الم الولادة صافى هانى الثانى والاخير

وقف طارق على ركبه وهو بيبص لبقع الدم والمية اللي على الأرض، ونظراته بتتحرك برعب بيني وبين رجالة عيلتي اللي محاوطين المكان. شفايفه كانت بترتعش، وحاول ينطق بأي كلمة يبرر بيها اللي عمله، بس صوته مطلعش.. كان مبهور ومخضوض من منظر الست اللي سابها من كام ساعة زاحفة على بطنها وبتستنجد بيه، ودلوقتي قاعدة قدامه زي القاضي اللي مستني ينفذ الحكم.

​حماتي شادية رجعت خطوتين لورا، ملامح القرف والتعالي اللي كانت على وشها اختفت تماماً واتبدلت بخوف حقيقي، خصوصاً لما شافت أحمد أخويا وهو بيقرب من طارق وبيقفل باب الشقة وراه بالترباس.. صوت الرزعة المرة دي خلى جسم طارق كله يتنفض.

​أحمد رمى التقرير الطبي في وش طارق، وقال بصوت هز حيطان الشقة: “اقرأ يا سي طارق.. اقرأ الجناية اللي عملتها في أختي وولادك.. الدكاترة كاتبين إنها كانت بتموت هي والعيال بسبب دلع أمك وأختك! إحنا لو بلغنا عنك دلوقتي هتروح ورا الشمس بتهمة الشروع في قتل.”

​حمايا حاول يتدخل ويصلح الموقف، وقال وهو بيبلع ريقه وصوته بيترعش: “يا جماعة استهدوا بالله.. إحنا مكناش نعرف إن الموضوع بجد.. إحنا فكرناها مبالغة، وحصل خير الحمد لله إنها قايمة بالسلامة.”

​في اللحظة دي، قمت وقفت من على الكرسي. خطوت خطوة واحدة لقدام، وبصيت لطارق في عينه بكل برود وغل، وقولتله: “العيال اتولدوا وبقوا في الحضانة يا طارق.. ولدتهم وأنت بتنقي شنطة لأمك.. ولدتهم وأنا حاطة إيدي على الرخامة وبموت لوحدي.. ومن اللحظة دي، أنت مبقاش ليك وجود في حياتي ولا حياة ولادك.”

​طلعت من جيب عبايتي ورقة تانية، كانت ورقة قض..ية خلع وتنازل عن كل شيء مقابل حريتي وحضانة ولادي، ورميتها فوق أكياس الشوبنج اللي واقعة على الأرض. وقولتله بصوت حاسم مفيش فيه رجعة: “توقع على الورقة دي وتطلق بالمعروف دلوقتي قدام أعمامي وأخويا، يا إما التقرير ده والبلُاغ اللي جاهز في القسم هيكونوا سبب في إنك تقضي أحلى أيام شبابك ورا القضبان.. والشنط والمول مش هينفعوك وقتها.”

​بص طارق لأبوه وأمه يستنجد بيهم، بس لقاهم واقفين ميتين من الرعب ومش قادرين يرفعوا عينهم في عين أعمامي. فهم إن كل حاجة انتهت، وإن الست المطيعة اللي كانت بتتحمل الإهانة عشان بيتها، ماتت على بلاط الصالة وهي بتتوجع.. وسابت مكانها أم مستعدة تهد الدنيا عشان تاخد حقها وحق ولادها. مسك القلم بإيد بترتعش، ووقع على ورقة الطلاق وهو مكسور، تحت نظرات التشفي والانتصار اللي كانت في عيوني.

شال طارق عينه من على الورقة بعد ما مضى، والدموع مالية وشه، وبصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مبحوح: “أنا أسف يا… أنا مكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده، أنا اتعميت.”

​بصيت له بكل قسوة وقولتله: “أنت ماتعميتش يا طارق، أنت اخترت.. والندم دلوقتي ملوش أي تمن.”

​أخويا أحمد سحب من قدامه ورقة التنازل والطلاق، وبص لأعمامي وهز رأسه بمعنى إن كل حاجة خلصت زي ما خططنا. في اللحظة دي، حماتي شادية حاولت تفتح بوقها وتتكلم، وقالت بصوت هربان منه كل الكبرياء: “يا بنتي فكري في العيال، هتربيهم من غير أب؟ والناس هتقول إيه؟”

​ضحكت ضحكة مكتومة وصوتها طالع من وسط الوجع اللي عشته، وبصيت لها وقولت: “الناس هتقول إن أمهم بطلة، إنها ولدتهم في وسط صالة غرقانة بدمها، وحمتهم من أب كان ممكن يبيعهم في أي لحظة عشان يشتري شنطة وتخفيضات مول. عيالي ملهمش غيري، ومن اليوم ده اسم طارق وعيلته هيتمحي من حياتنا.”

​التفت لأخويا وأعمامي وقولت لهم: “يلا بينا من هنا، المكان ده ريحته بقت تخنقني.”

​شيلنا الدوسيه الأزرق وشنطة الولادة اللي كانت لسه متدبسة فيها ورقة الطلبات جنب الباب، ومشينا. وإحنا خارجين، بصيت خطفة أخيرة ورايا.. شوفت طارق لسه قاعد على ركبه في نص الصالة، وحواليه أكياس الشوبنج المرمية في وسط بقع المية والدم، وأمه وأبوه واقفين جنبه زي التماثيل مش عارفين يعملوا إيه.

​نزلنا من العمارة وأنا حاسة بوزن جبل انشال من على صدري. ركبنا العربية وروحنا على المستشفى فوراً عشان أكون جنب ولادي التوأم اللي في الحضانة. أول ما دخلت وشوفتهم من ورا الإزاز، صغيرين وبيتنفسوا، حطيت إيدي على بطني اللي بدأت تهدى من الوجع، ودموعي نزلت لأول مرة من ساعتها.. بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا ضعف، دي كانت دموع بداية جديدة، بداية قوية خالية من أي حد ممكن يبيعنا في لحظة.

مرت الأيام، وخرجت أنا وتوأمي “يوسف وياسين” من المستشفى، بس مارجعتش مكسورة ولا ندمانة؛ رجعت شقتي القديمة عند بيت أهلي، وفتحت صفحة جديدة تماماً في حياتي. ركزت كل ذرة في طاقتي عشان أقف على رجلي وأكبر مشروعي في الشغل الرقمي وإدارة الصفحات، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان مأحوجش ولادي لأي مخلوق، والحمد لله ربنا فتحها عليا وبقى اسمي معروف، وكل ده وأنا حاطة قدام عيني مشهد بلاط الصالة عشان يفضل يديني قوة كل ما أضعف.

​طارق وأهله حاولوا بكل الطرق يوصلوا لي.. رسايل اعتذار، وتوسلات من أعمامه، ومحاولات عشان يشوفوا العيال، بس قلبي كان زي الحجر. شادية اللي كانت بتتباها بغوايشها وشنطها، جالي خبر إنها بقت تلف على معارفنا وتعيط وتقول إن بيتها اتخرب وابنها اتدمر ماليًا ونفسيًا بعد ما سيبته، وإن طارق مبقاش طايق يبص في وشها ولا في وش أخته بعد ما فهم إنهم كانوا السبب في ضياع بيته وولاده.

​وفي يوم، كنت نازلة من المركز التجاري الكبير اللي في وسط البلد بعد ما خلصت اجتماع شغل ناجح، وأنا شايلة يوسف وياسين في عربة الأطفال وبضحك معاهم، وفجأة لمحت طارق واقف بعيد. كان واقف لوحده، باين عليه الهم والتعب، ووشه دبلان وكأنه كبر عشر سنين. أول ما عينه جت عليا، ملامحه نورت واتحرك خطوتين ناحيتي ودموعه في عينه، كأنه كان هيجري عليا ويترجاني.

​وقفت في مكاني، رفعت راسي بكل ثقة، وبصيت له نظرة باردة وناشفة خلت رجليه تتسمر في الأرض وميقدرش يقرب خطوة زيادة. عديت من جنبه وكأني بعدي من جنب شجرة أو حيطة، ومبقتش شايفة ورايا غير طريقي ومستقبل ولادي. عرفت وقتها إن ربنا جاب لي حقي تالت ومتلت، وإنه سابه عايش في ندم بياكل في قلبه كل يوم، بينما أنا كملت حياتي وعيشتها بكرامة وشرف.. أنا وولادي، وبس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *