اختبار الخادمه صافى هانى الاول


تظاهر الملياردير بالنوم ليختبر خادمته الجديدة… لكن ما فعلته تركه عاجزًا عن الكلام تمامًا.

​لما أبلغوا عاصم بيه الشناوي إن في حداشر شغالة استقالوا في تمن شهور بس، ما فكرش حتى يلتفت وراه.

​كان واقف قدام الشبابيك الكبيرة اللي واخدة الحيطة كلها من الأرض للسقف في الدور الأخير من برج الشناوي، بيبص على شوارع القاهرة والزحمة والتدخين والضباب بتاع الصبح وهو مغطي الأفق.

​فنجان القهوة السادة كان محطوط على مكتبه من غير ما يلمسه.. برد من تلت ساعة.. زي أي حاجة تانية في حياته.

​على مدار التلات سنين اللي فاتوا، عاصم كان عايش مجرد اسم وخلاص. مجلات البيزنس والاقتصاد كانت بتسميه “غول المعمار والحديد”، شركاؤه بيهابوه ويحترموه، ومنافسينه بيعملوا له ألف حساب.. بس ما حدش فيهم سأل نفسه ياترى إيه اللي حصل للراجل ده بعد ما فقد مراته وحبيبة عمره.. وبنته الصغيرة اللي كانت لسه بتتعلم تنطق اسمه؟

​المساعد بتاعه قال بهدوء وهو واقف عند الباب: “يا فندم، مكتب التشغيل طالب يعرف لو تحب تشوف السي في بتاع البنت الجديدة قبل ما يإكدوا معاها؟”

​عاصم ما التفتش خالص، وقال بنبرة جافة واضحة: “دخلها.. كلهم بيمشوا في الآخر.”

الباب اتمسح ورا المساعد بهدوء، وبره كانت شوارع وسط البلد بتصحى حبة حبة تحت المطر الخفيف وأعمدة النور الصفراء، وجوه كان الملياردير لسه واقف مكانه زي الصنم، كأنه مسجون جوه نفس الذكرى سنة ورا سنة.

​في الناحية التانية من المدينة، في شقة صغيرة على قد الحال في حي شعبي، كانت مريم بتطبق عباية كحلي بسيطة وبتحطها بحرص على ضهر الكرسي. الشقة كانت ريحتها خليط من القهوة المحوجة وريحة الأدوية.

​مريم قالت بصوت حنين: “يا ستي، أنا عندي انترفيو بكرة.”

​جدتها، الحاجة كريمة، فتحت عين واحدة وهي ساندة على الكنبة.. إيديها كانت ورمة من الروماتيزم، وقلبها كان تعبان، بس وعيها وعقلها كانوا لسه صاحيين وأقوى من أي وقت.

​سألتها: “شغلانة إيه يا بنتي؟”

ـ “شغل بيت.. في فيلا كبيرة في التجمع.”

​الحاجة كريمة بصت لحفيدتها ودرست ملامحها للحظة، وقالت لها: “لمي شعرك لورا يا مريم، وما تبتسميش كتير في الأول.. الأغنياء دول ما بيطمنوش للبني آدم اللي بيفرد وشّه ويضحك بسرعة.”

​مريم ضحكت خفيف وقالت: “حاضر يا ستي، تسلميلي.”

ـ “ولا تمضي على ورقة قبل ما تقريها كويس.. هيقبضوكي كام؟”

​لما مريم قالت لها على المرتب، الحاجة كريمة سكتت من المفاجأة، وبعد كام ثانية قالت كلمة واحدة: “يبقى توكلي على الله يا بنتي.. واصبري واثبتي.”

​بالليل، مريم طفت نور الصالة وقعدت تسمع الصوت المنتظم المنتشر في الشقة بتاع جهاز الأكسجين اللي عايشة عليه جدتها. بقالها سنتين الصوت ده هو اللي مونسها كل ليلة. مريم سابت كلية التمريض وهي في سنة تالتة، مش عشان كرهت الشغلانة، لأ، بس عشان ما كانش فيه حد تاني ياخد باله من الحاجة كريمة ويداريها. العلاج كان غالي ومصاريفه تقطم الضهر، والإيجار متأخر بقاله كام شهر، والشغلانة دي كانت هي طوق النجاة اللي ممكن يغير كل حاجة.

​تاني يوم الصبح، مديرة المنزل، الست ناهد، فتحت باب الفيلا الكبيرة قبل ما مريم تلحق تمد إيدها وترن الجرس. كانت ست ممشوقة القوام، حاسمة، ولابسة لبس فورمال، من نوع الستات اللي يوزنوا الشخص اللي قدامهم بنظرة واحدة في ثواني.

#حكايات_صافي_هاني

​قرأت الاسم من دفتر في إيدها: “مريم عبد الرحمن.. من مواليد طنطا وعايشة هنا في القاهرة من ست سنين.. تمام، اتفضلي ادخلي.”

​اللفة في الفيلا كانت سريعة ومحددة جداً؛ كل ركن ليه أصول ونظام. المطبخ ليه قواعد، أوض الضيوف ليها نظام، والمغسلة ليها ترتيب. بس كان فيه أمرين اتعادو عليها بصرامة شديدة أكتر من أي حاجة تانية:

أولاً: مكتب عاصم بيه الشناوي ممنوع عتبه تماماً، وما فيش ورقة أو قلم على مكتبه يتلمسوا.

ثانياً: الأوضة اللي في آخر الطرقة في الدور التاني تفضل مقفولة طول الوقت ولأي سبب.

​مريم بصت ناحية الطرقة وسألت بتلقائية: “ليه؟”

​الست ناهد وقفت مكانها، وعينيها ضاقت وقالت بنبرة حاسمة: “لأن عاصم بيه أمر بكده.” وبعدين وطت صوتها وقالت: “والباب ده ما اتفتحش من تلات سنين.”

​قشعريرة خفيفة مشيت في جسم مريم.. ما كانش عندها أي فكرة إن ورا الباب المقفول ده كان السر والسبب اللي خلى كل الشغالات اللي قبلوها يطفشوا ويمشوا في الآخر.

​ولما عاصم الشناوي بعد كده عمل نفسه نايم عشان يختبرها ويشوفها ياترى هتمد إيدها على حاجة، ولا هتتجسس وتلعب في الحسابات، ولا هتخاف وتجري زي غيرها.. مريم عملت حاجة ما حدش جرؤ يعملها جوه البيت ده من تلات سنين كاملين.. حاجة غير متوقعة بالمرة، خلت أكبر غول في السوق يفتح عينيه وهو مش مصدق.. وينسى حتى إزاي يتنفس!

 

يتبع في التعليقات 🌹❤♥♥♥❤❤

#حكايات_صافي_هاني

 

عاصم بيه كان راقد على الشيزلونج الطويل اللي في جنب المكتب، مغمض عينيه ومقفل ملامح وشه تماماً كأنه في سابع نومة، بس كل حواسه كانت صاحية ومركبة أعلى أجهزة استشعار. كان متعود إن الشغالات الجداد أول ما يلاقوه غرقان في النوم، تبتدي عينيهم تزوغ.. اللي تمد إيدها على درج المكتب تدور على فلوس، واللي تقرب من الأوراق والصفقات تسربها للمنافسين، واللي تترعب وتجري من هيبة المكان.

​مريم دخلت الأوضة بخطوات هادية جداً، شايلة في إيدها صينية صغيرة عليها فنجان قهوة ريحته تجنن. وقفت ثواني تبص عليه، وعاصم مستني اللحظة اللي هتبدأ فيها تتفتش أو تغلط.. لكن الصدمة إن مريم ما قربتش من المكتب ولا لمست ورقة واحدة.

​مريم لفت عينيها في الأوضة، ولمحت فنجان القهوة القديم البارد اللي بقاله ساعات مكانه. قربت براحة حطت الفنجان الجديد السخن، وشالت البارد.. وفي اللحظة دي، عينيها جت على برواز صغير مقلوب على ضهره فوق مكتبه. مريم اترددت ثانية، ومدت إيدها بحرص شديد وعدلت البرواز.

​كانت صورة لست جميلة ملامحها هادية، وحاضنة طفلة صغيرة بريئة بتضحك من قلبها.. مريم اتنهدت بوجع وحزن حقيقي ظهر على وشها، وكأنها شافت حكايتها هي شخصياً. ومن غير ما تفكر، وبحس التمريض الإنساني اللي جواها، لفت وشها ناحية عاصم الشناوي وهو عامل نفسه نايم.

​قربت منه بخطوات بطيئة، ووطت عليه براحة عشان ما تقلقوش.. وبحنان أموي دافي مش موجود في بيوت الأغنياء، سحبت الكوفية الصوف العريضة اللي كانت محطوطة على طرف الشيزلونج، وفردتها عليه بالراحة وغطته بيها لحد كتافه عشان تحميه من التكييف التلج اللي كان شغال في الأوضة.

​وفي اللحظة اللي كانت بتسحب فيها إيدها، عاصم بيه فتح عينيه فجأة!

​النظرة في عينيه كانت حادة ومزلزلة، نظرة خلت مريم تتجمد في مكانها ونفسها يتكتم من المفاجأة والخوف.. عاصم قعد نص قعدة، وعينيه لسه مثبتة في عينيها وبيرتعش من جواها.. تلات سنين كاملين ما حدش في البيت ده تجرأ يغطيه، ولا حد عدل صورة مراته وبنته، ولا حد بص له بنظرة العطف دي.. الكل كان بيشوف فيه “غول المعمار” اللي بيكنز الفلوس، وهي الوحيدة اللي شافت فيه “الراجل المكسور”.

​مريم رجعت خطوة لورا ورجليها بتخبط في بعضها، وقالت بصوت مرعوب وبيترعش: “أنا.. أنا آسفة يا فندم.. أنا بس كنت…”

​عاصم ما سابهاش تكمل كلامها.. وقف على طول طوله، وبعينين مليانة غضب ووجع وذهول في نفس الوقت، مسكها من دراعها بقوة وقال لها بنبرة صوت هزت حيطان الأوضة كلها: “أنتي مين؟ ومين اللي قالك تعدلي البرواز ده وتلمسي الحاجة دي بالذات؟! أنتي مش جاية تشتغلي.. أنتي وراكي سر!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *