حكايات انجى الخطيب الرابع

كان المتصل هو “مروان”، ابن عم محمود الصغير. مروان شاب جامعي، لطالما كان غريباً عن طباع عائلته الفظة، وكان دائماً يستنكر جشع أمه وأخواته. تحدث بصوت خفيض يملأه التوتر والخوف من أن ينكشف أمره: “يا حاج أحمد، أنا بكلمك وأنا شايل ذنب نيرمين في رقبتي. اللي عيلتي عملوه ده سواد وش لينا كلنا في البلد. أنا اتصلت بيك عشان أقولك على حاجة هما ناويين يعملوها الصبح عشان يخرجوا محمود من قضية التبديد ويقلبوا الطاولة عليكم.”

أنصت أبي بوجوم وضغط على زر مكبر الصوت ليرى أعمامي ماذا يدبر هؤلاء، وتابع مروان قائلاً: “أنا سمعت عمتي (حماتك) وعمي عبد الرحمن بيتفقوا مع محامي العيلة، ورايحين الصبح يرفعوا قضية “طاعة” و”نشوز” ضد نيرمين! ومش بس كدة.. المحامي قالهم طالما محمود طلقها شفهي تلاتة ومفيش شهود من برا العيلة، فمحمود هينكر الطلاق تماماً قدام النيابة والكل هيشهد معاه، وهيقولوا إن نيرمين هي اللي سابت بيت جوزها وسرقت دهبها وفلوس من الشقة وهربت مع أهلك، وإن العفش اللي كان في العربية ده محمود كان بينقله لشقة تانية عشان خايف عليا بعد ما نيرمين سابت البيت!”

تطاير الشرر من عيني أبي، وصاح عمي الكبير بغضب: “ينكروا الطلاق؟ ويتهموا البت في شرفها وأمانتها؟ هما للدرجادي معندهمش دين ولا أصل؟”

قال مروان بسرعة: “اسمعني يا عمي.. أنا معايا الدليل اللي هيدفن محمود وأمه في السجن. أنا كنت واقف ورا الباب لما محمود كان بيزعق لنيرمين وطلقها، وسجلت الخناقة كلها بصوت محمود وهو بيقولها: (أنتِ طالق.. طالق.. طالق ومش هتقعدي فيها دقيقة). التسجيل معايا وفيه صوت عمتي وهي بتقول بلسانها إنها خدت الأكل والحلل من الشقة!”

شعرنا جميعاً وكأن طوق النجاة قد هبط علينا من السماء. شكر أبي مروان على شجاعته وأمانته، واتفق معه أن يرسل التسجيل فوراً عبر الهاتف ليكون المفاجأة القاضية في التحقيقات.

في صباح اليوم التالي، توجهنا جميعاً إلى النيابة لمتابعة سير القضية. كان محمود يقف مع محاميه وحماي، وعلى وجوههم علامات الثقة الزائفة بعد أن رتبوا أكاذيبهم. وبمجرد أن بدأت الجلسة أمام وكيل النيابة، وقف محامي محمود وبدأ في سرد الأكاذيب ببراعة: “يا فندم، موكلي لم يتبطل ولم يبدد المنقولات، الزوجة هي من تمردت على الحياة الريفية في ثاني يوم زواج، وقامت بمغادرة مسكن الزوجية رفقة أهلها بعد أن استولت على مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كان في الخزنة، وموكلي خشي على العفش فقام بنقله لأمانة أخرى، ولم يطلقها أبداً بل هو متمسك بزوجته وطلبها في بيت الطاعة!”

نظر وكيل النيابة إليّ وسألني بحسم: “ما قولك يا مدام نيرمين في هذا الكلام؟”

تقدمت بخطوات ثابتة، ودموع القهر قد جفت وحل محلها ثبات لم أعهده في نفسي من قبل، وقلت: “يا فندم، كل هذا كذب وافتراء. أنا طُلقت ثلاثاً في شقتي بعد أن تعرضت للضرب والسرقة والمنع من الطعام والشراب، وهم الآن يحاولون مساومتي على كرامتي وجهازي.”

هنا تنحنح محامينا وقدم هاتفه لوكيل النيابة وقال بثقة: “معالي المستشار، نطلب تفريغ هذا التسجيل الصوتي الذي يثبت يقيناً وقوع الطلاق الشفهي بلفظ صريح، ويشهد فيه المتهمون بأنفسهم على واقعة الاستيلاء على محتويات الشقة والتبديد.”

تغيرت ملامح محمود في لحظة، واهتزت ثقة محاميه. عندما ضغط وكيل النيابة على زر التشغيل، ملأ صوت محمود أرجاء الغرفة وهو يصرخ بهستيرية: “أنتِ طالق.. طالق.. طالق!”، تلاه صوت أمه وهي تتفاخر بأخذ الأواني والحلل.

ساد صمت رهيب في الغرفة، ونظر وكيل النيابة إلى محمود الذي اصفر وجهه وبدأ يتصبب عرقاً ويسقط جسده من الخوف. وجه وكيل النيابة كلامه لمحمود بصرامة: “أنت أنكرت الطلاق وادعيت سرقة الزوجة للذهب، والتسجيل يثبت كذبك وتزويرك للحقائق، بالإضافة إلى جنحة التبديد المشهودة.”

أصدر وكيل النيابة قراره فوراً بحبس محمود أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة تبديد منقولات زوجية والبلاغ الكاذب، مع إحالة التسجيل للبحث الجنائي لتفريغه رسمياً.

خرجنا من دار القضاء، وأنا أرى حماي يندب حظه ويلطم على وجهه بعد حبس ابنه وفضيحتهم التي أصبحت على كل لسان. لكن الفرحة لم تكتمل بعد، فعندما عدنا إلى قريتنا، وجدنا جارتنا الطيبة تنتظرنا أمام البيت ووجهها شاحب كالموت، وقالت لأبي بصوت مرتعش: “الحق يا حاج أحمد.. أم محمود وبناتها اتجننوا تماماً بعد ما عرفوا بحبس محمود، ولموا رجالة صايعة من برة البلد، وماسكين سلا..ح ورايحين على مخزن العفش بتاعكم عشان يحرقوه كله بالنار ويضيعوا حقكم للأبد…”

تسمرت الدماء في عروقي وأنا أستمع لكلمات جارتنا، ولم تمضِ ثانية واحدة حتى تحول بيتنا إلى خليه نحل يملأها الغضب الأعمى. لم يكن مخزن العفش مجرد مكان لحفظ الأخشاب والأجهزة، بل كان يحوي شقا عمر أبي، وكرامتي التي حاولوا سحقها، والآن يريدون حرقها بالنار للتخلص من حرز القضية والانتقام لحبس ابنهم.

صاح أبي في أبناء عمومتي بصوت هز جدران البيت: “على المخزن يا رجالة! البلطجية رايحين يحرقوا شقانا! اللي معاه سلا..ح يطلعه، واليوم ده مش هيفوت على خير!”

تطايت السيارات ربع النقل عبر الطرق الزراعية الضيقة بسرعة جنونية، وكان الغبار يتصاعد خلفنا كأنه إعصار. كنت أجلس في السيارة بجانب أبي وأنا أرتجف، ليس خوفاً، بل من هول ما أعيشه؛ هل يُعقل أن أتحول من عروس بالأمس إلى بطلة في معركة بالأسلحة والنيران اليوم؟

عندما اقتربنا من المخزن الكائن على أطراف قريتنا، كان المشهد مرعباً. كانت النيران قد بدأت بالفعل تتصاعد من خلف النوافذ الخشبية للمخزن، ورأيت أم محمود وبناتها واقفات من بعيد يزغردن بهستيرية وتشفي، ومعهن ثلاثة رجال من مسجلي الخطر يمسكون في أيديهم زجاجات المولوتوف الحارقة وأسلحة بيضاء لحظر أي شخص من الاقتراب.

“أحرقوا! أحرقوا قلبهم على شقاهم زي ما حبسوا ابني!” كانت حماتي تصرخ بعبارات يملأها الغل الأسود.

قبل أن تتوقف سياراتنا تماماً، قفز عمي الكبير وأبناء عمومتي شاهرين أسلحتهم وعصيهم، واندلع اشتباك عنيف وهائل بين رجالتنا والبلطجية. دوت أصوات الضرب والشجار في المنطقة المعزولة، بينما جرى أبي نحو الباب الحديدي للمخزن محاولاً كسره بقطعة حديد كبيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العفش والنيران تأكل أطرافه.

جرت حماتي نحو أبي وهي تضحك بجنون وتقول: “راحت عليكي يا بنت المركوب! العفش بيولع والقايمة خلاص بقت رماد، ومحمود هيطلع براءة لعدم وجود الحرز!”

لم أتمالك نفسي، نزلت من السيارة كالمجنونة، وتخطيت الخناقة والضرب، وجريت نحو حماتي بكل ما أوتيت من قهر وغل مخزون في قلبي منذ ليلة صباحيتي. اندفعت نحوها وأمسكتها من ملابسها وأسقطتها أرضاً، وبدأت أرد لها ولأولادها كل إهانة وكل ضربة وجهوها لي وأنا وحيدة في بيتهم. حاولت بناتها التدخل لضربي، لكن نساء قريتنا اللاتي لحقن بنا شللن حركتهن تماماً.

في هذه الأثناء، نجح شباب عيلتي في السيطرة على البلطجية وتكتيفهم أرضاً بعد علقة ساخنة، بينما وصلت سيارات الإطفاء والشرطة التي كان المحامي قد أبلغها فور حركتنا. تمكن رجال الإطفاء من محاصرة الحريق بسرعة؛ ولحسن الحظ، كانت النيران قد التهمت غطاء العفش الخارجي وبعض القطع الخشبية فقط، وظلت الأجهزة والقطع الثمينة سليمة، حيث حال وصولنا السريع دون امتداد النار لعمق المخزن.

وقف الضابط وسط الفوضى، ورأى زجاجات المولوتوف المتبقية، والبلطجية المقيدين، وحماتي وبناتها ملقيات على الأرض يندبن حظهن بعد أن تم القبض عليهن متلبسات بجري..مة “الحرق العمد وتدمير حرز قضائي والبلطجة”.

نظر الضابط لحماتي وقال بقرف: “كنتوا فاكرين لما تحرقوا العفش القضية هتقع؟ أنتم كده ثبتوا الجناية على نفسكم وعلى ابنكم، ومكانكم كلكم جنب محمود في الحجز الليلة.”

سُحبت حماتي وبناتها والبلطجية إلى سيارات الشرطة وهم يصرخون ويبكون بعد أن انقلب السحر على الساحر، وتحولت محاولتهم لتدمير حقي إلى المسمار الأخير في نعش عائلتهم بالكامل.

التفتُّ إلى أبي الذي كان يقف يمسح حبات العرق والمطر المختلط بالرماد عن وجهه، فارتميت في صدره وأنا أشهق بالبكاء. نظر إليّ وقال وعيناه تلمعان بالفخر: “رأسك تترفع يا نيرمين.. حقك رجع بالكامل، واليوم الصبح هيكون الستار الأخير لقصة محمود وعيلته.. بكرة هتبقي حرة رسمي بالقانون، والبلد كلها هتشهد على نهايتهم.”

عدنا إلى البيت والهدوء يلف المكان لأول مرة منذ أيام، واستسلمت لنوم عميق وأنا أعلم أن الصبح يحمل لي الفصل الأخير والنهائي من هذا الكابوس…

أشرقت شمس الصباح لتعلن بداية النهاية لكابوس عشته وحيدة وسط جدران الظلم والافتراء. توجهنا إلى محكمة الجنايات والأسرة لإسدال الستار على هذه الحكاية التي هزت أرجاء المراكز والقرى المجاورة، ولم تعد مجرد خلاف بين عائلتين، بل أصبحت حديث البلاد عن نصرة الحق وكسر شوكة الباطل.

جلسنا في قاعة المحكمة الصامتة، وكان محمود يقف في قفص الاتهام وبجانبه أمه وأخواته البنات والبلطجية، وجوههم شاحبة، منكسرة، يكسوها سواد الندم والخزي بعد أن قضوا ليلتهم في الحجز خلف القضبان. لم تَعُد حماتي تلك المرأة المتجبرة التي تصرخ وتستبيح شقا الناس، بل كانت تنظر إلى الأرض والدموع تجري على وجهها العجوز خوفاً من السجن والفضائح التي لاحقت عائلتها.

اعتلى قاضي منصة الحكم، وتلا المحامي تقرير البحث الجنائي الذي أكد صحة التسجيل الصوتي لواقعة الطلاق الشفهي وتبديد المنقولات، وتلا تقرير النيابة والدفاع المدني الذي أثبت تلبس الأم وبناتها بجري..مة الحرق العمد للمخزن لإخفاء حرز القضية.

ساد صمت رهيب في القاعة، ثم نطق القاضي بالحكم العادل الذي أثلج صدورنا:

> **”حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، إثبات واقعة الطلاق الشفهي البائن بين المدعية نيرمين والمستأنف محمود. ثانياً، معاقبة المتهم محمود بالسجن سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة تبديد منقولات زوجية والبلاغ الكاذب. ثالثاً، معاقبة المتهمة (الأم) وبناتها والشركاء من مسجلي الخطر بالسجن المشدد ثلاث سنوات بتهمة الحرق العمد والبلطجة وتدمير أحراز قضائية، مع إلزامهم بالمصاريف والتعويض المادي الكامل للمتضررة.”**

>

أغمضت عيني والدموع تنهمر من وجنتي، لكنها كانت دموع الفرح والنصر. نظرت إلى محمود وأمه وهم يُساقون بالكلابشات إلى السجن، وعرفت أن عدالة السماء لا تغفل ولا تنام، وأن من استباح كرامة غريبة في بيته ودخلت عليه بالأمان، أذاقه الله الذل والهوان أمام الأشهاد.

خرجت من باب المحكمة وأنا ممسكة بيد أبي وأمي، ورأسي مرفوعة إلى السماء، بعد أن استرددت جهازي، وكرامتي، وحريتي كاملة غير منقوصة بالشرع والقانون.

## 💡 الحكمة المستفادة من القصة

لكل فتاة، ولكل أب وأم، ولكل عائلة مقبلة على زواج، هذه القصة تحمل في طياتها دروساً بدم القلب وعزة النفس:

* **بيوت العائلة ليست مستباحة:** بيت العائلة في الأرياف أو غيرها له أصوله، لكن الأصول لا تعني أبداً استباحة خصوصية العروس، أو مد اليد على جهازها وأكلها وحقوقها دون إذنها. الخصوصية والاحترام هما أساس نجاح أي بيت جديد.

* **الرجل أمانة وسند، أو لا يكون:** الرجل الذي يقف صامتاً يرى زوجته وشريكة حياته تُهان وتُضرب من أهله ولا يحرك ساكناً، هو رجل لم ينضج بعد ولا يستحق أن يُؤتمن على ابنة أصول. الزواج أمانة، والرجل هو حامي هذه الأمانة.

* **سند الأهل هو الدرع الواقي:** لأولياء الأمور، كونوا لأبنائكم وبناتكم سنداً وظهراً. الفتاة لا تقوى في بيت زوجها إلا بعلمها أن وراءها رجالاً لا يقبلون الضيم ولا يتركون حقها يضيع. اتصال “نيرمين” بأبيها في اللحظة المناسبة كان طوق النجاة الذي أنقذها من حياة العبودية والقهر.

* **يمهِل ولا يهمِل:** الطمع، والجشع، والظلم عواقبهم وخيمة. من ظن أن حرق العفش أو الكذب في النيابة سيضيع الحقوق، نسى أن الله يظهر الحق ولو بعد حين، وأن عاقبة الظلم دائماً هي الخراب والسجن والفضيحة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *