حماتى بوظت عزومه العشا بقلم منى السيد الاول
حماتي بوّظت عزومة العشا قدام العيلة… وأنا في نفس الليلة كشفت سر كانت مخبياه بقالها سنين
السبت ده صحيت من النوم وأنا عندي إحساس إن اليوم لازم يطلع كامل من غير أي غلطة. من أول ما فتحت عيني وأنا بفكر في عزومة العشا اللي مستنياها من أسبوع كامل.
حماتي الحاجة أمينة، وحمايا، وأخو جوزي الكبير محمود ومراته دينا كانوا جايين عندنا.
بالنسبة لأي حد دي مجرد عزومة عائلية.
لكن بالنسبة لي… كانت فرصة أخيرة يمكن أكسب بيها رضا حماتي.
بقالي تلات سنين متجوزة أحمد، وطول السنين دي وأنا بحاول أرضي أمه، لكن مهما عملت كنت دايمًا أحس إنها شايفاني أقل من إني أكون مرات ابنها.
عمرها ما غلطت فيا بكلمة صريحة…
لكن نظراتها، وطريقة كلامها، والابتسامة الباردة اللي على وشها كانت كفاية تحسسني إني مش مرغوب فيا.
الغريب إنها مع مرات ابنها الكبير كانت شخصية تانية خالص.
تحضنها أول ما تشوفها…
تكلمها كل يوم…
وتنزل معاها تشتري طلبات البيت.
أما أنا…
ولا مرة حسيت إنها اعتبرتني بنتها.
أحمد كان كل ما أشتكيله يقول:
“إنتِ حساسة زيادة… أمي كده مع الكل.”
لكن أنا كنت شايفة بعيني إنها معايا أنا بس.
علشان كده قررت أعمل حاجة عمرها ما تتوقعها.
هعمل اللحمة الباردة (الروست بيف في الفرن)… الأكلة اللي كانت كل مرة تقول إنها محتاجة ست شاطرة بجد، وإن أغلب الستات بيفسدوها.
كنت حاسة إنها كل مرة تقول الجملة دي بتبصلي أنا.
من أسبوع وأنا بحضر.
اشتريت أحسن حتة لحمة، وجبت كل المكونات، وجربت الوصفة مرتين قبل يوم العزومة.
أول مرة كان فيها شوية أخطاء.
لكن تاني مرة طلعت تحفة.
صحيت من بدري، وتبلت اللحمة، وجهزت الصوص، ورتبت كل حاجة بالدقيقة.
حتى كتبت مواعيد كل خطوة على ورقة علشان مفيش حاجة تبوظ.
الخطة كانت بسيطة…
أدخل الصينية الفرن الساعة ستة بالظبط، ولما الضيوف يوصلوا الساعة تمانية تكون اللحمة استوت على هدوء، وريحتها مالية الشقة.
لكن الساعة أربعة العصر…
جرس الباب رن.
فتحت الباب…
اتفاجئت بالحاجة أمينة واقفة قدامي.
جاية قبل المعاد بساعتين.
ابتسمت وقالت وهي داخلة من غير ما تستنى عزومة:
“قولت أجي أساعدك… أكيد تجهيز عزومة للعدد ده مش سهل.”
ابتسمت بالمجاملة وقلت:
“متشكرة يا طنط… والله خلصت أغلب الحاجة.”
لكنها كانت دخلت المطبخ بالفعل.
بدأت تفتح الحلل…
وتبص في الصينية…
وتفتش في التلاجة كأنها صاحبة البيت.
وبعدين وقفت قدام اللحمة وقالت بابتسامة مستفزة:
“هو إنتِ بجد ناوية تعملي روست بيف؟ ما كنتِ عملتي فراخ في الفرن وخلاص… أضمنلك.”
قلت بهدوء:
“جربته مرتين قبل كده وطلع حلو الحمد لله.”
هزت راسها وقالت:
“نشوف.”
الساعتين اللي بعدهم كانوا من أصعب الساعتين اللي عشتهم.
كل حاجة أعملها تلاقي عليها تعليق.
لو حطيت ملح…
تقول كتير.
لو قللته…
تقول هيطلع من غير طعم.
حتى ترتيب السفرة كان عندها فيه رأي.
ولما الساعة جت ستة…
دخلت صينية الروست بيف الفرن، وشوفت لمبة الفرن منورة بعيني، وضبطت المؤقت، وبعدها قلت لها:
“أنا هدخل أغير هدومي… لو سمحتي متدخليش المطبخ.”
ابتسمت وقالت:
“اطمني.”
دخلت أوضتي حوالي عشرين دقيقة.
ولما خرجت لقيتها قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون بكل هدوء.
بعدها الضيوف وصلوا…
وأحمد رجع من الشغل…
وكل الناس قعدت تضحك وتهزر.
فضلت مستنية جرس الفرن يرن.
وأول ما رن…
جريت أفتح الباب.
لكن أول ما فتحته…
الدنيا اسودت في عيني.
الفرن كان ساقع.
والصينية زي ما دخلتها بالظبط.
اللحمة نية…
ولا كأنها دخلت الفرن ثانية واحدة.
وقفت مكاني مش قادرة أنطق.
أحمد دخل المطبخ وقال بقلق:
“مالك؟”
شورتله على الصينية.
بص باستغراب وقال:
“إيه ده؟ إنتِ مشغلتيش الفرن؟”
قلت وأنا ببص ناحية الصالة:
“شغلته… وشوفت النور منور بعيني.”
وساعتها افتكرت…
أنا خرجت من المطبخ…
والشخص الوحيد اللي فضل فيه بعدي…
كان حماتي.
لحظات الصمت اللي سادت المطبخ كانت أتقل من جبل على صدري. أحمد بيبص لي باستغراب، واللحمة النية قدامنا بتصرخ بكلمة “فضيحة”. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني كنت حاسة إن دقاته مسموعة بره المطبخ. في اللحظة دي، ملامح وشي اتحولت من الانكسار والذهول لبركان من الغضب المكتوم. مش بس غضب عشان العزومة باظت، لأ، غضب عشان “اللعبة” اللي اتكشفت قدامي بوضوح، اللعبة اللي بتلعبها حماتي بيا بقالها سنين.
أحمد بص لي وقال بصوت واطي: “طب هنعمل إيه دلوقتي؟ الضيوف بره، وماما ودينا ومحمود قاعدين مستنيين العشا.. إنتِ متأكدة إنك شغلتيه؟”
بصيت لأحمد، ولأول مرة مقدرتش أخبي نظرة التحدي في عيني. قلت بصوت يادوب مسموع بس فيه نبرة صلبة: “مش بس متأكدة، أنا كنت واقفة وشايفة النور وهو بينور. بس يبدو إن حد دخل المطبخ بعدي ولعب في الزرار، يمكن قفلته بالخطأ وهي بتنضف الرخامة.. مين عارف؟”
أحمد اتنهد وقال: “مش وقت تلميح يا مروة، خلينا نطلب دليفري ونخلص، الناس جاعت.”
في اللحظة دي، دخلت الحاجة أمينة المطبخ وهي بتدندن، وبصت للصينية بابتسامة صفرا وقالت: “يا خبر أبيض! لسه اللحمة زي ما هي؟ يا بنتي مش قلت لك العزومات دي تقيلة عليكي؟ ده حتى الفرن شكله محتاج صيانة، كان عندي إحساس إنه مش شغال كويس.”
بصيت لها مباشرة في عينيها. كانت بتبتسم نفس الابتسامة الباردة المعتادة، بس المرة دي، أنا كنت شايفة وراها حاجة تانية. شوفت “السر” اللي كانت مخبياه، السر اللي عرفته صدفة لما دخلت أوضة الضيوف أجيب “الشارغر” بتاع الموبايل قبل العزومة، وشوفتها وهي بتخرج ظرف من شنطتها وتديه لمحمود، وبصت لي بصة سريعة وهي بتحط الظرف ده في درج التسريحة.
كانت ورقة… ورقة طبية قديمة من سنين، فيها تقرير بيأكد إنها كانت بتعاني من مشاكل صحية بتخليها “تغير” في تصرفاتها لما حد يهدد مكانتها عند ابنها، حاجة زي “هوس السيطرة” الناتج عن تجربة قديمة عاشتها مع حماتها هي كمان. فهمت وقتها إن اللي بتعمله معايا مش كره شخصي، ده مرض بتمارسه عشان تحس إنها “المسيطرة” الوحيدة.
قلت بهدوء، وأنا بقرب منها خطوة: “يا طنط، الفرن شغال زي الفل، بس يمكن حد طفاه وهو بيعمل شاي أو بيظبط المطبخ، مش كده؟”
اتوترت للحظة، بس تماسكت وقالت: “أنا ماليش دعوة، أنا كنت قاعدة بتفرج على التلفزيون.”
في اللحظة دي، حسيت إن اللعبة قلبت لجد. بدل ما أعيط وأتحرج قدام دينا ومحمود، قررت أواجه. قلت: “يا جماعة، العشا اتأخر عشان حصل عطل فني، بس مفيش مشكلة، أنا هطلب أكل، وإحنا قاعدين ممكن أحكي لكم حكاية صغيرة عن ‘السر’ اللي اكتشفته النهارده بالصدفة في أوضتي.”
حماتي وشها اتخطف لونه، ومحمود، أخو جوزي، بدأ يتنحنح بتوتر. دينا بصت لنا باستغراب. أحمد وقف في النص، مش فاهم حاجة.
قلت وكأني بفتح كتاب: “في ورقة كانت ضايعة مني، ولقيتها النهاردة في ظرف، مكتوب فيها كلام كتير عن الماضي.. كلام يخلي الواحد يفهم ليه الحاجة أمينة بتخاف دايما إن حد يشاركها في حب ولادها.”
الحاجة أمينة قاطعتني بصوت حاد: “مروة، عيب الكلام ده، الضيوف موجودين.”
بصيت لها بابتسامة هادية: “ما هو العيب يا طنط إننا نخبي على بعض. أنا النهاردة فهمت إنك مش بتكرهيني، أنا فهمت إنك بتخافي. بتخافي لتكوني زي حماتك اللي كانت بتضطهدك زمان، فقررتي تكرري نفس الدور عشان تحسي إنك القوية، مش الضعيفة.”
ساد صمت تام في المطبخ. أحمد بص لأمه بصدمة، ومحمود نزل عينه في الأرض. كان واضح إن الموضوع مش بس عني، الموضوع كان جرح قديم هي بتفتحه كل يوم في بيتي.
أكملت: “اللحمة دي اللي بوظتيها عشان تكسريني، هي بس مجرد رمز. إنتِ محتاجة تحسي إنك اللي بتوجهي، اللي بتأكلي، اللي بتطبخي، عشان ترتاحي من كابوس الماضي. بس أنا مش حماتك، ولا أنا عدوتك.”
الحاجة أمينة قعدت على كرسي المطبخ، ودموع في عينيها لأول مرة أشوفها حقيقية. مش دموع تمثيل، دموع انكسار.
محمود بص لي وقال: “مروة، إحنا أسفين.. ماما تعبانة من سنين ومش راضية تعترف، وأنا كنت بسكت عشان ما أغضبهاش.”
اليوم اللي كان المفروض يبقى كارثة، اتحول لمواجهة حقيقية. أحمد مسك إيدي وقال: “أنا أسف إني كنت مش شايف.. كنت فاكرك حساسة فعلاً، بس طلعتي أقوى بكتير مما كنت متخيل.”
دينا، مرات محمود، قامت وحضنتني وقالت: “أنا عارفة اللي بتمر بيه من زمان، بس ما كنتش أجرؤ أفتح بوقي.”
قعدنا كلنا، طلبنا أكل، وفضلنا نتكلم. لأول مرة، الحاجة أمينة مكنتش “الحمات” اللي بتنتقد، كانت ست كبيرة، مكسورة، خايفة من الوحدة. أكلنا، وضحكنا، وحتى اللحمة اللي باظت، أحمد أخدها وطبخها هو بليل، وكلناها في جو من الصراحة اللي كانت ناقصانا.
في الليلة دي، اتعلمت درس ميتنسيش: إن ساعات اللي قدامنا لما بيأذينا، بيكون بيحاول يداوي جرح قديم عنده هو، مش بيأذينا إحنا. والصدق، مهما كان بيحرق في الأول، هو اللي بيمهد الطريق لبيوت حقيقية، مش مبنية على تمثيل وابتسامات باردة.
ومن يومها، الحاجة أمينة اتغيرت. مش ١٨٠ درجة طبعاً، بس بقيت أشوفها بتبتسم لي ابتسامة حقيقية، مش اللي كنت بشوفها في المرايا. وأنا؟ أنا بقيت أقوى، عرفت إن بيتي ومكاني مش بيتهدوا بصينية لحمة، ولا حتى بنظرة باردة، بيتي بيقوم على الحب اللي بنبني فيه جسور الصراحة، حتى لو كان الجسر ده واعر ومحتاج شجاعة عشان نعديه.
العزومة اللي بدأت بـ “لحمة نية” انتهت بـ “قلوب صافية”، وده كان العشا الأنجح في حياتي كلها.
