سارة وياسين التونى بقلم منال عباس الثاني والاخير

سارة وياسين التونى بقلم منال عباس

الثاني والاخير

بعدنا عن العشة والنار لسه بتنور السما ورا ظهرنا، التلج كان بيخبط في وشنا زي الطلق، والوجع في كتفي بقى لا يطاق، كنت بجر رجلي ورا سارة اللي كانت بتتحرك في الغابة كأنها روح مش بني آدمة، سألتها وأنا بنهج من التعب: “سارة، مين اللي أديتي له الأمر بتفجير المكان؟ ومين الشخص اللي بتقولي عليه؟”، وقفت فجأة وسط الشجر الكثيف وبصت لي وعيونها بتلمع في الضلمة وقالت بصوت حازم: “الشخص اللي خانك مش أخوك لوحده، اللي خانك هو اللي كان بيمول عملياتك من ورا الستار، اللي كان بيحرك خيوط اللعبة من جوه مكتبك وأنت مش حاسس، اللي دبر عملية التصفية دي عشان ياخد مكانك في كل حاجة”، الكلام كان تقيل على قلبي، فكرت في كل الرجالة اللي حواليا، في شركائي، في الناس اللي وثقت فيهم، مين فيهم ممكن يوصل للدرجة دي من الخسة؟ سارة كملت وهي بتمسح خصلة شعر دخلت في عيونها: “بكرة الصبح لما الشمس تطلع، هيعرفوا إنك لسه عايش، وده معناه إنهم هيبعتوا “فرقة الظل”، دول مش زي أدهم ورجالته، دول قتلة محترفين، مبيسيبوش أثر وراهم، وعشان كدة لازم نوصل للمخبأ القديم بتاعي، هناك هتقدر تشوف بعينك المستندات اللي تثبت كل حاجة”، مشينا ساعات لحد ما وصلنا لكهف مخفي ورا شلال تلج متجمد، دخلنا جواه وكانت المفاجأة إن الكهف مجهز بأحدث أجهزة التكنولوجيا، شاشات عرض، خريطة للدنيا كلها، وملفات سرية عليها ختم شركتي القديمة، وقفت مصدوم، “أنتي مين يا سارة؟ إزاي عندك الحاجات دي؟”، ضحكت بمرارة وقالت: “أنا كنت المحللة بتاعتك يا ياسين، أنا اللي كنت بجمع المعلومات اللي بتخليك تسيطر على السوق، بس لما عرفت إنهم بيخططوا يصفوني عشان عرفت الحقيقة، هربت واختفيت، ومن ساعتها وأنا بجمع الدليل اللي يخلي “الإمبراطورية” بتاعتك تقع على دماغهم”، قربت من الشاشة وبدأت تعرض صور، صور ليا وأنا بنطرد من حياتي، وصور للشخص اللي كان بيضحك في وشي ويخطط لموتي، اتجمدت في مكاني لما شفت الصورة، “منصور؟”، الشخص اللي كان بيعتبر نفسه أخويا التاني، اللي كبرنا مع بعض، هو ده اللي كان بيسحب البساط من تحت رجلي، “منصور مكنش بيشتغل لوحده، كان معاه حد في الحكومة بيغطيه، وده اللي بيخلي الوصول ليهم شبه مستحيل”، سارة جابت لي شنطة صغيرة وقالت: “دي فيها سلا..ح جديد، ومعلومات عن تحركاتهم، لو عايز ترجع حقك، لازم نبدأ الليلة دي، لأنهم هيبدأوا في نقل الشحنة الأخيرة لبره البلد، لو الشحنة دي خرجت، منصور هيبقى أقوى رجل في مصر، وهيكون مستحيل توقفه”، مسكت السلا..ح وشحنته، شعرت ببرودة المعدن في إيدي وصدقت إن ده وقت الحساب، نظرت لسارة وقلت لها: “لو عايزة نلعب بالخطة دي، لازم نعرف إننا ممكن مرجعش، أنتي متأكدة؟”، بصتلي بابتسامة الموت وقالت: “أنا ميتة من تلات سنين يا ياسين، المرة دي بس عايزة أموت وأنا واخدة حقي”، بدأت أراجع الخطة في دماغي، إحنا اتنين قصاد جيش، بس معايا “عقل” سارة و”إصرار” التوني، الليلة دي الجبل هيشهد على نهاية الخونة، وبداية انتقام مكنش على البال، جهزت نفسي، وطلعنا من الكهف في اتجاه المينا، المعركة الحقيقية لسه بتبدأ. بقلم منال عباس
وصلنا المينا وكانت الدنيا ضلمة كحل، صوت الموج بيخبط في رصيف المينا كان بيعمل إيقاع مرعب، صفوف الحاويات كانت مرصوصة زي قلاع من حديد، والمنطقة كانت مأمنة بحراسة مشددة، رجال منصور كانوا في كل حتة، شايلين سلا..ح تقيل وكأنهم بيحرسوا كنز مش مجرد بضاعة، سارة همست في ودني وهي بتشاور على رافعة ضخمة في آخر الرصيف: “الشحنة في الحاوية رقم ٧٠٧، منصور موجود جوه المكتب المعلق فوق الرافعة، ومعاه النسخ الأصلية من العقود اللي بتدينه، لو أخدنا العقود دي، منصور ينتهي، ولو دمرنا الحاوية، هنقطع عليه طموحه في العودة”، بصيت للمكان ولقيت إن أي حركة غلط هتكلفنا حياتنا، “سارة، هتسحبي انتباههم من ناحية مخازن التبريد، أول ما يبدأوا يتحركوا، أنا هطلع على الرافعة من الجنب الضلمة”، سارة بصتلي نظرة أخيرة وقالت: “خلي بالك، المرة دي مفيش تراجع”، اتحركت زي خيال وسط الحاويات، وفجأة سمعت صوت انفجار صغير في الناحية التانية، رجال منصور اتجننوا، وبدأت صرخاتهم تملى المكان، “فينهم؟ دوروا في كل حتة!”، استغليت الفوضى وبدأت أتسلق حديد الرافعة، إيدي بتنزف والوجع في صدري بيزيد، بس مفيش مكان للألم دلوقت، وصلت فوق ودخلت من الشباك المكسور، ولقيت منصور قاعد، مدي ضهره ليا، بيشرب سيجار وبيكلم حد في التليفون: “أيوه يا باشا، الشحنة هتتحرك في خلال ساعة، ياسين خلاص في خبر كان، التلج خده، ومحدش هيعرف مين اللي عملها”، ضحكت بصوت واطي وخرجت المطوة اللي كانت في جيبي، منصور اتنفض ولف بسرعة، عيونه وسعت من الصدمة وكأن شاف عفريت، “ياسين؟.. إزاي؟!”، قلت له وأنا بقرب منه بخطوات تقيلة: “التلج مبيحبش الخونة يا منصور، التلج بيطلعهم على السطح عشان يتحاسبوا”، منصور حاول يوصل للسلا
..ح اللي على المكتب، بس نطيت فوقه وثبت إيدي على رقبته، “فين العقود؟”، منصور بدأ يضحك بهستيريا، “أنت فاكر إنك لو خلصت عليا الدنيا هتتصلح؟ أنت بقيت مطلوب رقم واحد، ومن غيري مش هتعرف تخرج من المينا دي حي”، فجأة، سمعت صوت رصاص كتير بيضرب في السقف، إزاز المكتب اتكسر فوق دماغنا، بصيت من الشباك ولقيت طيارات مسيرة (درونز) بتمسح المكان، ومنصور بيبتسم بسخرية، “دي مش حراستي يا ياسين، دي فرقة التصفية اللي قلتلك عليها، هما مش جايين يخلصوا عليا، هما جايين يخلصوا علينا إحنا الاتنين عشان ميبقاش فيه شاهد”، في اللحظة دي عرفت إن سارة كانت عارفة، عرفت إن منصور كان مجرد كارت محروق في لعبة أكبر بكتير، ضربت منصور في وشه بكل قوتي ووقعت العقود من جيبه، “سارة، اخرجي من المكان ده حالاً!”، صرخت في جهاز اللاسلكي، بس الرد كان صمت، الصمت اللي بيخلي الواحد يحس إن النهاية بتقرب، بصيت لمنصور اللي كان بيمسح الدم عن بقه وبيضحك، “لعبتنا خلصت يا صاحبي، والكل هيتحرق في الحفلة دي”، رميت نفسي من فوق الرافعة قبل ما الرصاص يحول المكتب لغربال، ونزلت في كومة رمل، ومنصور وقع ورايا، بس وسط الدخان والنار، شفت ظل سارة وهي بتسحب عربية نقل قديمة ناحية التجمع، كانت بتخطط لتفجير المينا كله عشان نخرج من الحصار، الدنيا بدأت تنهار حوالينا، والهروب مكنش خيار، كان ضرورة، المعركة اتحولت لحرب شوارع جوه المينا، وأنا ماسك العقود اللي فيها نهايتهم، والوقت بيجري زي الرمل في ساعة الموت.
بقلم منال عباس
رميت نفسي ورا حاوية حديد مصدية والدرونز فوقنا بتدور زي الدبابير اللي عايزة تلسع وتنهي حياتنا، صوت الرصاص كان زي المطر اللي مبيخلصش، سارة كانت بتجري ناحية العربية النقل اللي جهزتها، كان فيه انفجار تاني حصل في بوابة المينا الرئيسية، دخان أسود كثيف غطى المكان وبقى الرؤية شبه مستحيلة، منصور كان بيحاول يهرب وهو بيزحف على الأرض ناحية عربية سوداء مصفحة، قمت بوجع وكتفي بيصرخ من الألم، جريت وراه وقبل ما يفتح باب العربية مسكته من رقبته وخبطت راسه في باب الحديد، “لسه بدري يا منصور، الحساب لسه مخلصش”، بص لي بعيون مليانة كره وحقد، “يا غبي، أنت فاكر إنك لو قتلتني هترجع حياتك؟ اللي بيشغلونا أقوى مما تتخيل، هما مش بيسيبوا وراهم أثر، وإحنا النهاردة هنبقى مجرد خبر في جورنال”، زقيته بعيد وسحبت منه تليفونه، كان عليه كل الرسائل والأسماء اللي بتكشف الرؤوس الكبيرة اللي بتدير الفساد في البلد، سارة ظهرت فجأة من وسط الدخان، وشها عليه دم ومسكت إيدي بقوة، “ياسين لازم نمشي دلوقتي، المكان ده هينفجر بعد دقيقتين، حطيت متفجرات في خزان الوقود الرئيسي للمينا، لو فضلنا هنا هنكون أول ضحاياهم”، نظرت لها نظرة فيها ألف سؤال، “مين دول يا سارة؟ مين اللي بيتحكم في كل ده؟”، سحبتني ناحية العربية النقل وقالت بصوت متقطع من التعب: “هما “مجلس الظل”، الناس اللي بتشتري القرارات، والناس اللي بتمحي أي حد يقف في طريقهم، أنا كنت بشتغل في قسم التحليلات بتاعهم، وعرفت اللي مكنش لازم أعرفه”، ركبنا العربية، سارة دورت الموتور اللي كان بيطلع صوت زي زئير الوحش، اتحركنا بسرعة جنونية وسط الحاويات اللي كانت بتنفجر واحدة ورا التانية، الشظايا كانت بتطير حوالينا زي المطر، ومنصور كان لسه مرمي ورا، بيحاول يقوم بس كان فات الأوان، العربية النقل اندفعت زي السهم وكسرت بوابة المينا الحديد، وفي اللحظة اللي عدينا فيها، المينا كلها اتحولت لكرة نار ضخمة، الانفجار كان قوي لدرجة إن العربية اتهزت بينا، بصيت من المراية وشفت النار وهي بتلتهم كل أثر لمنصور وأسراره، التليفون اللي في إيدي كان بيحتوي على مفتاح الحقيقة، بس فجأة، التليفون بدأ يرن، رقم مجهول، سارة بصت لي بعيون مرعوبة، “رد يا ياسين، هما عرفوا إننا لسه عايشين”، رديت وفتحت السبيكر، سمعت صوت راجل بارد بيضحك، “أهلاً يا ياسين، كنت فاكر إنك بطل؟ أنت مجرد بيدق في لعبة، والنهارده هنعرفك مين اللي بيحرك العرائس، سيب التليفون في مكان عام، لو عايز سارة تعيش، أنت عارف طريقك، الميدان الكبير، الساعة تلاتة الفجر، لوحدك، ومن غير ألاعيب”، التليفون فصل، وسارة بصتلي بخوف، “ياسين، متمشيش وراهم، دي مصيدة”، بصيت للطريق اللي قدامنا وكان ضلمة، “دي مش مصيدة يا سارة، دي فرصتنا الأخيرة عشان ننهي اللعبة دي للأبد، لو مش النهاردة، يبقى مفيش بكرة لينا، استعدي، اللعبة بجد بدأت دلوقتي”.بقلم منال عباس
وصلنا للميدان الكبير والساعة كانت تلاتة بالدقيقة، المكان كان مقسوم نصين ضلمة ونور كشافات خافتة، سيبت سارة في مكان أمين وقلتلها لو متأخرتش نص ساعة تخرج من المدينة وتختفي للأبد، نزلت من العربية وأنا حاسس إن كل شبر في الميدان مراقب، الهوا كان تقيل ومحمل بريحة الشتا والترقب، وقفت في نص الميدان وحيد ومعايا التليفون اللي بيسوى رقاب ناس تقيلة، فجأة صوت خطوات منتظمة بدأ يتردد في المكان، وخرج من ورا تماثيل الميدان راجل طويل ببدلة سودة رسمية مفيش فيها غلطة، ملامحه كانت حادة وعيونه زي التلج مفيهاش أي شعور، وراه كان فيه تلات عربيات سوداء متفيمين وقفوا وعملوا حصار حول الميدان، الراجل قرب مني ووقف على مسافة متر، وبصلي بنظرة فوقية وقالي بصوت واطي ومسموم: “أنت فاكر نفسك بطل سينما يا ياسين؟ أنت مجرد مشكلة صغيرة حليناها وأنت غافل، العقود اللي معاك دي ورق ملوش قيمة قدام اللي يملكوا البلد”، ضحكت بسخرية وقلتله: “الورق ده هو اللي هيخليكم تبكوا دم يا سيادة الباشا، أنا مش جاي عشان أتفاوض، أنا جاي عشان أقولكم إن اللعبة خلصت”، فجأة الراجل رفع إيده وبدأت قناصة اللي كانوا منتشرين على الأسطح يوجهوا الليزر الأخضر على صدري، شعرت ببرودة الموت بس مكنتش خايف، لأن في اللحظة دي سارة كانت مجهزة المفاجأة اللي هتدمرهم، سمعت صوت تصفير عالي في السما، طيارات الدرونز اللي سرقناها من المينا كانت بتلف فوق رؤوسهم، وبضغطة زرار واحدة من سارة، أجهزة التشويش اللي في الميدان وقفت كل تواصلهم مع القناصة، الميدان قلب ساحة حرب تانية، القناصة اتشتتوا، والراجل اللي قدامي فقد اتزانه وبدأ يصرخ في رجاله: “اقتلوه! خلصوا عليه حالاً!”، رصاص في كل حتة، والناس اللي كانوا بيتحكموا في البلد من ورا الستار بدأوا يجروا زي الفيران، جريت ناحية التمثال الكبير وسحبت سلا..حي، وبدأت أرد الرصاص، كان لازم أوصل للراجل ده وأجبره يعترف بكل حاجة قدام الكاميرات اللي سارة زرعتها في الميدان، المعركة دي مكنتش عشان الانتقام وبس، دي كانت عشان الحقيقة تطلع للنور، وسط نيران الرصاص وصوت الانفجارات اللي بدأت تدوي في الميدان، كنت شايف نهاية الإمبراطورية اللي اتبنت على الخيانة، وكل رصاصة كانت بتطير، كانت بتكتب نهاية كابوس بدأ من سنين فوق جبل التلج، سارة ظهرت من بين الشجر وبدأت تغطيني بنيران كثيفة، “ياسين! العقود لازم تترفع على السيرفر حالا، أنا بدأت البث المباشر لكل القنوات!”، في اللحظة دي عرفت إننا كسبنا الجولة، بس كان لسه باقي وحش واحد لازم نواجهه عشان نقفل الصفحة دي نهائياً، والراجل اللي قدامي بدأ يسحب مسد..سه الذهبي عشان ينهي حياتي قبل ما الحقيقة تطلع، بس أنا كنت أسرع، ووجهت سلا..حي لقلبه، وبصيت في عينيه وقلتله: “أنت النهاردة مش بتواجه ياسين، أنت بتواجه كل واحد ظلمته في حياتك”، رصاصة واحدة كانت كفيلة تنهي أسطورة الخوف، بس قبل ما أدوس على الزناد، سمعت صوت فرامل عربية بتصرخ وجت وقفت بيني وبينه، وفتحت الباب وخرج منها شخص مكنتش أتخيل إني أشوفه تاني في حياتي، شخص كان المفروض يكون مات في التلج من سنين، الشخص اللي عرفت في اللحظة دي إنه هو المحرك الأساسي لكل الفساد، الدنيا وقفت بيا، وعرفت إن القصة لسه فيها فصل أخير ومفاجأة مكنش حد يتوقعها أبداً. بقلم منال عباس
الشخص اللي نزل من العربية كان هو “والدي”، اللي الكل كان فاكره مات في حادثة غامضة من سنين، وقفت مصدوم والميدان كله حواليا بقى سكون غريب، بصيت له ولقيت في عينيه نظرة مفيهاش أي حنية، نظرة راجل عاش عمره كله بيخطط لسيطرة كاملة، “أنت؟ أنت اللي كنت بتحرك كل الخيوط؟ أنت اللي أمرت أخويا يقتلني؟”، والدي ضحك بصوت خافت وقال: “أنا مكنتش عايزك تموت يا ياسين، كنت عايزك تبقى نسخة مني، عايزك تتعلم إن المشاعر ضعف وإن السلطة هي الحاجة الوحيدة اللي بتدوم، أخوك كان أداة، زي ما أنت كنت أداة، بس أنت طلعت متمرد أكتر من اللازم”، سارة وقفت جنبي وشايفة الصدمة في ملامحي، عرفت في اللحظة دي إن الخيانة مش بس من الأعداء، الخيانة كانت من الدم واللحم، رفعت سلا..حي ناحيته وإيدي مكنتش بتترعش، “أنا مش هبقى زيك يا بابا، أنا نهيت اللعبة دي، والعقود اللي بتدينكم بقت دلوقتي على كل شاشة في مصر”، والدي بصلنا بنظرة تحدي وقال: “أنت فاكر إنك لو كسبت الجولة دي هتعيش بسلام؟ الظل دايماً بيطارد اللي بيحاولوا ينوروا الحقيقة”، وفجأة، أصوات سرينات البوليس بدأت تقرب من كل ناحية، سارة بصتلي وقالت: “ده وقتنا، لازم نمشي قبل ما يتحول المكان لقفص”، بصيت لأبويا اللي كان واقف بثبات وكأنه مستني المصير ده، سبته ومسكت إيد سارة وجرينا ناحية العربية اللي كانت مستنيانا بعيد عن الحصار، ركبنا وانطلقنا في شوارع المدينة اللي بدأت تصحى على فضيحة هزت كيان الدولة، بعد فترة طويلة من السواقة، وقفنا عند شط البحر بعيد عن صخب المدينة، نزلنا ووقفنا بنبص على الميه، الفجر بدأ يطلع واللون الذهبي بيغطي الأفق، سارة بصتلي وقالت: “عملناها يا ياسين، كل حاجة انكشفت، وكل واحد هياخد جزاه”، بصيت لإيدي اللي كانت لسه بتنزف من أثر المعركة، بس لأول مرة من سنين حسيت بسلام، “مش عارف هعيش إزاي بعد اللي عرفته، بس اللي عارفه إن مفيش حد يقدر يتحكم في حياتي تاني”، سارة ابتسمت ابتسامة هادية وقالت: “إحنا بقينا أحرار، والحرية تمنها غالي، بس تستاهل”، التفتت وبدأت تمشي ناحية الطريق، سألتها: “رايحة فين؟”، وقفت ولفيت وشها ليا وقالت: “أنا عملت اللي عليا، ودلوقتي لازم أروح أدور على بقايا حياتي اللي ضاعت، أنت دلوقتي عندك فرصة تبدأ من جديد، بلاش تضيعها”، سابتني ووقفت أتفرج عليها وهي بتبعد، سحبت التليفون من جيبي ورميته في البحر، شفت الدواير وهي بتنتشر في الميه وبتختفي، قفلت صفحة “ياسين التوني” رجل العصابات، وبدأت أمشي في الطريق اللي قدامي، مش عارف رايح فين، بس لأول مرة كنت حاسس إن الطريق ده بتاعي أنا، مش بتاع حد تاني، النور كان بيملى السما، والماضي بقى مجرد ذكريات مدفونة في تلج الجبل، ووسط الهدوء، عرفت إن النهاية مش دايماً بتكون موت، أحياناً النهاية بتكون بداية حياة جديدة، حتى لو كانت وسط الأنقاض.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *