الملياردير اكتشف سر خطير صافى هانى الثانى والاخير
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد كان عايش في سباق مع الزمن عشان يمحو أثر تلات سنين من العذاب والشقاء من على وش مراته وبنته. الفيلا الجديدة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت ضحكات هناء اللي بدأت ترجع تدريجيًا لقلب البيت، والاهتمام الطبي المكثف بخديجة بدأ يجيب نتيجة؛ وشها ردت فيه الروح، والهالات السوداء بدأت تختفي، بس النظرة المكسورة في عينيها كانت لسة محتاجة وقت عشان تروح تمامًا.
في يوم، وأحمد قاعد في مكتبه بالشركة، دخل عليه المحامي بتاعه وهو شايل ملفات كتير. حط الملفات على المكتب وقال بنبرة جادة: “أحمد بيه، الموقف القانوني للحاجة ميرفت بقى صعب جداً. الحساب البنكي اللي كان بيتحول عليه الـ ٢٠٠ ألف جنيه شهريًا ثبت إنها كانت بتسحب الفلوس كلها بنفسها وبإمضتها، وفيه تزوير واضح في التوكيل اللي استخدمته عشان تظهر إن خديجة هانم هي اللي بتستلم. ده غير إننا رفعنا قض*ية طرد تعسفي وشهادة عم إبراهيم في النيابة قفلت الق*ضية تمامًا.”
أحمد بص للملفات وعينه كانت قاسية، وقال بصوت حازم: “مش عايز أي تنازل يا متر. كل قرش دخل حسابها من فلوس بنتي يرجع، والقانون ياخد مجراه للاخر. أنا مش هظلمها، أنا بس هاخد حق تلات سنين بنتي كانت بتلم فيهم الأكل من الزبالة وهي بتصرف الملايين على حفلاتها.”
المحامي هز راسه وخرج، وفي نفس اللحظة تليفون أحمد رن. كانت خديجة.
أحمد صوته اتقلب تمامًا وبقى كله حنية: “أيوة يا حبيبتي، طمنيني عليكي؟ أخدتي علاجك؟”
صوت خديجة كان فيه هدوء وراحة: “الحمد لله يا أحمد، أنا أحسن كتير. هناء رجعت من المدرسة وفرحانة جداً بأصحابها الجداد.. بس أنا كنت شاعرة بتقل في قلبي وعايزة أطلب منك طلب.”
أحمد اعتدل في قعدته: “رقبتي ليكي يا خديجة، أؤمري.”
خديجة سكتت لحظة وقالت بصوت واطي: “عم إبراهيم.. الراجل ده خاطر بلقمته وأكل عيشه وبمستقبله عشان يقول كلمة الحق قدام الناس كلها. لولا شهادته ولولا إنه دلّك على مكاننا، مكنتش أعرف إحنا كنا هنفضل فين لحد دلوقتي. الراجل ده لازم نكرمه يا أحمد.”
أحمد ابتسم ودموعه لمعت في عينه: “أنتِ أصيلة يا خديجة، وتفوقي أصل أي حد عرفته في حياتي. متقلقيش، عم إبراهيم من أول يوم بقى السواق الخاص بيكي وبعربيتك الجديدة، وأنا نقلت أولاده لمدرسة خاصة وعلى حسابي، وكتبت له مكافأة نهاية خدمة تعيشه ملك هو وعياله، وده أقل واجب لراجل صان الأمانة لما الكل خانها.”
بعد ما قفل مع خديجة، أحمد قرر يقفل ملف الشغل بدري ويرجع البيت. وهو سايق عربيتة، تليفونه رن تاني، وكان الرقم غريب. رد، وجاله صوت أمه الباكي، صوت ميرفت هانم بس من غير الكبرياء والغطرسة بتاعة زمان: “أحمد.. أرجوك يا ابني اسمعني. الحجز اتنفذ على كل حاجة، والبوليس طلبني للتحقيق في قض*ية التزوير. أنا أمك يا أحمد، هان عليك ترميني في السجن؟ الناس أكلت وشي ومبقاش ليا عين أخرج من باب البيت.”
أحمد وقف العربية على جنب، وأخد نفس طويل وقال ببرود غريب هزها: “أنتِ اللي هنّتِ على نفسك يا ميرفت هانم يوم ما طردتِ لحمك ودمك في نص الليل. يوم ما سبتِ طفلة تمن سنين تجوع وتتبهدل عشان ترضي كبريائك وتحسي بالسيطرة. الفلوس هترجع، والقض*ية مش هتنازل عنها، والسجن اللي خايفة منه هو المكان الصح للي يسرق لقمة عيل صغير. متتصليش بيا تاني.”قفل الخط وعمل للرقم حظر، وحس إن حمل تقيل انزاح من على صدره.
رجع الفيلا، وأول ما دخل، جرت عليه هناء وهي لابسة فستانها الجديد وواخدة في إيدها لوحة رسمتها في المدرسة. أحمد شالها وفضل يبوس فيها، وبص على اللوحة لقاها رسماهم هما التلاتة: أحمد وخديجة وهناء، وماسكين إيد بعض وتحتهم مكتوب خط صغير “عيلتي الجميلة”.
خديجة قربت منهم وهي مبتسمة، لمسة إيدها لأحمد كانت كفيلة تنسيه كل تعب وشغل الأيام اللي فاتت. قعدوا كلهم في الصالون، وأحمد بص لمراته وبنته وقال بنبرة مليانة يقين: “أنا ضيعت تلات سنين من عمري في جري ورا المظاهر والفلوس والشركات، وكنت فاكر إن ده النجاح. بس الحقيقة إن النجاح الحقيقي هو إني أحميكم، والفلوس ملهاش عازة لو مكنتش بتأمن ليكم ضحكة صافية من القلب. من هنا ورايح، مفيش قوة في الدنيا هتبعدنا عن بعض تاني.”
خديجة حطت راسها على كتفه وضمت هناء ليهم، والبيت كله بقى دافي، دفا حقيقي مش مصنوع من عقود الملايين ولا من حفلات التجمع الخامس الكدابة، دفا راجع من كلمة حق وندم صادق وعيلة رجعت تتجمع من جديد بعد ما كانت على حافة الضياع.
مرت شهور على الحادثة دي، والهدوء بدأ يستقر تماماً في حياة أحمد وعيلته. خديجة كملت كورس علاجها بالكامل، ورجعت لها صحتها ونضارتها اللي خطفت قلب أحمد من أول يوم شافها فيه. أما هناء، فبقت الأولى على مدرستها الجديدة، وضحكتها بقت تملى أركان الفيلا من أولها لآخرها، ومبقاش في عينيها أي أثر للخوف أو الانكسار.
في صباح يوم جديد، أحمد كان قاعد في غرفته الكبيرة بيجهز عشان ينزل الشركة. وهو بيربط كرافتته، دخلت خديجة وفي إيدها فنجان القهوة بتاعه، وابتسمت له بنظرة مليانة امتنان وقالت: “أحمد.. المحامي اتصل بيا من شوية.”
أحمد التفت لها باهتمام: “خير يا حبيبتي؟ قالك إيه؟”
خديجة حطت الفنجان وقعدت على طرف السرير: “قالي إن الحكم النهائي صدر ضد والدتك بالحجز على باقي ممتلكاتها عشان تسديد المبالغ اللي سحبتها، وإن الموضوع رسمي خلاص ومفيش فيه تراجع. أنا شفت في عينه الرغبة إنه يطمنّي، بس أنا حسيت بنغزة في قلبي يا أحمد.. مهما كان، دي والدتك.”
أحمد قرب منها، وقعد جنبها ومسك إيديها وبص في عينيها بجدية: “خديجة، أنتِ قلبك أبيض وبيدور على السماح، وده اللي مخليني متمسك بيكي وبحبك كل يوم أكتر من اللي قبله. بس لازم تفهمي إن فيه فرق بين القسوة وبين العدل. اللي حصل معاكِ ومع بنتي مكنش غلطة عابرة، ده كان تخطيط وشر بهدل طفلة وحرمها من أبوها. القانون بياخد مجراه عشان الكل يتعلم إن الظلم لية نهاية، وعشان حقك وحق هناء يرجع لكم قدام الدنيا كلها.”
خديجة نزلت عينيها وهزت راسها باقتناع: “أنا مش زعلانة على الفلوس، أنا بس بتمنى إن الأيام دي تعدي وننسى كل الوجع.”
أحمد رفع راسها بصباعه وابتسم: “وعد مني، مش هتشوفي وجع تاني طول ما أنا عايش ونفسي في الدنيا.”
نزل أحمد على شركته، ولأول مرة من تلات سنين، يدخل مكتبه وهو حاسس براحة نفسية حقيقية. الشغل اللي كان بيجري وراه ليل نهار عشان يهرب من وجع فراق عيلته، بقى دلوقتي وسيلة عشان يؤمن لهم مستقبلهم.
في نص اليوم، دخل عليه السكرتير وقاله إن عم إبراهيم برة وعايز يقابله في أمر ضروري. أحمد سمح له بالدخول فوراً وقام من ورا مكتبه يستقبله.
عم إبراهيم دخل وهو لابس لبس شيك ومظهر مرتاح، ووشه منور بالرضا: “أحمد بيه.. أنا جيت أشكرك بنفسي على الشقة الجديدة اللي كتبتها باسم أولادي، وعلى وقفتك معايا. أنا مكنتش مستني كل ده، أنا بس عملت اللي يمليه عليا ضميري وديني.”
أحمد طبطب على كتفه بحرارة: “يا عم إبراهيم، اللي أنت عملته ميتثمنش بفلوس ولا بشقق. أنت أنقذت عيلتي من الضياع، ورجعت لي بنتي ومراتي. أنت من اليوم ده مش مجرد راجل شغال معانا، أنت فرد من العيلة دي، وأي حاجة تحتاجها في أي وقت، مكتبي وبيتي مفتوحين ليك.”
دموع الفرحة لمعت في عين عم إبراهيم وشكر أحمد ودعا له بالبركة في أولاده وحياته وخرج وهو حاسس إن ربنا جازاه خير على كلمة الحق.
لما الليل ليل، رجع أحمد بيته وهو شايل في إيده ألعاب جديدة لهناء، وهدية رقيقة لخديجة. أول ما دخل من الباب، جرت عليه هناء وحضنته بقوة: “بابا! وحشتني أوي.. ماما عملت لنا عشا تحفة النهاردة ومستنيينك.”
أحمد شالها وضحك من قلبه: “وأنا كمان وحشتيني يا روح بابا.. يلا بينا نشوف ماما عملت لنا إيه.”
دخلوا غرفة السفرة، وكانت الأجواء دافية جداً، الشموع منورة، والأكل جاهز، وخديجة واقفة بتبتسم لهم بسعادة. قعدوا كلهم حوالين الترابيزة، وأحمد بص لعيلته وحس إن ربنا عوضه عن كل لحظة ألم عاشها.
وفعلاً، من اليوم ده، أغلقت عائلة أحمد صفحة الماضي بكل آلامها وجبروتها، وبدأوا يكتبوا مع بعض صفحات جديدة كلها حب وأمان واستقرار، وبقت قصتهم درس لكل اللي حواليهم إن الظلم مهما طال ليله، لازم الحق يظهر وينتصر في النهاية.