بعد وفاة عمي بقلم اماني السيد

بعد وفاه عمى طلقت بنته ورمتها من غير ما اعرف هيكون ايه مصيرها
عمى قبل مايموت ضغط عليه اتجوز بنته عشان مالهاش حد غيره وانا مكنتش بحبها بس قررت بعد وفاته أطلقها وفعلاً طلقتها وقولتلها خدى حاجتك وامشى قالتلى ماعنديش مكان اروحه قولتلها اتصرفى
بصراحه كنت عايز اعيش حياته واتجوز واحده على زوقى
حاولت معايا كتير انى ماتخلاش عنها او حتى اصبر عليها لحد ما تلاقى مكان بس انا رفضت كنت عايز اخلص منها بأى شكل لانى شايفها عبء
مرت الأيام، ونسيت ندى ووصية عمي، وانشغلت في حياتي مع شيرين. كنت فاكر إن الدنيا ضحكت لي لما خلفت ياسين، ابني اللي مالي عليا الدنيا. وفي يوم، ياسين تعب جداً وسخن، والدكاترة قالوا لازم يتحجز في المستشفى كام يوم تحت الملاحظة.
دخلنا الأوضة، شيرين كانت بتبص لكل ركن بقرف وتقول إيه ده؟ الأوضة مش عجباني، الحيطان دي مطفية كدة ليه؟ أنا دافعة في الليلة الشيء الفلاني عشان ابني يقعد في مكان نضيف. وبصت في الممر وقالت بصوت عالي ومستفز يا بتاعة النضافة! إنتي يا ست إنتي.. تعالي هنا فوراً!
دخلت واحدة لابسة لبس عمال النظافة الأزرق الباهت، كانت شايلة جردل وماسكة مساحة، وموطية راسها للأرض..
أول ما رفعت راسها عشان تشوف الطلبات، الزمن

وقف بيا..
ندى!
بنت عمي اللي رميتها وقولتلها اتصرفي. وشها كان شاحب، وتحت عينيها سواد من السهر والتعب، وإيدها اللي كانت زي الحرير بقت مشققة وناشفة من كتر الكلور والمطهرات. ندى بصت لي، وشفت في عينيها لمعة دمعة محبوسة، كأنها مش مصدقة إن ده أنا، ولا مصدقة إنها واقفة قدامي في المنظر ده.
شيرين مسبتهاش، وقفت في نص الأوضة وشاورت بصباعها بغطرسة
بقولك إيه.. الأوضة دي تتمسح ب ديتول مركز خمس مرات قدامي، والكومودينو ده يتلمع لحد ما أشوف وشي فيه. أنا مش عايزة بكتيريا تقرب من ابني.. فاهمة يا شاطرة؟
ندى ماردتش، بدأت توطي بوجع وتلمع الخشب وإيدها بترتعش. شيرين كملت بسماجة وهي بتمسك اللانش بوكس بتاع ياسين وبتاكل منه
شايف يا بيبي؟ الأشكال دي بتبقى بطيئة أوي في الشغل. وبعدين إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟ إنتي بتستحمي بكلور؟ ابعدي شوية عني وانتي بتمسحي عشان الريحة بتصدعني.. ريحة فقر بجد!
حسيت بوجع في صدري، ندى كانت لسه بتمسح بكسرة نفس، بس شيرين كملت وهي بتطلع عشرين جنيه من شنطتها وترميها بضهر إيدها على الأرض تحت رجل ندى
خدي.. الفلوس اللى بتتباطيى فى الشغل عشان تاخديها هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تيجي تنضفي أوض الهوانم بعد كدة إيدك الخشنة دي متجرحش الخشب الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!
ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة ذل ممزوجة بوجع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور من جوا مش مجرد تعب شغل.
وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء يقتل، وقالت بصوت مبحوح
المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها تصدعك دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد.. ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.
خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب.
بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها ب كم اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن العبء الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.
خرجت ندى من الأوضة، والممر كله كان بيبلع صوت خطواتها واحدة واحدة كأن المكان نفسه مش عايز يسيبها تمشي بسهولة.
فضلت واقف مكاني، حاسس إن صدري مقفول، وكل حاجة حواليّا بقت مكتومة حتى صوت ياسين وهو بينهج من السخونية كان بعيد.
شيرين بصّتلي باستغراب إنت مالك؟ شكلك اتخنقت كده ليه؟ دي شغالة وخدت أجرها وخلاص.
ما قدرتش أرد. عيني كانت لسه معلّقة على آخر ضهر شفته ضهر ندى وهي ماشيه محنية كأنها شايلة سنين مش جردل وممسحة.
في اللحظة دي الدكتور دخل فجأة، وشه مش مبشّر حضرتك والد الطفل؟ في تحليل طلع محتاجين نعيده في حاجة مش مفهومة في حالة ياسين.
قلبي وقع. يعني إيه مش مفهومة؟ ابني ماله؟
الدكتور سكت ثانيتين، وبصلي نظرة غريبة اللي واضح إن في شبه كبير بينه وبين حد من العاملين هنا.
بصيت حواليّا كأني بدور على تفسير، ودماغي بدأت تشتغل بسرعة جنونية.
وشيرين فجأة اتغير لونها، وابتسمت ابتسامة متوترة إيه الكلام ده؟ انتوا بتقولوا إيه؟
لكن أنا ما كنتش سامعها.
كنت سامع صوت خطى خفيفة في الممر راجعة تاني.
رفعت عيني ناحية الباب، ولقيت ندى واقفة.
بس المرة دي مش جاية تمسح.
كانت ماسكة ظرف بني صغير في إيدها، وبتبصلي مباشرة.
وقالت بهدوء مرعب أنا كنت جاية أسيب ده عند الأمن بس طالما ربنا جمعنا تاني، يبقى لازم تعرف الحقيقة.
خطوة واحدة منها دخلت الأوضة والدنيا كلها سكتت.
الطفل ده مش بس ابنك يا أستاذ
سكتت لحظة، وبصتلي نظرة كسرتني أكتر من أي حاجة
ده ابنك مني.
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان أفظع من أي صراخ.
شيرين صرخت كذب! دي بتألف!
لكن أنا كنت واقف، مش شايف غير العيون اللي قدامي نفس العيون اللي رميتها زمان

لمحة نيوز

وقولت لها اتصرفي.
والدلوقتي هي اللي رجعت، ومعاها الحقيقة اللي اتدفنت جوا قلبي سنين الدكتور وقف مكانه، كأنه فجأة قرر إن وجوده في الأوضة غلط، وخرج بسرعة من غير ما يقول كلمة.
فضلنا إحنا التلاتة بس وش الحقيقة واقف في النص بينا زي سكين.
شيرين كانت بتترعش إنتي بتقولي إيه؟! إنتي كذابة! عايزة تخربي بيتي!
ندى ما ردتش عليها كانت بصالي أنا.
بس المرة دي مفيش دموع.
فيه هدوء غريب هدوء حد خسر كل حاجة وبقى مش فارق معاه يخسر كمان.
رفعت الظرف البني وقالت افتحه وهتعرف ليه أنا ما كذبتش.
إيدي كانت تقيلة وأنا باخده منها.
فتحت الظرف أول ورقة كانت تحليل DNA.
بصيت ورجعت بصيت تاني.
الاسم ياسين مطابق بنسبة 99 9
لكن السطر اللي تحت خلا رجلي تتشل الأب البيولوجي غير الأب المدّعي
رفعت عيني بصعوبة وشيرين كانت بتبصلي كأنها بتقيس رد فعلي.
بس ندى قالت الجملة اللي كسرت كل حاجة
أنا ما خنتكش بس أنت اللي خنت نفسك مرتين.
سكتت لحظة، وبعدين كملت يوم ما رميتني كنت حامل ومحدش كان يعرف غيرك وأبوك الله يرحمه كان عارف، وعشان كده كتب الوصية.
حسيت الأرض بتسحبني.
وصية؟
ندى هزّت راسها كان عايزني أعيش في بيتك لحد ما الطفل يتولد وياسين يتسجل باسمك عشان مايتكسّرش.
شيرين صرخت كفاية كذب!
لكن صوتها كان

ضعيف لأن الحقيقة كانت أكبر منها.
أنا كنت واقف، مش شايف غير مشهد واحد بيرجع في دماغي اتصرفي
الكلمة اللي قلتها لها يوم ما طردتها.
ندى قربت خطوة وقالت بصوت أخفض أنا اتصرفت اشتغلت، اتذليت، ونضفت أوض ناس كتير بس ما مدّتش إيدي لحد.
سكتت ثانيتين
وبصتلي نظرة أخيرة إنما أنت رميت ابنك قبل ما تعرفه.
في اللحظة دي، ياسين بدأ يعيط جامد من السخونية.
جريت عليه مسكته لأول مرة كأب مش كزائر.
وشيرين كانت واقفة في النص، لأول مرة مفيهاش كلمة تقولها.
أما ندى كانت ماشية ناحية الباب تاني.
بس قبل ما تخرج، وقفت وقالت من غير ما تبصلي
العبء الحقيقي مش الذنب يا أستاذ العبء إنك تعرف الحقيقة متأخر قوي.
وخرجت.
والمرة دي ما رجعتش فضلت واقف في مكانى، ماسك ياسين بين إيديا، وسخونته كأنها بتنخر في قلبي أنا مش جسمه.
باب الأوضة كان لسه بيتحرك من أثر خروج ندى لكن إحساس غريب كان بيقول إنها مش خرجت من حياتي دي خرجت من باب واحد ودخلت باب تاني أكبر جوا دماغي.
شيرين فجأة سكتت.
الهدوء ده كان أخطر من صراخها.
بصتلي وقالت بصوت واطي لأول مرة إنت مصدقها؟
ما جاوبتش.
لأني بصراحة مش عارف أصدق مين.
ولا عارف أهرب من إيه.
الدكتور رجع تاني بسرعة ومعاه ممرضة لازم الطفل يدخل عناية فورًا، الحالة بتسوء.
شاف الورقة اللي في إيدي، وسكت ثواني، وبعدين قال لو التحليل ده صحيح يبقى في حاجة لازم تتقال من زمان.
وأخد ياسين مني.
وفي اللحظة دي حسيت إن حاجة اتشالت مني مش بس ابني إحساسي إني كنت ماسك الدنيا.
خرجوا بيه بسرعة، وبقيت أنا وشيرين في الممر.
شيرين بصتلي فجأة، والغرور بدأ ينهار إنت هتصدق كلامها وتكسر بيتنا؟
لفيت بصيت لها لأول مرة من غير أي تبرير.
هو بيت إيه اللي مبني على إن طفل يتدفن بالحقيقة؟
سكتت.
أول مرة أشوفها مش لاقية رد.
في نفس اللحظة، جالي تليفون.
رقم غريب.
رديت.
صوت راجل عجوز، مبحوح إنت فلان؟
أيوه.
أنا كنت شغال مع عمك زمان وفي حاجة لازم تعرفها. ندى ما قالتش كل حاجة.
قلبي دق.
إيه يعني؟
سكت لحظة، وبعدين قال عمك ماجبرهاش تتجوزك بس عشان الوصية كان خايف عليك إنت.
خايف عليا من إيه؟
الصوت اتغير منك أنت.
وقفل الخط.
وقفت مكاني، والدماغ بتلف بيا.
شيرين سألت بخوف مين ده؟
ما جاوبتش.
لأني فجأة بدأت أفهم إن القصة مش طردت ندى وبس
دي كانت أول خطوة في حاجة أكبر مني بكتير.
وفي آخر الممر لقيت ورقة صغيرة مرمية على الأرض.
نفس خط إيد ندى.
مكتوب فيها سطر واحد بس
لو ياسين عدى الليلة هتفهم ليه أنا ما طلبتش منك حاجة غير الرحمة.
رفعت عيني ناحية العناية
ولأول مرة في حياتي، ماكنتش خايف على ابني بس
كنت خايف أكون أنا السبب في كل حاجة بتحصل له ركضت ناحية العناية بسرعة، كأني بحاول ألحق حاجة بتتفلت مني مش طفل مريض.
الزجاج كان باين منه ياسين متوصل بأجهزة، وصوته ضعيف جدًا.
بس اللي شدني مش حالته
اللي شدني إن في حد واقف جوا العناية.
ندى.
لبسها لسه زي ما هو، بس كانت واقفة جنب السرير بهدوء غريب، بتحط إيدها على إيده الصغيرة.
الممرضة كانت بتتكلم معاها بهمس، كأنها عارفة وجودها ومش معترضة.
وقفت عند الباب، مش قادر أدخل.
الدكتور شافني وقال بسرعة إنت لازم تمشي من هنا دلوقتي.
ليه؟ هي بتعمل إيه هنا؟
سكت ثانيتين، وبعدين قال هي اللي جابت الطفل المستشفى في أول لحظة لما الحالة ساءت وإحنا كنا بنحاول نوصل لك.
حسيت الأرض بتتهز.
إزاي؟ هي مش
الدكتور قاطعني هي اللي أنقذته مرتين قبل كده من غير ما تقول لحد. المرة دي كان عندها كل أوراقه الطبية القديمة.
بصيت لها جوا الزجاج كانت بتتكلم مع ياسين بصوت واطي، كأنها بتطمنه.
أنا هنا ما تخافش زي ما وعدتك.
وقفت فجأة، وبصت ناحية الباب كأنها حست بيا.
دخلت.
سكت المكان كله.
ندى ما اتحركتش، بس قالت بهدوء هو كويس بس محتاج مراقبة.
قلت بصوت مخنوق إنتي عرفتي منين إنه ابني؟ وإزاي كنتي عارفة حالته؟
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني أكتر من أي حاجة قبل كده
لأني ما سبتوش يوم ما سبتني.
بصيت لها مش فاهم.
كملت أنا ما مشيتش

أنا كنت براقب من بعيد. كل مرة كان بيتعب فيها كنت بكون قريبة. بس من غير ما أشوفك.
شيرين كانت واقفة عند الباب، مش قادرة تدخل، ووشها اتبدل لأول مرة.
ندى كملت أنا ما جيتش هنا عشان أفضحك جيت عشان الطفل يعيش.
سكتت، وبصتلي مباشرة
بس أنت جيت متأخر.
في اللحظة دي، جهاز القلب بتاع ياسين بدأ يطلع صوت أسرع.
الدكاترة دخلوا بسرعة، والمكان قلب فجأة فوضى.
ندى اتحركت بسرعة غير متوقعة، وبدأت تساعد الممرضة في تثبيت الأجهزة.
أنا وقفت برا، عاجز.
مش أب مش زوج مش أي حاجة.
بس سبب واقف بيبص على اللي بيحصل.
وبعد دقائق، خرج الدكتور، وقال بصوت منخفض
الحالة استقرت بس لو كان اتأخرنا أكتر، كنا هنخسره.
بصيت لندى.
كانت لسه جوا، بتبص لابني كأنها بتستودعه.
وقبل ما تخرج، قالت لي من غير ما تبص
الليلة دي مش نهاية القصة.
وقفت قدام الباب، ومرّت جنبي، وقالت آخر جملة بصوت شبه همس
دي بداية الحساب بعد ما قالت بداية الحساب ومشيت، حسيت إن الكلمة فضلت معلّقة في الهوا زي سكينة.
الممر كله رجع هادي، لكن الهدوء ده كان بيخوف أكتر من الزحمة.
ياسين استقر شوية، والدكتور طمّني إنه خارج مرحلة الخطر، بس لازم يفضل تحت الملاحظة.
أما أنا فكنت واقف مش عارف أفرح.
كل مرة بصّيت فيها عليه، كنت شايف سؤال واحد أنا أب إيه بالظبط؟
شيرين قعدت على الكرسي قدام الأوضة، لأول مرة مفيش فيها صوت عالي ولا أوامر.
بس قالت بهدوء غريب إنت هتسيبها كده تمشي؟
ما رديتش.
لأني بصراحة مش عارف أعمل إيه.
في اللحظة دي، الأمن جه بسرعة في واحدة من العاملين خرجت من المستشفى من غير تصريح وسبت ظرف عند الإدارة باسم حضرتك.
قلبي دق.
أخدت الظرف بإيدي.
نفس خط إيد ندى.
فتحته.
جواه ورقة واحدة وصورة قديمة.
الصورة كانت ليا.
بس مش لوحدي.
كنت واقف جنب عمّي وورايا ندى وهي صغيرة جدًا، طفلة تقريبًا، ماسكة

في هدومه.
اتجمدت.
قرأت المكتوب
عمك ما كانش بس بيحميني كان بيحميني منك إنت من زمان.
وساعتها كنت صغير ومش شايف.
لكن دلوقتي الدور عليك تشوف.
رفعت عيني، ودماغي بدأت تشتغل لأول مرة بشكل مختلف.
ليه عمّي كان دايمًا قريب منها؟
ليه هو اللي أصر تتجوزني؟
ليه أنا ما كنتش أعرف أصلًا إنها كانت موجودة في حياتنا قبل الجواز؟
شيرين سألت بخوف في إيه؟
بس أنا ما سمعتهاش.
كل اللي كنت سامعه صوت ندى وهي بتقول بداية الحساب.
خرجت من المستشفى بسرعة، نازل على السلم كأني بجري من نفسي.
بس أول ما وصلت تحت
لقيت عربية واقفة.
بابها مفتوح.
وجواها شنطة صغيرة وحاجات ندى.
وسايبة ورقة على الكرسي.
مكتوب فيها
لو عايز تفهم الحقيقة تعالى المكان اللي عمّك مات فيه.
وقفت مكاني.
الهواء تقيل.
واللي جاي واضح إنه مش اعتذار ولا صلح.
ده كشف كل حاجة اتدفنت من سنين وقفت قدام الورقة وقت طويل، كأنها مش مجرد كلام كأنها باب اتفتح على حاجة لو دخلت فيها مش هتعرف ترجع تاني زي ما كنت.
شيرين لحقتني وهي بتنهج إنت رايح فين؟ إحنا لازم نفضل جنب ابننا!
بصيت لها، ولأول مرة مفيش غضب ولا دفاع بس فراغ.
ياسين في أمان دلوقتي وأنا لازم أفهم.
ركبت العربية ومشيت.
الطريق كان طويل بشكل غريب، وكل كيلومتر كنت بسيبه ورايا كان بيشيل معاه جزء من حياتي القديمة.
لحد ما وصلت للمكان
بيت قديم مهجور في أطراف الأرض الزراعية، نفس الأرض اللي عمّي كان بيقولي عليها مفتاح العيلة.
الليلة كانت ساكتة، بس الباب كان مفتوح.
دخلت.
ريحة تراب قديم وأوراق محروقة.
وفي النص كرسي خشب، وعليه ظرف كبير.
ولأول مرة لقيت ندى هناك.
مش لابسة يونيفورم.
كانت واقفة بهدوء، كأنها مستنياني من زمان.
جيت.
قلت عايز أفهم كل حاجة عمّي، الطفل، إنتي، وأنا.
هزّت راسها.
هتفهم بس مش كل الناس بتستحمل اللي هتسمعه.
قعدت.
وابتدت تحكي.
عمك كان عارف إن في صراع على الميراث، وإن في ناس ممكن تأذيك فاختار يحميك بطريقة غريبة يدخلني حياتك عشان أكون عين شايفة كل حاجة من غير ما تحس.
بصيت لها يعني كنتي جاسوسة؟
ابتسمت بحزن كنت حماية مش خيانة.
سكتت ثواني وكملت
لكن اللي ماكانش متوقعه إنك إنت اللي هتكون أخطر من كل ده.
اتجمدت.
أنا؟
أيوه لأنك لما بتخاف، بتدمر اللي حواليك من غير ما تحس.
سكتت، وبصتلي وإنت عملت كده معايا.
فضلنا ساكتين.
وبعدين قالت ياسين مش مجرد ابنك هو السبب إنك تتغير أو تكمل نفس الطريق.
قفلت الظرف وفتحته قدامي.
كان فيه وصية عمّي بخط إيده
لو وصلت للحظة دي اعرف إن اللي ضاع منك مش ندى اللي ضاع هو ضميرك.
ساعتها سمعت صوت خطوات برا.
رجال.
مش واحد ولا اتنين.
باب البيت اتفتح فجأة.
والصوت جه خلصنا اللعبة بقى.
بصيت لندى.
كانت واقفة ثابتة لأول مرة مش خايفة.
وقالت بهدوء دلوقتي اختيارك الحقيقي يبدأ.
وقبل ما أرد
النور قطع فجأة.
وسمعت آخر حاجة
إما تنقذ نفسك أو تنقذ ابنك.
ثم سكون كامل.
وبعدها
القصة ما بقتش عن ندى ولا عمّي.
بقت عنك أنت هتختار إيه لو الحقيقة خدت منك كل حاجة كنت فاكرها ملكك؟الظلام كان خانق.
صوت أنفاسي عالي وقلبي بيدق بعنف كأني بجري، رغم إني واقف مكاني.
سمعت حركة ناحية ندى، وبعدها صوت رجل بيقول الورق فين؟
وفجأة لمبة صغيرة اشتغلت.
النور الضعيف كشف تلات رجال واقفين عند الباب.
واحد منهم كان مختار شريك عمي القديم الراجل اللي اختفى يوم وفاة عمي وماحدش عرف راح فين.
بصلي وابتسم أخيرًا فهمت إن عمك ما ماتش موتة طبيعية.
اتجمدت.
إيه؟!
ندى قربت مني بسرعة وهمست الوصية اللي معاك فيها دليل إنهم كانوا بيسرقوا أرض العيلة، وعمك اكتشفهم.
مختار ضحك وكان لازم يسكت.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
قتلتوه؟!
قال ببرود هو اللي رفض
يبيع وإنت كملت شغلنا من غير ما تدري لما كسرت البنت اللي كان حاميها.
بصيت لندى والوجع في عينيها كان أهدى من إنه يبقى كره.
كأنها تعبت حتى من العتاب.
مختار مد إيده هات الوصية ونعتبر الليلة عدت.
لكن قبل ما أتحرك تليفوني رن.
رقم المستشفى.
رديت بسرعة، وقلبي بيقع ألو؟!
صوت الدكتور جه متوتر الحق ابنك في حد حاول يدخل أوضته من شوية، والطفل اختفى!
الدنيا اسودت في وشي.
إيه؟!
ندى شهقت ياسين!
مختار ابتسم ابتسامة باردة قولتلك الاختيار هيبدأ.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
هما مش عايزين الورق بس
هما عايزين يضمنوا إني أسكت.
جريت ناحية الباب، لكن الرجال وقفوا قدامي.
ولأول مرة في حياتي ما فكرتش في نفسي.
دفعت أول واحد بكل قوتي، واتخانقت معاهم بشكل هستيري، وأنا كل اللي في دماغي صورة ياسين.
ندى مسكت العصاية الخشب اللي جنب الباب وضربت بيها واحد منهم عشان تفتحلي طريق.
صرخت اجري! هات ابنك!
جريت.
وصلت المستشفى وأنا بنهج، والدنيا مقلوبة.
الممرضات بيعيطوا، والأمن بيدور.
وفجأة
سمعت صوت طفل بيعيط.
جريت ناحية الصوت.
ولقيت شيرين قاعدة في آخر الممر ياسين وبتترعش.
بصتلي بدموع لأول مرة أنا كنت غلطانة كنت فاكرة الفلوس والحياة أهم من الناس.
أخدت ابني منها
في اللحظة دي بس حسيت إني أب فعلًا.
بعد ساعات، الشرطة قبضت على مختار والرجالة بعد ما ندى سلمت الوصية وكل الأدلة.
واتثبت إن عمي اتقتل فعلًا بسبب الأرض.
أما ندى
اختفت.
كأنها كانت مهمة وخلصت.
دورت عليها شهور.
لحد ما لقيتها في نفس المستشفى بس المرة دي مش عاملة نظافة.
كانت لابسة يونيفورم تمريض.
عرفت إنها كانت بتدرس بالليل وتشتغل الصبح، وكل مرتبها كانت بتحوشه عشان تكمل تعليمها.
وقفت قدامها، وأنا مش لاقي كلام يكفي الخراب اللي عملته فيها.
قلت بصوت مكسور أنا ظلمتك.
ندى بصتلي طويل، وبعدين قالت بهدوء أنا سامحت بس النسيان حاجة تانية.
سكتت، وبصت لياسين اللي نايم في وابتسمت لأول مرة بصدق.
وفي اللحظة دي فهمت
إن بعض الناس ربنا بيبعتهم في حياتنا مش عشان نملكهم
لكن عشان يعلمونا نكون بني آدمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *