اختار عشيقته صافى هانى
في غرفة الطوارئ، جوزي مضى على إقرار الموافقة لصاحبته الأول وقال للدكتور: “عالجها هي الأول، مراتي تقدر تستنى”. عشان كده مضيت على إقرار عمليتي بنفسي وإيدي بتترعش، وقلعت دبلتي بعد تلات سنين جواز. ولما رجع متأخر خمس ساعات، كان جواب المحامي في انتظاره فعلاً.
الجزء 1
”لو كان لازم تختار يا دكتور، اعمل العملية لمنة الأول.. مراتي تقدر تستنى.”
دي كانت آخر كلمات سمعتها قبل ما أدرك إن جوازي مانهارش في الحادثة.. هو كان مكسور من زمان أوي.
الحادثة حصلت يوم الجمعة بعد الضهر على المحور، وكنا راجعين من غدا عائلي في التجمع. أحمد كان بيسوق، ومنة صاحبة عمره كانت قاعدة جنبه بتعيط وتقول إنها دايخة. أنا كنت قاعدة ورا، حاطة شنطتي على صدري، ولسه مخنوقة من الخناقة اللي ما خلصتش بيننا.
فجأة عربية نقل وقفت صدمة.. عربيتنا لبست فيها من ورا. بعد كده كل حاجة بقت عبارة عن صاج مكسر وقزاز حتت وريحة بنزين نفاذة.
في المستشفى في المهندسين، دخلونا أنا ومنة مع بعض تقريباً. اتحدفت على ترولي قريب من باب الطوارئ، ورجلي اليمين متبهدلة خالص وفي وجع رهيب في بطني مخليني مش شايفه قدامي.
الممرضة صرخت: “ضغط المدام سارة بيقع! محتاجين أوضة العمليات فوراً!”
دورت على أحمد بعيني، كان واقف على بعد كم خطوة، قميصه كله دم، وبيوقع على إقرار وإيده بتترعش.
قال للدكتور: “ادخل بمنة الأول.. هي طول عمرها ضعيفة وعندها مشاكل في القلب، مش هتستحمل.”
الممرضة لفت له: “يا أستاذ أحمد، مراتك حالتها أخطر بكتير، محتاجين موافقتك عشان العملية.”
أحمد بص لي ثانية واحدة بس.. ماشوفتش في عينه خوف، شوفت زهق وضيق.
”هي واعية وصاحية أهو، صح؟ خليها تمضي هي.. منة تدخل الأول.”
في اللحظة دي، في حاجة جوايا انطفأت تماماً.
كنا متجوزين بقالنا تلات سنين. تلات سنين بتعلم فيهم ما اشتكيش، ما أسألش، ما أقولش ليه منة دايماً هي الأولى والأهم. لو منة جالها صداع، أحمد يلغي مواعيده وشغله. لو اتخانقت مع خطيبها، يسيب البيت في نص الليل ويروح لها. لو قالت “سارة بصت لي بصه مش عاجباني”، أحمد يخاصمني وما يكلمنيش لحد ما أروح أعتذر لها!
أمه، الحاجة هدى، كانت دايماً تقول لي نفس الكلمة: “يا بنتي، ست البيت العاقلة لازم تكبر دماغها، منة دي متربية معاه واعتبريها أخته، بلاش غيرة بنات ملوش لزمة.”
بس وأنا نايمة على الترولي ده، والدم مغرق إيدي والدكتور بيضغط على بطني، فهمت كل حاجة.. إنك تكوني “عاقلة وكبيرة” في القاموس بتاعهم معناه إنك تختفي وتموتي بالبطيء.
دكتور شريف مال عليا وقال: “يا مدام سارة، محتاجين إمضاء حضرتك.. دي جراحة طارئة.”
إيدي اليمين مش قادرة أحركها. بإيدي الشمال أخدت القلم، الممرضة حاولت تساعدني، بس هزيت راسي.. كنت عاوزة أعملها بنفسي. لو جوزي اللي المفروض يحميني مش راضي يمضي عشان ينقذ حياتي، أنا هانقذ نفسي.
اسمي طلع معوج ومكسور على الورقة: سارة جلال.
قبل ما يدخلوني العمليات، سمعت صوت منة من الأوضة التانية وهي بتقول: “يا أحمد، روح مع سارة.. مش عاوزاها تضايق مني.”
صوتها كان طالع ضعيف، بس أنا عارفاها وحافظاها كويس.. طول عمرها بتعرف تلعب دور الضحية البريئة وتصعب على الكل.
أحمد رد عليها بحنية: “ما تتكلميش.. أنتِ أهم حاجة دلوقتي.”
كنت عاوزة أضحك، بس الوجع كتم نفسي.
وأول ما النور بتاع أوضة العمليات اشتغل فوق راسي، رفعت إيدي الشمال ولمست دبلتي.. كانت لزقة في صباعي من الدم الناشف. شديتها بكل قوتي لحد ما صباعي وجعني.
الممرضة اتخضت وقالت: “يا مدام، بتعملي إيه؟”
حطيت الدبلة في الصينية المعدن ووشوشتها: “خليها معاكي.”
قالت لي: “دي دبلتك، مش مهمة؟”
بصيت للحلقة الباردة دي، رمز الحياة اللي كنت فيها دايماً نمرة اتنين.. وقلت: “ما بقتش مهمة خلاص.”
البنج بدأ يسري في جسمي زي موجة ضلمة.. آخر حاجة سمعتها كان حد بره بيقول: “الآنسة منة حالتها استقرت.”
وبعدها صوت أحمد وهو بيتنهد بارتياح: “الحمد لله والشكر لله.”
غرقت في النوم وأنا جوايا فكرة واحدة واضحة زي الشمس: لو عشت وطلعت منها، مش هستناه يختارني تاني أبداً.
لما فقت، الأوضة كانت فاضية.. لا ورد، لا أهل، ولا جوز. بس صوت الأجهزة والوجع اللي كان بياكل في جسمي وخلاني أعيط في صمت من غير صوت.
دكتور شريف دخل وقالي إن العملية نجحت، بس الرحلة لسه طويلة.. رجلي اتصابت جامد، وكان فيه نزيف داخلي وخايفين من تلوث الجرح، وممكن أحتاج عملية تانية.
سألته وأنا عارفة الإجابة: “ومنة؟”
”ارتجاج بسيط وشوية كدمات.. وحالتها مستقرة تماماً.”
غمضت عيني: “أحمد جه؟”
الممرضة بصت في الأرض، والدكتور كان صريح معايا وقال: “لا.. لسه مع الآنسة منة.”
ادوني تليفوني، شاشته كانت مكسورة بس شغال. مكنش فيه ولا مكالمة من أحمد. بس كان فيه رسائل صوتية من حماتي، الحاجة هدى.
#حكايات_صافي_هاني
الأولى كانت بتقول: “يا سارة، أول ما تقومي بالسلامة روحي طمني منة، البنت المسكينة مرعوبة ومصدومة، بلاش تنكدي على أحمد وتصعبي الأمور عليه.”
التانية: “إياكي تعملي مشكلة عشان أحمد مضى لمنة الأول، إنتِ عارفة إن صحتها على قدها وما بتستحملش.”
والتالتة كانت: “الزوجة الأصيلة والصالحة ما تغيرش من واحدة عيانة وتعمل عقلها بعقلها.. اتصرفي بأصلك وبلاش فضايح.”
قفلت التليفون وفضلت باصة للسقف.. كنت بموت، ومع ذلك بالنسبة لهم المشكلة الكبيرة هي موقفي وزعلي!
أخدت نفسي وكلمت الشخص الوحيد اللي ممكن ينجدني من العيلة دي: طنط ماجدة، صاحبة أمي الأنتيم، اللي عايشة في دبي وبتدير مركز تأهيل هناك.
أول ما ردت، كنت بالعافية قادرة أطلع الكلام: “طنط ماجدة.. أنا عاوزة أمشي من هنا.. عاوزة أبعد.”
ما سألتنيش ولا سؤال، قالت لي فوراً: “ابعتي لي تقاريرك الطبية دلوقتي.. وأنا هطلعك من عندك النهاردة قبل بكرة.”
#حكايات_صافي_هاني
بعد الضهر، مضيت على أوراق نقلي لمستشفى تانية.. برضه بإيدي الشمال، وبرضه لوحدي.
ولما جه طاقم الإسعاف عشان ينقلني، دخل هاني، المساعد بتاع أحمد الأوضة.
”مدام سارة، أستاذ أحمد بعتني أشوف حضرتك فقتي ولا لسه.”
صححت له وأنا ببص له بثبات: “اسمي سارة جلال.. قوله إني خلاص مبقتش مستنية حد.”
طلعت الدبلة من كيس صغير وحطيتها في إيده: “اديهاله.”
وش هاني خطف وبقى أصفر: “يا فندم.. بس..”
”لو مأخدتهاش، هرميها في الزبالة قدامك.”
خدوني على الترولي في الممر، وإحنا معديين من قدام أوضة منة، سمعت صوتها وهي بتعيط: “يا أحمد، هي سارة زعلانة مني؟”
أحمد رد عليها: “هي مقدرة الموقف وعارفة.. ارتاحي أنتِ بس.”
الترولي كمل مشي، ومن الباب المفتوح نص قفلة، شوفت ضهره.. نفس الظهر اللي شفته يوم فرحنا، وفي بيتنا، وطول أيام جوازنا.
وأول ما باب الأسانسير قفل، تليفوني اتهز.
كان أحمد اللي بيتصل: “أنتِ فقتي؟ روحي بقى طمني منة.. مش راضية تبطل عياط.”
عملت له بلوك.
ومكنتش أعرف إيه اللي هيحصل بعد كده…
#حكايات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات ❤❤🌹♥♥🌹🌹♥♥
أول ما عملت البلوك، حسيت براحة غريبة كأن جبل انزاح عن صدري. الإسعاف نقلني للمستشفى الجديد اللي طنط ماجدة رتبته، وهناك بدأت رحلة تانية خالص. الدكاترة استقبلوني باهتمام حقيقي، ودخلت الرعاية المركزة عشان يتابعوا النزيف الداخلي ورجلي المتبهدلة.
في الوقت ده، أحمد كان لسه عايش في مملكته الوهمية مع منة. هاني المساعد بتاعه رجع له المستشفى، ووشه جايب ألوان. أحمد بص له وقال بنفاد صبر: “ها يا هاني، سارة فاقت؟ بعتت معاك حاجة؟”
هاني مد إيده وهو بيترعش وحط الدبلة في إيد أحمد: “المدام سارة اتنقلت لمستشفى تاني يا فندم، وقالت لي أسلّمك دي.. وقالت كمان إن اسمها سارة جلال، ومش مستنية حد.”
أحمد تنّح وفضل باصص للدبلة في إيده، والصدمة لجمته. حاول يتصل بيا تاني، لقى الخط بيدي جرس مقفول أو “بلوك”. اتجنن وبدأ يزعق في الممر: “يعني إيه مشيت؟ وإزاي تمشي وهي تعبانة كده ومن غير إذني؟”
منة من جوة الأوضة بدأت تعيط وتصرخ: “أحمد! في إيه؟ سارة جرالها حاجة بسببي؟ أنا السبب يا أحمد.. ياريتني أنا اللي موتّ!”
أحمد ساب كل حاجة ودخل جري عليها يهدّيها: “اهدي يا منة، سارة بس بتدلع وبتعمل حركات عشان تضغط عليا.. متشيليش هم، صحتك أهم.”
بس المرة دي، الحركات مكنتش دلع. طنط ماجدة كلمت محامي كبير جداً من أصدقاء عيلتنا اسمه الأستاذ رفعت. حكت له اللي حصل بالتفصيل، والراجل اتحمس جداً للقض..ية لما عرف المهزلة اللي حصلت في المستشفى وتقرير الطوارئ اللي بيثبت إن أحمد رفض يمضي على إقرار عمليتي وسابني بتموت.
عدى خمس ساعات كاملين. أحمد ساب منة بعد ما نامت تحت تأثير المهدئات، ورجع البيت وهو شايت وغضبان، كان متخيل إنه هيلاقيني قاعدة في الصالة بتعيط ومستنياه يصالحني بكلمتين زي كل مرة.
فتح باب الشقة بالمفتاح، النور كان مطفي والهدوء قاتل. دخل أوضة النوم لقى نص دواليب الطقم بتاعي فاضي، وشنطة هدومي مش موجودة.
وهو واقف في نص الأوضة مذهول، تليفونه رن. كان رقم غريب.
رد بعصبية: “ألو؟ مين؟”
جاءه صوت رصين وقوي: “الأستاذ أحمد؟ معاك مكتب الأستاذ رفعت المحامي، موكل عن المدام سارة جلال. بنبلغ حضرتك إن دعوى الطلاق للضرر اترفعت رسمي الصبح، ومعاها جنحة امتناع عن إغاثة زوجة وتعريض حياتها للخطر، ومرفق بيها تقرير مستشفى الطوارئ وإقرار موافقتك على عملية الآنسة منة ورفضك الإمضاء لزوجتك.”
أحمد حس إن الأرض بتلف بيه، وركبه مش شايلاه. قعد على السرير ودموعه نزلت لأول مرة، مش حزناً عليا، لكن رعباً من الموقف ومن الحقيقة اللي واجهته فجأة: سارة العاقلة، الهادية، اللي بتستحمل، ماتت في أوضة العمليات.. واللي خرجت منها واحدة تانية مش هترجع له تاني أبداً.
أحمد فضل ماسك التليفون والصوت غاب من ودانه، المحامي قفل السكة بعد ما رزع الصدمة في وشّه، والبيت حواليه بقا زي القبر. حاول يتصل بأمي، بأخويا، بأي حد من طرفي.. الكل كان عامل له بلوك. طنط ماجدة كانت مأمنة كل حاجة، ومحدش من أهلي كان عنده استعداد يسمع صوته بعد ما عرفوا إنه كان هيضيعني.
في المستشفى الجديد، كنت ببدأ أتعافى بالبطيء. الوجع الجسدي كان مقدور عليه بالمسكنات، بس الوجع اللي في قلبي كان بيقوى ويتحول لصلابة. طنط ماجدة جت لي بنفسها من المطار على المستشفى، أول ما شافتني عيطت وأخدتني في حضنها وقالت لي: “حمد الله على سلامتك يا بنتي.. خلاص، الكابوس انتهى والصفحة دي اتقفلت.”
تاني يوم الصبح، المستشفى اتقلبت. أحمد جه ومعاه أمه، الحاجة هدى. كانوا بيحاولوا يدخلوا الأوضة عافية، بس أمن المستشفى منعهم بناءً على تعليمات مشددة من المحامي. أحمد كان بيزعق من ورا الباب: “سارة! خرّجي المحامي ده من بيننا! إحنا بينا عشرة وتلات سنين جواز، مش هنسيب الغرب يخربوا بيتنا عشان سوء تفاهم!”
والحاجة هدى كانت بتصيح: “بقى بتشتكي جوزك وتجرجريه في الأقسام يا سارة؟ دي آخرة الأصول؟ البنت كانت بتموت وهو اتصرف بجهل، مش قصدة يموّتك!”
المحامي أستاذ رفعت كان موجود بالصدفة، خرج لهم الممر وبص لأحمد بكل برود وقاله: “سوء تفاهم؟ لما تسيب مراتك وضغطها بيقع ونزيفها شغال عشان تلحق كدمات وارتجاج بسيط لصاحبتك، ده مش سوء تفاهم.. ده اسمه شروع في قتل بالترك. والتقرير الطبي وإمضاء موكلتي بإيدها الشمال وهي بتموت كفيل يوديك ورا الشمس. وفروا كلامكم للمحكمة.”
أحمد انهار لما عرف إن القض..ية مش مجرد طلاق، دي فيها حبس ومستقبله كله هيضيع.
بعد شهرين، كنت واقفة على رجلي من تاني بعد جلسات علاج طبيعي مكثفة. ملامحي اتغيرت، نظرة الانكسار والخوف اللي كانت في عيني تلات سنين اختفت تماماً. المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكل حقوقي، وقض..ية الإهمال الطبي والامتناع عن الإغاثة لبسته قض..ية تعويض محترمة هزت مركزه المالي والشخصي قدام الناس كلها.
يوم الجلسة الأخيرة، شفته واقف بعيد، وشه باهت وضايع. منة مكنتش معاه، عرفت بعدين إنها أول ما لقت اسمه هيتجرجر في المحاكم ومشاكله كترت، سابته واتخطبت لشخص تاني خالص، وأمه بقت بتلف بيه على البيوت تدور له على عروسة “تستحمل وتكبر دماغها” بس مفيش حد بقى يقبل بيه بعد ما قصته بقت على كل لسان.
قربت منه بخطوات ثابتة، بصيت في عينه لأول مرة من غير عتاب ولا دموع، وقلعت السلسلة اللي كان جابهالي في أول سنة جواز وحطيتها في إيده وقلت له: “منة طلعت فعلاً متستحملش وسابتك في أول محطة.. بس أنا استملت وطلعت منها قوية.. قوية لدرجة إني مش فاكراك أصلاً.”
لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت نفسي وهو راجع لي حر ونظيف، وسبته واقف في مكانه.. لوحده، بعد ما اختار الكل، ومبقاش معاه حد.
مرت الأيام والشهور، وبدأت أسترد صحتي بالكامل. سافرت مع طنط ماجدة إلى دبي كفترة نقاهة وتغيير جو، وهناك عرضت عليّ وظيفة في مركز التأهيل الذي تديره. وافقت بلا تردد، فكانت تلك البداية الجديدة التي أحتاجها؛ ابتعدت تماماً عن كل الأماكن والوجوه التي تذكرني بالماضي، وركزت بكل طاقتي في عملي وفصل جديد من حياتي.
أما أحمد، فقد تحولت حياته إلى جحيم حقيقي. خسارته للقض..ية والتعويض المالي الكبير الذي حُكم به لصالحي تسببا في أزمة مالية خانقة له ولعمله. ولم تتوقف خسائره عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تدمير صورته أمام عائلته وأصدقائه بعد أن انتشرت تفاصيل ما فعله في المستشفى وتخليه عن زوجته وهي تنزف وتصارع الموت.
بعد مرور سنة كاملة، كنت أقف في مطار القاهرة بعد أن قررت العودة في زيارة قصيرة لرؤية عائلتي. وبينما كنت أنتظر حقائبي، رأيت شخصاً يقف بعيداً ينظر إليّ بذهول؛ كان أحمد.
ملامحه كانت قد تغيرت تماماً، بدا أكبر سناً، والهموم واضحة على وجهه. اقترب مني بخطوات مترددة وقال بصوت مرتعش: “سارة؟ مش مصدق إني شايفك.. حاولتوصل لك كتير بس كل الطرق كانت مقفولة.”
نظرت إليه بهدوء تام، دون أي مشاعر غضب أو انتقام، وسألته: “عايز إيه يا أحمد؟”
طأطأ رأسه وقال بدموع نادمة: “عايز أعتذر لك.. أنا خسرت كل حاجة من بعدك. منة سابتني وأمي تعبت، وأنا عرفت قيمتك متأخر أوي. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني وترجعي لي.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالشفقة وقلت له: “أنا سامحتك فعلاً يا أحمد، بس سامحتك عشان نفسي وعشان أعيش في سلام، مش عشان أرجع لك. اليوم اللي أنا مضيت فيه على إقرار عمليتي بنفسي وإيدي بترحش، كان اليوم اللي اتولدت فيه سارة جديدة.. سارة اللي مبقتش تقبل تكون نمرة اتنين في حياة حد، ولا مستنية حد يختارها.”
سحبت حقيبتي وتحركت خطوات للأمام، ثم التفت إليه للمرة الأخيرة وقلت: “أنا مش زعلانة منك دلوقتي، بالعكس، أنا بشكرك.. لأنك في أشد لحظات ضعفي، علمتني إزاي أكون قوية لوحدي.”
تركتُه واقفاً في مكانه يبتلعه الندم، وخرجت إلى بوابة المطار، حيث كانت أشعة الشمس تلفح وجهي بنور جديد، ونفسي تتنفس الحرية التي دفعت ثمنها غالياً، لكني استعدت بها نفسي.