك ياباشا كل اللى قالوه ع المحمول زي ما فهمتنى.
تناول عدنان الهاتف منه ليشغله ويستمع إلى حوارهما سويا..لتتسع عينيه فى صدمة ثم ترتسم على ملامحه علامات التفكير..ليقول بعدها لمحروس:
عفارم عليك يامحروس..ليك مكافأة عندى هتخليك متشتغلش بعدها ابدا.
التمعت عينا محروس فى جشع ليقول:
خدامك ياباشا.
قال عدنان :
طيب استنانى برة راقبلى الجو..هعمل مكالمة وبعدها هندهلك تاخد الموبايل.
اومأ محروس برأسه قائلا:
تحت أمرك ياباشا..
ليسرع بالخروج بينما اتصل عدنان برقم ..أجابه محدثه على الفور ليقول عدنان:
أنا عدنان ياناجى.
استمع إلى محدثه ليقول بنفاذ صبر:
مش وقته ياناجى..أنا عايزك فى شغل..ومش عايز أي غلطة..مفهوم؟
استمع إلى محدثه ليقول بعدها:
هارون المساعد بتاعى.. عايزه ميت قبل ما ييجى عليه الليل..وسوزى هتلاقيها فى المستشفى العام عندها انهيار عصبى عايزها ترتاح منه خالص..وبعدها تهربنى من هنا..عشان فيه مهمة أخيرة عايزك تعملهالى وكل اللى انت عايزه هديهولك..مفهوم يا ناجى؟
استمع إلى محدثه ليغلق هاتفه وعيونه تلمع بقوة لترتسم على شفتيه ابتسامة سرعان ما تحولت لضحكة شيطانية ……تليق بشيطان مثله.
الفصل الواحد والثلاثون
عدنان هرب يامروان.
قال ياسين تلك العبارة فى غضب عبر الهاتف لينهض مروان قائلا فى صدمة:
انت بتقول إيه يا ياسين؟هرب إزاي؟
قال ياسين فى ضيق:
معرفش يامروان..معرفش ..كل اللى أعرفه إنه هرب النهاردة الصبح من مبنى النيابة..أكيد حد من جوة ومن برة ساعدوه.. ومش كدة وبس..سوزى اتقتلت بحقنة هوا فاضية فى المستشفى بعد ماجالها انهيار عصبى ونقلوها على هناك..وهارون كمان انفجرت بيه عربيته النهاردة الصبح ومات..وأكيد عدنان ورا كل ده.
تمالك مروان نفسه وهو يقول:
دى مصيبة ياياسين..الكلام ده معناه ان كل واحد فينا دلوقتى بقى فى خطر.
قال ياسين بتأكيد:
طبعا ..وانت أكتر واحد فينا فى خطر لإن هو فاكر ان انت اللى وديته فى داهية ولسة ميعرفش حاجة عننا وعشان كدة بعتلك رجالة أكتر عشان يحموا الفيلا..هم فى الطريق دلوقتى لغاية ما نشوف هنعمل إيه.
قال مروان وهو يحاول ان يهدئ نفسه:
كويس انك عملت كدة..عشان أأمن زينة وفارس بس أنا مش هفضل جوة الفيلا أستنى خطوته الجاية..أنا هخرج أدور عليه بنفسى.
قال ياسين:
مفيش داعى يامروان..فاكر (صديق) اللى كان بيجيبلنا أخباره.
التمعت عينا مروان وهو يقول:
أكيد فاكره.
قال ياسين:
أنا على اتصال معاه ..بيقول ان فيه تحركات جديدة فى جحر الشيطان..واحتمال كبير ان عدنان هيروح على هناك.
عقد مروان حاجبيه قائلا:
انت بتقول إيه..مستحيل يروح على هناك..ده اول مكان البوليس هيدور عليه فيه.
قال ياسين:
دوروا فعلا وملقوش ليه أي أثر..وبتهيألى مش هيرجعوا تانى هناك..ولو حتى رجعوا ..انت عارف جحر الشيطان ودهاليزه..ممكن يكون مستخبى فى أي مكان سرى فيه..ومش هيلاقوه.
أومأ مروان برأسه وهو يزفر قائلا:
معاك حق..خلاص أول ما صديق يكلمك عرفن….
قاطعه دخول زينة فجأة ودموعها تنهمر على وجنتيها وهي تصرخ بجزع قائلة:
..الحقنى يامروان…فارس اتخطف .
ليسقط الهاتف من يده ويسقط معه قلبه.
*******************
كان مروان يتحرك فى الحجرة بعصبية..ليقول ياسين متعاطفا:
اهدى بس يامروان عشان خاطر قلبك..انت مش شايف لون وشك أصفر إزاي.
قال مروان فى حدة:
أهدى إزاي بس؟..ابنى مخطوف ..وعدنان أكبر عدو لية وليك هو اللى خاطفه..ومش بعيد يإذيه..كل ده وتقولى إهدى.
قال نبيل:
إحنا مقدرين اللى انت فيه.. بس صدقنى مش هيقدر يإذيه ولا ييجى جنبه..هو كل اللى يهمه المادة..وعشان كدة كلمك وطلب الفلوس دى كلها..وإن شاء الله قبل ميعاد التسليم هنكون عارفين مكانه..وواصلين ليه ولفارس.
قال ياسين :
بالظبط..اهدى بس عشان نعرف نتصرف.
أغمض مروان عينيه يحاول أن يهدئ من ضربات قلبه المتسارعة والتى تؤلمه حقا..ليرن هاتف ياسين ويفتح مروان عيناه اللتان تعلقتا به..ليرد ياسين على الهاتف بسرعة وقد ظهر على شاشته رقم صديق..ليستمع إلى محدثه قليلا قبل أن يقول:
برافو عليك ياصديق..كدة مهمتك انتهت بس خلى عينك عليهم لحد مانوصل ولو فيه أي جديد …كلمنى.
ليغلق الهاتف وهو ينظر إلى مروان الذى قال بلهفة:
هو فين.
قال ياسين:
فى جحر الشيطان..زي ما توقعت.
اتجه مروان على الفور لخارج غرفة المكتب ليستوقفه صوت ياسين وهو يقول:
استنى بس يامروان..لازم نكلم البوليس عشان يكون معانا..القلعة متحصنة كويس وأكيد مليانة رجالة واحنا ورجالتنا مش هنقدر عليهم لوحدنا.
قال مروان:
مش هقدر أستنى ياياسين..كلم انت البوليس وحصلونى أنا هستناكم هناك..هراقب المكان لغاية ماتيجوا..مش هقدر أستنى هنا وأنا عرفت مكان ابنى خلاص.
تبادل كل من ياسين ونبيل نظرة متفهمة ليومئ ياسين برأسه ويغادر مروان يتبعه ياسين ونبيل..ليجدوا زينة المنهارة وبجوارها فتون ودارين يواسونها..ألقى مروان عليها نظرة واحدة مزقت قلبه ثم أسرع بالخروج قبل أن تلمحه وتستوقفه.. ولكنه لم يغادر بالسرعة الكافية فقد سمعها تناديه بلوعة ليتوقف على الفور وهو يغمض عينيه ليجدها فى ثوان أمامه ففتح عينيه على سؤالها الجزع وهي تقول:
انت رايح فين يامروان وسايبنى؟
نظر إلى عينيها الجزعتين بألم قائلا:
رايح أجيب فارس يازينة.
أمسكت ذراعه قائلة بتوسل:
خدنى معاك.
أزال يدها من على ذراعه قائلا:
مش هينفع يازينة ..صدقينى.
نظرت إليه قائلة فى غضب:
لأ هينفع..ما اهو أنا مش هقعد هنا أندب حظى وأنا مش عارفة ابنى وجوزى فين دلوقتى او بيعملوا إيه..خدنى معاك يامروان..أنا مش هقدر أتحمل.
نظر إلى عيونها الدامعة فى حيرة ..تصارعه رغبتان..إحداهما أن يأخذها معه ويعرضها للخطر والأخرى تجبره على ان يصمم على تركها خلفه ولكنها فى تلك الحالة قد تتعرض لخطر أكبر دونه..فهو لايدرى الآن فيم يفكر عدنان.. لتحسم حيرته كلمات ياسين الذى قال:
خدها معاك يامروان..هي أكيد عارفة دهاليز جحر الشيطان بحكم حياتها هناك السنين اللى فاتت دى.
نظرت زينة إلى مروان بلهفة وإصرار قائلة:
أيوة أعرفها كلها ولو مخبيه هناك..هعرف أجيبه..خدنى يامروان معاك ربنا يرضى عنك.
أومأ برأسه لتنفرج ملامحها..وياسين يقول:
واحنا دقايق وهنحصلكم ..ربنا يوفقنا جميعا.
اومأ مروان برأسه ثم يمد يده إلى زينة لتمسك بيده بقوة وهما يتجهان للخارج..بينما اتصل ياسين بصديقه رامز فى الشرطة ليقوم بالابلاغ عن مكان عدنان ليخبره صديقه أن القوة فى طريقها بالفعل إلى جحر الشيطان..تبادلا بعض الكلمات التى نسقا بها سويا خطة الدخول ..ليغلق ياسين الهاتف وهو يقول لنبيل:
كدة تمام..هنوصل احنا والرجالة فى نفس الوقت مع قوة الشرطة وهندخل سوا..يلا بينا يانبيل..
أومأ نبيل برأسه ليقول ياسين موجها حديثه إلى فتون قائلا:
وانتى يافتون خدى دارين وروحوا عند تيتة..واحنا بإذن الله مش هنتأخر عليكم.
قالت فتون فى تقرير:
احنا جايين معاكم.
نظر إليها ياسين قائلا فى حدة:
مش هينفع تيجوا..احنا مش رايحين ملاهى يافتون.
دمعت عيناها وهي تقول بألم:
وتفتكر ان شخصيتى تافهة للدرجة دى وانى مش فاهمة خطورة المكان اللى رايحينه..أو إنى شايفة إنها لعبة حلوة ومسكت فيها زي الأطفال.
زفر ياسين وهو يمسك يدها قائلا فى حنان:
أنا اكتر حاجة حبيتها فيكى هي قوة شخصيتك وانتى عارفة كدة كويس..بس أنا خايف عليكى.. اعذرينى وسامحينى.
نظرت إلى عينيه قائلة :
متخافش علية ياياسين..أنا هبقى كويسة.
زفر ياسين قائلا وهو ينقل بصره بين فتون ودارين:
مش هبقى مرتاح طول ما أنا عارف انكوا معانا وانى ممكن أخسركم..عشان خاطرى افهمونى.
قال نبيل :
ياسين عنده حق ياجماعة ..مش هينفع تيجوا معانا..الخطر أكبر مننا كلنا وده قرار نهائى.
تبادلت كل من فتون ودارين النظرات..لتقول دارين:
خلاص ..احنا هنروح لتيتة بس أول ما تخلصوا طمنونا عليكم..تمام.
أومأوا برءوسهم ليتجه كل من ياسين ونبيل للخارج ليسمعوا نداء فتون ودارين بأساميهم..ليلتفتوا ويجدوهم مسرعين إليهم ليفتح كل عاشق ذراعيه لمعشوقته يتلقاها داخل حضنه..ويربت على ظهرها فى حنان..ليقبل ياسين رأس فتون قبل أن يتركها ويغادر بسرعة بينما قال نبيل لدارين:
متقلقيش..راجعلك.
ليلتفت بدوره مغادرا..لتحيط فتون دارين بذراعها..لتتكئ دارين على كتفها ويبكيا سويا بصمت
********************
كان مروان يجلس بجوار زينة التى تحاول أن توارى عنه دموعها المنهمرة بصمت ولكنه رآها ولم يكن بيده مايقوله ليطمأنها لذا جز على أسنانه فى غضب من عدنان وهو ينظر إلى تلك القلعة الحصينة ..يدرس كيفية الدخول إليها بأمان..عندما رن هاتفه ليجيبه على الفور ليجده ياسين الذى قال:
أنا وراك يامروان انا والرجالة..شايفك أهو..والبوليس على وصول ..ها لقيت حاجة ؟
قال مروان:
الجناح الشمالى فيه ثغرة ممكن ندخل منها غير ان حراسته ضعيفة وده مش هيتعبنا..خلى صديق يأمن المكان لينا هناك وكل شئ هيبقى تمام..الحراسة جامدة أوى على الجناح الشرقى وده غالبا اللى فارس وعدنان فيه.
قال ياسين:
تمام ..أنا بركن أهو ..هتصل بيه حالا وثوانى وهبقى عندك.
ليغلق مروان الهاتف وهو ينظر إلى هؤلاء الرجال الذين يحرسون الجانب الشمالى فى وعيد.
*********************
بعد مرورو ساعة كاملة
استطاعوا بالفعل وبسهولة القضاء على هؤلاء الرجال..بإستخدام أسلحة كاتمة للصوت منحها إياهم رامز ..ذلك الضابط صديق ياسين..كان مروان يخشى على زينة السائرة خلفه من أي أذى قد يصيبها ولكن ولله الحمد استطاعوا الدخول دون ان يصاب أي فرد منهم ولو بخدش صغير..حتى أصبحوا بالداخل ليقول مروان موجها حديثه لزينة:
تفتكرى فارس هيكون فين؟
قالت زينة :
فيه أكتر من مكان فى الجناح الشرقى ممكن يكون فيه..هروح لدادة نجاة وهي أكيد عارفة مكانه وهتقوللى.
نظر إليها مروان قائلا فى قلق:
متأكدة منها..أمان يعنى.
أومأت برأسها قائلة:
زي دادة تحية بالظبط.
قال مروان:
تمام.
ثم نظر إلى ياسين قائلا:
روحوا معاها ياياسين انت ونبيل وخدوا بالكم منها.
ربت ياسين على ذراعه قائلا:
متقلقش.
واتجهوا جميعا إلى الجانب الآخر بينما قال مروان لرامز:
احنا بقى هندخل لعدنان..بس خدوا بالكم ده شيطان وغدار..ومش سهل ابدا.
اومأ رامز برأسه وهو يشير لرجاله بأن يتبعوهم..ليدلفوا إلى الداخل بحذر.
********************
قالت نجاة بفرحة:
زينة بنتى حبيبتى..وحشتينى .
أدمعت عيون زينة قائلة:
انتى أكتر يادادة..ربنا العالم..إنى بعدت عنك غصب عنى بس انتى شايفة كانوا بيعملوا فية إيه.
قالت نجاة:
عارفة يابنتى ..عارفة..
نظرت إلى كل من نبيل وياسين قائلة:
مين دول يازينة؟
قالت زينة:
دول اللى هيساعدونى أخرج فارس من هنا يادادة.
قالت نجاة بحزن:
فارس ..ياكبدى ياضنايا..جيت أديله أكل مرضاش أبدا..ياحبيبى ياابنى مقهور وكل اللى على لسانه..عايز ماما..هاتولى ماما.
قالت زينة بلهفة:
هو فين يادادة؟
قالت نجاة بهمس:
فى الأوضة اللى كان بيحبسك فيها هارون لما بيعاقبك..قدامها راجلين من رجالة الشيطان..روحيله يابنتى وخرجيه..ربنا يعينك.
قبلتها زينة من وجنتها ثم أسرعت للخارج قبل أن تتوقف و تلتفت إليها قائلة:
وانتى يادادة مش هتخرجى من الجحر ده؟
قالت نجاة بحزن:
وهروح فين يابنتى..مليش مكان غير ده.
قالت زينة:
أوعدك يادادة هخرج فارس وهرجعلك عشان أخرجك انتى كمان..بيتى هو بيتك ..فمتقوليش تانى ان ملكيش مكان غير الجحر ده..مفهوم؟
ابتسمت نجاة ودمعت عيناها وعي تومئ برأسها لتبتسم لها زينة بحنان قبل أن تخرج لتقول نجاة بحنان:
ربنا يوفقك يابنتى ويبعد عنك كل أذى..ويديكى دايما على أد طيبتك وقلبك الحنين ده.
********************
انطلق الرصاصات تصيب رجال عدنان واحد تلو الآخر وتقتل منهم من تقتل..لتقضى قوة الشرطة بقيادة مروان ورامز على كل رجال عدنان حتى وصلا إلى الحجرة التى يختبئ بها..ليدلف مروان ورامز إلى الداخل بقوة ليجدان عدنان واقفا بصدمة يمسك سلاحه ناظرا إليهما حتى استقرت عيناه على مروان ليظهر الحقد بداخلهما وهو يقول:
انت تانى يامروان؟
قال مروان بقسوة:
أيوة أنا ..تانى وتالت ورابع..ولحد ما أشوفك متعلق على حبل المشنقة بإذن الله ياشيطان..وخصوصا ان كل رجالتك ماتوا والكل فوق اتخلى عنك ياعدنان.
نظر إليه عدنان قائلا فى غل:
مش هتلحق على فكرة..غلطة عمرى انى مقتلتكش من الأول وسيبتك عايش يامروان..بس الغلطة دى لازم تتصلح وحالا.
ليرفع مسدسه باتجاه مروان فجأة ويطلقه لتستقر الرصاصة فى صدره ليرفع رامز سلاحه ويطلقه باتجاه عدنان لتستقر الطلقة برأسه ويسقط جثة هامدة بينما أسرع رامز ليتحسس رقبة مروان باحثا عن نبضه ليجده ضعيفا للغاية فأسرع بطلب سيارة الإسعاف على الفور..وهو يلقى نظرة على عدنان جاحظ العينين والذى مات على الفور..يدرك ان تلك هي النهاية الطبيعية لكل شيطان مثله.
********************
أسرعت زينة إلى فارس..تجلس على ركبتيها قبالته وهي تحتضنه بقوة..تشم رائحته التى اشتاقت إليها ليضمها فارس بدوره وهو يقول بصوت ضعيف:
وحشتينى ياماما.
أخرجته زينة من حضنها دون أن تخرجه من محيط ذراعيها قائلة بحنان:
وانت وحشتنى أكتر ياقلب ماما.
لتتحسس وجهه وجسده قائلة :
يلا بينا ياحبيبى من هنا..هنروح لبا…قصدى لآنكل مروان عشان محضرلك مفاجأة حلوة أوى هتعجبك.
تبادل كل من ياسين ونبيل نظرة مبتسمة..بينما اومأ الطفل برأسه بضعف..ليرن هاتف ياسين فى تلك اللحظة ويجيبه على الفور ليعقد حاجبيه قائلا فى جزع:
انت بتقول إيه؟
نهضت زينة ببطئ تستشعر الخطر فى نبرات صوته الجزعة لتقول فى قلق:
فيه إيه ياياسين؟
أغلق ياسين الهاتف وهو ينظر إلى نبيل فى قلق..لتكرر زينة سؤالها فى وجل قائلة:
رد علية.. فيه إيه ياياسين؟
نظر إليها ياسين قائلا فى حزن:
مروان اتصاب ونقلوه على المستشفى حالا.
لتصرخ زينة بإسمه……………. فى لوعة.
الفصل الثانى والثلاثون
دكتور عزيز..مروان فين؟
نطق ياسين بتلك العبارة فى قلق..موجها حديثه إلى الطبيب الخاص بمروان ليمرر الطبيب نظراته بين الحضور والذين تبدو ملامح القلق على وجوههم..ليعود بنظراته إلى ياسين قائلا:
حالة مروان كانت خطيرة جدا وطبعا لما قلتلى الحالة على التليفون عرفت ان نسبة نجاته ضعيفة جدا..بل تكاد تكون معدومة..انتوا عارفين حالة قلبه.. والتعذيب اللى شافه فى المعتقل زودها أد إيه.
تعالت شهقات زينة..وهي تجلس فلم تعد قدماها قادرتان على حملها..لينظر إليها الطبيب بأسف قبل أن يستطرد قائلا:
أنا حذرته كتير من الإجهاد بس هو مسمعش كلامى واصابته طبعا كانت هتقضى عليه لولا فضل ربنا.
تعلقت العيون به فى أمل وهو يقول:
مروان كان الحل الوحيد كان فى حالته هو انه يخضع لعملية قلب مفتوح نزرعله فيها قلب..والحقيقة أنا حولته من فترة لمركز زراعة قلب كويس أوى هو اختاره.. بس كنا مستنيين المتبرع المناسب..وللأسف لغاية النهاردة مكنش موجود..لغاية نص ساعة فاتت..تخيلوا ربنا بيحبه أد إيه
تمتم ياسين قائلا:
الحمد لله..الحمد لله.
استطرد الطبيب قائلا:
أنا خليت عربية الإسعاف تروح على مركز الزراعة علطول..لإن بفضل الله وجدنا المتبرع المناسب..شاب جاي فى حادثة وللأسف توفى ..عملنا الاختبارات اللازمة ووجدناه مناسب جدا..وسألت أهله ولما عرفوا حالة مروان وافقوا على التبرع..وبما ان القلب لازم ينزرع للمريض فى خلال أربع ساعات بالكتير من وجود المتبرع فأنا رايح حالا مع القلب للمركز.
أمسك ياسين يد الطبيب قائلا بامتنان:
أنا مش عارف إزاي أشكرك يادكتور عزيز.
قال عزيز :
متشكرنيش غير بعد ما نخلص العملية..
لينظر إلى الوجوه قائلا:
لازم تعرفوا ان العملية مش سهلة وعارفين المخاطر بتاعتها كويس..وموافقين اننا نعملها.
نظر ياسين إلى وجه زينة الشاحب والذى يحاكى وجوه الموتى ..تتمسك بطفلها فارس بقوة وكأنه طوق النجاة لها من أفكارها السوداء..ليقول بحزم:
عارفين يادكتور..وموافقين..اتفضل حضرتك واحنا جايين وراك .
ليومئ الطبيب برأسه ثم يغادر ليتجه ياسين إلى زينة قائلا بتعاطف وهو يدرك شعورها الآن :
يلا يازينة عشان نروح لمروان ونكون جنبه.
نظرت إليه زينة بعيون زائغة تقول:
أنا كان قلبى حاسس..كنت حاسة ان فرحتى مش هتكمل وانى هخسره من تانى ..بس مكنتش أتخيل انى هخسره بالسرعة دى.
قال ياسين :
خلى أملك فى الله كبير يازينة ..مروان هيعمل العملية وهيبقى كويس..انتى مسمعتيش الدكتور.
قالت زينة بمرارة:
ولو جراله حاجة جوة أوضة العمليات أو قلبه رفض قلب الراجل التانى ده..هعمل أنا إيه من بعده ياياسين؟
تدخل نبيل الذى ظل صامتا طوال حديثهما قائلا:
ربنا أرحم من انه ياخده منك بعد ماجمعك بيه يامدام زينة..قومى نروح وراه وهناك صلى وادعيله وبإذن الله هيبقى كويس.. بس انتى قولى يارب.
نظرت زينة إلى نبيل لتشعر بالراحة مع كلماته لتنظر إلى السماء قائلة :
يارب.
قال فارس:
متخافيش ياماما..آنكل مروان هيبقى كويس..وهيرجعلنا بالسلامة.
نظرت زينة إلى فارس قائلة فى حزم:
مروان مش عمك يافارس..مروان يبقى باباك..باباك الحقيقى.
نظر فارس إليها يقول بلهفة طفل صغير حرم من أباه طوال سنوات عمره الصغيرة :
بجد ياماما..أنا ابنه بجد؟
أومأت برأسها وهي تربت على شعره بحنان..ليقول بحزم وهو يبدوا أكبر من سنه:
يبقى هيبقى كويس عشان أنا طلبت من ربنا يكون لية أب..وآنكل مروان…. قصدى بابا مروان هو أحلى أب فى الدنيا.
تبادل نبيل مع ياسين نظرات حانية بينما احتضنت زينة فارس قائلة فى رجاء:
بإذن الله ياحبيبى ربنا هيرجعلنا بابا بالسلامة .
لتنظر إلى ياسين ونبيل وهي تنهض قائلة بحزم:
يلا بينا.
**********************
قام مجموعة من الأطباء المشهورين بقيادة دكتور عزيز بإجراء العملية لمروان والتى استمرت لساعات ليستبد القلق بالجميع رغم معرفتهم بأن هذه النوعية من العمليات يستغرق تلك المدة ولكن خضوع مروان لها جعلهم لا يدركون شيئا سوى مرور ذلك الوقت بطيئا عليهم يحمل إليهم قلقا بلا حدود.
وبالفعل انتهت العملية..ليستبد بهم قلقا من نوع آخر وهو مرور تلك الساعات على مروان داخل وحدة العناية المركزة..وتقبل جسده لذلك القلب الدخيل عليه ..حتى أطلقوا سراح أنفاسهم والطبيب يهنئهم بنجاح العملية وتقبل جسد مروان القوي لذلك القلب..ثم انتقاله بعد أيام إلى حجرة عادية مع التنبيه الشديد على القريبين منه بأخذ أدويته فى مواعيدها وتجنب الضغط والإرهاق..والمتابعة بانتظام..تناوبوا على الوجود بجواره ..إلا زينة التى صممت على التواجد باستمرار إلى جواره..ليحجزوا لها غرفة بجانب غرفته.. كانت تغير فيها فقط ملابسها وتصلى فروضها التى تدعى له فيها كثيرا..وعندما يغلبها النعاس كانت تنام على كرسي بجواره ممسكة يده ..تخشى ان تتركه فيستيقظ وهي غير موجودة..حتى كان ذلك اليوم الذى شعرت بيده تتحرك بين يدها لتنظر إليه بلهفة..وجدته يفتح عينيه بصعوبة فى البداية لتستقر نظراته عليها بعد عدة محاولات.. ليقول بصوت ضعيف:
أنا فين؟
طفرت الدموع من عينيها وهي تقول:
انت هنا معايا يامروان.
حاول أن يبتسم ولكن ابتسامته جاءت ضعيفة باهتة وهو يقول :
يبقى أنا فى الجنة يازينة.
ابتسمت من وسط دموعها قائلة بعشق:
قلب زينة وعمرها كله.
نظرإلى عيونها الجميلة الباكية وهو يقول بصوت خافت حنون:
احنا مش قلنا خلاص..مبقاش ينفع تبكى وانتى معايا..أنا مش حلفتك يازينة؟
مدت يدها تمسح دموعها بسرعة وهي تقول:
غصب عنى يامروان..انت متعرفش الأيام اللى فاتت دى ..فاتت علية إزاي..أنا معرفتش أد إيه بحبك غير لما قربت أخسرك.
مد يده إليها لتمد يدها إليه تمسكها..وهو يقول بضعف:
والحمد لله ..ربنا كتبلنا ان احنا نكون مع بعض..ومد فى عمرى علشان خاطرك انتى وبس..يبقى نعمل إيه؟..نحمده على نعمة كبيرة وفضل لو عشنا عمرنا كله نحمده عليها مش هيكفى..وعشان كدة..أوعدك اول ما أقدر.. هنروح نحج وهنسفر كل واحد فى الشركة نفسه يحج ومش قادر على حسابى.
قالت زينة فى فرحة:
بجد يامروان؟
ابتسم قائلا بهمس عاشق:
بجد ياقلب مروان.
رفعت يده تقبلها وهي تنظر إليه قائلة:
لو مكنتش بحبك كتير أوى..كنت حبيتك أكتر.
ابتسم بضعف قائلا :
طب ما تدينى بوسة فى بقى.. جايز أكبر الموضوع وأسفر كل واحد مش قادر فى مصر يحج على حسابى.
اتسعت عينيها فى صدمة لتضربه بخفة على يده قائلة:
مروان انت بقيت قليل الأدب على فكرة.
قال مروان بابتسامة ضعيفة:
تانى قليل الأدب..انتى مراتى ياهابلة.
نظرت إليه بغيظ قائلة:
أنا هابلة طيب أنا قايمة ماشية وسايباك لوحدك.
لتنهض متجهة إلى خارج الغرفة ليناديها قائلا:
طب بوسة فى الخد طيب..يازييييينة.
غادرت زينة ليهز مروان رأسه على جنون محبوبته وهو يبتسم فى عشق.
*********************
بعد مرور سنة
تهادت دارين فى ثوب أبيض جميل وبسيط ينسدل شعرها بنعومة ويكلله تاج رائع لتبدو اجمل عروس وإلى جوارها ياسين يبدو فى أجمل حلة..يتجهان إلى نبيل الواقف بتوتر والذى ما ان لمحهما حتى استقرت نظراته العاشقة على محبوبته وهي تتقدم إليه برقة ليأخذ بيدها من يد ياسين..ويقترب منها يقبلها من رأسها بحنان ليصفق الجميع..ويتجه العروسين لآداء رقصة السلو ..بينما اتجه ياسين ليقف بجوار زوجته فتون والتى تألقت فى فستان وردى جميل أظهر حملها الصغير ليضع يديه على كتفها وهما ينظران إلى نبيل ودارين اللذان يرقصان برقة وعيون كل منهما لا تفارق عيون الآخر ليظهر الحب جليا على ملامحهما..تتهادى كلمات أغنية يارا الرائعة(بيت حبيبى) لتتغلغل إلى وجدانهم..وتعبر عن مشاعرهم.
(ودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه
دا بقالنا مدة طوبة طوبة من الحب بنبنيه
انا لابسة الطرحة ومش سيعاني الفرحة و انا وياه
ارمو الورد علينا وباركولي بيه
هاسمع كلامه وتحت امره في اللي يقولي عليه
وبأي شكل هريحو لو حتى يطلب ايه
وان جبت منو بنت يارب تبقى شبهه
وان كان ولد هدعيلو يتربى بايديه
بعد النهارده محدش غيره ليه عليا كلام
وان حد شافنا مش هيقول تلت التلاتة كام
انا شايلة اسمه فيه بقاسمه شريكته في الحياة
زفونا يا ناس خلونا نروح أوام
هاسهر على راحته وعمري فــ يوم مااقلق منامه
هاكله بإيديا مهما عليا قالو لامو
دلوقتي ماليش فــ الدنيا حد تاني غيره
وهاعلي من شانه واكبر مقامه
انا هامشي ايديه في ايديه
ومش هخاف وأخبي وهاقول للناس بحالها
دا الي اختارو قلبي
ومن النهاردة مش هابقى لوحدي تاني ابدا
ولا يوم هايجيلي نوم ينام هو جنبي
بعد النهاردة محدش غيره ليه عليا كلام
وان حد شافنا مش هيقول تلت التلاتة كام
انا شايلة اسمه فيه بقاسمه شريكته في الحياة
زفونا يا ناس خلونا نروح أوام.)
قالت فتون بسعادة:
شكلهم حلو أوى ياياسين..أنا عايزة أرقص معاهم.
قال ياسين باستنكار:
ترقصى معاهم إيه بالبطيخة دى..انتى اتجننتى يافتون؟
نظرت إليه فتون بغيظ قائلة:
اتجننت عشان عايزة أرقص ياياسين..انت شكلك مبقتش تحبنى زي الأول.
اتسعت عينا ياسين بصدمة:
انا مبقتش أحبك زي الأول..أمال لو مكنتش لسة رافد السكرتيرة بتاعتى انبارح عشان خاطرك..كنتى قلتى إيه؟
قالت فى ضيق:
ويعنى إيه رفدت سكرتيرتك عشان خاطرى..ايه المشكلة يعنى؟
قال ياسين بسخرية:
لأ مش مشكلة خالص..خامس سكرتيرة أرفدها فى سنة وعادى جدا..وإيه يعنى؟أصلهم معجبوش مراتى يبقى لازم أرفدهم ..أومال..ما هو ياكدة ياهبقى مبحبكيش..صح؟
دمعت عيناها قائلة:
انت بتتريأ علية ياياسين..طب زعلانة منك..و مخاصماك وهروح أبات النهاردة عند زينة.
لتتركه وتمشى لينادى عليها قائلا:
فتون..استنى بس هقولك.
قال مروان بابتسامة:
عيب ع الرجالة ياجدع..مزعل مراتك ليه يابيضا؟
قال ياسين بغيظ:
بيضا برده؟..ما علينا.. بكرة مراتك تحمل ونشوف هرمونات الحمل هتعمل فيها إيه وفيك انت كمان ياأخويا.
ابتسم مروان قائلا:
من بقك لباب السما ياشيخ..هي تحمل بس وتجيبلى بنوتة صغيرة وأنا مستعد أتحمل أي حاجة.
نظر إليه ياسين شذرا قائلا:
ماشى ياسيدى..خد بقى عندك..فتون غضبانة وهتيجى تبات عندكم مع زينة..فاهمنى طبعا..يعنى زينة النهاردة هتبات فى حضن مين؟..فى حضن فتون.. اتحمل بقى ياسى مروان.
قال مروان بجزع:
نعم ياأخويا..تبات فى حضن مين؟..لأ ..بقولك إيه..روح صالح مراتك ياياسين..معندناش ستات تبات برة البيت..الموضوع هيكبر ومش هتعرف تلمه ودى ستات وهتتلم مع بعضها وتتفق علينا.
عقد ياسين حاجبيه قائلا:
تفتكر؟؟
قال مروان:
أومال..يلا ياابنى روح صالحك مراتك..وبلاش لعب عيال.
قال ياسين:
وعلى إيه؟..أنا رايح..عايزة ترقص ترقص..هي جت على الرقص يعنى.
ليغادر تتبعه عينا مروان الذى ضرب كفا على كف قائلا:
ياسين شكله اتجنن..آل مراته تبات فى حضن مراتى آل..أومال انا هبات فى حضن مين؟
استمع إلى صوتها الرقيق وهي تقول فى مرح:
انت بتكلم نفسك ياحبيبى؟
التفت إليها يتأمل ملامحها الجميلة والتى ازدادت جمالا فى ذلك الفستان الفضي والذى اختاره لها خصيصا لأنه يذكره بلون عيونها التى لطالما سحرتاه..ليبتسم فى عشق قائلا:
ما هو انا لازم أكلم نفسى عشان حبيبتى سابتنى واقف لوحدى..وفجأة اختفت.
اقتربت منه تمد يدها لتساوى له رباط عنقه قائلة:
كنت بطمن على فارس ياحبيبى..كلمت دادة نجاة ربنا يخليهالنا ويرحم دادة تحية يارب..
قال مروان:
ربنا يرحمها ياحبيبتى..ودادة نجاة قالتلك ايه؟
لتقول زينة :
قالتلى إنه أكل ونام..مش كنا جيبناه معانا أحسن من القلق ده؟
رفع يده يضعها على خصرها وهو يقول:
فارس بينام بدرى وكان هيتعب لو جه معانا..وبعدين هو انا مش من حقى استفرد بمراتى حبيبتى ولو ليوم واحد.
ابتسمت وهي تمد يدها تمررها على وجنته قائلة :
حقك ياحبيبى..بس هي دى فكرتك عن الاستفراد بحبيبتك يامروان؟
ابتسم لها قائلا:
تؤ تؤ تؤ..عيب عليكى ياحبيبة قلب مروان..ده أنا حاجز أوضة فى الفندق هنا ومش هنخرج منها غير واحنا مخاويين فارس بإذن الله.
ضربته بخفة على كتفه قائلة:
انت قليل الأدب على فكرة.
ابتسم قائلا:
قديمة ..هاتى غيرها.
ابتسمت قائلة:
طب بحبك.
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
هي قديمة ..بس هتفضل فى كل مرة أسمعك فيها بتقوليهالى.. وكأنها اول مرة بسمعها يازينة.
قالت فى عشق:
بحبك ياقلب زينة.
نظر إلى عمق عينيها قائلا بعشق:
وأنا بعشقك ياقلب مروان.
الخاتمة
دلفت دارين إلى جناحهما بالفندق يتبعها نبيل الذى أغلق الباب بقوة خلفه لتلتفت إليه دارين تنظر إلى ملامحه الغاضبة وعروقه النافرة بتوجس..ليقترب منها نبيل قائلا بغضب:
أنا مش قلتلك قبل كدة مشوفكيش بتضحكى مع زفت الطين ده اللى اسمع علاء ؟
ابتلعت دارين ريقها قائلة بتوتر:
أيوة قلتلى ..بس هي جت كدة..مش مقصودة يعنى..كانت واقفة معانا نهى أخته وهي اللى ضحكتنى.. والله كان غصب عنى.
مال نبيل ينظر إلى عينيها مباشرة قائلا بعصبية:
غصب عنك..آااه..طيب انتى تقطعى بقى علاقتك بنهى وأخوها خالص..مفهوم؟
رفعت دارين حاجبيها قائلة باستنكار:
انت بتقول ايه؟مقدرش طبعا ..نهى دى صاحبتى من زمان.
جز نبيل على أسنانه قائلا:
وأخوها ده مش كان عايزك ولا نسيتى؟
تنهدت دارين قائلة:
لأ منستش..انت اللى نسيت انى رفضته ومن قبل حتى ما أعرفك كمان..يبقى فين المشكلة بس؟
قال نبيل بحدة:
المشكلة..المشكلة ان ميفرقش معايا رفضتيه أو لا طول ما انا عارف انه بيحبك..انتى مشفتيش كان هياكلك بعنيه إزاي..أنا كنت هولع فيه بس خفت أبوظ عليكى فرحتك.
دمعت عيناها وهي تقول:
وهو انت دلوقتى مبوظتش فرحتى يانبيل..فيه واحدة يوم فرحها يفضل جوزها يتخانق معاها بسبب تافه زي ده؟
رغم الغصة التى أصابته لمرأى دموعها إلا أن كلماتها أصابت قلبه بالألم لتتحول ملامحه إلى الجليد وهو يقول:
سبب تافه….يعنى انتى شايفة بقى انى راجل تافه زي الموضوع اللى بكلمك فيه يادارين؟وبتلكك صح؟
كادت أن تنطق ولكنه أشار لها بالصمت وهو يقول:
الاجابة واضحة ومش محتاجة كلام..عن إذنك.
خرج إلى شرفة جناحهم تتابعه عيناها بألم لتراه يخرج من جيبه علبه سجائره ويخرج منها سيجارة أشعلها وأخذ منها نفسا عميقا ليطلقه بعصبية..لتدرك أنه غاضب للغاية ومعه حق..فهي تعلم أن علاء مازال يحبها ومع ذلك وقفت معه ومع أخته وتضاحكوا سويا رغم علمها أن نبيل يغار عليها وبشدة..انتابتها الحيرة بين أن تتركه يفرغ انفعاله ثم تتكلم معه بهدوء..وربما تعتذر منه..وتعده أن لا تكررها..أوأن تتجه إليه حالا وتعتذر لتعود المياه إلى مجاريها..خاصة وهي لا تطيق أن تراه على تلك الصورة الغاضبة ..حسمت رأيها وهي تتجه إليه بخطوات سريعة تضمه من الخلف بقوة..أحست بجسده يتجمد لثوان قبل أن تشعر به يرتخى من جديد لتقول بهمس:
آسفة..متزعلش منى..والله ما قصدت أقلل منك أو أزعلك ولو بكلمة..انت معاك حق وأنا غلط بس انت بتحبنى وهتسامحنى ..وأوعدك أقطع علاقتى بالناس كلها لو حبيت بس متزعلش منى.
ألقى نبيل سيجارته من الشرفة وهو يمد يديه يمسك بيديها اللتين تحيطان بخصره يحركها لتقف قبالته لتواجهه عينيها اللتين لطالما سحرتاه والمليئتان الآن بالدموع .. لتنزل دمعة خائنة منهما فمد يده بحنان ليمسحها وهو يقول بهدوء:
أنا مقلتش اقطعى علاقتك بالناس كلها ..أنا قلت اقطعى علاقتك بعلاء وأخته بس..
ثم رفع يده يتخلل خصلات شعرها برقة قائلا بعشق:
أنا بغير عليكى من الهوا اللى بيلمس شعرك يادارين..عشان خاطرى حاولى تفهمينى وتستوعبى غيرتى دى..انا مبستحملش حد يبصلك بصة واحدة..بتجنن.
نظرت إلى ملامحه التى تعشقها قائلة:
فاهماك ياحبيبى وأوعدك انى أحاول أستوعب غيرتك.. بس أهم حاجة متزعلش منى أبدا..أنا لو انت زعلت منى، بحس ان الدنيا وحشة أوى يانبيل.
تأمل ملامحها الجميلة بعشق قبل أن يقترب من شفتيها قائلا أمامهما:
قلب نبيل وعمره كله.
ليأخذ شفتيها فى قبلة طويلة أودعها مشاعره التى يكنها لتلك المخلوقة الرائعة بين يديه..ليترك شفتيها وهو ينثر القبلات على وجهها وعنقها لتهمس هي بإسمه بصوت متقطع النبرات ليغمغم قائلا:
امممممم.
قالت بأنفاس متسارعة:
الناس.. يانبيل..احنا..فى البلكونة.
ابتعد عنها نبيل بوجهه ينظر إليها بعيون غائمة من المشاعر وهو يقول:
الفندق ع النيل ياقلب نبيل .
ليبتسم مستطردا:
عموما تعالى ندخل جوة أهو حتى نبقى براحتنا..أقلعك الطرحة تقلعينى الكرافات…
قاطعته قائلة فى خجل:
نبيل..انت بتقول ايه؟
اتسعت ابتسامته قائلا:
وأنا لسة قلت حاجة ..ادخلى ياحبيبتى الأوضة قبل ما أخلى أفعالى هي اللى تقولك.
دلفت دارين الى الحجرة بسرعة قبل أن يبتسم نبيل على خجلها الظاهر ومد يده يغلق باب الشرفة وهو يقول:
استعنا ع الشقا بالله.
********************
اقترب ياسين من أذن فتون قائلا بهمس:
افتحى عيونك.
فتحت فتون عيونها لتجد قاعة الرقص الخاصة بالفندق فارغة تماما ..تصدح فيها أغنيتهم المفضلة والتى رقصوا عليها فى بيروت..(نخبى ليه لوائل جسار)..نظرت إليه فى دهشة..ليمد يده إليها بابتسامة قائلا:
تسمحيلى بالرقصة دى؟
اغروقت عيناها بالدموع وهي تقول:
انت حجزت القاعة دى عشانى؟
أومأ برأسه لتستطرد قائلة:
والأغنية دى برده عشانى؟
أومأ برأسه مجددا لتحتضنه بقوة قائلة:
أنا بحبك أوى ياياسين.
ضمها يستنشق عبيرها الرائع وهو يقول بعشق:
وأنا بحبك أكتر ياقلب ياسين.
ليبتعد عنها بعد ثوان قائلا:
تسمحيلى بقى أرقص مع حبيبتى وبنتى؟
أومأت برأسها فى سعادة وهو يأخذ بيديها يضعهما حول رقبته بينما ضمها من خصرها لتقول هي بعشق:
انت بجد بتحبنى اوى كدة ياياسين؟
ابتسم قائلا:
واكتر من كدة ياقلب ياسين.
أحس بترددها وهي تقول:
و…ميسون؟
نظر إليها يقول بحزم:
ميسون ذكرى جميلة لحب حبيته زمان..بس الحاضر والمستقبل هو انتى ياحبيبتى.
قالت وهي تتأمل ملامحه الرجولية التى تعشقها:
طيب بما ان اللى فى بطنى بنوتة..فأنا..يعنى..عايزة أطلب منك طلب.
ابتسم وهو يعرف طلبها ليقول:
عايزة تسميها ميسون..صح؟
أومأت برأسها دون أن تنطق بحرف..لتتسع ابتسامته وهو يقول:
طلبات فتون هانم أوامر.
اتسعت عيون فتون بفرحة لتشع ملامحها بتلك الابتسامة التى يعشقها وهي تضمه بقوة قائلة بسعادة:
انت مفيش منك اتنين ياياسين..ربنا يخليك لية.
أغمض ياسين عينيه قائلا فى عشق:
ويخليكى لية ياحييبتى.
ليظلا هكذا كل منهما بين ذراع الآخر تتهادى خطواتهم على نغمات تلك الأغنية الرائعة..تطوف بهم أنغامها بين نفحات العشق.
*****************
دلف مروان إلى جناح الفندق يحمل زينة بين يديه..تتشابك نظراتهما العاشقة ليغلق الباب خلفه بكعب قدمه ثم يتوجه بها إلى السرير ويضعها برفق ..مال باتجاهها يحل ربطة شعرها ليتساقط حول وجهها بنعومة..تأمل وجهها الحبيب قائلا بعشق:
هتصدقينى لو قلتلك وحشتينى؟
تأملت ملامحه بدورها وهي ترفع يدها تلفهما حول عنقه وهي تقول:
هصدقك لإنك بتوحشنى وانت قصاد عينى.
تأمل شفتيها الجميلتان واللتان دائما ما تغدق عليه كلماتهما سحرا يغرق فيه..أما عندما يجتمعان مع شفتيه فلا يوجد فى الكون كله شعورا قد يصف حالته وقتها..فهو يشعر وقتها بأنه يطوف بروحه فى عالم رائع يجعله يغيب تماما عن كل ما حوله..اقترب بشفتيه من شفتيها يود أن يغيب فى كونهما الخاص..لتوقفه وهي تحل عقدة يديها من حول رقبته لتضع إصبعها على شفتيه تمنعه من تقبيلها قائلة بحنان:
خدت الدوا بتاعك؟
قبل إصبعها الساكن على شفتيه ..لترفعه بخجل وهو يقول :
خدته ..واطمنت من الدكتور كمان إنى أقدر أمارس دلوقتى حياتى الطبيعية زي أي راجل يازينة..
ليرفع يديه يحيط وجهها قائلا :
أبوس ايدك بقى بطلى قلق على صحتى..أنا زي الفل دلوقتى..وفى اللحظة دى شوقى ليكى جايب آخرى ولو مبستكيش حالا..روحى هتطلع من…..
لتقطع زينة كلماته وهي تضم وجهه تقبله بقوة لتتسع عينيه بدهشة قبل أن يغمض عينيه يبادلها قبلتها بشوق..بحنان..بقلب غارق فى العشق..ليبتعد عن شفتيها حتى يسمح لهما بأخذ أنفاسهما الضائعة فى ثنايا العشق..ليرفع يده يمررها على وجنتها هامسا أمام شفتيها بمشاعر ظهرت واضحة فى تهدج نبراته:
بحبك يازينة..بعشقك.
لم يمنحها فرصة للرد على كلماته المتيمة وهو يأخذ شفتيها بين شفتيه فى قبلة أخرى أطاحت بعقلهما لترفع يدها تضم رأسه تتخلل شعره بأصابعها تجذبه إليها وهي تبادله قبلاته بشوق ..ليمددها على السرير وهو يمد يده يغلق تلك الأباجورة بجواره لتغرق الحجرة فى ظلام ينيره فقط ضوء القمر الدالف من الشرفة وعشق اجتاح كيانهما بالكامل.
تمت بحمد الله.
رواية جحر الشيط’ان.
بقلم شاهندة.