مراتى بتشتغل 2

مرت الأيام والأسابيع، والبيت اللي كان دايماً مليان حس ودوشة تحول لخرابة تسكنها الصدمة. عريس أختي نفذ كلامه وفسخ الجوازة، وبعت النقل تشيل العفش في نصاص الليالي قدام الجيران، في مشهد كسر ضهر أمي اللي كانت بتتباهى قدام الحتة كلها بمنظرنا.

أما أنا، فكنت عايش زي الميت. بقيت أقعد بالساعات في البلكونة عيني على أول الشارع، مستني معجزة، مستني طيف منى يظهر بفستانها البسيط وتقولي “قمت من الحلم يا أحمد؟”، بس الحلم كان واقع وواقع بيدهسنا كل يوم. الفلوس اللي كانت معايا خلصت على ديون الفرح ومصاريف أختي اللي سابت كليتها ومبقتش قادرة تواجه زمايلها بعد الفضيحة.

وفي يوم، الباب خبط. جريت وكنت فاكر إنها هي، بس لقيت محضر من المحكمة.

فتحت الورقة وأنا مش مستوعب.. منى رافعة عليا قضية “تبديد منقولات زوجية” وقضية “مؤخر صداع ونفقة” بمبالغ خيالية!

نزلت جري للمحامي بتاعها، دخلت مكتبه وأنا بنهج وقلت له:

— أنا مش معايا أدفع المبالغ دي! ومنى عارفة إن قايمة منقولاتها كلها في الشقة محصلهاش حاجة، وهي اللي سابت البيت بمزاجها!

المحامي بصلي ببرود وهو بيعدل نضارته وقال:

— الست منى ما رفعتش القضايا دي عشان الفلوس يا أستاذ أحمد.. هي مش محتاجة، بس هي بتطالب بحقها القانوني والشرعي. والقايمة اللي إنت ماضي عليها فيها بند بيدهب وبمبالغ إنت مقدرتش توفرها، وقدامك خيارين: يا الدفع، يا الحبس.

خرجت من مكتبه والدنيا بتلف بيا. روحت لأمي وأنا بصرخ:

— عاجبك كده؟ منى هتحبسني! القايمة والنفقة هيدخلوني السجن! الست اللي طردتيها عشان لبسها، دلوقتي بتتحكم في حريتي!

أمي بدأت تعيط وتلطم على وشها وتدعي على الأيام، وقالتلي:

— بيع الشقة يا أحمد.. بيع الشقة واخلص من سجنها، مش مهم نقعد في إيجار، المهم متتحبسش يا بني!

وبالفعل، عرضت الشقة للبيع بأقل من تمنها عشان ألحق أجمع الفلوس قبل جلسة المحكمة. وفي اليوم اللي جه فيه المشتري عشان يمضي العقد ويسلمني الفلوس، اتفاجئت باللي داخل من الباب.. ما كانش المشتري، كان وكيل أعمال منى ومعه المحامي!

المحامي حط الشنطة على الترابيزة وقال:

— مدام منى اشترت الشقة دي من خلال وسيط، وده عقد البيع النهائي.. والفلوس دي هترجع لخزنتها تاني تمن القضايا والنفقة والتبديد اللي عليك. يعني من النهارده.. الشقة دي بقت ملك لمدام منى، وحضرتك وأهلك قدامكم 48 ساعة لإخلائها.

حسيت بضربة في نص راسي. الشقة اللي شقيت فيها عمري، الشقة اللي منى نزلت تشتغل 12 ساعة عشان تجهز أختي فيها، بقت ملكها بفلوسها! بعتها عشان أسدد لها دينها، وبقيت أنا وأمي وأختي في الشارع.

لمينا هدمتنا في شنط بائسة، وأمي بتبكي دم على جدران الشقة اللي كانت بتتحكم فيها. نزلنا السلم واحنا مش عارفين هنروح فين، واستأجرنا أوضة وصالة ضيقة في منطقة عشوائية، في مكان أبعد ما يكون عن المنظر اللي أمي كانت بتموت عليه.

بعد شهر من العذاب ده، وفي يوم حر وخانق، كنت ماشي في الشارع بدور على أي شغلانة، حتى لو عامل بسيط في أي ورشة، لأن اسمي بقى معروف في السوق ومحدش راضي يشغلني بعد اللي حصل في المصنع.

وفجأة، شفت زحمة قدام قاعة مناسبات قريبة من المنطقة الراقية. وقفت أتفرج من بعيد زي أي غريب. كانت حفلة تكريم ضخمة لرجال وسيدات الأعمال، وشاشات العرض الكبيرة بره القاعة عارضة صور المكرمين.

وفجأة، ظهرت صورتها..

“المهندسة منى عبد الله.. صاحبة مجموعة مصانع النسيج، والأكثر تأثيراً في دعم العمالة النسائية”.

كانت واقفة على المسرح، ماسكة الجايزة، ولابسة فستان أسود غاية في الأناقة والشياكة، مفيش في إيديها أي أثر للتعب أو الشقا، وشها منور بابتسامة ثقة وكرامة. المذيع سألها في المايك اللي صوته كان مالي الشارع:

— مدام منى، إيه السر وراء نجاحك السريع ده وإصرارك على النجاح بعد وفاة والدك؟

منى خدت النفس، وبصت للكاميرا كأنها باصة في عيني أنا بالذات وهي وسط الشارع، وقالت بقوة هزت قلبي:

— السر هو إني اتعلمت درس غالي جداً.. اتعلمت إن الناس اللي بتشوف الهدوم والمظاهر، هي أصغر بكتير من إننا نعيش عشانهم. وشقايا وتعب إيدي القديم هو اللي خلاني أعرف قيمة نفسي وقيمة كل عامل في مصنعي. أنا مدين بالفضل لكل باب اتقفل في وشي، لأنه هو اللي فتحلي أبواب الدنيا دي كلها.

الناس كلها صقفت، وأنا وقفت وسط التراب في الشارع، دموعي نازلة بقهره، هدومي دبلانة، وجيبي فاضي. شفت الست اللي كانت ملكي، الست اللي كانت بتصحى الفجر عشان تسويلي لقمتي وتغسل هدومي، الست اللي بعتها برخيص.. وهي دلوقتي بتتصدر شاشات التلفزيون والكل بيعملها ألف حساب.

رجعت الأوضة الضيقة، لقيت أمي قاعدة على حصير ومكسورة، وأختي بتندب حظها. قعدت على الأرض وحطيت راسي بين إيديا، وعرفت إن منى لسه مخدتش حقها كاملاً.. الورق اللي في جيبي والمحاضر كانت بتقول إنها لسه بتلف الحبل حوالين رقبتي، وإن فيه خطوة تالتة وأخيرة هتدمر اللي باقي من اسمي تماماً.

الخطوة التالتة بدأت تظهر ملامحها بعد أسبوع واحد من حفلة التكريم. كنت فاكر إن طردنا من الشقة وأخذها تمن القضايا هو آخر محطة في انتقام منى، بس أنا كنت لسه مش فاهم منى الجديدة، الست اللي اتظلمت وقررت تدوس على اللي ظلموها بالقانون والأصول ومفيش في قلبها ذرة رحمة عميا.

في ليلة من ليالي الشتا الباردة، والبر د بياكل في جدران الأوضة الضيقة اللي قاعدين فيها، الباب خبط بقوة. فتحت برعب، لقيت اتنين رجال شرطة ومعاهم المحضر.

ـ إنت أحمد عبد الرحمن؟

ـ أيوة أنا يا فندم.. فيه إيه؟

ـ مطلوب القبض عليك في تنفيذ حكم غيابي بالسجن سنة بتهمة التزوير والنصب.

الدنيا اسودت في عيني. أمي صرخت وأختي قعدت تلطم. تزوير إيه ونصب إيه؟! أنا عمري ما حطيت إيدي في حاجة حرام!

المحضر طلع صورة من بلاغ رسمي متقدم من الإدارة القانونية لمجموعة مصانع منى. البلاغ كان بيتضمن مستندات وفواتير قديمة من الأيام اللي كنت فيها مشرف عام على المصنع؛ فواتير كنت بوقع عليها بأمر من المدير القديم (اللي اتضح بعد كده إنه كان بيسرق المصنع بالاتفاق مع المحامي الخاين اللي كان بيلعب لحساب نفسه قبل ما منى تستلم التركة).

أنا كنت بمضي بحسن نية وبغباء، مكنتش فاهم في الحسابات، كنت بوقع على استلام خامات مدخلتش المصنع أصلاً! منى لما مسكت الدفاتر وراجعت كل صغيرة وكبيرة بنفسها، لقت توقيعي على الورق ده. هي كانت عارفة إني مغفل ومش أنا الحرامي الكبير، بس توقيعي كان كفيل يدمرني. ومرحمتنيش. سابت القانون يأخد مجراه وبأقصى سرعة.

كلبشوا إيديا قدام أهل المنطقة العشوائية الجديدة، ونزلت والسلسلة في إيدي وأمي بتجري ورايا في الطين بتصرخ وتقول: “يا ناس ابني بريء! ابني مظلوم!”.. نفس الأم اللي كانت من شهرين بس شيفانا فوق الناس وبتتمنع على خلق الله بفلوس منى.

قضيت ليلتين في الحجز وسط المجرمين والمسجلين خطر، ليلتين دوقوني العذاب ألوان. مكنتش بنام، كنت ببص للسقف وافتكر منى وهي راجعة من الشغل الساعة 11 بالليل، جسمها مهدود، وتدخل المطبخ عشان تجهزلي أكل تاني يوم وهي بتغني وبتقولي “تعبك راحة يا أبو حميد”.. كنت ببكي دم على نفسي وعلى اللي عملته فيها.

في اليوم التالت، اتعرضت على النيابة، ودخل المحامي بتاع منى. طلبت أتكلم معاه، ودموعي على خدي:

ـ ارجوك ياستاذ.. قولي لمنى أنا مش حرامي، هي عارفة إني كنت بمضي وخلاص.. أنا مستعد أعمل أي حاجة، بس تطلعني من هنا.. أمي وأختي ملهمش غيري في الشارع.

المحامي بصلي بجمود وقال:

ـ البشمهندسة منى عارفة إنك مكنتش بتاكل حرام يا أحمد، وعارفة إن المدير القديم هو اللي وراك.. وعشان كده، هي مش هتعملك قضية جنائية تضيع مستقبلك العمر كله. هي هتنازل عن الشق الجنائي في قضية التزوير دي بشرط واحد.

ـ إيه هو؟ أنا موافق من غير ما أعرف!

ـ تمضي على “إقرار إعسار وشغل باليومية” في المصنع بتاعها.. بس مش مشرف. هترجع المصنع تاني يا أحمد.. بس كعامل نظافة، تشيل التراب اللي بيطلع من المكن اللي مرتك بقت صاحبته، وتعيش بمرتب عامل بسيط، وكل شهر يتخصم نص مرتبك لتسديد بقية التعويضات اللي عليكي للمصنع.. وتفضل تحت عينها، تشوفها كل يوم وهي فوق وإنت تحت.. ده شرطها عشان التنازل، قدامك ساعة تفكر: يا الإقرار.. يا السجن المركزي.

الشرط كان دبح لكبريائي، كان مفرمة لكرامتي. أرجع المصنع اللي كنت بأمر وبنهي فيه، المصنع اللي مراتي كانت شغالة فيه وأنا بتمنظر عليها بوظيفتي، أرجعه بمكنسة وجاروف؟!

بصيت للكلبش اللي في إيدي، وافتكرت أمي وأختي اللي ملهمش لقمة عيش، وافتكرت إن السجن معناه ضياع ملوش قومة. مسكت القلم وإيدي بتترعش.. ومضيت على الإقرار.

بعد يومين، كنت واقف على بوابة المصنع الساعة 7 الصبح. البرد قارس، ولابس لبس عمال النظافة الأزرق. العمال القدام اللي كانوا بيخافوا من نظرة عيني، كانوا بيبصولي بنظرات ميكس بين الشفقة والشماتة. اللي يرمي ورقة على الأرض ويقولي “نظف هنا يا أحمد”، واللي يتودك عليا ويسألني عن أحوالي بسخرية.

وفي تمام الساعة 9 الصبح، زمرت سرينة المصنع.. العربية السودا الفخمة دخلت.

وقفت على جنب، ماسك المكنسة في إيدي، والتراب مالي وشي. العربية وقفت قدام مبنى الإدارة، ونزل السواق فتح الباب.

نزلت منى.. كانت زي الملكة. لابسة طقم رسمي أبيض في منتهى الأناقة، ونظارة شمس سودا. وهي ماشية في اتجاه المكتب، وقفت فجأة.. وبصت ناحيتي.

خلعت النظارة بالراحة.. عيني جت في عينها. مكنش في عينيها شماتة، كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه “عدم اهتمام”. كأنها باصة لحيطة، أو لكرسي، كأن أحمد اللي ضحت عشانه وشقيت عشانه ملوش وجود في ذاكرتها أصلاً.

شاورت للمشرف الجديد بتاع العمال وقالتله بصوت مسموع للكل:

ـ الأرضية دي مش نظيفة ليه يا متر؟ خلوا العمال يشدوا حيلهم، المصنع ده مبيقبلش بالإهمال.

ومشيت.. دخلت مكتبها المكيف، وسابتني واقف في الشمس والتراب، حاسس إن روحي بتتسحب مني.

مرت شهور وأنا على الحال ده.. بدوق الذل كل يوم نقطة نقطة. أمي حست بالذنب وجالها جلطة خفيفة قعدتها في السرير، وبقيت بشتغل الصبح في المصنع، وبالليل بلف على رجليا أبيع مناديل في الإشارات عشان أجيب تمن علاجها وتمن لقمة لأختي.

وفي ليلة من الليالي، وأنا واقف في الإشارة، المطر كان بينزل بغزارة والدنيا كحل. عربية فخمة وقفت في الإشارة.. جريت عليها عشان أبيع باكو مناديل. خبطت على الإزاز.. الإزاز نزل.

وكانت هي.. ومعاها في العربية راجل شاب، وسيم، باين عليه ابن ناس ومحترم جداً، وكان بيضحك معاها وهي بتضحك من قلبها.. نفس الضحكة اللي كنت بشوفها زمان لما كنا بناكل عيش وجبنة في أوضتنا القديمة.

الشاب بصلي، وطلع ورقة بمتين جنيه وادهالي وقال: “خلي الباقي عشان المطر يا بطل”.

منى بصتلي، ملامحها اتغيرت للحظة.. شافت جوزها القديم، الراجل اللي باعها، وهو واقف في المطر متبهدل وهدومه مقطعة ومادد إيده عشان يبيع مناديل لجوزها الجديد (أو خطيبها).

الإشارة فتحت، والعربية مشيت.. والورقة المتين جنيه وقعت من إيدي في طين الشارع. وقفت أصرخ في وسط المطر والناس بتجري.. عرفت إن منى مش بس خدت فلوسي وشقتي وحريتي.. دي خدت الماضي والمستقبل، وسابتني عايش في الجحيم ده..

بس الحكاية لسه مخلصتش.. لأن وأنا راجع الأوضة في نص الليل، لقيت أختي واقفة على الباب ووشها ضايع، وبتقولي مصيبة جديدة هتشقلب اللي باقي من حياتنا للمرة المليون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *