حكاية منى بقلم الكاتبه منال عباس الثالث والاخير
حكاية منى بقلم الكاتبه منال عباس
الثالث والاخير
اتسعت عينا منى وهى تنظر للرجل فى الفيديو
كان فى أواخر الخمسينات
ملامحه هادئة لكن عينيه مليانة حزن
قال وهو ينظر للكاميرا
اسمى كريم
ولو وصلتى للفيديو ده يبقى أمك فشلت تحميكى من الحقيقة للآخر
أنا والدك الحقيقى
وأمك اضطرت تخبى الموضوع بعد ما اكتشفنا إن فى ناس مستعدة تقتل علشان الثروة
حست منى إن الأرض بتهتز تحت رجليها
كل دقيقة كانت بتكتشف حقيقة جديدة تقلب حياتها
كمل الرجل
الشخص اللى رباكى كان عارف الحقيقة من البداية
وكان المفروض يحمى ولادى
لكن الطمع غيره
وفجأة توقف الفيديو لثانية
ثم ظهر الرجل مرة تانية وقال
لو بتشوفينى دلوقتى يبقى لازم تروحى للمكان اللى فى الخريطة
هناك هتلاقى كل الإجابات
وهتعرفى مين قتل أمك فعلا
انقطع الفيديو
وفى نفس اللحظة ظهر ملف على شاشة اللابتوب
فتحته منى بسرعة
وكانت خريطة لمزرعة مهجورة خارج المدينة
لكن قبل ما تحفظ مكانها سمعت صوتا خلفها
صوت رجل يقول بهدوء
أنا كنت متأكد إنك هتوصلى للمكان ده
استدارت منى بسرعة
وشهقت
لأن الشخص الواقف أمامها كان أحمد
أو الشخص اللى كان بيسمى نفسه أحمد
لكن الغريب إنه كان لوحده
بدون س*لاح
وبدون أى مظهر للتهديد
قال وهو يرفع إيديه
متخافيش
أنا مش جاى أأذيكى
قالت بغضب
بعد كل اللى عملته
عايزنى أصدقك
تنهد وقال
أنا كذبت عليكى فى حاجات كتير
لكن فى حاجة واحدة كانت حقيقية
حبى ليكى
صرخت فيه
اسكت
لكن أحمد اقترب خطوة وقال
اسمعينى دقيقة واحدة بس
لأن مصطفى كذب عليكى زى ما كل الناس كذبوا
تجمدت منى
وقال بصوت منخفض
أمك ما ماتتش زى ما انتى فاكرة
ولا أبوكى هو القاتل
القاتل شخص محدش فيكم شاكك فيه
شخص قريب جدا منك
شخص عايش معاكى من سنين
شخص اسمه سهام
اتسعت عينا منى بصدمة
لكن قبل أن تنطق بكلمة دوى صوت انفجار هائل فى البيت كله
واهتزت الجدران بعنف
وسقطت أجزاء من السقف
ثم سمعا صوت امرأة تصرخ من الخارج
صرخة واحدة فقط
لكن منى عرفت صاحبتها من أول لحظة
لأن الصوت كان صوت سهام نفسها… وهي تصرخ باسم منى طالبة النجدة. بقلم منال عباس
جرت منى ناحية الباب رغم صدمتها
لكن أحمد أمسك ذراعها بسرعة
وقال
استنى
صرخت فيه
سيبنى
دى سهام
قال بحدة
وده اللى مخوفنى
نظرت له بعدم فهم
لكن صراخ سهام تكرر من الخارج
وكان مليانا رعب حقيقى
دفعت أحمد بقوة وخرجت تجرى
وما إن وصلت إلى ساحة البيت حتى توقفت مكانها
المنظر أمامها كان صادما
عربية سوداء محطمة بجوار السور
والدخان يتصاعد منها
وسهام ملقاة على الأرض
ملابسها ممزقة ووجهها مليان تراب
كانت ترتجف من الخوف
أول ما شافت منى بدأت تبكى
وقالت
أنقذينى
وراءها
بصت منى حولها
لكن لم يكن هناك أحد
اقتربت منها بحذر
وقالت
مين
مين اللى عمل فيكى كده
رفعت سهام يدها المرتعشة وأشارت ناحية الأشجار البعيدة
ثم قالت
هو رجع
اتجمدت منى
وقالت
مين
ابتلعت سهام ريقها بصعوبة
ثم همست
عمر
تراجعت منى خطوة للخلف
وقالت
إنتى مجنونة
عمر اتضرب بالنار
قالت سهام وهى تبكى
ما ماتش
شوفته بعينى
وأقسم إنه كان عايز يقتلنى
وفى اللحظة دى خرج أحمد من البيت
وبمجرد أن وقعت عيناه على سهام تغير وجهه
وقال
إزاى وصل هنا
نظرت له منى بسرعة
وقبل أن تسأله دوى صوت إطلاق نار من بين الأشجار
فانخفض الجميع غريزيا
ثم خرج شاب طويل من الظلام
كان يحمل مسدسا
ويسير ببطء نحوهم
شهقت منى
لأنها عرفت ملامحه فورًا
كان نفس الشاب الموجود فى الصورة القديمة
نفس الوجه
نفس العينين
وكأنه نسختها الذكورية
همست منى
عمر
توقف الشاب على بعد أمتار منهم
ثم قال بصوت بارد
لا
أنا مش عمر
ساد الصمت لثوان
ثم أكمل
أنا آدم
أخو عمر
والتوأم الثالث اللى محدش فيكم يعرف إنه موجود…بقلم منال عباس
شعرت منى أن عقلها توقف تماما
حدقت فى الشاب غير مصدقة
ثم قالت
توأم ثالث
إزاى
خفض آدم س*لاحه قليلا وقال
لأن كل اللى عرفتيه لحد دلوقتى مجرد جزء صغير من الحقيقة
نهضت سهام بصعوبة وهى تنظر إليه بخوف
وقالت
ابعد عنى
أنت مجنون
نظر إليها آدم باحتقار
وقال
لسه بتمثلى
بعد كل اللى عملتيه
تدخل أحمد بسرعة
وقال
آدم
مش وقت الحساب دلوقتى
لكن آدم تجاهله
وأخرج ظرفا صغيرا من جيبه
ورماه أمام منى
قال
أمك هى اللى سابتهولى قبل ما تموت
انحنت منى وأخذت الظرف
وكان بداخله صورة قديمة
شهقت فور رؤيتها
الصورة كانت لأمها تحمل ثلاثة أطفال حديثى الولادة
وليس طفلين
ثلاثة
وعلى ظهر الصورة بخط يد أمها
منى وعمر وآدم
أولادى الثلاثة
انهمرت الدموع من عينيها
وهمست
يعنى ده حقيقى
قال آدم
أيوة
ولسه فى حاجة أهم
فى اللحظة دى سمعوا صوت سيارة تقترب بسرعة
ثم توقفت بعنف أمام البيت
نزل منها رجل كبير فى السن
وما إن رأته منى حتى عرفته
كان الرجل الموجود فى الفيديو
كريم
والدها الحقيقى
ركضت نحوه دون تفكير
لكن كريم لم يبتسم
بل بدا مذعورا
وقال بصوت مرتفع
لازم نهرب حالا
وصلوا قبلنا
سأله آدم
مين
رد كريم
الناس اللى ورا كل ده من البداية
الناس اللى قتلت أمكم
والناس اللى حاولت تقتل عمر
ثم فتح باب السيارة الخلفى
وقال
اركبوا بسرعة
لكن قبل أن يتحرك أحد خرجت من بين الأشجار عشرات الأضواء الحمراء
وتسلطت عليهم من كل اتجاه
أشعة تصويب أسلحة
تجمد الجميع فى أماكنهم
ثم دوى صوت عبر مكبر صوت
ممنوع أى حد يتحرك
سلّموا الملف
وسلّموا منى
وساعتها بس أدركت منى أن كل الأشخاص الذين ظنت أنهم أعداؤها أو حلفاؤها كانوا مجرد قطع صغيرة فى لعبة أكبر بكثير
ثم خرج قائد المجموعة من الظلام
ولما رفع رأسه تحت الضوء شهقت سهام بقوة
أما كريم فشحب وجهه تماما
لأن الرجل لم يكن غريبا عنهم
بل كان الشخص الذى أعلنوا موته منذ خمسة وعشرين عاما
فؤاد نفسه… حيا أمامهم. بقلم منال عباس
تجمدت منى فى مكانها
كانت تشعر أن الواقع نفسه لم يعد منطقيا
فؤاد الذى مات منذ خمسة وعشرين عاما يقف أمامها حيا
وحوله عشرات الرجال المسلحين
تقدم فؤاد ببطء وهو يبتسم
وقال
أخيرا اجتمعت العائلة كلها
نظر إليه كريم بغضب
وقال
كل المصايب دى بسببك
ضحك فؤاد
وقال
بالعكس
كل اللى عملته كان علشان أحافظ على حقى
رفع آدم س*لاحه نحوه
لكن عشرات الأسلحة وجهت إليه فى اللحظة نفسها
فأنزله مجبرا
ثم نظر فؤاد إلى منى مباشرة
وقال
تعرفى إيه أكتر حاجة تعبتنى طول السنين دى
إنك شبه أمك جدا
ارتجفت منى
لكنها تماسكت وقالت
إنت اللى قتلتها
اختفت الابتسامة من وجه فؤاد
ورد بهدوء
لا
أنا كنت بحبها أكتر من أى حد
ثم أشار إلى سهام
وقال
أما دى
فهى اللى دمرت كل حاجة
شهقت سهام
وقالت
بتكدب
لكن فؤاد أخرج جهازا صغيرا وضغط عليه
فانطلق تسجيل صوتى واضح
وكان صوت سهام
تقول فيه
أول ما تموت هتبقى الثروة كلها قدامنا
أما منى سهلة
وأى حد يقف فى طريقنا هنتصرف معاه
شحب وجه سهام
وسقطت على ركبتيها
أما منى فكانت تنظر إليها غير مصدقة
قال فؤاد
دى مجرد بداية التسجيلات
عندى سنين كاملة من الأدلة
وفجأة انطلق صوت سيارة مسرعة من بعيد
ثم ظهرت سيارة سوداء ضخمة تشق الطريق نحوهم
وتجاوزت رجال فؤاد بسرعة جنونية
ثم انحرفت بقوة وتوقفت وسط الساحة
انفتح الباب
ونزل شاب مصاب فى كتفه
وجهه مغطى بالدم والتراب
لكن منى عرفته فور رؤيته
عمر
كان حيا
ركضت نحوه دون تفكير
لكن عمر صرخ
ابعدى
وفى نفس اللحظة ألقى حقيبة معدنية صغيرة نحو كريم
وقال
لقيتها قبلهم
لقيت الأصل
تغير وجه فؤاد لأول مرة
واختفت ثقته تماما
وقال بغضب
مستحيل
مستحيل تكون وصلت لها
فتح كريم الحقيبة بسرعة
ونظر لما بداخلها
ثم رفع عينيه بصدمة
وقال
يا إلهى
الحقيقة كلها هنا
نظر الجميع إليه بلهفة
لكن قبل أن يتكلم دوى صوت طلقة واحدة
وسقط كريم على الأرض
وانفتحت الحقيبة من يده
وتناثرت الأوراق فى الهواء
أما مطلق النار فكان شخصا لم يتوقعه أحد
لأن من أطلق الرصاصة لم يكن فؤاد
ولا سهام
ولا أحمد
بل مصطفى نفسه الذى كان الجميع يعتقد أنه اختفى وهو يقف خلفهم ممسكا بالس*لاح ووجهه مليء بالكراهية.
سقط كريم على الأرض وسط صرخات الجميع
لكن قبل أن يصل إليه أحد رفع يده بصعوبة وقال
أنا عايش
الرصاصة لم تصب قلبه
أما مصطفى فوجه س*لاحه نحو الجميع وقال
خلاص انتهت اللعبة
خمسة وعشرين سنة وأنا مستنى اللحظة دى
نظر إليه فؤاد بغضب
وقال
إنت اللى كنت بتحرك كل الخيوط
ضحك مصطفى وقال
أخيرا فهمت
ثم التفت إلى منى
وقال
عايزة تعرفى الحقيقة كلها
هقولها
أنا كنت المحامى المقرب لأمك
وفى البداية كنت مخلص ليها فعلا
لكن لما عرفت حجم الثروة طمعت
ولما اكتشفت إن أمك ناوية تحرم أى حد غير أولادها من الفلوس قررت أخدها لنفسى
أما أبوكى فلم يقتل أمك
وفؤاد لم يقتلها
وسهام لم تقتلها
أنا اللى قتلتها
شهقت منى بقوة
وأكمل
ليلة مقتلها حاولت تجبرنى أسلم المستندات ليها بعد ما اكتشفت خيانتى
فقتلتها وخليت الكل يشك فى الكل
ثم صنعت شبكة من الأكاذيب استمرت سنين
أما قصة وفاة فؤاد فكانت تمثيلية
فؤاد هرب بإرادته بعد خلافات العائلة
وعاش متخفيا يراقب كل حاجة
أما أحمد فكان فعلا ابن فؤاد
ودخل حياتك علشان يعرف الحقيقة ويوصل للثروة قبل مصطفى
لكن اللى مكانش متوقعه إنه يحبك بجد
بكت منى وهى تنظر إلى أحمد
فأخفض رأسه وقال
أيوة
كذبت عليكى فى حاجات كتير
لكن حبى ليكى كان حقيقى
ثم نظر مصطفى إلى عمر وآدم وقال
أما سر التوأم
فأمكم أنجبت ثلاثة أطفال
منى وعمر وآدم
وخافت عليهم من الصراع على الثروة
ففرقتهم وأخفت الحقيقة عن الجميع
ولهذا عاش عمر وآدم بعيدين
رفع كريم رأسه وقال
والحقيبة فيها النسخة الأصلية من وصية أمكم
فتح عمر الأوراق بسرعة
وقرأها
وكانت واضحة
كل الثروة تقسم بالتساوى بين منى وعمر وآدم
ولا يحق لأى شخص آخر التصرف فيها
ابتسم مصطفى بسخرية
وقال
للأسف مش هتلحقوا تفرحوا
ورفع س*لاحه نحو منى
لكن قبل أن يطلق النار قفزت سهام أمامها فجأة
وانطلقت الرصاصة
وسقطت سهام على الأرض
نظر الجميع إليها بذهول
كانت تبكى
وقالت بصوت ضعيف
أنا غلطت كتير
بس عمرى ما كنت عايزة أموتك يا منى
أمسكت منى يدها وهى تبكى
فابتسمت سهام لأول مرة بصدق
ثم أغمضت عينيها
وفى اللحظة نفسها انقض رجال الشرطة الذين كانوا يراقبون المكان منذ وصولهم
وتم القبض على مصطفى بعد مقاومة قصيرة
وبعد شهور طويلة
أثبتت التحقيقات كل الحقائق
واعترف مصطفى بكل جرائمه
وحصلت منى وعمر وآدم على حقهم القانونى
أما فؤاد فتصالح مع كريم بعد سنوات من الكراهية
وأحمد ابتعد فترة طويلة لأنه شعر أنه لا يستحق مسامحة منى
لكن الحب كان أقوى من الجراح
وفى يوم هادئ وقف أمامها وقال
مش هطلب منك تنسى اللى حصل
لكن هفضل طول عمرى أصلح أخطائى
ابتسمت منى وسط دموعها
وقالت
البدايات كانت كدب
لكن النهاية لازم تكون صدق
وبعد عام واحد اجتمعت العائلة كلها فى حفل زفاف جديد
زفاف بلا أسرار
ولا مؤامرات
ولا أكاذيب
وفى نهاية الليلة وقفت منى تنظر إلى صورة أمها المعلقة على الحائط
وهمست
أخيرا يا أمى
الحقيقة ظهرت
وحقك رجع
وأولادك بقوا مع بعض
ثم ابتسمت وهى تنظر إلى إخوتها وزوجها وعائلتها
لأول مرة منذ سنوات
وكانت تلك بداية السعادة الحقيقية وليست نهاية الجحيم فقط.
تمت
مع تحيات روايات منال عباس واتمنى القصه تعجبكم