حماتى بوظت عزومة العشا الثانى
الهدوء اللي حل على البيت بعد ليلة العزومة مكنش هدوء طبيعي، كان هدوء ما بعد العاصفة. الكل حس إن القناع وقع، والحقيقة اللي كانت مدفونة سنين في خزانة الحاجة أمينة طلعت للنور، مش بس قدامي، لأ، قدام أحمد ومحمود ودينا كمان. اليومين اللي عدوا كانوا أغرب يومين في حياتي مع أحمد، كان بيبص لي بنظرة كلها تقدير وامتنان، وكأنني فجأة بقيت “شريكة” مش مجرد “زوجة” بتمشي جنب الحيط.
لكن، زي ما بيقولوا، السكون اللي بيجي بعد المواجهة الكبيرة هو أصعب مرحلة. الحاجة أمينة، اللي دايما كانت بتملأ الفراغ بتعليقاتها وسمومها، دخلت في حالة صمت مريب. بقالها يومين مكلمتنيش، لا تليفون ولا زيارة، وأحمد لما بيتصل بيها بيرد بصوت واطي ومختصر.
في صباح يوم الثلاثاء، كنت قاعدة في الصالون بحاول أرتب أفكاري، لقيت تليفوني بيرن. كانت دينا، مرات محمود.
“ألو.. أيوة يا دينا، عاملة إيه؟”
ردت بصوت مرتبك: “بخير يا مروة.. بس لازم أقولك حاجة. محمود رجع البيت امبارح وكان متعصب جداً. كان بيتخانق مع طنط أمينة، والصوت كان عالي لدرجة إني سمعت اسمك أكتر من مرة.”
قلبي وقع في رجلي. سألتها بسرعة: “خناقة؟ بسبب إيه؟ وأنا دخلت إيه بالموضوع؟”
دينا تنهدت وقالت: “بصراحة يا مروة، الموضوع مش بس مواجهة. محمود اكتشف إن الظرف اللي كان في أوضتك مش هو الوحيد. كان في أوراق تانية، ملفات قديمة تخص أملاك جدي، حاجات كانت ماما مخبياها ومسجلاها باسمها هي بس، من غير علم ولادها، وحاسس إنها كانت بتستخدم ضغوطها النفسية دي عشان تشتت انتباه الكل عن لعبتها الكبيرة في الورث.”
بردت أعصابي. أنا كنت فاكرة إن الموضوع صراع عاطفي، صراع “حموات”، بس طلع إن الموضوع أبعد من كدة بكتير. طلع إن “المرض” اللي كنت بشفق عليه، ممكن يكون غطاء لحاجة تانية خالص.
قفلت مع دينا وأنا حاسة إن الأرض بتتهز من تحتي. أحمد دخل من الشغل وشكله كان باين عليه الإرهاق. بص لي وقال: “مروة، أنا لازم أقولك حاجة، بس مش عايزك تتفاجئي.”
قعدت قدامه، وأخدت نفس عميق وقلت: “دينا كلمتني يا أحمد. أنا عارفة إن في ملفات تانية ظهرت.”
أحمد اتنهد بقوة: “أمي مش مجرد ست خايفة من الوحدة، ولا مجرد ضحية لتربية قاسية زي ما كنا فاكرين. محمود واجهها بكل حاجة، وهي.. هي ما أنكرتش. بل بالعكس، قالت إنها كانت بتأمن مستقبلها ومستقبل ولادها بالطريقة اللي هي شايفاها صح، حتى لو كان ده معناه إنها ‘تدوس’ على الكل.”
سألته بصوت مخنوق: “يعني كل ده كان تمثيل؟ حتى لحظة الانكسار اللي شوفتها في عينيها يوم العزومة؟”
أحمد سكت فترة طويلة، وبعدين قال: “مش عارف يا مروة. يمكن كانت صادقة في لحظتها، بس الخوف من ضياع السيطرة رجعها لأسلوبها القديم. محمود ناوي يرفع قض/ية عشان الورث يتقسم صح، وأنا.. أنا مش عارف أقف فين.”
هنا حسيت إن دوري بدأ يتغير. أنا ما بقتش بس المظلومة اللي بتدور على رضا حماتها، أنا بقيت طرف في صراع عيلة كاملة. حسيت إن القوة اللي اكتسبتها يوم العزومة، دلوقتي بتتحط في اختبار حقيقي. هل هفضل “مروة” الهادية اللي بتدور على السلام، ولا هبقى جزء من الحرب دي؟
قمت وقفت وقلت لأحمد: “أحمد، أنا مش عايزة أتدخل في ورثكم، ده حقكم بينكم وبين بعض. بس اللي أعرفه إن الحاجة أمينة محتاجة حد يواجهها مش بس بالقانون، محتاجة حد يواجهها بالحقيقة اللي هي خايفة منها: إنها بتخسر ولادها.”
في العصر، قررت أعمل حاجة محدش يتوقعها. جهزت صينية شاي، وأخدت أحمد ورحنا لبيت الحاجة أمينة. كان بيت كبير، هادي، بس جواه شياطين بتتمشى في كل ركن.
فتح محمود الباب، وشكله كان مهدود. لما شافنا، بصلنا بنظرة يأس. الحاجة أمينة كانت قاعدة في أوضة المكتب، محاطة بملفات وأوراق قديمة، وشكلها كان أصغر من عمرها، كأنها بتغرق في بحر من الورق.
بصت لنا، ولما شافتني، عينيها اتحولت لشرارة غضب: “جايين ليه؟ جايين تتفرجوا على اللي باقي مني؟”
قعدت قدامها بهدوء، وحطيت صينية الشاي. أحمد ومحمود وقفوا بعيد، مراقبين الموقف. قلت لها بصوت واطي بس حازم: “يا طنط، أنا مش جاية عشان الورث، ولا جاية عشان ألومك على صينية اللحمة اللي بوظتيها. أنا جاية أقولك إنك بتخسري أغلى حاجة عندك.. ولادك.”
ضحكت ضحكة مكسورة: “ولادي؟ هما ولادي بيفهموا يعني إيه تعب؟ هما فاكرين إن الدنيا بتيجي بالساهل؟ أنا عملت اللي عملته عشان يحسوا بقيمتي، عشان يفضلوا محتاجين لي.”
قلت لها: “يا طنط، الاحتياج غير الخوف. هما دلوقتي بيخافوا منك، مش بيحبوكي. دينا ومحمود، وأحمد، والكل.. بيتعاملوا معاكي على إنك قنبلة موقوتة. عايزة تحسي إنك ليكي قيمة؟ حبيهم من غير شروط. سيبي الورق ده، سيبي الملفات دي، وخلينا نفتح صفحة جديدة.”
بصت لي بصة طويلة، عينيها كانت بتدور على “مروة الضعيفة” اللي كانت بتعرف تكسرها زمان، بس مالقتش غير ست واقفة بصلابة. فجأة، بدأت إيدها ترتعش، والورق اللي في إيدها وقع على الأرض.
ساد صمت تقيل في الأوضة، وبعدين سمعنا صوت أحمد بيقول: “يا أمي، إحنا محتاجين أم، مش محتاجين مدير أعمال.”
اللحظة دي كانت حاسمة. الحاجة أمينة بصت لأحمد، وبعدين لمحمود، وبعدين لي. في اللحظة دي، شفت تردد حقيقي في عينيها. هي كانت بتقاوم بكل قوتها عشان ما تعيطش، عشان ما تظهرش “ضعفها” الحقيقي.
فجأة، قامت وقفت، بس توازنها اختل. أحمد جري عليها، ومحمود سندها. قعدوها على الكنبة، وبدأت تتنفس بصعوبة. الموقف اتغير تماماً من مواجهة لدراما صحية.
“ماما! ماما ردي عليا!” محمود كان بيصرخ.
اتصلنا بالدكتور، والبيت اتقلب لمستشفى صغير. الدكتور قال إنها أزمة عصبية حادة ناتجة عن ضغط نفسي طويل. في اللحظة دي، كل الخلافات، كل الأوراق، وكل الورث، بقى ملوش قيمة.
لما الدكتور خرج، دخلت لها الأوضة. كانت نايمة، وشكلها يبان عيان جداً. قعدت جنبها، ومسكت إيدها. كانت باردة جداً. فتحت عينيها وبصت لي، ولأول مرة، شفت في عينيها “بشرية” مش “سلطة”.
همست: “إنتِ.. إنتِ ليه بتعملي كده؟ بعد كل اللي عملته فيكي؟”
رديت عليها: “عشان أنا مش عايزة أكون زيك في يوم من الأيام، وعشان خاطر أحمد.”
غمضت عينيها، ونزلت دمعة واحدة على خدها.
في اللحظة دي، حسيت إن اللعبة لسه ما خلصتش. الحاجة أمينة لسه وراها أسرار، والملفات اللي كانت مبعثرة على المكتب قبل ما تقع، كان فيها أسماء لشركات أنا أول مرة أشوفها، وفيها أختام غريبة.
لما أحمد ومحمود خرجوا يطمنوا على الدكتور، وقفت عند المكتب، وأخدت واحدة من الورق اللي كان واقع.. اسم الشركة كان “الرؤية للاستثمار”، ومكتوب تحتها بخط الإيد اسم شخص كنت بسمع عنه بس في حكايات قديمة عن أبويا.. شخص كان متورط في تجارة مشبوهة.
قلبي دق بجنون. الموضوع مش ورث.. الموضوع أكبر بكتير.
رجعت لورا، قلبي بيتقطع. هل يا ترى اللي أنا متجوزاه ده بيت طبيعي، ولا أنا دخلت في دايرة خطر مكنتش أتخيلها؟
خرجت من الأوضة، ولقيت أحمد بيبص لي بسؤال: “هي كويسة؟”
هزيت راسي، بس عيني كانت متعلقة بالملفات جوه. قلت له: “أحمد، هو أبوك كان شغال مع مين قبل ما يتوفى؟”
أحمد اتجمد في مكانه، وبص لي بنظرة غامضة: “ليه بتسألي؟”
هنا عرفت.. إن السر الحقيقي مش عند حماتي.. السر الحقيقي عند العيلة دي كلها.