استنجدت باختها حكايات صافى هانى الثاني

أصوات سارينات عربيات البوليس والإسعاف بدأت تقرب وتعلى في الشارع، والضوء الأحمر والأزرق بقى يلف على حيطان الأوضة من برة. “إيفان” ملامحه بدأت تتغير؛ الثقة العمياء اللي كانت في عينه اتهزت لأول مرة لما شاف البوكسات وهي بتقف قدام الفيلا. أمه “سيلست” دخلت الأوضة وهي بتزعق ومخضوضة: “إيفان! البوليس مالي المكان برة! أنت عملت إيه؟”.

​أنا مبصتلهمش، فضلت مركزة مع أختي. القوة وصلت، ودخل اتنين من زمايلي الظباط ومعاهم دكاترة الإسعاف. أول ما شافوا “مارا” في الحالة دي، اتصدموا. المسعفين نزلوا على الأرض بسرعة وبدأوا يدولها إسعافات أولية ويركبولها محاليل، وشالوها براحة جداً على النقالة. “مارا” كانت ماسكة في إيدي بجنون، وعينها مليانة دموع ورعب وهي بتبص لـ “إيفان”. وطيت عليها وهمست في ودنها: “متخافيش يا قلب أختك، الكابوس ده انتهى خلاص، مفيش مخلوق هيقدر يلمسك تاني”.

​بمجرد ما خرجوا بيها، التفت لـ “إيفان”. كان واقف بيحاول يجمع ثباته ويقول للظباط: “يا جماعة دي مراتي، ووقعت في الأوضة، وحضرة الضابط دي أختها وجاية تصفّي حسابات شخصية وتتبلى عليا”.

​قربت منه بكل برود، وطلعت الكلبشات الحديد من حزامي. بصلي بغضب وقال بصوت واطي: “أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا هخرب بيتك وهرفدك من شغلانتك دي قبل الشمس ما تطلع!”.

​رديت عليه وأنا بلوي دراعه ورا ضهره وبقفل الكلبشات على إيده بقوة: “أنت متهم بالاعتداء وحجز الحرية، والشروع في قتل سيدة حامل. ويا ريت توفر تهديداتك دي، لأن كل كلمة وكل حركة عملتها من ساعة ما دخلت متسجلة لايف على كاميرا المديرية”. وبصيت لفوق، لـ جهاز إنذار الحريق، وقلتله: “ومش بس كده… الكاميرا المخفية اللي فوق دي سجلت بالتفصيل أنت عملت إيه في أختي من أول دقيقة في السهرة. يعني نفوذك وفلوسك ومحامينك مش هينفعوك بمليم قدام النيابة”.

​وشه اتقلب لونه أصفر كأنه جثة، وعينه راحت لجهاز الإنذار والصدمة شلته. أمه بدأت تصرخ وتلطم: “إيفان! لا! ابني ميعملش كده! أنتِ بتتبلي عليه يا مجرمة!”. شاورت لزمايلي وقلت لهم: “خدوهم هم الاتنين على القسم، وتحفظوا على جهاز إنذار الحريق ده كأحراز أساسية في القضية، ومحدش يلمسه غير المعمل الجنائي”.

​نزلت جري ورا عربية الإسعاف، ورحت معاهم المستشفى. الساعات اللي وراها كانت أصعب ساعات مرت في حياتي. كنت واقفة قدام غرفة العمليات وبدعي ربنا يسترها. الدكاترة اضطروا يعملوا لـ “مارا” عملية قيصرية طارئة لإنقاذ الجنين بسبب النزيف اللي حصلها. بعد أربع ساعات، الدكتور خرج وهو يمسح عرق جيبنه، وابتسم وقال: “الحمد لله.. لحقنا الأم والطفل في آخر لحظة. الولد دخل الحضّانة بس حالته مستقرة، وأختك كمان بقت أحسن”.

​في اللحظة دي، حسيت إن جبل انشال من على صدري. دموعي نزلت لأول مرة من أول الليلة.

​تاني يوم الصبح، كنت واقفة في مكتب رئيس النيابة. “إيفان” كان جايب تيم محامين من كبار البلد، وكانوا بيحاولوا يلفوا ويقعدوا في القضية ويقولوا إن البلاغ كيدي من أخت الزوجة بسبب خلافات قديمة. وكيل النيابة بصلي وقال: “سيادة النقيب، الدفاع بيقول إن مفيش دليل مادي على الضرب، وإنها مجرد وقوع في البيت”.

​ابتسمت بثقة، وطلعت فلاشة من جيبي وحطيتها على مكتبه. قلت له: “دي الفلاشة اللي عليها تفريغ الكاميرا المخفية اللي كانت في الأوضة يا فندم، وتفريغ كاميرا الجسم بتاعتي أثناء الضبط”.

​وكيل النيابة شغل الفيديو. الأوضة كلها سكتت. صوت “إيفان” وهو بيشتمها ويضربها، وصوت صراخها وهي بتترجاه عشان خاطر اللي في بطنها، وصوت الخبط والألم… كان كفيل يهد أي دفاع. المحامين بتوعه أول ما شافوا الفيديو، نزلو إيديهم وبصوا للأرض؛ عرفوا إن القضية دي مفيهاش ثغرة واحدة.

​التفتت وبصيت لـ “إيفان” اللي كان قاعد على الكرسي مكسور والكلبشات في إيده، ومبقاش فاضل من هيبته وفلوسه أي حاجة. قررت النيابة حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد، والتحفظ على أمه بتهمة التستر والمشاركة في إخفاء معالم الجريمة.

​بعد أسبوع، “مارا” خرجت من المستشفى وشايلة ابنها في حضنها، وجت عاشت معايا في بيتي. وهي قاعدة على الكنبة بتنيم ابنها، بصتلي وعينها مليانة سلام لأول مرة من سنين، وقالتلي: “شكراً يا لينا.. أنتِ منقذتيش حياتي أنا بس، أنتِ أنقذتي مستقبلي ومستقبل ابني”.

​مسكت إيدها وقلت لها: “أنا عملت واجبي كـ أخت وكـ ظابط.. والراجل ده مش هيشوف الشمس تاني طول ما أنا عايشة”. الحكاية بدأت بمكالمة رعب الفجر، وانتهت بـ بداية جديدة ونظيفة، خالية تماماً من الخوف.

الحياة بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج، بس بطعم جديد ومختلف، طعم ملوش أي علاقة بالخوف اللي عاشت فيه “مارا” لسنين. بيتي اللي كان دايماً هادي وضلمة بسبب ظروف شغلي ومواعيدي الصعبة، اتقلب وبقى مليان حركة وصوت عياط بيبي صغير، وزحمة علب اللبن والهدوم البيضاء الصغيرة. “مارا” كانت بتقوم في نص الليل مخضوضة من أي صوت، تفتكر إن “إيفان” واقف فوق راسها، بس أول ما كانت بتشوفني قاعدة جمبها وبطمنها، كانت بتهدى وتأخد نفسها.

​القضية مشيت في السكة القانونية بأسرع مما أي حد يتخيل. تفريغ الكاميرا المخفية كان بمثابة حبل المشنقة اللي لف حوالين رقبة “إيفان”. الفيديوهات مكنتش سايبة مجال للشك؛ كانت جايبة “إيفان” وهو بيتحرك في الأوضة زي الوحش، وصوته وهو بيقولها بوضوح: “محدش هيقدر ينجدك مني، ولا أختك ولا الحصانة بتاعتها هتنفعك”. الكلمات دي بالذات، مع تقرير الطب الشرعي اللي أثبت وجود كدمات في كل حتة في جسمها وكسر في ضلوعها، خلّت القضية تترفع لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار، والاعتداء على سيدة حامل، وحجز حرية بدون وجه حق.

​في يوم الجلسة الأولى، المحكمة كانت زحمة جداً. الصحافة بدأت تشم خبر، خصوصاً إن “إيفان” راجل أعمال معروف وله اسمه. المحامين بتوعه حاولوا في اللحظات الأخيرة يلعبوا على وتر “المرض النفسي” وإن موكلهم كان بيمر بظروف ضغط عصبي ونفسي ومكنش في وعيه. لكن رئيس المحكمة كان حازم جداً، وبص للدفاع وقالهم: “الوعي باين جداً في تفريغ الفيديوهات، والتلذذ بالأذى ملوش علاقة بالمرض النفسي”.

​”مارا” أصرت إنها تحضر الجلسة دي بالذات. كانت واقفة برة القاعة ساندة على كتفي، وشايلة ابنها “آدم” اللي سميناه على اسم بابا الله يرحمه. لما نادوا على اسم “إيفان” ودخل قفص الاتهام، كان باين عليه التبَهدل؛ الهدوم الغالية اختفت وحل مكانها لبس الحبس الاحتياطي الأبيض، دقنه كانت طويلة، وعينه مكسورة في الأرض ومبصش ناحيتنا ولا مرة. أمه “سيلست” كانت قاعدة في أول صف وبتعيط بـ حُرقة، بس المرة دي مكنتش لابسة حرير، كانت باينة عجوزة وضعيفة بعد ما قضت كام يوم في الحجز بتهمة التستر والمساعدة.

​المستشار قرأ الحكم اللي نزل زي الصاعقة على القاعة: “حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً عما أسند إليه، وإلزام المصاريف الجنائية”. أول ما الكلمة طلعت، أمه صرخت ووقعت من طولها، و”إيفان” مسك قضبان القفص وهو مش مصدق إن نفوذه وفلوسه مِقِدرتش تشيل عنه يوم واحد من العقاب.

​أنا بصيت لـ “مارا”، لقيتها بتغمض عينيها وبتتنفس بعمق، وكأنها كانت شايلة حِمل تقيل على صدرها السنين دي كلها وأخيراً رمتْه. دموعها نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، كانت دموع النصر والحرية.

​بعد ما خلصنا الإجراءات وخرجنا من محكمة الجنايات، وقفنا على السلم برة والمطر الخفيف كان بيلمس وشوشنا، نفس المطر اللي كان مغرق الشوارع ليلة المكالمة المشؤومة، بس الإحساس كان مختلف تماماً. “مارا” بصلتي وقالتلي وهي بتبتسم: “أنا حاسة إني اتولدت النهاردة يا لينا.. أنا وآدم”.

​حضنتها وقلت لها: “أنتِ قوية يا مارا، وأنا دايماً في ضهرك”. ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، ومن يومها، قفلنا الصفحة دي تماماً، وبدأنا نكتب كتاب جديد مفيش في سطوره غير الأمان، والسلام، والضحكة اللي غابت عننا كتير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *