حماتي السابقه منال على الثالث والاخير
الجزء الثالث و الاخير
خدت التليفون من كريم…
وسمعت صوت حماتي لأول مرة من غير ثقة، ولا أوامر، ولا حتى نبرة إنها شايفة نفسها صح.
كان صوتها مكسور.
قالت بهدوء:
— سارة… ممكن تسمعيني للآخر؟
ارتشفت رشفة من القهوة اللي كانت قدامي، وبصيت للبحر.
قلت:
— اتفضلي يا طنط.
سكتت ثواني…
وبعدين قالت:
— أنا… كنت فاكرة إنك بتبالغي.
ماردّتش.
كملت وهي بتتنهد:
— كنت بقول بيني وبين نفسي… يعني إيه أم تقول إنها تعبانة؟ دي بنت واحدة بس!
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأني كنت فاكرة الجملة دي كويس…
قالتهالي يمكن مية مرة.
قالت وهي صوتها بدأ يترعش:
— بس دلوقتي… عرفت.
لسه ساكتة.
قالت:
— والله يا بنتي… أنا بقالي أربع أيام حاسة إنهم أربع سنين.
قلت بهدوء:
— ربنا يقويكي.
قالت بسرعة:
— لا… إنتي اللي ربنا كان مقويكي.
الكلمة دي…
عمري ما تخيلت أسمعها منها.
لكنها كملت.
— ليلى جميلة… وملاك… بس طاقتها مرعبة.
ضحكت.
قلت:
— دي لسه هادية على فكرة.
صرخت من الناحية التانية:
— هادية؟!
وفي نفس اللحظة…
سمعت صوت ليلى.
— يا تيتة… تعالي بسرعة!
قالت وهي بترد عليها:
— نعم يا قلب تيتة؟
صرخت ليلى:
— البطة البلاستيك وقعت في الغسالة… ومش عارفة تسبح!
غمضت عيني وأنا بضحك.
حماتي رجعت وقالت:
— هقفل… شكلها عملت مصيبة جديدة.
وقفلت.
…
قضيت باقي إجازتي من غير أي إحساس بالذنب.
أول مرة أقرأ كتاب كامل.
أول مرة أشرب قهوتي وهي سخنة.
أول مرة أنام من غير ما أصحى على صوت:
“ماماااا…”
وكان كل يوم…
حماتي أو كريم يتصلوا.
مرة ليقولوا إن ليلى خبّت مفاتيح العربية في التلاجة.
ومرة إنها قررت تعمل “حفلة عيد ميلاد” للقطط اللي في الشارع.
ومرة إنها غسلت الريموت بالمية والصابون علشان “يبقى نضيف”.
وفي كل مرة…
كنت أسمع…
وأضحك…
وأقول نفس الجملة:
— معلش… الأطفال كده.
…
بعد أسبوع…
رجعت القاهرة.
أول ما وصلت العمارة…
لقيت كريم مستنيني تحت.
أول ما شافني…
ابتسم ابتسامة باهتة.
وقال:
— الحمد لله إنك جيتي.
قلت وأنا بنزل من العربية:
— خير؟
قال وهو بيحك رقبته:
— هتعرفي.
طلعنا.
وقف قدام باب شقة أمه.
خبط.
الباب اتفتح.
وأول ما حماتي شافتني…
عملت حاجة عمري ما توقعتها.
حضنتني.
حضنتني بقوة.
وقالت وهي دموعها في عينيها:
— حقك عليا يا بنتي.
بصيتلها باستغراب.
— في إيه يا طنط؟
قالت:
— ظلمتك.
دخلت الشقة…
وبصيت حواليّا.
الصالون متبهدل.
المخدات على الأرض.
علب ألوان مفتوحة.
لعب في كل مكان.
وجدها…
قاعد على الكنبة، لابس كاب على راسه.
قلت باستغراب:
— مال الكاب؟
حماتي بصتله وقالت:
— وريها.
شاله…
لقيت نص شعره مقصوص!
فضلت أبصله ثواني…
وبعدين انفجرت ضحك.
قال وهو بيضحك هو كمان:
— صحيت من النوم لقيتها بتقولي: “متتحركش… هعملك نيو لوك.”
ليلى جريت عليا وحضنتني.
وقالت بمنتهى البراءة:
— ماما… جدو بقى شبه لاعب كورة.
ضحكنا كلنا.
…
بعدها قعدنا نشرب شاي.
ولأول مرة…
حماتي كانت هي اللي بتحكي.
قالت:
— كنت فاكرة إن الأمومة أكل وشرب ونضافة.
لكن اكتشفت إنها صبر.
وسهر.
وخوف.
ومسؤولية.
وأضافت وهي باصة لليلى:
— واكتشفت إن الأم مبتقفلش مخها حتى وهي نايمة.
بصتلها…
وماقولتش حاجة.
لأنها أخيرًا…
فهمت من غير ما أشرح.
…
بعدها بأيام…
كنا في فرح بنت واحدة من قرايب كريم.
كالعادة…
الستات قاعدين يتكلموا.
واحدة قالت:
— أمهات اليومين دول دلعوا نفسهم أوي.
واحدة تانية قالت:
— إحنا ربينا خمس عيال وماكناش بنشتكي.
كنت قاعدة ساكتة.
قبل ما أرد…
اتفاجئت بحماتي هي اللي بتتكلم.
قالت بحزم:
— لأ.
الكل بص لها.
قالت:
— متحكموش على حد.
الست سألتها:
— ليه؟
قالت:
— لأنكم مش عارفين كل أم شايلة إيه.
وسكتت ثانية…
وبعدين ضحكت وقالت:
— واللي شايف تربية الأطفال سهلة… أجرب أسيبله حفيدتي يومين بس… وهيغير رأيه.
كل اللي قاعدين ضحكوا.
وأنا…
بصيتلها.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن بينا احترام حقيقي.
مش لأنها بقت بتحبني أكتر…
لكن لأنها أخيرًا عاشت اللي كنت بعيشه كل يوم.
ومن ساعتها…
بقت كل ما حد يقول:
“سارة مدلعة بنتها.”
ترد بسرعة:
“لا… سارة أم شاطرة، وربنا يعين أي أم على المسؤولية اللي شايلاها.”
أما كريم…
فبقى ييجي كل أسبوع ياخد ليلى يوم كامل.
مش علشان يريحني بس…
لكن علشان فهم إن التربية مش دور الأم لوحدها.
وفي مرة، وهو راجع بيها، ضحك وقال لي:
— أنا مش عارف كنت مستحمل إزاي أسيب كل الحمل عليكي.
ابتسمت وقلت:
— المهم إنك عرفت.
وفي الليلة دي…
وأنا ببص على ليلى وهي نايمة، افتكرت كل كلمة جارحة سمعتها زمان.
لكن الغريب…
إني ماكنتش زعلانة.
لأن الزمن عمل اللي الكلام عمره ما كان هيعرف يعمله.
في ناس، مهما شرحتلهم، مش هيفهموا… إلا لما يعيشوا نفس التجربة بنفسهم.
تمت.