بعد ما وصلت ابنى المطار الشغاله بعتتلى رساله

بعد ما وصلت ابني المطار، الشغالة بعتتلي رسالة ما ترجعش البيت راجع الكاميرات.
بعد ما وصل ابنه لصالة 2 في مطار القاهرة الدولي، الحاج عزت الشناوي جاله مسج من أمينة، الست اللي كانت شغالة في بيته بقالها 10 سنين.
كانت 3 كلمات بس.
ما ترجعش يا حاج.
الحاج عزت قرا الرسالة وهو قاعد جوه عربيته المرسيدس السودا، وماشي في طريقه تحت سما رمادية بتنذر بالمطر.
في الأول افتكر إن أمينة بعتت الرسالة بالغلط، أو يمكن بتتكلم عن تسريب غاز، أو إزاز اتكسر، أو حرامي ظهر في منطقة الفيلا.
لكن قبل ما يلحق يرد عليها، جاله مسج تاني.
راجع الكاميرات.
قلبه اتقبض فجأة.
الحاج عزت كان عنده 69 سنة، وثروة بناها على مدار 40 سنة من شغله في العقارات، والفنادق، والاستثمارات.
وكان عايش في بيت أشبه بالمتحف.
رخام أبيض، ومكتبة من الخشب الفاخر، ولوحات فنية، وقبو خاص ماكانش بيفتحه غير في المناسبات المهمة.
كان ربّى ابنه الوحيد، كريم، لوحده من يوم ما مراته، نوال، ماټت بالسړطان لما كان الولد عنده 8 سنين.
وعشان كريم، دفع ديون.
وتكاليف طلاق.
ومشاريع فاشلة.
وعربيات رياضية.
وسفر.
ومحامين.
وسكت عن حاجات كتير.
الصبح ده، كان حضنه في المطار والدموع في عينيه.
كريم ومراته، داليا، كانوا المفروض مسافرين شرم الشيخ عشان يحتفلوا بشهر العسل اللي عمرهم ما لحقوا يعملوه.
والحاج عزت كان مديهم ظرف فيه مليون جنيه كاش.
اتبسطوا يا ابني العمر قصير. عيشوا حياتكم وخليكم مبسوطين.
كريم حضنه جامد.
بحبك يا بابا.
وداليا باست خده بابتسامتها المثالية.
خلي بالك من نفسك يا عمي وما تنساش تشرب الشاي بتاعك بالليل.
ودلوقتي، وهو واقف بالعربية على جنب الطريق، والانتظار شغال، والمطر بيخبط في الإزاز، الحاج عزت فتح تطبيق كاميرات المراقبة بتاع البيت.
صوابعه كانت بتترعش.
فتح الكاميرا السرية الموجودة في مكتبه، اللي كان مركبها بنفسه ورا قطعة خشب محفورة.
الصورة ظهرت.
وفي اللحظة دي
عالمه كله اتهد.
كريم وداليا ماكانوش في الطيارة.
كانوا في مكتبه.
داليا كانت لابسة روب حرير كان بتاع نوال.
وفي إيدها زجاجة نبيذ غالية كان الحاج عزت محتفظ بيها عشان يفتحها يوم عيد ميلاده السبعين.
لكنها ماكانتش بتشرب منها.
كانت بتكبها على السجادة الفارسي وهي بتضحك، والبقعة الحمرا بتنتشر عليها زي الچرح.
كريم كان قاعد على كرسي أبوه الجلد، وحاطط رجليه فوق المكتب الخشب.
وكان بيلف كرة أرضية قديمة بطرف جزمته.
إنتِ متأكدة إن العجوز مشي؟
داليا ضحكت ببرود.
طبعًا. هو فاكر إننا دلوقتي في الطيارة ورايحين شرم الشيخ. على ما يرجع، نكون فتحنا الخزنة.
الحاج عزت علي الصوت.
داليا رفعت الكوباية ناحية المكتبة، من غير ما تعرف إنها بتبص مباشرة للكاميرا.
نخب شاي الأعشاب.
وبعدين قالت
وبعدين قالت بصوت ناعم مسموع، مليان سخرية وكراهية ما كانتش تظهره له طول الفترة اللي فاتت
نخب السذاجة ونخب اللي صدق إن الحب ييجي من الډم، أو إن الوفاء بيشترى بالفلوس.
كريم ضحك بصوت عالي، وحرك رجليه فوق المكتب أكتر، وكأن المكان ده بقي ملكه من غير

موقع أيام نيوز

ما يحتاج حتى ينتظر مۏت أبوه.
الراجل ده ضيع عمره كله يجمع فلوس، ويبني بيوت لغيره، ويعمل خير لحد ما ملّ وآخرتها كلها هتكون في جيوبنا، ولا أحسن من كده؟ حتى الفلوس اللي داهالنا دلوقتي ده مجرد فكة يا حبيبتي، ولا يقارن باللي في القبو.
داليا مشيت خطوتين ناحية الحائط، ومدت إيدها لصورة نوال، اللي كانت معلقة فوق المكتب، وبصتلها پغضب مكبوت
أنا كرهتها من أول يوم شفتها فيه. كل ما كنت أجي هنا، كنت أحس إنها بتبص عليّ وتحاسبني. كنت بحس إنها عارفة كل حاجة، وعارفة إنني جايه آخذ مكانها، وآخذ كل ما بناته لولدها اللي ما يستاهل حتى حذاءها.
رفعت إيدها وضړبت الصورة بكل قوتها، فالإطار اتكسر، والزجاج اتفتت على الرخام، والصورة نفسها انقلبت لورا.
كريم لسه بيضحك خلاص يا داليا، ارتاحي. هي ماټت من زمان، وبكره هنمشي ونسيب العجوز يلاقي وحيدًا في بيته الكبير ده، ولا يملك حاجة غير الذكريات اللي بقت ۏجع في قلبه.
الحاج عزت كان واقف جوه العربية، والمطر بيزيد، والدنيا سودت في عينيه مش من الغيم، لكن من اللي شافه وسمعه. مش عارف إيه اللي أقسى عليه خېانة الولد اللي ربّاه وحطّ روحه فيه، ولا خېانة البنت اللي كانت بتقوله عمي وبتقرب منه زي ما تكون بنته، ولا الكلام اللي قالوه عن نوال، اللي كانت لسه في قلبه حية ما ماټت أبدًا.
حاول يتنفس، لكن الهواء ما كانش بيدخل لرئتيه. صورته وهو بيحضن كريم في المطار، وبيقوله عيشوا حياتكم، كانت بټضرب في دماغه زي السكاكين. الفلوس اللي داهالهم، والظرف اللي كان بيحطه قدامهم بكل حب، كانوا شايفينه فكة؟ السنين اللي سكت فيها عن أخطاء كريم، والديون اللي سددها، والليالي اللي كان يسهر فيها يفكر كيف يريحه، كل ده راح في الهواء؟ وبدل ما يقابله بالشكر، كان بيتآمر مع مراته يسرقوه، وبيضحك عليه زي ما يكون عيل صغير مغفل؟
الرسالة بتاعة أمينة رجعت ټضرب في باله ما ترجعش البيت راجع الكاميرات. هي كانت عارفة من إمتى؟ وكيف؟ وحدها اللي كانت بتحس بالحاجات دي؟
فتح الشاشة تاني، وبدل ما يروح للكاميرا التانية، فضل يتابعهم. شاف كريم قام، واتجه ناحية الحائط اللي خلف المكتب، وبدأ ېلمس الحجارة بتركيز.
أنا عارف إن المفتاح السري هنا في مكان ما الأب ما كانش بيفتح الخزنة غير لما يكون لوحده، وكل مرة كان بيقفل الباب من جوه.
داليا قربت منه، ومدت إيدها تساعده لو مش عرفنا المكان، نكسر الحائط؟ ولا نستنى لما يجي ونرغمه؟
كريم بص لها بحدة مچنونة؟ لو جيه دلوقتي، ھيقتلنا أو نقتله واحنا هنا، وكل حاجة تروح علينا. لا، هنفتحها بنفسنا، وناخد اللي فيها، ونمشي، ونسيبه يكتشف الحقيقة لوحده بعد ما نكون وصلنا برة مصر.
وإيه اللي فيها بالظبط؟ سألت

داليا بصوت منخفض.
أوراق ملكية كل الفنادق والعقارات، ومجوهرات نوال، وكمية ذهب وأموال سائلة تكفينا طول العمر، ولا نحتاج نشتغل ولا نعمل أي حاجة تاني. كل ده كان مخبأه عشان يورثه لي بس هو فاكر إن الوريث الوحيد يستاهله، وأنا أثبت له إني أستاهله أكتر من ما هو فاكر.
الحاج عزت ضحك بصوت خاڤت، ضحك مليان ألم ومرارة. يستاهل؟ هو ما عملش حاجة في حياته غير إنه ياخد. كل مشروع بدأه فشل، كل فلوس أعطاها له ضاعت في السفر واللعب والهوايات، وكل مرة كان بيرجع يعتذر ويقول المرة الجاية هتعوضك يا بابا، وهو كان يصدقه، عشان كان وحيده، عشان كان باقي من نوال. وده كله شايفه إنه يستاهل؟
شاف داليا وقفت فجأة، ومسكت كتف كريم أنت متأكد إن مفيش نسخ تانية من الأوراق؟ ولا إن هو مخبي مكان تاني؟
كريم هز راسه متأكد. سمعته وهو بيقول لصديقه مرة واحدة كل ما يثبت ملكيتي في مكان واحد، وكل ما أملك هيروح لولدي، ولا حد يعرف مكانه غيري.
وأمينة؟
الشغالة؟ خليها عليّ. هي خاڤت من زمان، وعرفت إن لو تكلمت هتندم. هي ما تقدرش تعمل حاجة، ولا حد هيسمع كلامها.
الحاج عزت عرف دلوقتي ليه أمينة خاڤت، وليه بعتت الرسالة من غير ما تتصل ولا تتكلم. كانت خاېفة تاخد جزاءها، خاېفة كريم يأذيها، فقررت تنبهه بالطريقة اللي تضمن سلامتها وسلامته.
سحب نفس طويل، وقرر ما يفضلش قاعد متفرج. شغل العربية، وبدل ما يمشي في طريق البيت، اتجه ناحية أقرب مخفر، وبعث رسالة لأمينة أنا شفت كل حاجة. إنتِ في أمان، ما تخافش. إبقي في أوضتك ولا تظهري لحد لما أوصل.
ردت عليه بسرعة الحمد لله يا حاج. أنا خبيت نفسي في أوضت الخدم من ساعة ما شفتهم بيدخلوا الخزنة. شفتهم بيحطوا أكياس جاهزة عشان ياخدوا كل حاجة. سامحني يا حاج، كنت خاېفة أقولك وهم موجودين.
مسموحك يا أمينة. إنتِ عملتي اللي عليكي، والباقي عليّ.
وصل المخفر بعد نص ساعة، وبصحبته الضابط المسؤول، وشرح له الحكاية، وريه التسجيلات اللي كانت لسه شغالة، وطلب منه مرافقته للبيت. لما وصلوا لشارع الفيلا، لقوا الباب الرئيسي مفتوح شوية، وسمعوا صوت داليا وهي بتقول أخيرًا لقيناها! شيل الصناديق بسرعة، خلاص ما فيش وقت.
دخلوا الحرس أول، وبعدهم الحاج عزت والضابط. لما سمع كريم الصوت، لف بسرعة، ولقى أبوه واقف قدامه، ومعاه رجال الشرطة. لون وشه اتغير، والصناديق وقعت من إيده على الأرض.
داليا اتجمدت مكانها، وما عرفتش تتصرف.
الحاج عزت مشي خطوة لقدام، وبص لابنه بكل هدوء، والدمع لسه في عينيه لكن من غير صوت
كنت فاكر إنك هتسافر شرم الشيخ عشان تفرح وطلعت جاي تسرقني وتدمر كل ما بنيت؟ كنت فاكر إن الفلوس كل حاجة؟ وإن السنين اللي ربيتك فيها، والليالي

اللي سهرتها عشانك، والدم اللي في عروقك، كل ده بيساوي قيمة أوراق وصناديق؟
كريم حاول يتكلم يا بابا افهمني، مش زي ما بتظن كنت بس عاوز أتأكد
تتأكد إيه؟ قطع عليه الحاج عزت بصوت ارتفع شويه، مليان ۏجع تتأكد إنك خاېن؟ ولا تتأكد إنني ساذج لحد ما أصدق إنك تحبني؟ شفتك وأنت بتضحك عليّ، شفتك وأنت بټشتم أمك اللي ماټت عشانك، شفتك وانت شايف كل ما أملك مجرد حاجة تاخدها وتشبع جشعك.
داليا حاولت تتدخل يا عمي عزت، سامحنا، كنا مجنونين، ڠصب عنا، الفلوس كانت
إنتِ اسكتي لف لها بحدة لم تشوفها منه طول عمرها أنا كنت شايفك زي بنتي، كنت بدعي لك بالهداية، وكنت أقول لك خلي بالك من كريم وانتِ معاه وطلعتي اللي شجعته، واللي زرعتي فيه الكراهية والجشع. كنتي پتكرهي نوال ليه؟ عشان هي كانت أم زوجك؟ ولا عشان عرفتي إنك مش هتقدري تيجي مكانها في قلبي ولا في قلب حد؟
جاب الضابط ورقة من جيبه، وقرب منهم لقد اعترفتم بأنكم تخططان لسړقة ممتلكات السيد عزت الشناوي، والتسجيلات كاملة دليل عليكم. الحقوق العامة تطلب حبكم على ذمة التحقيق.
مسكوا أيديهم، وهم لسه متجمدين، مش عارفين يصدقوا إن الحلم اللي كانوا بيحلموا بيه بسرعة انتهى، وإن السچن هو اللي بانتظارهم مش السفر والثراء. لما كانوا بيمشوا بره، كريم لف لأبوه مرة أخيرة، وقال بصوت مكسور يا بابا سامحني.
الحاج عزت هز راسه ببطء السماح مش للخېانة يا كريم. السماح للي يخطئ ويعتذر ويتغير. وأنت اخترت الطريق ده بإرادتك، واخترتِ معاه يا داليا. واللي بيزرع الشړ يحصد الشړ.
بعد ما مشوا، رجع الحاج عزت لمكتبه، وجمع قطع الصورة بتاعة نوال، ورتبها ع المكتب. جاله أمينة من الخلف، وقالت بصوت خاڤت أنا آسفة يا حاج، كنت عارفة من يوم ما جوا من السفر الأخير، كان شكله غريب، ومراته كانت بتتكلم في سر، بس ما قدرت أتكلم خوفًا.
أنتِ عملتي الواجب يا أمينة، وكل اللي حصل ده درس لي قبل ما يكون لغيري. كنت أعمى، واليوم فتح عينيا.
مرت الأيام، والتحقيقات أخذت مجراها، وثبتت عليهم التهم، وحكم عليهم بالسجن لمدة طويلة. الحاج عزت باع جزء من العقارات، وتبرع بفلوسها لمستشفيات الأورام، تكريم لذكرى نوال اللي ماټت من المړض ده. ترك الفيلا الكبيرة، وسكن في شقة صغيرة هادئة، واحتفظ بصورة نوال، وبالزجاجة القديمة اللي كانت حطها عشان عيد ميلاده السبعين، فتحها في اليوم ده وحده، وشرب نخب الذكريات الصادقة، ونخب أن الحقيقة مهما طالت بتظهر، وإن العدالة مهما تأخرت بتجيب أهلها.
وعرف في النهاية إن أغلى ما يملكه الإنسان مش الفلوس ولا العقارات، لكن القلوب اللي بتكون معاه بصدق، والوفاء اللي ما يتبدلش ولا يتغير، وإن الخېانة مهما كانت بسيطة في البداية، بتكون
نهايتها خسارة كل حاجة جميلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *