فى عزومه. الغدا بتاع العيد صافى هانى الثانى والاخير
…معاها ورق كتير وقالتلي بصوتها الحنين المزيف: “امضي هنا يا حبيبي عشان نخلص إجراءات خروجك من المستشفى ومصاريف العمليات، أصل أخوك مصطفى مش عارف يتصرف من غير إمضاك.”
أنا مضيت… مضيت وأنا مغمض عيني من كتر الوجع والتعب، مضيت على شقا عمري وأنا فاكر إن عيلتي هي السند اللي واقف يحميني في مرضي.
فجأة، لقيت شاشة التليفون اللي واقع على الأرض بتنور تاني. المرادي كان رقم أمي.
شيلت التليفون وإيدي بتترعش من الصدمة والغضب، وفتحت الخط.
جالي صوتها من الناحية التانية، بس مكنش فيه أي أثر للست الهادية الطيبة اللي كانت بتوزع بتسامتها على السفرة. كان صوتها حاد، بارد، ومليان شماتة وانتصار:
”فاكر نفسك ذكي يا كريم؟ فاكر لما تقطع عننا المصاريف وتلغي الكروت إننا هنموت من الجوع؟ إحنا اللي عملناك، وإحنا اللي أخدنا حقنا منك تمن السنين اللي شيلناك فيها. الفيلا دي مبقتش بتاعتك، وبكرة الصبح لو رجلك عتبت الشارع هنا، هطلبلك الأمن يرموك بره. لم هدومك وشوفلك مكان تاني تستقل فيه بجد… يا عالة.”
قفلت السكة في وشي.
صوت تكة القفل رن في ودني وكأنه طلقة رصاص. الغضب عمى عيني، والدموع اللي حبستها طول الأسبوع ده نزلت غصب عني، مش ضعف… لكن من كتر القهر. خانوني وأنا بين إيدين ربنا في أوضة العمليات.
مسحت دموعي بعنف، وأخدت نفس طويل قوي. الصدمة بدأت تتحول لجمرة نار وجوايا رغبة واحدة بس: مش هسيب حقّي، واللعبة اللي بدأوها بالخسة… أنا هنهيها بالقانون والبلدوزر.
نزلت من مكتبي فوراً، ركبت عربيتي وسوقتها بأقصى سرعة لبيت المحامي. مبقاش ينفع كلام في التليفون، المعركة دي محتاجة تخطيط من نار.
دخلت مكتب المحامي ودمي بيغلي، قعدت قدامه وقولتله بلهجة حاسمة: “التوكيل ده اتعمل وأنا تحت تأثير البنج والمخدر في المستشفى، يعني فاقد الأهلية والإرادة. أنا ههد المعبد ده على دماغهم كلهم يا متر، قول لي هنبدأ منين؟”
المحامي بصلي بنظرة كلها تحدي وابتسم ابتسامة خبيثة وقال: “كنت مستنيك تقول كده… طالما دخلت في سكة غسيل الوش، يبقى نلعبها صح. إحنا مش بس هنطعن على التوكيل بالتزوير والتدليس ونبطل البيع… إحنا هنعمل حاجة تانية تخليهم هما اللي ييجوا يبوسوا إيدك.”
سألته وعيني لمعت: “حاجة إيه؟”
المحامي سند ضهره لورا وقال: “أخوك مصطفى مسجل الفيلا باسمه بالتوكيل ده من ست شهور صح؟ تفتكر جاب تمن الفيلا ملايين الجنيهات دي منين وهو عاطل ومحيلتوش الأبيض والأسود؟ أنا هرفع قض..ية كسب غير مشروع وبلاغ للنيابة العامة بتهمة غسيل الأموال والتهرب الضريبي ضد مصطفى… والفيلا نفسها هتبقى الحرز الأول في القض..ية!”
ضحكت لأول مرة من قلبي، ضحكة طالعة من وسط الوجع: “يعني الفيلا هتتحفظ عليها، ومصطفى هيدخل في سين وجيم ملوش آخر؟”
المحامي هز دماغه وقال: “بالظبط، والتوكيل اللي أمك فاكرة إنه طوق النجاة، هيبقى الحبل اللي هيتلف حوالين رقبة ابنها المدلل. بكرة الصبح البلاغ هيكون على مكتب النائب العام.”
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسس إن الروح ردت فيا تاني. هما افتكروا إن السكوت بتاعي في العزومة كان ضعف، وافتكروا إن طيبتي سذاجة.
بعد يومين بالظبط، السحر انقلب على الساحر.
كنت قاعد في كافيه بشرب قهوتي في هدوء، لما لقيت تليفوني بيرن… المرادي كان أبويا، اللي مكنش بيتكلم طول عمره ومكتفي بدور المتفرج.
رديت: “خير يا حاج؟”
صوت أبويا كان مخنوق، وبيرتعش، ومفيش فيه أي أثر للوقار المزيف: “الحقنا يا كريم… الشرطة جت البيت وخدت مصطفى من وسطنا، وبيقولوا عليه قض..ية أموال عامة والبيت عليه حظر بيع وتصرف! أمك هتموت من الرعب ومغمى عليها… ابوس إيدك اتصرف وشوف واسطة تخرج أخوك، إحنا ملناش غيرك!”
أخدت بق من القهوة، وقولت ببرود قاتل:
“معلش يا حاج، أصل أنا لسه مكملتش تعليمي ومكبرتش كفاية عشان أحل مشاكل عائلية معقدة زي دي… مش أنا العالة اللي لازم يستقل؟ سيبوا مصطفى بقا يستقل في الحجز، وأمي تفرجوا على شطارتها. سلام يا حاج.”
قفلت التليفون، وحطيته على الترابيزة بظهر الشاشة. وبصيت للسما وأنا حاسس لأول مرة إن العدالة مبتاخدش وقت طويل عشان ترجع لأصحابها. هما اللي اختاروا البداية… بس أنا اللي كتبت النهاية.
مرت تلات أيام ومصطفى لسه محبوس على ذمة التحقيقات.
البيت اللي كان دايماً مليان بنبرة الاستعلاء والضحكات المكتومة، اتقلب لمأتم. أمي مبقتش تخرج من أوضتها، وأبويا ضهره انحنى بجد ومبقاش يملك الوجاهة اللي كان بيفرد بيها الفوطة على رجله في العزومات. كريم الصغير اللي كان بيرمي إيفيهات عن تخن الشتا، بقا بيلف على الأقسام والمحامين ومش فاهم أي حاجة في أي حاجة.
في اليوم الرابع، كنت قاعد في مكتب المحامي بتاعي بنتابع سير القض..ية، لما السكرتيرة دخلت وقالت: “يا فندم، في واحدة بره مصممة تدخل تقابل أستاذ كريم، وبقالها ساعتين قاعدة بتعيط.”
المحامي بصلي، وأنا هزيت دماغي بالموافقة: “دخليها يا بنتي.”
الباب اتفتح… ودخلت أمي.
مكانتش هي. الست الشيك اللي ريحة برفيومها بتسبقها، كانت واقفة بعباية سوداء بسيطة، وشها شاحب، وعينيها منفوخة من كتر البكا. أول ما شافتني، مشيت ناحيتي بخطوات مهزوزة، ولأول مرة في حياتي أشوف أمي بتوطي راسها قدامي.
قالت بصوت مبحوح ومكسور: “كريم… يا ابني. أنا آسفة. حَقك عليا… أنا اللي طمعت، وأنا اللي وزيت أخوك. مصطفى ملوش ذنب، مصطفى كان بيسمع كلامي أنا… أبوس رجلك طلع أخوك من الحجز، هيموت جوه يا ابني.”
المشهد كان المفروض يشفي غليلي، بس الوجع اللي جوة قلبي كان أكبر من إنه يروح بدموع كدابة.
قعدت على الكرسي ببرود، وشاورتلها تقعد: “اتفضلي اقعدي يا أمي… ومتقوليش أبوس رجلك، أنا مبنساش إنك أمي برضه، بس إنتِ اللي نسيتي إني ابنك.”
قعدت وهي بتترعش ومسكت منديل في إيدها: “والله يا حبيبي غلتطت… الشيطان شاطر. قولت إنت ربنا كرمك وعندك كتير، وأخوك مش عارف يبدأ حياته… قولت نأمن مستقبله بالفيلا.”
ضحكت بسخرية: “تأمني مستقبله؟ تقوموا تستغلوا إني بين إيدين ربنا في غيبوبة وبنج، وتمضّوني على شقا عمري؟ وتيجوا في العيد، وسط اللمة، وتقولولي يا عالة؟ كنتوا مستخسرين فيا حتى لقمة باكلها من فلوسي؟”
نزلت راسها في الأرض وفضلت تعيط.
المحامي بتاعي اتدخل وسند ضهره لورا وقال بصوت حازم: “بصي يا سِت الكل… الكلام ده ملوش مكان في النيابة. البلاغ اللي اتقدم بـ ‘من أين لك هذا’ تهمته لَبست ابنك مصطفى تِلت ومتلت، والفيلا كدة كدة عليها حظر تصرف، يعني لا هيعرف يبيعها ولا يقعد فيها، والنيابة هتجيب قرار تمنها من أول قرش لآخر قرش… وطبعاً مصطفى معندوش سجل تجاري ولا مليم يدعم الملايين دي، يعني القض..ية رايحة جناية.”
أمي صرخت بهلع وبصتلي: “يعني إيه؟ يعني أخوك هيتسجن؟ ضيعت أخوك يا كريم؟”
وقفت وربعت إيدي وبصيتلها بعين ناشفة تماماً:
“لأ يا أمي، إنتِ اللي ضيعتيه لما علمتيه يعيش عالة بجد على قفا أخوه، ولما طمعتيه في حاجة مش بتاعته. أنا مش هسجن أخويا… بس الخروج ليه تمن.”
رفعت عينيها في عيني بلهفة: “تمن إيه؟ أي حاجة هعملها.. هيمضي على تنازل عن الفيلا فوراً!”
ابتسمت وقولت: “التنازل ده كدة كدة هيحصل، بس مش ده التمن بس. مصطفى هيمضي على تنازل عن الفيلا، وهيوقع على شيكات بمبلغ اتنين مليون جنيه… تمن قسط العربية اللي دفعتها له، وفواتير الساحل، والكريدت كارد بتاعك اللي كنتوا بتصرفوا منه بقالكم سنين… كل قرش صرفته عليكم هيرجعلي بالقانون، وهتطلعوا من الفيلا دي في خلال 48 ساعة، تتنقلوا في شقة إيجار على قدكم… وأخوك مصطفى يشتغل ويصرف عليكم ويورينا بقا الاستقلال اللي كنتوا بتطالبوني بيه.”
أمي بصتلي بصدمة، وكأنها مش مصدقة إن الابن الطيب الحنين بقى بالصلابة دي: “عايز ترمينا في الشارع يا كريم؟ عايز تبهدل أمك وأبوك وأخواتك في شقق إيجار؟”
قربت منها، ووطيت لمستواها، وقولت بصوت واطي وواضح:
“أنا مش هرميكم، أنا هخليكم تجربوا العيشة اللي كنتوا فاكرين إني عايشها على قفاكم… هخليكم تذوقوا طعم الحياة من غير ‘العالة’. لما مصطفى يمضي على الشيكات والتنازل، المحامي بتاعي هيقدم مستندات جديدة للنيابة تثبت إن تمن الفيلا كان ‘قرض شخصي’ مني له، وبكدة تهمة غسيل الأموال تتشال ويخرج… قدامك 24 ساعة تفكري، يا إما تسيبيه يلبس البدلة البيضا.”
أمي قامت وقفت وهي بتبصلي برعب، كأنها بتشوف بني آدم تاني لأول مرة. لفت ضهرها وخرجت تجري من المكتب عشان تلحق تنفذ الشروط.
المحامي بصلي وقال: “برافو عليك… كدة إنت رجعت حقك، وكسرت شوكتهم، وفككت اللعبة بتاعتهم.”
روحت بيتي بالليل، وقفت في البلكونة وبصيت على الشارع. الجو كان ساقع، بس دفى حقيقي كان جوايا. فجأة تليفوني نور… رسالة من البنك بتقول إن مصطفى وقع على الأوراق في النيابة، والتنازل اتمضى.
دخلت شقتي وقفت قدام المراية… وبصيت لإنعكاسي. المرة دي مكنش إنعكاس شخص هادي وبس… ده إنعكاس شخص قوي، عرف يحمي نفسه لما عيلته اتخلت عنه.
الصور واللمَّات الكدابة في العيد مبقتش تخدعني، والوجع علم ومشي، بس ساب مكانه راجل مبيكسروش القريب قبل الغريب. هما عاشوا عمرهم فاكرين إني “الحمل الزيادة”… ودلوقتي، هيدوقوا بجد يعنى إيه يشيلوا نفسهم.