ميزانية كرامه حكايات منى السيد الثالث والاخير

صحيت الصبح وعينيا فيها لمعة غريبة، لمعة واحدة مابقاش عندها حاجة تبكي عليها، وبقت باصة لقدام وبس. بصيت لـ مروان لقيت النوم لسه مغرق ملامحه البريئة، وشمس يونيو الحامية بدأت تتسلل من بين الشيش وتعمل خطوط نور صفرا على السجادة القديمة. قمت من غير كسل، لبست عبايتي الكحلي، وأخدت مروان في إيدي ورحت بيه عند منى أختي، وقولتلها: “شيليه معايا النهاردة كمان يا منى، النهاردة يوم تحديد المصير”. منى دعت لي من قلبها وقالت: “ربنا ينصرك يا إلهام، إنتي ست بمية راجل”.
طلعت من عندها على محكمة الأسرة، وكان الأستاذ شكري مستنيني على السلم وهو ماسك ملفات كرتون تفتح النفس. وشه البشوش المطمن كان مديني قوة مش طبيعية. دخلنا وقدمنا الاعتراض على إنذار الطاعة، ورفعنا قضايا النفقة، وبلاغ إثبات حالة العفش عشان نِقفل الباب تماماً أمام جنحة التبديد اللي كان إيهاب وأمه بيهددوني بيها. الأستاذ شكري بصلي وقالي: “كده إحنا رمينا الكورة في ملعبهم يا بنتي، والقانون بياخد وقت أه، بس مابيضيعش حق وراه مطالب، روحي بيتك واقعدي حاطة بطيخة صيفي في بطنك”.
رجعت الشقة، وأول ما دخلت، حسيت إن جدران البيت اللي بناه بابا الله يرحمه بتتنفس معايا. قعدت في الصالة، وصوت شنيور الجيران اللي فوق كان شغال، ززززززز، بس المرة دي الصوت مكنش بيعملي صداع، كان كأنه صوت عمال بيبنوا حيطة جديدة تحميني من جحود السنين.
فات حوالي أسبوعين وأنا مقضياها في المطبخ، بدبر وبوفر من تلاتة ونص اللي باقين من السبعة آلاف بتوعي بعد قسط البنك. بسبك طماطم، وبعمل أكلات على القد، ومروان مخلتوش يحس بأي نقص. لحد ما جه يوم، ولقيت الباب بيخبط، بس خبطة خفيفة ومترددة، مش زي خبطات المحضر ولا رزعات إيهاب وأمه.
فتحت الباب، ولقيت إيهاب واقف قدامي! بس مكنش إيهاب بتاع زمان، ولا إيهاب اللي كان واقف مع أمه بيتوعدني بالحبس. كان وشه شاحب، وهدومه مش مكوية، وتحت عينيه هالات سودا من قلة النوم ومرمطة قعدة الشارع وبيوت الأهالي.
بصلي بنظرة انكسار وعينيه زايفة في الأرض، وقال بصوت واطي ومبحوح: “ينفع أدخل يا إلهام؟”
وقفت مكاني على عتبة الباب، سادة المدخل بـطولي، وسندت إيدي على الحلق وقولت ببرود نشّف الدم في عروقه: “عايز إيه يا إيهاب؟ متهيألي مفيش كلام ما بيننا، والمحاكم بدأت تشتغل والورق كله في إيد القاضي”.
إيهاب اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعه وقال: “أنا جاي أتكلم في الأصول يا بنت الناس، بلاش فضايح في المحاكم والشركات.. الشؤون القانونية في شركتي استدعتني بسبب طلب مفردات المرتب والـقضايا اللي رفعتيها، وبرستيجي قدام مديري وزمايلي بقى في الأرض.. أمي كانت مسخّناني، بس أنا فكرت كويس وعرفتك إنك غالية عليا ومقدرش أستغنى عنك ولا عن مروان”.
ضحكت بمرارة، ضحكة عالية سمعت السلم كله، وقولتله: “برستيجك؟ إنت جاي عشان برستيجك وفلوسك اللي القاضي هيعلمك إزاي تدفعها وغصب عنك؟ مش عشان ابنك اللي كنت عايز تحرمه من مدرسته؟ مش عشان مراتك اللي كنت عايز تسجنها بـكدب وزور؟”
إيهاب قرب خطوة وحاول يمسك إيدي وقال بتوسل: “حقك عليا يا إلهام، أنا غلطان، والشيطان شاطر.. أنا مستعد أدفع قسط الشقة كامل من مرتبى، وأعمل لـ مروان ميزانية خاصة للمدرسة واللبس والـسبلايز، بس بلاش المحاكم دي تفضحنا، وبلاش نعمل في بعض كده.. تعالي نفتح صفحة جديدة”.
سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والـقرف، وبصيت في عينيه وقولتله بكل ثبات وعزة نفس: “الصفحة الجديدة دي تفتحها مع نفسك يا إيهاب، بعيد عننا.. إنت فاكر إن الجرح اللي عملته في قلبي وفي كرامتي يتداوى بكلمتين و بقرشين هتدفعهم؟ إنت سقطت من نظري تماماً الليلة اللي رفعت فيها إيدك عليا و هددتني بالحبس والطرد من شقة أبويا. الفلوس والـقسط والـنفقة كده كده القضاء هيجيبهملي تالت ومتلت ورجلك فوق رقبتك، ومش هتنازل عن قض..ية واحدة”.
إيهاب وشه اتخطف وقال بخوف: “يعني إيه؟ مش هترجعيلي؟ مش هنعيش سوا تاني؟”
قولتله: “الرجوع ده بعيد عن عينك وعين أمك.. إحنا مكملين في المحاكم لحد ما أخد ورقة طلاقي وحقوقي كاملة وحق ابني.. والشقة دي، شقة أبويا الله يرحمه، هقعد فيها أنا ومروان معززين مكرمين بقوة القانون والـتمكين، وإنت مالكش خطوة واحدة هنا تاني. انزل بقى كمل حياتك في حضن مامتك اللي كانت عايزة تجوزك وتديرلك حياتك، وفرجني طول طولك بره”.
إيهاب بصلي ونظرة عينه اتحولت من انكسار لغيظ مكتوم، بس مكنش قادر يتكلم ولا يفتح بوقه، لأنه عارف إن أي حركة غبية ه توديه ورا الشمس مادام المحاضر والقضايا شغالين. لف ضهره ومشي، وخطواته كانت ثقيلة ومجرورة على السلم، بس المرة دي كانت خطوات واحد مهزوم ومكسور، مش واحد جاي يهد البيت.
قفلت الباب وراه، وتكات المفتاح تلات مرات عملت صوت رنان في الصالة. لَفيت وضهري ساند على الباب، وأخدت نفس طويل وعميق، حسيت إن الهوا بيدخل صدري صافي ونظيف، خالي من ريحة السجاير ومن ريحة الظلم والقهر اللي عشت فيهم لسنين.
دخلت الأوضة، ولقيت مروان صحي وقاعد على السرير بيفرك في عينيه وبصلي بابتسامته البريئة وقال: “ماما.. بابا مشي؟”
رحت عليه، أخدته في حضني وضمت لصدري بأقوى ما عندي، وبوسته في راسه وعينيه، ودموعي نزلت المرة دي، بس مكنتش دموع حزن ولا قهر، كانت دموع النصر والحرية. قولتله بصوت مليان ثقة وأمل: “آه يا حبيب ماما، بابا مشي وخلاص مش هيزعجنا تاني.. من النهاردة أنا وإنت وبس، والبيت ده بتاعنا، ومحدش في الدنيا يقدر يكسرنا أو ياخد لقمة من بوقنا طول ما أنا عايشة وواقفة على رجليا”.
مروان حضن رقبتي وقال: “أنا بحبك أوي يا ماما”.
قولتله: “وأنا بعشقك يا قلب ماما.. يلا بينا نلبس ونروح نجيب العجلة اللي نفسك فيها، شقايا وتدبيري هما اللي هيجيبوهالك، ومفيش جميل لـمخلوق علينا”.
خرجنا من الشقة، وأنا قفل الباب ورايا، وخطواتي على السلم كانت خفيفة وسريعة كأني بطير. شمس يونيو كانت طالعة قوية ومالية الشارع دفا ونور، والـناس بتجري على أكل عيشها، وأنا كنت واحدة منهم، ست مصرية أصيلة، عافرت ووقفت لـوحدها في وش الموج، وكسبت كرامتها ومستقبل ابنها بـ ذراعها وشقاها. وبكده، اتقفلت صفحة الوجع والخوف، وبدأت قصتنا الحقيقية، قصة إلهام ومروان، أحرار وفي أمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *