ابن عمى الثاني والاخير أمانى السيد
بعد فتره الباب خبط . دخل بابا وعمي “أبو سمير”، ووراهم راجل ببدلة وشنطة سودا.. المأذون.
سمير وقف مكانه، وشه اتقلب ألوان وجسمه اتشد وهو شايف أبوه داخل وعينيه بتطق شرار. بابا جرى عليا، خدني في حضنه، وكان بيترعش من كتر الغضب. بص في عيني وقال بنبرة هادية بس محملة بوجع أب:
> “متعيطيش يا فاتن.. راسك تفضل مرفوعة. إنتي بنت الغالي، ومفيش كلب في الدنيا يكسر عينك ولا ياخدك جارية لست الحسن بتاعته.”
التفت عمي لسمير، وبص له بنظرة خلت سمير ينزل عينه الأرض في ثانية. عمي مكنش مجرد أب، ده كان كبير العيلة وصاحب الشغل وكل حاجة. قرب من سمير وبص للشنط الجاهزة للسفر وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
> “بقى دي الأصول اللي علمتهالك؟ تاخد بنت عمك، لحمك وعرضك، عشان تعملها ستار لوساختك؟ وعايز تسفرها بره عشان تبقى غريبة وتذلها هي واللي مسميها مراتها؟”
>
سمير حاول يتكلم، صوته كان بيقطع ويترعش:
> “يا بابا افهمني.. أنا مكنتش عايز أظلمها معايا، أنا كنت صريح معاها من أول ليلة عشان…”
>
قاطعه قلم نزل على وشه من عمي، قلم صوته سمع في الشقة كلها. سمير حط إيده على خده وهو مذهول، وعمي شاور للمأذون بغضب:
> “اقعد يا مولانا.. واكتب كتاب طلاقهم حالاُ. البنت دي مش هتقعد في عصمة بني آدم مش مقدر قيمتها دقيقة واحدة تانية.”
المأذون قعد على الترابيزة وطلع دفاتره وسط سكوت رهيب، مكنش مسموع فيه غير صوت حبر القلم وهو بيتحرك على الورق. سمير كان واقف يتفرج على حلمه وهو بيتهد، وفي لحظة غباء، بص لأبوه وقال بنبرة محروقة:
> “ماشي يا بابا.. طلقنا. أنا كدة كدة مسافر بكره، وهناك هبدأ حياتي الجديدة مع الست اللي اختارها قلبي، ومش عايز من هنا حاجة!”
>
عمي ضحك ضحكة سخرية مرعبة، وقرب منه خطوتين، وبص له بعينين قاسية كالحجر:
> “مسافر؟ سفر إيه يا روح أمك؟ الشغل اللي بره ده والفرع الجديد باسمي أنا، وبفلوسي أنا. من اللحظة دي.. مفيش سفر. الباسبور بتاعك ده هيتفرم تحت رجلي.”
>
سمير برّق عينيه بصدمة:
> “يعني إيه يا بابا؟ إنت هتقف في طريق سعادتي وتدمر مستقبلي؟”
>
رد عمي بكل برود وهو بيعدل جلبابه:
> “أنا موافق إنك تتجوزها.. مش إنت عايزها وبتموت فيها؟ اتجوزها يا سيدي. بس هنا، في مصر، في أوضتين وصالة على قدك. مفيش سفر، مفيش إدارة فروع، ومفيش عربية من شركة العيلة. إنت من بكرة هتنزل الفرع القديم موظف صغير زي أي موظف، واللي ليك عندي مرتبك تاخده في إيدك أول كل شهر.. وتصرف منه على ست الحُسن بتاعتك وريني هتعيشها في الهنا إزاي.”
كلمات عمي نزلت على سمير زي الصاعقة، وشه جاب مية لون، وبدأ يستوعب إنه بغبائه وأنانيته خسر كل حاجة: خسر العز، والشغل، والمستقبل، ولقى نفسه هيتحبس في خانة “موظف بالمرتب” بعد ما كان عايش دور السير والمتحكم.
المأذون رفع راسه وبصلي وبص لسمير وقال: *”امضي هنا يا بنتي.. وامض هنا يا استاذ.”*
قربت بخطوات ثابتة، مسكت القلم وإيدي متهزتش، ومضيت على ورقة طلاقي وأنا حاسة إن روحي بترجعلي. رميت القلم وبصيت لسمير اللي كان بيمضي وهو شبه مغمي عليه من الصدمة، وقلت له وأنا ببتسم بكسرة ممزوجة بالنصر:
> “الجواز مبقاش ليا.. والحب اللي بره الباب، ادخل اقفل على نفسك بيه دلوقتي.. ووريني هيأكلك عيش إزاي يا ابن عمي.
خرج سمير من الشقة وهو مش شايف قدامه، الدنيا بتلف بيه، والضربة اللي خدها من أبوه وعمه كانت فوق احتماله. خسر كل حاجة في ثواني؛ خسر فرع الشركة بره، وخسر العربية، والمكانة، ولقى نفسه فجأة مجرد موظف
غلبان بمرتب ثابت أول كل شهر.
لمحة نيوز
مبقاش فاضل قدامه غير الرهان الأخير.. الست اللي حارب العيلة عشانها وساب “فاتن” ليلة دخلتها في الأوضة لوحدها. ركب تاكسي وطار على بيتها، كان محتاج يرمي نفسه في حضنها، يسمع منها كلمتين يهدوا النار اللي جواه، ويحس إنه مخرِجش من المولد بلا حمص
وصل الشقة، خبط بلهفة، وأول ما فتحت له ودخل، رمت نفسها في حضنه وهي بتضحك وبتقول بدلع:
> “ها يا حبيبي؟ طمني، كله تمام؟ الشنط جهزت؟ والست بنت عمك دي فهمت مقامها وعرفتها إنها مجرد كومبارس في حياتنا؟”
>
سمير قعد على الكنبة بتعب، رمى راسه بين إيديه، وصوته طلع مخنوق ومكسور:
> “كل حاجة باظت يا رانيا.. فاتن قلبت الترابيزة عليا، كلمت أبوها وعمي، والموضوع كبر والمأذون جه.. وأنا طلقتها.”
>
رانيا عينيها لمعت بانتصار وقالت بسرعة:
> “طب وأنت زعلان ليه يا حبيبي؟ مش ده اللي كنا عايزينه؟ ما تغور، المهم
إحنا.. يلا بينا نلحق الطيارة ونبدأ حياتنا هناك!”
>
بص لها سمير بقلة حيلة ونطق الصدمة الكبيرة:
> “مفيش سفر يا رانيا.. أبويا عرف بكل حاجة، أخد مني باسبوري، وقفل فرع الشغل اللي بره في وشي. أنا اتمسحت من حسابات العيلة.. بقيت موظف صغير في الفرع القديم، ومفيش في جيبي غير مرتب أول الشهر اللي هيديهولي أبويا.”
الضحكة اختفت من على وش رانيا في ثانية، وملامح الدلع اتمسحت وحل مكانها جمود وخوف ظهر في عينيها. رجعت خطوتين لورا وبصت له من فوق لتحت، وكأنها بتكتشف شخص غريب مش ده الراجل الغني صاحب السلطة والعز اللي كانت بتخطط تعيش معاه في طيارة وبلد جديدة.
سمير لاحظ التغيير، قرب منها ومسك إيدها بلهفة:
> “مالك يا رانيا؟ أنا بعت الدنيا كلها عشانك، خسرت أهلي وفلوسي وعزي عشان أكون معاكي.. إحنا هنتجوز هنا، وفي أي شقة على قدنا، وهنعيش بالمرتب لحد ما أمورنا تتصلح.”
سحبت إيدها من إيده بحدة، ونبرة صوتها اتقلبت تماماً، بقت جافة وخالية من أي عاطفة:
> “نتجوز هنا؟ وفي شقة على قدنا؟ وبالمرتب؟ إنت بتتكلم بجد يا سمير؟ إنت فاكرني هقبل أعيش العيشة دي؟”
سمير اتصدم من رد فعلها وقال وهو مش مصدق:
> “رانيا! إنتي بتقولي إيه؟ إنتي مش كنتي بتقوليلي إنك بتحبيني أنا ومش فارق معاكي حد؟”
>
بصت له بنظرة فيها خوف ممزوج بالشك والذكاء الثعلبي، وقالت له بكل صراحة وقسوة:
> “كنت بحبك وأنت سمير ابن الأكابر اللي هيفسحني في بلاد بره ويعيشني في عز.. مش سمير الموظف اللي هينام ويصحى يفكر في تمن الإيجار ومصاريف البيت! وبعدين.. تعالى هنا.”
>
قربت منه وشاورت بإيدها في وشه بتحدي:
> “إنت فاكرني هبلة؟ إنت واحد بايع أهلك ولحمك وعرضك في ليلة دخلتها عشان أنانيتك.. أضمن منين إني بعد ما أتجوزك، وتاخد غرضك مني وتزهق من عيشة الفقر، ما تروحش تبيعي أنا كمان؟”
>
سمير برّق عينيه: “أنا أبيعك إنتي يا رانيا؟”
كملت بقسوة وهي بتفتح له باب الشقة:
> “آه تبيعني! بكره لما تضيق بيك الدنيا وتتحسر على العز والفلوس اللي راحت منك، أول حاجة هتعملها إنك هترميلي ورقتي وتجري تبوس إيد أبوك ورجل عمك عشان يرضوا عنك ويرجعوك لحضن العيلة وتتجوز فاتن تاني لو طلبوا منك! أنا مش هكون كبش فدا في حربك مع أهلك يا سمير.. اتفضل بره، ويفتح الله، الجوازة دي مش هتنفعني.”
>
وقف سمير في نص الصالة، حاسس بالدنيا وبتلف بيه للمرة التانية في نفس اليوم. البنت اللي خسر شرفه وكرامته وعيلته عشانها، هي أول واحدة تبيعه لما الحنفية اتقفلت. بص لباب الشقة المفتوح، وافتكر كلمة فاتن الأخيرة وهي بتضحك عليه.. وعرف إنه دلوقتي بقى فعلاً “الغريب” اللي ملوش مكان، لا في بيت أهله، ولا في قلب الست اللي افتكر إنها شريكة عمره.
