تحذيرات وييتر صافى هانى الاول



كنت بتعشى في مطعم غالي ونضيف أوي مع بنتي وجوزها. أول ما مشوا، الويتر قرب مني وبصوت واطي يدوب مسموع همسلي: “يا فندم.. أرجوكي بلاش تشربي اللي طلبوهولك”.

​صوابع الويتر كانت بتترعش وهو بيحط كباية الكريستال قدامي، ومن غير ما يبص في عيني همس تاني: “يا فندم، خليني أغيرلك العصير ده أرجوكي قبل ما تدوقي منه بؤ واحد”.

​الناحية التانية من الصالة، كانت بنتي منى بتلبس عبايتها البيضا وجوزها عصام واقف بيدفع الحساب. كانوا خلاص ودعوني وحجتهم إنهم متأخرين على حفلة خيرية. منى باست خدي، وعصام طبطب على كتفي وابتسم ابتسامة حد حاسس إنه ملكني خلاص.

​وقال وهو ماشي: “اشربي عصيرك يا حماتي.. عشان يظبط نومك وتعرفي ترتاحي”.

​وبعدها اختفوا من باب المطعم الإزاز الكبير.

​بصيت للعصير الليمون بالنعناع اللي لونه مصفر جنب طبقي، ما كانش ده العصير اللي طلبته أصلاً. الويتر، وكان شاب اسمه أحمد، قرب مني وهو بيعمل نفسه بيلم الأطباق من على الترابيزة.

​وهمس: “أنا سمعت جوز بنتك وهو بيتكلم جنب مكان الخدمة، كان بيدي حاجة لويتر تاني وبيقوله لازم تتحط في عصيرك، الويتر ده رفض، فـ الأستاذ عصام حطها بنفسه”.

​قلبي اتقبض ووجعني، بس ملامح وشي فضلت ثابتة ومظهرتش أي حاجة. من كام ساعة بس، منى كانت بتقولي إني بقيت بنسى وضحكت لما عصام لمح إني محتاجة حد يديرلي فلوسي وأملاكي. أنا غبية افتكرت قلة ذوقهم دي مجرد استعجال، بس دلوقتي فهمت إنهم كانوا بيفرشوا للي هيعملوه.

​سألته: “شفت إيه تاني؟”

رد عليا: “شفت اللي يخليني أخاف بجد”.

​زقيت الكباية بعيد وقلتله: “هاتلي منديل نضيف، وعلبة مقفولة، وناديلي مدير المطعم.. من غير شوشرة”.

​أحمد تنح وبصلي باستغراب، كان فاكرني هنهار أو هعيط، بس هو شاف الست القوية اللي كنتها قبل ما منى تتوهم إن السن كبرني وخلاني ماليش حيلة.

​أنا قعدت 32 سنة كاملة شغال في الطب الشرعي والتحقيقات، ياما وقفت قدام محاكم وشهدت في قضايا كبيرة، وياما كشفت ألاعيب وفككت خطط مجرمين، وعلمت وكلاء النيابة إزاي السموم والجرائم بتستخبى ورا أعراض عادية جداً. منى كانت عارفة إني طلعت معاش، وعصام كل اللي يعرفه عني إني ست أرملة عايشة لوحدها وعندي ورث وبيت يسووا ملايين.

#حكايات_صافي_هاني

#حصري

​المدير جابلي علبة حفظ أكل معقمة من المطبخ، فضيت العصير فيها وقفلتها ووقعت بايدي على الغطا، وطلبت من أحمد والمدير يوقعوا معايا كشهود. بعدها كلمت الشاويش مصطفى، زميل قديم من أيام الخدمة، راجل مخلص وبيثق في نظرتي للأمور جداً.

​وقبل ما يوصل، تليفوني نور برسالة.

​منى: “شربتي العصير يا ماما؟”

​وبعدها بثواني بعتت رسالة تانية.

​منى: “ردي عليا أرجوكي، قلقانين عليكي”.

​فضلت باصة للكلام لغاية ما عينيا زغللت.

​وبعدين كتبت رد: “زي السكر، وابتديت أنعس وأهو داخلة على نوم”.

​ظهرت علامة إنها بتكتب فوراً.

​منى: “الحمد لله، روحي بقى ارتاحي، وإحنا الصبح هنيجي ونظبط كل حاجة”.

​قفلت الشاشة.

​أحمد الويتر همسلي: “هما ناويين على إيه؟”

​بصيت على المطر اللي مغرق الشوارع ورا الإزاز، وافكرت ورق التوكيل العام اللي عصام كان بيزقه قدامي الصبح على الفطار عشان أمضيه.

​قلتله: “فاكرين إن الصبح بتاعهم، بس وحياة ربنا لهخليهم يندموا على الليلة دي طول عمرهم”.

 

#حكايات_صافي_هاني

وبما اني طول الوقت عندي حظر تعليقات لو مالقتوش اللينك ع الجروبات هاتلاقوو اللينك ع الصفحه الاساسيه الي منزله بيها القصه الي هي دي. اضغط عليها وهتلااقي القصه هناك هناك وبالمره اعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد مني بما اني كل قصصي حصريا

@أبرز المعجبينالشاويش مصطفى وصل المطعم والقمصان بتاعته مبلولة من مطر طوبة اللي برا، دخل وهيبته سبقاه، عينه لقطتني فوراً وأنا قاعدة في الركن البعيد. سحب الكرسي وقعد، ونظراته فيها كمية تساؤلات تكفي لفتح قض..ية قتل.

​”خير يا ست الكل؟” قالها وهو بينفض المطر من على كاب كاب الشرطة، “أحمد الويتر كلمني في التليفون صوته كان بيرعش، قالي الست هانم في مصيبة.”

​شاورتله بإيدي يهدى، وزقيت علبة حفظ الأكل المعقمة اللي فيها العصير المسموم لجنبه: “الحرز ده يتحرز يا مصطفى.. ويطلع فوراً على المعمل الجنائي. بنتي وجوزها حطولي فيه حاجة، غالباً مهدئ قوي أو مادة بتسبب غيبوبة مؤقتة، عشان بكره الصبح يجرجروني على الشهر العقاري وأنا غايبة عن الوعي وأمضيلهم على التوكيل العام.”

​مصطفى وشه اتقلب مية لون، عروق جبهته برزت وهو مش مصدق: “منى؟ منى بنتك تعمل كده؟ دا أنا اللي كنت باجيبلها الشوكولاتة وهي لسة في ابتدائي يا فندم! وعصام ده.. الكلب ده يتجرأ؟”

​”الفلوس بتعمي النفوس يا مصطفى، وعصام لقى حتة أرض وبيت في الزمالك وفلوس في البنك تخليه باشا، فقال يخلص من العجوزة.” اتنهدت وفتحت شنطتي، طلعت منها شريط برشام صغير كنت شايلاه للطوارئ، “أنا مش هسيبهم للصبح.. الخطة هتتنفذ دلوقتي.”

​أحمد الويتر قرب مننا وهو جايب قهوة سادة، وعينه بتلف في المكان خوفاً ليكون حد مراقبنا. بصيتله وقلت: “أحمد.. أنت جدع، وابن بلد، والبلد دي لسة فيها رجالة. أنا عايزة منك خدمة أخيرة، ودي اللي هتجيب حق الليلة دي.”

​”رقبتي ليكي يا فندم، أنا أمي في سنك وولاد الحرام دول ما يستهلوش يشموا النفس.”

​”هتاخد الكباية الكريستال دي، تغسلها كويس جداً بمطهر، وتحط فيها عصير ليمون عادي خالص من برا، وتسيبها على الترابيزة كأني شربت نصها، وتدلق الباقي في الحوض.” بصيت لمصطفى: “وأنت يا مصطفى، هتاخد العلبة دي بنفسك للمعمل، وتكلملي الدكتور حازم هناك.. قوله دي من ريحة الحبايب، يحللها ويديني تقرير مختوم بكرة الساعة 9 الصبح بالظبط.”

​مصطفى قام وقف، ضرب تعظيم سلام من غير ما يحس: “اعتبريه حصل يا فندم.. بس هتعملي إيه دلوقتي؟ هتروحي فين؟”

​ابتسمت ابتسامة باردة، الابتسامة اللي كان المتهمين في المشرحة بيترعبوا منها لما بيشوفوني بطلع الدليل ضد المحامي بتاعهم: “هروح بيتي.. هروح أنام.”

​الساعة كانت تنين بعد نص الليل. الشقة في المنيل كانت هادية هدوء يقبض الصدر، صوت نقط المطر وهي بتخبط في شيش البلكونة الخشب كان عامل زي دقات ساعة الموت. أنا كنت قاعدة في الصالة، طافية الأنوار كلها، ومشغلة أباجورة صغيرة يدوب منورة ركن واحد.

​كنت لابسة جلابية بيضا، وفاردة ضهري على الكرسي الهزاز، وباصة للتليفون اللي في إيدي. مسكت التليفون وبعت رسالة لمنى:

“منى.. أنا مش قادرة أتحرك.. جسمي كله تيل.. والبيت ضلمة.. عصام عمل إيه في العصير؟”

​الرسالة اتشافت في ثانية. التلات نقط بتوع الكتابة ظهروا واختفوا، وظهروا تاني.. الخوف كان بياكلهم هناك.

منى ردت: “ماما! أنتِ فين بالظبط؟ في السرير؟ متتحركيش إحنا جايين فوراً!”

​قفلت التليفون ورميته على الترابيزة. قمت وقفت، دخلت المطبخ، وفتحت درج السكاكين، سحبت سك..ينة المطبخ الكبيرة اللي بقطع بيها اللحمة، وحطيتها تحت مخدة الكرسي الهزاز اللي قاعدة عليه. قعدت تاني، وغمضت عينيا، وعملت نفسي شبه غايبة عن الوعي، بس وداني كانت صاحية لدرجة إني سامعة صوت دقات قلبي.

​نص ساعة بالظبط.

سمعت صوت مفتاح بيدخل في كالون الباب براحة شديدة.. تكة.. وتكة تانية.. الباب اتفتح بهدوء، والهوا البارد بتاع المطر دخل الصالة ومعه ريحة رطوبة الشارع.

​دخل عصام الأول، لابس كاب ومقفل جاكتت الجلد، ووراه منى بتترعش وماسكة في ظهره.

​”شسسسس.. براحة يا منى” عصام همس بصوت واطي وهو بيلف عينه في الضلمة.

“عصام.. أنا خايفة.. تفتكر الجرعة كانت زيادة؟” منى صوتها كان بيموت من الرعب، “دي مكنتش بترد.. لو جرى لها حاجة هنروح في داهية!”

​عصام لقط خيالي وأنا قاعدة على الكرسي الهزاز، قرب بخطوات سريعة ومكتومة، وطى عليا، حط إيده قريبة من مناخيري يشوفني بتنفس ولا لأ، وبعدين اتنهد براحة وبص لمنى اللي كانت واقفة بعيد ووشها أصفر زي الليمونة:

“بتتنفس يا غبية.. نايمة في سابع نومة. المادة اشتغلت صح، الدوز مظبوط بالظبط زي ما الراجل قالي، دي دلوقتي لو شيلتيها ورميتيها من البلكونة مش هتحس بحاجة.”

​منى قربت، وبصتلي بنظرة غريبة.. مزيج من الشفقة والجشع: “طب هنعمل إيه؟ الورق معاك؟”

​عصام طلع من جيبه الجواني ملف جلد أسود، وطلع منه ورق التوكيل العام، وقلم جاف أزرق: “الورق جاهز.. والبصامة معاية في الجيب التاني. هنبصمها وهي غايبة عن الوعي كده، وبكرة الساعة 9 الصبح هكون واقف قدام الموظف في الشهر العقاري، والظهر بالظبط الشقة دي والبيت والأرض هيكونوا باسمي.. وبنتك هتروح دار مسنين تكمّل بقية أيامها هناك وهي مش دارية بالدنيا.”

​عصام مسك إيدي اليمين، إيدي كانت سايبة تماماً ومستسلمة، فتح صباعي الإبهام الكبيير، وطلع علبة الحبر الأزرق الصغير وبدأ يدهن صباعي.

​”امسكي الورقة يا منى.. ثبتيها قدام صباعها” عصام أمرها وهو بيتنفس بسرعة من كتر الحماس والإدرينالين.

​منى مسكت الورقة وإيدها بتترعش، عصام رفع إيدي المدهونة حبر وبدأ يقربها من خانة التوقيع والبصمة.. الصباع كان على بعد مللي واحد من الورقة.. خلاص، حياتي وشقايا كله كان هيروح في ثانية..

​وفي اللحظة دي بالظبط..

​فتحت عينيا الاتنين على وسعهم، وبصيت في عين عصام مباشرة.. عينيا كانت حادة وصاحية لدرجة رعبته، وبصوت قوي وواضح زي الرعد زلزل الصالة الضلمة، قلت:

​”البصمة دي بـ 25 سنة سجن يا عصام.. تفتكر هتلحق تهرب؟”

​عصام اتفزع ورجع لورا خطوتين وهو بيصرخ، والورق اتبعزق في الأرض، ومنى لمت إيدها على بؤها وصوت صريخها انتم في الصالة.. وفي نفس اللحظة، النور كله بتاع الشقة ايد، والباب اللي وراهم اترزع ودخل منه…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *