بعد فراق سنوات بقلم منال عباس الاول

بعد فراق سنوات بقلم منال عباس

الاول

في حي السيدة زينب كانت نادية معروفة بين الجيران بالبنت المؤدبة الهادية اللي عمرها ما رفعت صوتها على حد

لكن رغم كل ده كان عندها وجع مخبياه جواها من سنين

كل ما حد يخبط باب البيت عشان يخطبها كانت الفرحة تدخل قلب أمها ثواني وترجع تخرج مكسورة

مرة العريس يختفي فجأة

ومرة أهله يرفضوا بسبب ظروفهم

ومرة يختار بنت أصغر منها بعشر سنين

ومع الوقت بقت نادية تسمع نفس الجملة في كل مناسبة

لسه ما اتجوزتيش يا بنتي

وكانت تبتسم وترد بهدوء بينما قلبها بيتوجع

عدى العمر بسرعة

ولما وصلت لتسعة وتلاتين سنة بقت حتى المراية بتفكرها بكل حاجة ضاعت منها

في ليلة شتوية باردة كانت قاعدة مع أمها في البلكونة الصغيرة

المطر بينزل على شوارع الحي وصوت البياعين اختفى من زمان

بصت لها أمها وقالت بعد تردد طويل

إيه رأيك في حمدي

رفعت نادية عينيها باستغراب

حمدي؟

هزت أمها رأسها

أيوه يا بنتي

الراجل محترم ومحدش يعيبه بحاجة

تنهدت نادية

حمدي كان صاحب محل أدوات كهربائية قريب من البيت

أكبر منها بحوالي سبع سنين

وكان بيعرج من رجله الشمال بعد حادثة عربية حصلت له على الطريق الدائري من سنين طويلة

رجل قليل الكلام

دائمًا لو شافته في الشارع يلقي السلام ويمشي

ولا مرة حاول يضايقها أو يلفت نظرها

قالت نادية بصوت خافت

بس عمرنا حتى ما اتكلمنا

ردت أمها

الرجالة مش كلها كلام

في رجالة أفعال

فضلت نادية طول الليل صاحية

تفكر

يمكن فعلًا خلاص

يمكن الحلم اللي كانت مستنياه عمره ما هيجي

يمكن الإنسان محتاج أمان أكتر من حاجته للحب

وبعد شهرين فقط تم كتب الكتاب

كان فرح بسيط جدًا

في قاعة صغيرة بمنطقة الخليفة

شوية أغاني قديمة

وأكل بسيط

وأقارب معدودين

حتى نادية نفسها كانت حاسة إنها بتحضر فرح واحدة تانية مش فرحها

ولما انتهت الليلة ووصلت بيت زوجها الجديد في مصر الجديدة

كانت دقات قلبها أعلى من أي صوت حواليها

دخلت الشقة وهي متوترة

كل حاجة كانت مرتبة بشكل غريب

الأثاث أنيق

والبيت نضيف بشكل ملفت

مع إن حمدي عايش لوحده من سنين

دخلت غرفة النوم وجلست على طرف السرير

إيديها كانت بتترعش

وعقلها مليان أسئلة

هل هتقدر تتأقلم

هل اختارت صح

ولا بتبدأ أكبر غلطة في حياتها

بعد دقائق سمعت باب الغرفة بيتفتح

دخل حمدي بهدوء

كان شايل صينية عليها كوب لبن دافئ

حطها قدامها وقال بابتسامة بسيطة

اشربي شوية

يمكن ترتاحي

شكرته بصوت خافت

ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه

استغربت جدًا

عدت عشر دقائق

ثم عشرين

ثم أكتر من نص ساعة

ولم يعد

بدأ القلق يتسلل إلى قلبها

وقفت ببطء وخرجت تبحث عنه

لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوتًا غريبًا قادمًا من آخر الممر بقلم منال عباس

صوت رجل يتحدث بصوت منخفض جدًا

كأنه يكلم شخصًا ما

تجمدت مكانها

فالبيت لم يكن فيه أحد غيرهما

اقتربت خطوة

ثم خطوة أخرى

وعندما وصلت أمام الباب المغلق سمعت حمدي يقول بوضوح

أنا نفذت كل اللي طلبته مني

لكن مش هقدر أخبي الحقيقة عنها أكتر من كده

شعرت نادية أن الدم هرب من وجهها بالكامل

وتسمرت يدها فوق مقبض الباب

وهي تسمع صوتًا آخر يرد عليه من داخل الغرفة…بقلم منال عباس

وقفت نادية مكانها وهي حاسة إن رجليها مش شايلينها

الصوت التاني كان راجل كبير في السن

قال بهدوء

لازم تعرف يا حمدي

السر ده مينفعش يفضل مستخبي العمر كله

رد حمدي بصوت متوتر

أنا خايف عليها

خايف لما تعرف تسيبني وتمشي

حست نادية إن قلبها بيدق بعنف

مين الراجل اللي جوه

وإيه السر اللي بيتكلموا عنه

قربت أكتر وحاولت تسمع

فجأة سكت الكلام

وبعد ثواني الباب اتفتح

اتجمدت مكانها لما شافت راجل مسن خارج من الغرفة

كان شعره أبيض بالكامل وملامحه وقورة

بصلها بدهشة

أما حمدي فاتغير لون وشه أول ما شافها

فضلت نادية باصة ليهم وهي مش فاهمة حاجة

قالت بصوت مرتعش

مين ده

رد الراجل الكبير بهدوء

أنا الدكتور شريف

صديق قديم لحمدي

بصت لحمدي

ليه بتقابله في نص الليل

وليه كنتوا بتتكلموا عن سر

اتنهد حمدي بقوة

وكأنه شايل جبل فوق كتفه

وقال

مش النهارده يا نادية

أرجوكي

مش النهارده

لكن نادية كانت وصلت لمرحلة مستحيل تسكت فيها

قالت بعصبية

أنا مراتك ومن حقي أعرف

صمت حمدي للحظات

ثم قال

هتعرفي

بس لما يجي الوقت المناسب

خرج الدكتور شريف بهدوء بعد ما ربت على كتف حمدي

وفضلت نادية واقفة مكانها

الشكوك بدأت تكبر جواها

طول الليل معرفتش تنام

وفي الصبح صحيت متأخرة

استغربت إن حمدي مش موجود في الشقة

لكن اللي استغربته أكتر إنها لقت درج المكتب مفتوح شوية

وكأن حد نسي يقفله

كانت ناوية تبعد

لكن عينها وقعت على ظرف بني قديم

مكتوب عليه بخط واضح

خاص بنادية

اتجمدت أنفاسها

مدت إيدها ببطء

وفتحت الظرف

وفي اللحظة اللي أخرجت فيها أول ورقة

شهقت بقوة

لأن الصورة اللي كانت قدامها كانت صورتها هي

لكن الصورة دي اتصورت من أكتر من خمسة عشر سنة

في يوم كانت فاكرة إنه عادي جدًا

بينما واضح إن حد تاني عمره ما نسيه…بقلم منال عباس

كانت الصورة لنادية وهي خارجة من كلية التجارة

لابسة فستان أزرق بسيط وشعرها مربوط للخلف

وقفت للحظات تحدق فيها بعدم تصديق

قلبت الصورة فوجدت تاريخًا قديمًا مكتوبًا خلفها

من خمسة عشر عامًا بالضبط

وتحت التاريخ جملة قصيرة

أجمل يوم شفتها فيه

ارتجفت يداها

وأخرجت باقي الأوراق من الظرف

وجدت صورًا أخرى

في إحداها كانت تشتري كتبًا من سور الأزبكية

وفي أخرى كانت تقف مع والدتها أمام أحد محال الحلويات

وفي صورة ثالثة كانت تضحك مع صديقتها في محطة مترو السادات

كل صورة تحمل تاريخًا مختلفًا

وكلها من سنوات متباعدة

جلست على الكرسي وهي تشعر أن أنفاسها تضيق

من الذي التقط هذه الصور

ولماذا

ثم وجدت رسالة مطوية بعناية

فتحتها بسرعة

وكان الخط نفسه الذي كُتب به خلف الصور

عزيزتي نادية

ربما لن تقرئي هذه الرسالة أبدًا

وربما تقرئينها بعد سنوات طويلة

لكنني أكتبها لأن بعض المشاعر لا تجد طريقها للكلام

أحببتك منذ أول مرة رأيتك فيها

وأعرف أن هذا يبدو جنونًا

لكني كنت أكتفي برؤيتك من بعيد

كنت أخاف أن أقترب

وأخاف أكثر أن أسمع منك كلمة رفض

لذلك بقيت صامتًا

سقطت دمعة على الورقة

وكانت نادية تعرف صاحب الخط جيدًا

إنه حمدي

كملت القراءة وقلبها يرتجف

رأيت رجالًا يأتون لخطبتك

وفي كل مرة كنت أدعو الله أن تجدي السعادة حتى لو مع غيري

لم أحاول يومًا أن أؤذيك أو أمنع نصيبك

كنت فقط أحبك بصمت

وكلما مر عام كنت أشعر أن الفرصة تبتعد أكثر

توقفت نادية عن القراءة

وأغمضت عينيها

لأول مرة منذ زواجهما شعرت أن هناك شيئًا لم تكن تعرفه عنه

شيئًا أكبر بكثير من مجرد رجل هادئ يعرج في مشيته

لكن فجأة سقط من بين الأوراق مستند صغير

التقطته بسرعة

وحين قرأت العنوان أعلى الصفحة شحب وجهها بالكامل

لأن الورقة كانت تقريرًا طبيًا

وبأسفلها عبارة واضحة

الحالة حرجة ويجب إجراء العملية خلال أشهر قليلة

وكان اسم المريض المكتوب على التقرير

حمدي عبد الرحمن

وفي اللحظة نفسها سمعت صوت مفتاح الباب يدور في الخارج

وعاد حمدي إلى المنزل… وهو لا يعلم أن نادية عرفت جزءًا من الحقيقة.يتبع بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *