من يخون مرة لا غفران له نورهان العشرى

من يخون مرة لا غفران له بقلم نورهان العشري

 

أرسلتُ أوراق الطلاق إلى زوجي بالبريد بينما كان يجلس مع المرأة التي فضّلها عليّ. وبعد ساعات معدودة، نُقلتُ على عجل إلى المستشفى وأنا أحمل في أحشائي التوأم الذين ظللنا ندعو الله لسنوات كي يرزقنا بهما. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه حجم خسارته، كانت هناك مكالمة هاتفية كفيلة بتحطيم كل ما ظن أنه لا يزال يملكه.

اسمي هند العاصي وهذه هي اللحظة التي مات فيها زواجي طوال أشهر، راقبتُ زوجي عماد وهو يتحول إلى شخص بالكاد أعرفه. بدأ الأمر بأشياء صغيرة: سهرات متأخرة في العمل، هاتف لا يفارق يده أبدًا ، رائحة عطر رجالي تخلطها رائحة عطر نسائي بالتأكيد ليست لي.

في البداية، لُمتُ ضغوط العمل. ففي النهاية، قضينا سنوات ونحن نحاول الإنجاب. وعندما أريته اختبار الحمل الإيجابي، انهمرت الدموع من عينيه.

همس وهو يضمني إلى صدره:

«أخيرًا هنبقى أم وأب.. أخيرًا حلمنا بيتحقق».

وبعد بضعة أشهر، علمنا أنهما توأم؛ ولد وبنت.

قال عماد ضاحكًا في موقف السيارات خارج العيادة: « سليم و سيلين… عيلتي المثالية اللي طول عمرنا بنتمناها».

صدقته. صدقتُ الرجل الذي بنى أسرّة الأطفال بيديه، وكان يدهن بطني التي تكبر يومًا بعد يوم بالمرطب كل ليلة. لكن ذلك الرجل اختفى تدريجيًا.

في ليلة ثلاثاء رطبة في مدينة القاهرة جلستُ بمفردي في السرير عند الساعة 11:47 مساءً. ركلني الطفلان تحت يدي؛ أيدن أولاً، وتبعتْه سافانا مباشرة.

همستُ والدموع تنهمر من عيني:

«معلش يا حبايب قلبي.. متخافوش، ماما معاكم».

قبل ساعة من ذلك، كان عماد قد أرسل رسالة نصية: ” عندي شغل كتير ومتأخر. متستنينيش ونامي.”

بلا رمز قلب. بلا دعابة. بلا كلمة “أحبك”. مجرد رسالة أخرى من زوج انسحب بالفعل من زواجنا.

اتصلتُ بصديقتي المقربة، همس. أجابت فورًا:

«هند؟ خير يا حبيبتي في إيه؟ صوتك ماله؟»

انفجر صوتي باكية:

**«تعبانة أوي يا همس.. حاسة إنه بيخونني».

وكان الصمت على الطرف الآخر كافيًا لإخباري بكل شيء.

في اليوم التالي، وصلت همس ومعها الأدلة، إيصالات الفنادق، الصور، الرسائل.

أدلة لا يمكنني أن أنساها أو أمحوها من ذاكرتي أبدًا. كان ذلك هو اليوم الذي توقفتُ فيه عن كوني زوجة عماد الصاوي رغم أنه لم يكن يعلم ذلك بعد.

بعد ثلاثة أسابيع، وقعتُ على أوراق قض..ية الطلاق، ثم اختفيت.

ما لم يكن عماد يعرفه هو أن المغلف وصل إلى مكتبه في وسط المدينة بينما كان يجلس مع لارا الجمال المرأة التي خاطر بكل شيء من أجلها. ووفقًا لما علمته لاحقًا، ألقى موظف البريد المغلف على مكتبه. مجرد صوت ارتطام بسيط، لا دراما فيه، ومع ذلك فقد غيّر حياة ثلاثتنا.

ابتسمت لارا من الجانب الآخر من المكتب وقالت تمازحه: «إيه ده؟ شكلها أوراق مهمة أوي يعني؟»

فتح عماد المغلف بلا مبالاة، ثم تجمد في مكانه.

قرأ في الصفحة الأولى:

ـ هند الصاوي ضد عماد النجار. قض..ية طلاق.**

>

التقطت لورا ورقة سقطت على الأرض، فتلاشت ابتسامتها:

” عماد… في إيه؟ إيه الورق ده؟»

انتزعها من يديها. في الأسفل كان توقيعي، وتحته رسالة:

“أنت اخترت طريقك، وأنا كمان اخترت طريقي. متفكرش تتصل بيا تاني إلا لو الموضوع يخص الولاد، أو اتكلم مع المحامي بتاعي.”

 

اتصل بي على الفور، فجاءه صوت البريد الصوتي. حاول مجددًا، والنتيجة نفسها. كانت ميزة مشاركة موقعي ملغاة، ونظام أمان المنزل مطفأً. لقد رحلت.

قالت لورا (حسبما نُقل لي):

**«يا عم سيبك منها دي بتكبر الموضوع وتدلع.. الستات الحوامل دول بيبقوا نكديين ومشاعرهم أوفر زيادة عن اللزوم».*

التفت إليها عماد ببطء، ولأول مرة، بدا وكأنه يرى بوضوح ثمن خياراته.

قال بصوت يرتجف:

«اطلعي برة».

” أنت بتقول إيه؟»

«بقولك اطلعي برة مكتبي حالا!»

«بس أنت اللي قلت إنك عايزني وعايز نبقى سوا!»

فأجاب وصوته يتهدج:

«قلت حاجات كتير أوي وغلطت.. وكل كلمة غلط قلتها هي اللي جابتني وودتني في داهية لحد هنا».

في هذه الأثناء، كنتُ أقود سيارتي وسط عاصفة مطرية غزيرة، محاوِلةً البدء من جديد. لكن كل شيء سار على نحو خاطئ. هبطت عليّ حالة طوارئ صحية مفاجئة نقلتني إلى المركز الطبي.

اندفع الأطباء حولي، وأخذت الأجهزة تصدر رنينًا متسارعًا، وتداخلت الأصوات في مسامعي.

وفي مكان آخر من المدينة، رنّ هاتف عماد.

سألت الممرضة: «حضرتك الأستاذ عماد النجار؟

**«أيوه أنا، مين معايا؟»**

**«مدام حضرتك اتنقلت عندنا المستشفى واستلمناها من ساعة».**

تغير نبرة صوته وسأل بهلع:

«مستشفى إيه؟! وحصل إيه؟ وطمنيني أرجوكي.. ولادي جرالهم حاجة؟»

كان الصمت الذي أعقب سؤالها يبدو بلا نهاية، ثم تحدثت الممرضة بنبرة هادئة:

«يا فندم.. يا ريت تيجي هنا فورًا ومن غير تأخير».

سقط الهاتف من يده. وبينما كان يركض مسرعًا نحو المصعد، استهلكته فكرة واحدة مرعبة. لأن آخر كلمات كتبتها له لم تكن “أحبك”، ولا حتى “وداعًا”.

كانت:

“أنت اخترت طريقك.. ادعي بقى ربنا وماتوقفش دعا إن الوقت ميكونش فات!

بينما كان مايكل يسابق الزمن بسيارته نحو المستشفى، مرعوبًا مما قد يجده، ظل هناك سؤال واحد بلا إجابة:

هل هو على وشك خسارة زوجته وأطفاله إلى الأبد؟

 

اندفع عماد عبر أبواب المستشفى وهو مبتل تمامًا من أثر العاصفة، قميصه يلتصق بظهره، ووجهه خالٍ من كل كذبة قالها في حياته.

عند مكتب الممرضات، كان بالكاد يستطيع الكلام:

** هند العاصي.. مراتي.. هي حامل في توأم».**

نظرت إليه الممرضة، وثمة شيء في تعابير وجهها جعل ركبتيه ترتجفان ضعفًا.

قالت له: **«أوضة 314.. بس يا فندم.. جهز نفسك».**

ركض مسرعًا.

وخارج غرفتي، كانت همس تقف مكتوفة الأيدي، وعيناها حمراوان من البكاء. وعندما رأته، تحول حزنها إلى غضب عارم.

همست قائلة:

**«مفتكرتش إنك جوزها غير دلوقتي؟ مفيش دخول».**

**همس أرجوكي.. هما عايشين؟»**

اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف:

**«قصدك الولاد اللي افتكرتهم بعد ما لما وصلتك أوراق الطلاق؟»**

تراجع عماد للوراء وكأنها صفعته على وجهه.

ومن خلف الباب، كان جهاز المراقبة يصدر رنينًا منتظمًا. حاول أن ينظر من خلف همس لكنها منعتْه.

قال: **«لازم أشوفها».**

فردت همي بحسم:

**«دي كانت هتموت هي والولاد على الطريق.. لوحدها.. تحت المطر.. وأنت كنت مقضيها مع الهانم.**

فتح فمه ليتكلم، لكن لم تسعفه أي حجج.

في تلك اللحظة، خرج طبيبي إلى الممر.

**«أستاذ عماد؟**

التفت عماد بسرعة كبيرة حتى كاد يتعثر:

**«طمني يا دكتور.. هي عاملة إيه؟»**

قال الطبيب بحذر:

**«المدام حالتها استقرت حاليًا.. بس التوأم في حالة حرجة وبيمروا بضيق تنفس، وبنعمل كل اللي نقدر عليه».**

كرر عماد بذعر:

**«حاليًا؟ يعني إيه حاليًا؟»**

تردد الطبيب قليلاً ثم قال:

**«في مضاعفات تانية ظهرت».**

نظرت همس بعيدًا.

وتسارعت أنفاس عماد:

**«مضاعفات إيه؟»**

وقبل أن يتمكن الطبيب من الإجابة، رنّ هاتفه.

كانت لارا. رفض المكالمة. فرنّ الهاتف مجددًا.

ثم ظهرت رسالة على الشاشة:

** لازم ترد عليا.. الموضوع ده يخص مستقبلك.”*

حدق عماد في الشاشة، والاشمئزاز يملأ ملامح وجهه. كان على وشك أن يلقي بالهاتف أرضًا عندما وصلت رسالة أخرى:

**”أنا حامل.”**

 

شعر وكأن الممر كله يميل به. رأت همس تعابير وجهه، وضحكت بسخرية مريرة:

**«تمام.. كملت كده! مفيش جديد يعني».**

لكن فجأة، اندفعت ممرضة من غرفتي مسرعة:

**«يا دكتور.. المدام فاقت.. وبتنده عليه هو بالذات».**

تخطى عماد مشاعر الخزي والخوف والخراب الذي يحيط به، وخطا إلى الداخل.

كنتُ مستلقية، وجهي شاحب بين الوسائد، إحدى يدي على بطني، وعيناي شاخصتان نحوه.

همستُ:

**«جيت؟»**

انهار تمامًا وقال:

**« هند.. أنا آسف.. أنا آسف بجد».**

ارتجفت شفتاي وقلت:

**«عماد.. لارا كدابة».**

تجمد الدم في عروقه من الصدمة.

وقبل أن يتمكن من سؤالي عما أعنيه، عاد الطبيب ومعه مغلف مغلق أرسله محاميّ الخاص.

وفي الداخل، كان تقرير إثبات النسب (Paternity Report).

نظر عماد إلى السطر الأول وتوقف عن التنفس.

كانت الحروف المطبوعة في السطر الأول من التقرير الطبي تدق في رأس عماد كالمطارق. لم تكن الأوراق تخص أطفال هند، بل كانت تقريرًا طبيًا شاملاً وموثقًا يخصه هو شخصيًا، يعود تاريخه إلى عام مضى.

قرأ عماد السطر وهو غير مصدق:

> **”بناءً على الفحوصات المجهرية المتقدمة: عقم كامل وغير قابل للعلاج.”**

بقلم نورهان العشري

شعر عماد وكأن الأرض تبتلعه. تذكر فجأة كل تلك السنوات التي كانا يحاولان فيها الإنجاب، وتذكر كيف أنهما عندما قررا الذهاب لعيادة خصوبة متخصصة منذ أشهر، أصرّت لارا التي كانت تعمل سكرتيرة في تلك العيادة قبل أن تنقلب حياته على أن تتابع ملفهما بنفسها بحجة تسيير الإجراءات.

نظر عماد إلى هند وعيناه متسعتان من الصدمة والذهول.

همست هند والدموع تسيل على خديها الشاحبين:

**«لارا هي اللي زودت الأمل الكداب ده في حياتنا يا عماد.. هي اللي بدلت تقاريرك الطبية الحقيقية وتقارير عيادة الخصوبة عشان توهمك إن العيب مني أنا، وعشان تفضل أنت تجري ورا وهم.. والتوأم دول؟ دول مكنوش هيجوا لولا إن ربنا أراد بمعجزة بعد ما بدأنا كورس علاج بعيد عنها تمامًا من وراك كنت بحطلك الدوا من وراك.. التوأم دول ولادك أنت.. معجزتنا إحنا».**

ابتلعت هند غصتها وتابعت بصوت يرتجف:

**«لكن الصدمة الكبيرة بقى.. إن لارا لسه باعتالك رسالة بتقولك إنها حامل.. صح؟ التقرير ده بيثبت إنك مخلفتش ومستحيل تخلف منها.. لارا كانت بتستغلك، وبتدمر بيتنا وهي شايلة ابن حد تاني وعايزة تلبسهولك أنت!».**

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة بقوة، ودخلت لارا وهي تلهث، وعلامات التوتر واضحة على وجهها بعد أن تتبعت هاتف عماد للمستشفى.

قالت لارا وهي تحاول الإمساك بذراع عماد:

**«عماد! أنت سايبني وواقف هنا ليه؟ أنا قريت الرسالة اللي كتبتهالك مراتها.. هند بتتبلى عليا وعايزة تبعدك عني! أنا حامل في ابنك يا عماد.. ابننا إحنا!».**

التفت إليها عماد ولم يكن في عينيه سوى الغضب الأعمى والاشمئزاز الشديد. رفع المغلف والتقرير في وجهها وصرخ بصوت زلزل أرجاء الغرفة:

**«ابني أنا؟! ابني إزاي يا كدابة؟! التقرير ده من المعمل الرئيسي اللي كنتِ بتشتغلي فيه.. التقرير ده بيقول إني عقيم ومستحيل أخلف غير بمعجزة أو تدخل جراحي معقد، وهو ده اللي حصل مع مراتي.. أنتِ بقى حامل من مين؟!».**

شحب وجه لارا تمامًا، وتراجعت خطوتين للخلف وهي تتلعثم: **«عماد.. أنا.. التقرير ده اكيد غلط.. أنا بحبك..».**

قاطعها عماد بصوت حاسم وميت:

**«اطلعي برة.. اطلعي برة حياتي كلها، ولو شفت وشك تاني أو فكرتي تقربي من عيلتي، الورق ده والورق القديم اللي زورتيه هيكون في النيابة.. برة!».**

خرجت لارا وهي تبكي وتجر أذيال الخيبة والفضيحة، بينما انهار عماد على ركبتيه بجانب سرير هند، وأمسك بيدها يغمرها بدموعه الندم:

**«هند.. أنا أسف.. أنا كنت أعمى وغبي.. ضيعت كل حاجة بايديا.. أرجوكي سامحيني، اديني فرصة واحدة بس أصلح اللي انكسر.. عشان خاطر ولادنا.. عشان خاطر.**

نظرت إليه هند بعينين مليئتين بالألم والكرامة، ثم سحبت يدها برفق وهدوء، ونظرت إلى الجهة الآخرى وقالت بنبرة حزينة لكنها قاطعة:

**« يا عماد.. ربنا نجى ولادي عشان هما ملهمش ذنب.. وأنا هعيش عشانهم.. بس اللي انكسر بيننا عمره ما هيتصلح.. أوراق الطلاق عندك في المكتب، واليوم اللي هخرج فيه من المستشفى دي مع ولادي.. هيكون اليوم اللي هتبدأ فيه حياتي الجديدة.. من غيرك».**

خرج عماد من الغرفة مطأطأ الرأس، مدركًا أن بعض الأخطاء لا يمكن محوها، وأن هناك قطارات إذا مضت.. لا تعود أبدًا.

 

تمت من يخون مرة لا غفران له بقلم نورهان العشري

*شاركوني آراءكم في التعليقات 👇👇

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *