السر المدفون حكايات صافى هانى الثانى والاخير
فضلت واقفة في مكانى مش قادرة أتحرك، صوت صريخهم على السلم وهو بيبعد والـصـفـيـر اللي لسه بيرن في وداني خلوا الأوضة تلف بيا. بصيت للسرير الفاضي، للعلبة اللي لسه فيها لقمة مصطفى الأخيرة، وللتقرير اللي كشف لي إن جوزي كان بيموت بالبطء عشان يحيي أخوه.
لميت الورق كله وحشرته في شنطتي، وجريت وراهم في الشارع زي المجنونة. كان أحمد لسه بيحاول يرفع مصطفى في الكرسي الوراني بتاع عربيتنا، وجسمه كان سايب خالص وراسه رامية لورا. حماتي كانت قاعدة جمبه في الدواسة وبتلطم وبتدعي: “يا رب خبينا.. يا رب استرنا وماتكسرنيش فيه”.
ركبت قدام جمب أحمد من غير ما أنطق كلمة. أحمد دور العربية وطلع بأقصى سرعة، كان بيسوق وعينيه على المراية بيبص على أخوه، وإيده التانية بتترعش على الدريكسيون وعروق إيده بارزة وناشفة من كتر الهم والتعب اللي كتمه سنين.
طول الطريق للمستشفى مكنش فيه صوت غير نفس مصطفى المكتوم، ونشيج حماتي، وصوت فرامل العربية وهي بتاكل الأرض. وصلت المستشفى، وأحمد نزل شال أخوه وجري بيه على الطوارئ وهو بيزعق: “حالة كيماوي وفشل كلوي.. النفس واقف!”. الدكاترة والممرضين اتلموا وخدوا مصطفى على ترولي وجريوا بيه لداخل الرعاية المفتوحة، ومنعونا كلنا ندخل.
أحمد رمى نفسه على كراسي الانتظار، حط راسه بين ركبه وفضل يعيط بصوت عالي، عياط راجل ضهره انكسر وخلاص مبقاش فيه حيل يداري. حماتي قعدت في الأرض تسند ضهرها للحيطة، ومنى أخته واقفة بتترعش وتبص لي بنظرات كلها اتهام وكره.
قربت من أحمد براحة، ونزلت في الأرض قصاده، مسكت إيديه النحفانة والناشفة من شغل الورشة، ومن آثار التحاليل القديمة اللي بدأت أشوفها دلوقتي بوضوح على عروقه. رفع راسه وبص لي، عينه مكنش فيها غضب، كان فيها خيبة أمل توجع أكتر من الموت.
طلعت التقرير من شنطتي وحطيته بين إيديه، وقولت له بصوت مكسور: “أنت كنت بتتبرع له بالنخاع يا أحمد؟ خمس سنين وأنت شايل لحمك وتديهوله، وسايبني أقول عليه مدلع وصايع وأقول على أمك ظالمة؟”
أحمد بلم في الورقة، ودموعه نزلت عليها، وقال بصوت فـقـد الـرجـاء: “مصطفى جاله سرطان الدم من خمس سنين يا صافي. ولما عملنا التحاليل، طلعت أنا الوحيد اللي ينفع ينقذه. لما اتجوزتك، مصطفى حلفني وحلف أمي مانقولش، قال لي: (صافي لسه داخلة حياتنا جديد، لو عرفت إنك تعبان وبتتبرع لي، هتخاف عليك وتكرهني وتمنعك، وأنا مش عايز أكون سبب في خراب بيتك).. أمي كانت بتشيل وبتتبهدل وتتبهدل عشان مصطفى يعيش في نظرك ونظر الناس قوي ومش عاجز. علبة الأكل اللي خديتها، كانت المرة الأولى من شهور اللي يطلب فيها ياكل، وأمي طارت من الفرحة وجريت تاخدها له.. وأنتِ قفلتي في وشها وكسرتيها.”
الكلام كان بينزل على قلبي زي مية النار. بصيت لحماتي اللي قاعدة في الأرض، الست اللي كنت بشوفها “حوت” وحمى قاسية، طلعت بتستحمل الإهانة وتداس كرامتها وتطلع برة مطبخي، لمجرد إنها تحمي سر ابنها وتحافظ على شكل أخوه الصغير قدام عيلته.
وفجأة، الباب بتاع الرعاية اتفتح، والدكتور خرج وهو بيقلع الكمامة، وشه كان عرقان وملامحه جامدة. أحمد وقف بسرعة وجري عليه، وحماتي اتسندت على الحيطة ووقفت وهي حاطة إيدها على قلبها.
الدكتور بص لأحمد وقال بنبرة هزت المستشفى كلها: “النبض رجع.. بس حالة الكلى تدهورت تماماً بسبب جرعة الكيماوي الأخيرة والتأخير اللي حصل في المشوار، مصطفى دخل في غيبوبة كاملة، وفيه قرار لازم ناخده حالاً، لأن نقل النخاع القديم مبقاش مأثر، ومحتاجين نقل دم وخلايا فورية ومطابقة في خلال ساعة وإلا هيفقد حياته.. وأنت يا أحمد، تحاليلك الأخيرة بتقول إن جسمك مبقاش يستحمل أي تبرع جديد وإلا هيجيلك هبوط حاد في القلب.. حياتك هتبقى في خطر.”
أحمد صرخ في وش الدكتور: “أنا جاهز! خدو دمي كله ونخاعي كله بس هو يعيش!”
الدكتور زعق: “بقولك خطر على حياتك أنت! مش هينفع!”
في اللحظة دي، حماتي وقعت من طولها على الأرض وأغمى عليها، ومنى بدأت تصوت، وأحمد بقا واقف في النص مش عارف يجري على أمه ولا ينقذ أخوه ولا يحمي نفسه.
بصيت عليهم كلهم، وشفت السلسلة اللي لفاها أحمد حوالين رقبتي من شقاه، وافتكرت الكلمة اللي مصطفى قالها إنه مش عايزني أشمت فيه. خدت نفس طويل، ودخلت في وسطهم، ووقفت قدام الدكتور وقولت بصوت ثابت والدموع متحجرة في عيني: “أنا مراته.. وعيلته. خدو عينة مني أنا، يمكن ربنا يكرمني وأطلع مطابقة له، ويموت السر اللي بينا ونعيش كلنا.”
أحمد بص لي بصدمة، و…
#حكايات_صافي_هاني
أحمد بص لي بصدمة، وعينيه اتسعت وهو مش مصدق الكلمة اللي طلعت من بوقي. مسك إيدي بلهفة وخوف وقال وصوته بيرتعش: “أنتِ بتقولي إيه يا صافي؟ أنتِ مستوعبة ده معناه إيه؟ التبرع ده مش عينة دم عادية، ده شقى وتعب وممكن يطلع مش متطابق أصلاً!”
قولت له وأنا ببص في عينيه بقوة مكنتش أعرف إنها جوايا: “مستوعبة يا أحمد.. مستوعبة إن بقالي خمس سنين عايشة مع راجل بيموت بالبطء عشان يحيي أخوه وأنا كنت غرقانة في غلي وعمايا. سيبني أعمل أي حاجة تخليني أقدر أبص في وشك ووش أمك تاني.”
الدكتور مكنش عنده وقت للمشاعر، شاور للممرضة وقال بسرعة: “هاتوها فوراً على المعمل، اسحبوا عينة توافق أنسجة وفصيلة دم، مفيش وقت.. المريض على جهاز التنفس الصناعي وكل دقيقة بتعدي بنخسر جزء من وظائف المخ.”
دخلت الأوضة بتاعة التحاليل، والممرضة غرزت الإبرة في عروقي وأنا حاطة إيدي على وشي وبدعي وبستغفر ربنا من كل قلبي على كل كلمة قولتها في حق الست دي وفي حق ابنها. كنت بدعي من قلبي: “يا رب ارفع عنهم واجعلني سبب، يا رب ما تكسر ظهر أحمد”.
خرجت وقعدت جمب أحمد ومنى اللي كانوا بيفوقوا حماتي بمية وبصل. الست أول ما فتحت عينيها وبصت حواليها، تاهت لدقايق، ولما افتكرت، بدأت تصرخ وتسأل على مصطفى. منى وطت عليها وبست رأسها وقالت لها وهي بتشاور عليا: “صافي دخلت تعمل تحليل توافق يا أمي عشان تتبرع له مكان أحمد.”
حماتي بصت لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة عتاب مخلوطة برجاء وكسرة نفس. حاولت تقوم وتقرب مني، وأنا مجرد ما شفتها بتتحرك ناحيتي، جريت عليها وارتميت في حضنها وقعدنا نعيط إحنا الاتنين بصوت مسموع في الممر كله. قولت لها: “سامحيني يا أمي.. وحقك عليا، أنا غبية والجهل عما عيني”. طبطبت على ضهري وقالت بصوت مهدود: “ربنا ينجيكِ وينجيه يا بنتي.. ربنا ما يوريكِ حرقة قلب الأم على ضناها”.
بعد نص ساعة كانت كأنها مية سنة، خرج الدكتور من المعمل وهو ماسك ورقة النتيجة ووشه مفسرش أي حاجة. أحمد جرى عليه: “طمنا يا دكتور؟”
الدكتور هز راسه وقال: “الفصيلة مطابقة.. والتحليل المبدئي للأنسجة بيقول إن فيه نسبة توافق كويسة تسمح بنقل خلايا جذعية سريع ينقذ الحالة حالاً من الغيبوبة، بس ده هيحتاج منك يا مدام صافي تدخلي العمليات فوراً وهتتعبي معانا كام يوم.”
مفكرتش ثانية، قولت له: “أنا جاهزة، خدوني حالاً”.
أحمد مسك إيدي وباسها وهو بيبكي ويشكر ربنا، وحماتي رفعت إيديها للسما بتدعي لي. جهزوني ودخلت أوضة العمليات، ركبوا لي المحاليل وبدأت أحس بجسمي بيتقل وأنا بفتكر كل تفصيلة.. بفتكر علبة الأكل، ونظرة مصطفى المكسورة، وشقى أحمد في الورشة اللي مكنش عشان الفلوس، كان عشان تمن الأدوية والكيماوي الغالي اللي مكنش بيرضى يخليني أحس بيه عشان ميعرفنيش السر.
غبت عن الوعي ومحستش بالدنيا..
فقت بعد ساعات طويلة، حاسة بوجع شديد في جسمي وهمدان وكسرة في عضمي، بس أول ما فتحت عيني، لقيت أحمد قاعد جمبي، ماسك إيدي وعينيه منفوخة من كتر العياط والسهر، بس أول ما شافني فتحت عيني، ابتسم ودموعه نزلت.
سألته بصوت مبحوح وتعبان: “مصطفى.. مصطفى جرى له إيه يا أحمد؟”
أحمد وطى على راسي باسها وقال لي وهو بيمسح دموعه: “مصطفى فاق من الغيبوبة يا صافي.. المؤشرات بدأت تتظبط والدكتور بيقول إن جسمه استقبل الخلايا بتاعتك وبدأ يفوق، والمستشفى كله بيتكلم عن اللي عملتيه.”
النفس رد فيا وحسيت إن الوجع كله هان. قولت له: “عايزة أشوفه يا أحمد، وعايزة أشوف أمك.”
سندني وأنا بجر رجلّيا بالعافية والمحاليل في إيدي، وخرجنا للممر. لقيت حماتي ومنى قاعدين برة، أول ما شافوني قايمة، جريوا عليا وحماتي حضنتني وبقت تبوس كتفي ورأسي وهي بتقول: “أنتِ مش مرات ابني.. أنتِ بنتي اللي خلفتهالي الدنيا من جديد، أنتِ رجعتي لي حتة من قلبي”.
أحمد فتح باب الرعاية براحة ودخلنا. مصطفى كان فايق، وشه بدأ يرجع فيه الدم حاجة بسيطة، وجهاز التنفس اتشال ومحطوط له ماسك أكسجين عادي. أول ما شافني داخلة وساندة على أحمد، عينيه دمعت، وحاول يتكلم بصوت واطي وخارج بالعافية: “صافي.. أنا..”
قربت منه وقولت له: “اشسسس.. متقولش حاجة يا مصطفى. أنت أخويا الكبير، وشقا أحمد وشقايا هو شقاك، والعربية اللي أمك كانت عايزة تاخد ورقها، مفتاحها هيبقى في جيبك من بكرة عشان تروح بيها مشاويرك وأنت رافع راسك ومحدش في الدنيا يقدر يكسر هيبتك طول ما إحنا عايشين.”
مصطفى غمض عينيه ودموعه نزلت على مخده المستشفى، وحماتي لمتنا كلنا في حضنها وإحنا بنعيط، وحسيت إن الغمة انزاحت من البيت.
قعدنا في المستشفى يومين لحد ما حالتي وحالة مصطفى استقرت، وفي اليوم الثالث، كنا بنجهز عشان نخرج ونرجع البيت ونبدأ رحلة علاج مصطفى وإحنا إيد واحدة ومخبيين ضهره بجد.
أحمد راح يخلص ورق الخروج من حسابات المستشفى، وأنا وقفت مع منى وحماتي بنلم الهدوم والأدوية من الأوضة، ومصطفى كان قاعد على السرير بيبتسم لنا.
وفجأة.. الباب اتفتح، ودخل أحمد، بس مكنش معاه ورق الخروج.
وش أحمد كان قالب أزرق، وجسمه كله كان بيتفض، وفي إيده ورقة تانية خالص لسه مستلمها من دكتور التحاليل اللي برة، بص لي وعينيه مليانة رعب حقيقي، صوته طلع ميت وهو بيقول: “صافي.. التحليل الكامل اللي عملتيه عشان التبرع لمصطفى.. الدكتور عايزك في الأوضة بتاعته حالاً.. فيه حاجة ظهرت في دمك أنتِ كمان ولازم نواجهها.”
وفي اللحظة دي، الشنطة وقعت من إيد حماتي، والأوضة كلها سكتت، وعيني اتسعت وأنا ببص لأحمد ومش قادرة أستوعب الصدمة الجديدة اللي مستنيانا و…
#حكايات_صافي_هاني
الدنيا اسودت في عيني، وضربات قلبي بقت مسموعة في الأوضة كلها. مسكت في دراع أحمد وأنا برتعش وقولت له: “فيا إيه يا أحمد؟ اتكلم وقعت قلبي!”، حماتي سابت الهدوم من إيدها وجريت علينا وهي بتعيط وتدعي: “سترّك يارب.. استرها على بنتي يارب متفجعناش فيها”. أحمد مكنش قادر ينطق، شدني من إيدي وخرجنا برا الأوضة، ومشينا في الممر لحد مكتب الدكتور. دخلنا والدكتور كان قاعد وحاطط التقرير قدامه، أول ما شافني ملامحه هديت شوية وشاور لنا نقعد.
الدكتور بص لأحمد وبعدين بص لي وقال بنبرة هادية بس جادة: “يا مدام صافي، التحليل الكامل اللي عملناه عشان التبرع كشف إن عندك أنيميا حادة ونسبة الحديد في دمك ضئيلة جداً، لدرجة إن تبرعك بالخلايا الجذعية في الحالة دي كان خطر حقيقي على حياتك وكان ممكن يدخلك في هبوط حاد في الدورة الدموية. أحمد لما شاف النتيجة اتخض وافتكر إن فيه مرض خطير، بس الحقيقة إنك ضحيتي بنفسك وكنتي بتنزفي صحتك وأنتِ مش حاسة عشان تنقذي أخو جوزك”. الدكتور ابتسم وكمل كلامه: “بس المعجزة بقا، إن رغم ضعف دمك، خلاياكِ كانت أنشط وأقوى بكتير من اللي توقعناه، وجسم مصطفى قبلها بنسبة نجاح خطت الـ 95%.. أنتِ حرفياً كتبتِ له عمر جديد، بس بشرط، من هنا ورايح رعاية تامة وتغذية، ومفيش خروج من المستشفى غير لما نعلق لك أكياس حديد وفيتامينات تعوض اللي خسرتبه”.
أحمد أول ما سمع كلام الدكتور، أخد نفس طويل كأنه كان غرقان وطلع لوش المية، رمى راسه على كتفي وفضل يعيط من كتر الارتياح والخوف اللي عاشه في الدقايق دي. بص لي وعينيه مليانة دموع وفخر وقال لي: “وقعتِ قلبي يا صافي.. كنت فاكر إن الدنيا هتاخدك مني بعد ما أنقذتِ أخويا. ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش منك أبداً”.
عدى يومين كمان في المستشفى وأنا باخد علاجي جمب مصطفى اللي كان بيتحسن كل ساعة عن اللي قبلها، وبدأت الضحكة ترجع لوشه والدموية ترد في ملامحه. حماتي مكنتش بتفارق رجليا، بتأكلني بإيدها وتدعي لي في كل لقمة، ومنى أختهم بقيت جمبي زي الضل بتخدمني وبتعتذر لي بعيونها قبل لسانها عن كل سوء ظن.
وفي اليوم اللي خرجنا فيه كلنا من المستشفى، الشمس كانت طالعة وصافية كأنها بتغسل هموم خمس سنين فاتت. أحمد كان سايق العربية، ومصطفى قاعد جمبه قدام ورافع راسه وفرحان بالنسمة اللي داخلة من الشباك، وأنا وحماتي ومنى قاعدين ورا وحاضنين بعض. حماتي بكت بس المرة دي كانت دموع فرحة، وبصت لي وقالت: “العربية دي يا صافي، مكنتش لمصطفى، العربية دي ربنا سخرها عشان تلمنا كلنا على قلب راجل واحد، وتعرفني إن ربنا رزق ابني بزوجة صالحة بـ مية راجل”.
بصيت لأحمد في المراية، لقيت عينه في عيني، والنظرة المكسورة اللي كانت دايماً بتعذبني اختفت تماماً، واتبدلت بنظرة حب وأمان عمري ما شفتها قبل كده. وعرفت وقتها إن الحقوق مابتضيعش، وإن القلوب لما بتصفى، ربنا بيصلح كل حاجة في ثانية واحدة.
تمت بحمد الله.
#حكايات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات ونعرف إيه اللي ظهر في تحليل صافي! 💔😱😭
يتبع في التعليقات ❤🌹