اختفاء بقلم منال عباس الاول

اختفاء بقلم منال عباس

الاول

اختفى ابني “ياسين” في مساء يوم تلات من شهر أغسطس، واليوم ده تفاصيله محفورة في ذاكرتي زي ما تكون حصلت النهاردة، كان طالع عجلته ورايح يقعد على النيل كعادته في صيف كل سنة، كان بيرجع دايماً قبل صلاة العشاء، بس في اليوم ده الوقت فات، والليل دخل علينا وهو لسه مرجعش، بصيت في الساعة أكتر من عشر مرات، وكنت بكلم نفسي وبقول أكيد نسي الوقت أو قابل صحابه وقعدوا يدردشوا، اتصلت بيه كتير، الموبايل بيرن ويحولني على البريد الصوتي، بدأت أحس بوجع في صدري، على الساعة عشرة اتصلت بكل أصحابه، وعلى الساعة حداشر بلغت القسم، وقبل الفجر كانت عربيات الشرطة بتمشط المنطقة، وأنا قاعدة في الصالة، وجارتي “نادية” ماسكة إيدي وبتصبرني، فضلوا يدوروا أيام وأسابيع وشهور، وكل اللي لقوه عجلته مربوطة جنب النيل في مكانها المعتاد، أما ياسين فمفيش ليه أي أثر.
اللي الشرطة معرفتش توصله، أهل المنطقة ألفوا فيه قصص من خيالهم، والكل قرر يختار متهم مناسب، طفلة عندها 12 سنة اسمها “ليلى”، كانت ساكنة في البيت اللي بعد بيتنا بأربع بيوت، واحد من عمال النضافة قال إنه شافها واقفة بتتكلم مع ياسين جنب العجلة وقت الغروب، ده كان كل اللي حصل، حوار بسيط بين طفلين، بس ده كان كفاية عشان الشائعات تطلع، في خلال أسبوعين لقيت حد كاتب بـ “البخاخة” كلمة “كذابة” على باب بيتها، شفت أمها “سعاد” وهي بتحاول تمسح الكتابة بفرشة ومية وبتحاول تبان قوية، رحت لها وقلت لها: “سيبيها يا سعاد أنا هساعدك”، بصت لي فترة طويلة وقالت بصوت واطي: “مش لازم تتعبِي نفسك”، قلت لها: “لازم”، وأخدت منها الفرشة، نضفنا الباب سوا في صمت، وفي اليوم ده شربنا الشاي في المطبخ، وهناك اتعرفت على “ليلى” بجد، دخلت من المدرسة هادية، كانت صغيرة وبتبص لي بعيون فيها حزن أكبر من سنها، ولما ركزت معاها عرفت حاجة مهمة، أياً كان اللي تعرفه عن ليلة اختفاء ياسين، مكنش شعور بالذنب، كان حاجة أتقل بكتير، سر هي مش قادرة تطلعه، وأنا مقدرتش أسألها.
بعد سنة وأربع شهور من غياب ياسين، أمها سعاد ماتت بعد صراع سريع وقاسي مع المرض، ليلى بقت لوحدها تماماً، مفيش أي قرايب يسألوا عليها، والكل كان عايز يوديها دار أيتام، حتى الناس اللي كانوا بيتهموها باختفاء ابني، في نفس الأسبوع ده اتصلت بمحامي وقلت له: “أنا عايزة أتبنى ليلى”، سكت شوية وقال لي بقلق: “يا مدام وفاء، إنتي عارفة الناس هتقول إيه؟”، رديت عليه: “عارفة، ومع ذلك مش مهتمة”، المحامي خلص الإجراءات، بس المنطقة مسمتنيش، فيه اللي قال إني بخون ذكرى ابني، وأصحاب قدامى قطعوا علاقتهم بيا، وجات لي رسايل تهديد وشتيمة مجهولة، بس مكنش يفرق معايا.
ليلى جت تعيش معايا، وصلت بحقيبة صغيرة فيها هدومها وشوية صور لأمها، كانت خجولة وساكتة ومكسورة، بس مع الوقت بدأت أشوفها على حقيقتها، طفلة ذكية وطيبة وقلبها أبيض، في الأول كانت بتنادي لي “يا مدام وفاء”، وبعد سنتين وفي ليلة واحنا بنتغدى، قالت فجأة: “ماما، ممكن تناولي لي الملح؟”، اتجمدت مكاني من المفاجأة، بس مديت إيدي وناولتُها الملح كأني متعودة أسمع الكلمة دي منها كل يوم، ومن يومها بقت بنتي اللي خلفتها بقلبي.
مرت عشر سنين، وعلى مدار السنين دي ليلى مجابتش سيرة ياسين، وأنا كمان مسألتش، كنت واعدة نفسي إن تبنيها مكنش وسيلة عشان أعرف الحقيقة، هي بنتي وخلاص.
في الذكرى العاشرة لاختفاء ياسين، ليلى دخلت لي المطبخ الصبح، وكانت كبرت وبقت عروسة عندها 22 سنة، وقالت لي: “ينفع نروح النيل النهاردة؟”، وافقت، ورحنا سوا، وقفنا عند المية في صمت، وبعدين لفت لي وعيونها اتملت دموع، وقالت لي الجملة اللي كنت مستنية أسمعها عشر سنين: “أنا عارفة ياسين ليه مرجعش”، الدنيا وقفت بيا، مكنتش سامعة غير دقات قلبي، قلت لها: “قصدك إيه؟”، طلعت من شنطتها ظرف قديم ومهتري، لما شفته حسيت بصدمة عمري، كان مكتوب عليه اسمي بخط إيد ياسين.
قالت لي وهي بتعيط: “إداني الظرف ده ليلة ما اختفى، كان مرعوب، قال لي إنه شاف ناس بتعمل حاجات مش تمام عند النيل بالليل، وإن حد فيهم شافه، وخاف يرجع البيت فيأذوني، وطلب مني مديش الظرف ده لحد غير لو مرجعش، وفضلت مستنية يرجع، سنة ورا سنة كنت فاكرة إنه هيظهر في أي لحظة”، أخدت الظرف وفتحته بإيد بتترعش، ياسين كان كاتب رسالتين بخط إيد طفل عنده 13 سنة، حكى إنه شاف رجالة بيحملوا بضاعة مشبوهة في مراكب بالليل، وإنهم شافوه، وإنه عشان يحميني قرر يروح لوالده اللي كنت مفكرة إنه سافر ومبقاش موجود، بس ياسين اكتشف إنه عايش بهوية تانية وباسم تاني، وكتب في آخر الرسالة: “هفضل مع بابا لحد ما الأمور تهدى، هرجع قريب، متخافيش يا أمي، بحبك”.
ليلى طلعت موبايلها وقالت لي: “فيه حاجة تانية”، ووريتني صورة لشاب عنده 25 سنة، نفس ملامحه، نفس ضحكته، هو ياسين، عايش وموجود، ليلى قالت لي: “أنا كنت متواصلة معاه من فترة، والقض..ية اللي كان خايف منها اتقفلت، وهو راجع”، وبعد أربعة أيام، خبط الباب، وقفت قدامه، بص لي وقال: “وحشتيني يا ماما”، ولا أتذكر بعدها غير إني حضنته حضن طويل، حضن عشر سنين من الوجع والدموع، ولما بعد عني بص لليلى وقال لها: “قلتي لها؟”، هزت راسها، قال لها بدموع: “شكراً ليكي”، ابتسمت ليلي وقالت: “مفيش شكر بيننا، إنتي اللي وثقتي فيا في وقت الكل كان ضدي، ودي كانت أغلى حاجة عندي”، وقفت أبص عليهم، ابني اللي رجع، وبنتي اللي مسبتنيش، وفهمت يومها إن اللي بيقف جنبك وقت الشدة، هو الوحيد اللي بيستاهل تعيش عشانه.
حكايات منال عباس
قعدنا أنا وياسين وليلى على السفرة في المطبخ اللي شهد ذكريات الوجع والوحدة، كان ياسين بيحاول يحكي لي تفاصيل السنين اللي فاتت وهو باصص في الأرض كأنه بيعتذر عن كل دمعة نزلت من عيني، حكى لي إزاي والده كان بيعيش حياة كلها خوف ومطاردات، وإزاي هو كبر في عالم موازي بعيد عن كل اللي أعرفه، كان بيحاول يطمن قلبي بكلمات بسيطة بس جوايا كان فيه بركان بيغلي من الأسئلة، سألته بصوت مخنوق إزاي قدر يستحمل كل السنين دي من غير ما يكلمني ولا مرة، بص لي بعينين مليانة ندم وقال لي إن والده كان بيتهدد بحياتي وحياة أي حد يقرب مني، كان بيسمع أخباري من بعيد عن طريق ناس وسطاء ليلى كانت واحدة منهم، ولما عرفت الجملة دي بصيت لليلى اللي كانت قاعدة بتهز راسها في هدوء، ليلى مكنتش مجرد جارة ولا حتى بنت بالتبني، ليلى كانت الملاك الحارس اللي عاشت طول السنين دي شايلة السر ده فوق كتافها، استحملت نظرات الناس وكلامهم الجارح وتهمهم الباطلة وهي بتراقب حياتي من بعيد، كانت هي الخيط الرفيع اللي رابطني بابني، ياسين مسك إيد ليلى وقال لي: لولا ليلى يا أمي مكنتش قدرت أكمل، كانت بتبعت لي أخبارك، وبتطمني إنك بخير، وكانت هي اللي بتديني القوة لما أحس إني خلاص مش قادر، وفي اللحظة دي فهمت ليه ليلى كانت دايماً بتبص لي بنظرة كلها حزن وحب، وليه كانت حريصة على كل تفصيلة في حياتي، الدنيا بدأت توضح قدامي أكتر، بس كان فيه حاجة ناقصة، الغموض اللي حوالين غياب ياسين مكنش بس عشان الخوف، كان فيه تفاصيل تانية عن الناس اللي والده كان شغال معاهم، ياسين فجأة سكت وبص ناحية الشباك، ملامحه اتغيرت وبان عليه القلق اللي كان بيطارده سنين، قام من مكانه وبدأ يتمشى في الصالة بخطوات واسعة، وقال بصوت واطي: الموضوع لسه مخلصش تماماً يا أمي، في ناس لسه بتدور على الحاجات اللي والدي سابها، وأنا هنا دلوقتي عشان أنهي الحكاية دي مرة واحدة، حسيت ببرودة في جسمي، الخوف اللي استنيت عشر سنين عشان يخلص رجع تاني يقرص قلبي، ليلى قامت وقفت جنبه وقالت لي بنبرة واثقة: متخافيش يا ماما، احنا محضرين كل حاجة، ياسين مش راجع عشان يهرب تاني، هو راجع عشان يسترد حياته اللي اتسرقت منه، قمت وقفت ووقفت قصاد ابني اللي كبر قدام عيني في لحظة، مسكت إيده وقلت له: أنا استنيت عشر سنين، ومش هسمح لأي حد يخدك مني تاني، مهما كان التمن، ياسين ابتسم ابتسامة باهتة بس كانت مليانة أمل، وقال لي: أنا مش لوحدي، ليلى ومعايا كل الأوراق والمستندات اللي تدين الناس دي، وفي اللحظة دي سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، الصوت ده خلى دقات قلبي تتسارع وكأنها طبول حرب، ياسين بص لليلى وقال لها: جه وقت المواجهة، كان لازم أواجه الماضي عشان أقدر أعيش المستقبل، وفجأة جرس الباب رن تلات رنات ورا بعض، رنات مكنتش غريبة على ودني، كانت رنات ياسين وهو طفل لما كان ينسى مفتاح البيت، بصيت لياسين اللي كان بيحاول يتماسك، وبصيت لليلى اللي اتجهت ناحية الباب بثبات، مكنتش عارفة إيه اللي مستنينا ورا الباب ده، بس كنت حاسة إن حياتنا اللي كانت معلقة في الهوا عشر سنين بدأت تلمس الأرض أخيراً، ليلى حطت إيدها على مقبض الباب، ووقفت لحظة بصت لي فيها وقالت: جاهزة يا ماما؟ أخدت نفس عميق وهزيت راسي، فتحت ليلى الباب، ولقينا نفسنا وجهاً لوجه مع حقيقة مكنتش أتخيل إنها ممكن تظهر في حياتي الهادية، الحقيقة اللي غيرت كل موازين الصراع، مش بس القض..ية اللي اتقفلت، كان فيه شخص واقف قدامنا، شخص مكنتش أتمنى أشوفه في حياتي تاني، ولا كنت متخيلة إنه ممكن يرجع يفتح جروح السنين اللي فاتت، والده، اللي كان السبب في كل الوجع اللي عيشته، كان واقف قدامنا بملامح مكسورة، وبص لي بنظرة كلها اعتذار، ياسين اتشد جسمه، والبيت كله بقى صمت مطبق، اللحظة دي كانت أصعب من لحظة الاختفاء نفسها، لأن المواجهة هنا مش كانت مع الغريب، كانت مع أقرب الناس اللي دمر حياتنا، ليلى وقفت وسيطة بيننا، وكأنها بتمهد الطريق لتصفية حسابات سنين طويلة، والده بدأ يتكلم وصوته كان مليان وجع، ياسين بص لي وقال: يا أمي هو عنده كلام لازم تسمعيه، كلام هيغير نظرتك لكل اللي حصل، أنا كنت فاكرة إني عرفت الحقيقة، بس الحقيقة كانت أعمق وأصعب بكتير مما كنت متخيلة، والسر الحقيقي كان لسه مدفون تحت سنين من الخداع والهروب، واللعبة الكبيرة بدأت خيوطها تظهر قدام عيني واحدة واحدة، والحقيقة اللي كنت بدور عليها طلعت مجرد البداية لمعركة جديدة لازم نخوضها سوا، أنا وابني، وبنتي ليلى اللي كانت الحجر الأساس في كل ده. بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *