حكاية شهد بقلم الكاتبه منال عباس الرابع والاخير

حكاية شهد بقلم منال عباس

الرابع والاخير

شهد اتشبثت بدراع يوسف وهي بتحاول تشوف صاحب الصوت وسط الضلمة

يوسف رفع سلاحه وقال بحزم

ـ اطلع قدامي

ببطء خرج رجل من الظلام

شعره أبيض

ووجهه مليان تجاعيد

لكن عينيه كانت حادة بشكل غريب

أول ما شافته سلوى شهقت

ـ فؤاد

شهد اتجمدت

نفس الاسم اللي كانت بتسمعه من أول القضية

الرجل بص لسلوى ثم لشهد

وقال بهدوء

ـ أخيرًا قابلتك يا بنت أدهم

يوسف ما أنزلش سلاحه

ـ لو عندك حاجة قولها

فؤاد ابتسم

ـ الحقيقة كلها معايا

سامح قرب منه بغضب

ـ بعد عشرين سنة افتكرت تقول الحقيقة

فؤاد بصله بحزن

ـ لأن الوقت خلص

ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه

ومده لشهد

ـ افتحيه

شهد فتحت الظرف بإيد مرتعشة

وكانت الصدمة

عشرات الصور

صور لوالدها الحقيقي

لكن الأغرب أنها كانت صور حديثة

بعضها من سنة واحدة فقط

وبعضها من شهور

شهد شهقت

ـ مستحيل

ـ أبويا عايش

فؤاد هز رأسه

ـ أيوه

دموعها نزلت فورًا

ـ فين

سكت فؤاد لحظة

ثم قال

ـ طول السنين دي كان مخبي نفسه بإرادته

يوسف عقد حاجبيه

ـ ليه

فؤاد أخذ نفسًا طويلًا

ـ لأن أدهم اكتشف شبكة فساد ضخمة جدًا

أسماء كبيرة

ونفوذ كبير

وكان فيه ناس مستعدة تقتل أي حد يقرب من الحقيقة

سلوى نزلت رأسها

واضح إنها كانت تعرف جزءًا من الكلام

أما شهد فكانت حاسة أن قلبها هينفجر

ـ يعني سابنا

ـ لا

رد فؤاد بسرعة

ـ ضحى بنفسه

كل خطوة عملها كانت علشان يحميكم

ثم أخرج ورقة مطوية بعناية

ـ دي آخر رسالة كتبها قبل ما يختفي

شهد فتحتها بسرعة

وكان الخط واضحًا

خط والدها

“لو بتقري رسالتي يا شهد يبقى ربنا كتب ليكي تعرفي الحقيقة”

“سامحيني على كل سنة غبت فيها”

“لكن لو كنت رجعت وقتها كنت هعرضك وأمك للموت”

“كل يوم كنت بتابع أخباركم من بعيد”

“وكل نجاح ليكي كنت بفرح بيه”

الدموع كانت بتنزل من غير توقف

يوسف وقف جنبها بصمت

وفؤاد أكمل

ـ أدهم وافق أخيرًا يظهر

شهد رفعت رأسها فجأة

ـ يعني إيه

ـ يعني هتشوفيه

الليلة

قلبها دق بقوة

ـ فين

فؤاد نظر إليها نظرة طويلة

ثم قال

ـ في المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها

العمارة القديمة

اللي كنتوا ساكنين فيها زمان

ساد الصمت

ثم أخرج فؤاد مفتاحًا صغيرًا

ووضعه في يد شهد

ـ الشقة رقم 11

هناك هتلاقي الإجابة الأخيرة

وهناك مستنيكي أبوكي بنفسه

لكن قبل أن يتكلم أحد

سمعوا صوت سيارة تقترب بسرعة خارج المبنى

ثم أصوات رجال

ثم صوت إطلاق نار جديد

تغير وجه فؤاد فجأة

وقال بقلق

ـ عرفوا مكاننا

يوسف أمسك بيد شهد بسرعة

أما فؤاد فنظر إليها وقال آخر جملة قبل أن تنطفئ الأنوار مرة أخرى

ـ لو تأخرتوا أكتر من ساعة

ممكن تخسري فرصة تشوفي أبوكي للأبد…! بقلم منال عباس

شهد كانت ماسكة المفتاح بقوة وكأن حياتها كلها متعلقة بيه

يوسف أمسك إيدها وخرجوا بسرعة من المكان

وأصوات الرجال كانت بتقرب أكتر

ركبوا العربية وانطلقوا وسط شوارع القاهرة

ولا واحد فيهم كان بيتكلم

لحد ما وقفوا أخيرًا قدام العمارة القديمة

نفس العمارة

نفس الشرفات

نفس الذكريات

شهد نزلت من العربية ودموعها نازلة

كأن الزمن رجع بيها سنين طويلة

طلعت السلم بسرعة

وقلبها بيدق بعنف

لحد ما وقفت قدام الشقة رقم 11

إيديها كانت بترتعش وهي بتحط المفتاح في الباب

ثم فتحته ببطء

دخلت

وكان المكان هادي بشكل غريب

وفجأة سمعت صوت رجل من الداخل

ـ شهد

اتجمدت مكانها

الصوت كان دافي

ومليان شوق

ومليان وجع سنين

مشت ببطء ناحية مصدر الصوت

ولما وصلت لباب الصالة وقفت

رجل في أواخر الخمسينات

شعره اختلط فيه الأبيض بالأسود

وعينيه مليانة دموع

كان واقف يبص لها وكأنه بيشوف أغلى حاجة في الدنيا

شهد همست

ـ بابا

الرجل بكى

بكى كأنه كان مستني الكلمة دي عمر كامل

ثم فتح ذراعيه

وفي لحظة كانت شهد جريت عليه

وارتمت في حضنه

سنين من الحرمان

وسنين من الأسئلة

وسنين من الوجع

انهارت كلها في اللحظة دي

أدهم كان بيبكي وهو يضمها

ـ سامحيني يا بنتي

سامحيني

شهد هزت رأسها وهي بتبكي

ـ خلاص

كفاية

أنا لقيتك

وده أهم حاجة

بعد ساعات طويلة حكى لها كل الحقيقة

وكيف عاش متخفيًا لحمايتهم

وكيف كان يتابعها من بعيد

وكيف كان يرسل من يساعدهم دون أن تعرف

واتضح أن الأدلة التي جمعها طوال السنين ساعدت الشرطة في إسقاط شبكة الفساد كلها

وانتهى الخطر الذي طاردهم عشرين سنة كاملة

بعد شهور قليلة بدأت الحياة ترجع لطبيعتها

سلوى أصبحت جزءًا من حياة شهد

وعوضتها عن سنوات طويلة من الغياب

أما فؤاد فتم تكريمه بعد أن ساعد في كشف الحقيقة كاملة

وفي يوم هادئ كانت شهد جالسة في شرفة بيتها الجديد

تنظر للسماء

ويوسف جالس بجوارها

ابتسم وقال

ـ فاكرة الخاطرة اللي غيرت كل حاجة

ضحكت وهي تهز رأسها

ـ عمري ما هنساها

أخرج يوسف ورقة صغيرة من جيبه

وقال

ـ وأنا كمان عندي بند واحد في قانون قلبي

شهد ابتسمت

ـ وإيه هو

نظر إليها بحب وقال

ـ اللي دخل قلبي من زمان عمره ما خرج منه

احمر وجهها وابتسمت بخجل

ثم أخرج علبة صغيرة

وفتحها

وكان بداخلها خاتم جميل

ـ تتجوزيني يا شهد

الدموع لمعت في عينيها

لكنها كانت دموع فرحة هذه المرة

هزت رأسها وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت بقلم منال عباس

ـ أوافق

مرت سنة

وفي ليلة زفافهما كان والدها يجلس في الصف الأول مبتسمًا بفخر

وسلوى بجانبه

وكل من أحب شهد كان حاضرًا

وقبل بداية الحفل بلحظات وقفت شهد أمام صورة أمها

وضعت وردة بيضاء بجوارها وهمست

ـ ارتاحي يا أمي

الحقيقة ظهرت

والعيلة رجعت

والقلب أخيرًا لقى أمانه

ثم رفعت رأسها نحو السماء وابتسمت

لأنها أدركت أن بعض الخواطر لا تُكتب لتُنسى

بل تُكتب لتفتح أبواب القدر

وأن الصدق لا يضيع

والحب الحقيقي قد يتأخر كثيرًا

لكنه حين يأتي يعوض كل ما فات

النهاية.
روايات منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *