اتجوزت مسجون صافى هانى الرابع والاخير
الخط قفل في وشي، وصوت الرصاصة اللي اتعمرت ورا الباب طيّر الباقي من عقلي. الموبايل وقع من إيدي على التراب، وبصيت لأخويا الصغير اللي كان لسه نايم في سابع نومة ومش حاسس إن الموت واقف على العتبة.
لميت الملفات والشارة والطبنجة الميري من الخزنة في ثانية، وحطيتهم في حضني مع البطاقة وكشف الحساب. جِريت على أخويا، شيلته براحة من غير ما يحس، وبقيت بلف بعيني في الأوضة الضلمة زي المجنونة.. الباب الرئيسي بره خلاص هيتكسر، ومفيش أي مخرج تاني.
”بببوم!”
الباب الخشب بتاع الصالة اتحدف لجوه من قسوة الرزعة. سمعت صوت دبة الجزم التقيلة وهي بتدخل، وصوت فحيح الراجل أبو جرح وهو بيأمر رجالته بلغة باردة: “فتشوا الأوض أوضة أوضة.. هاتولي البنت والورق.. والواد الصغير مش عايزينه عايش.”
جسمي كله اتجمد. لو اتنفست هيسمعوني. بصيت للشباك الصغير بتاع أوضة النوم، كان عالي وضيق، ومتقفل بسلك حديد بتاع الناموس. حطيت أخويا على الأرض ورا السرير، وسحبت الطبنجة الميري بتاعة يونس اللي أخدتها من الخزنة.. إيديا كانت بتهز السلا..ح، بس مكنش قدامي حل تاني.. يا قاتل يا مقتول.
صوت الخطوات بره بقا على بعد سنتيمترات من باب الأوضة. مقبض الباب بدأ يتحرك براحة وينزل لتحت..
قفلت عيني، ورفعت المسد..س بإيدين بترتعش وزبطت تصويبه على مستوى الباب، وصباعي اتثبت على الزناد.. مستنية اللحظة اللي الباب فيها يتفتح عشان أفرغ في صدره الخزنة كلها.
وفجأة.. قبل ما الباب يتفتح بملّي، السقف بتاع الصالة بره اتهد!
صوت ضرب نار أعمى وبكثافة مرعبة بدأ يشتغل.. بس المرة دي الصرّخات مكنتش طالعة من البوليس، دي كانت صرخات رجالة الراجل أبو جرح وهما بيتصفوا! صوت ضربات سريعة ومكتومة، ووقوع جثث على الأرض.. ووراها صوت قنابل غاز بدأت ترمي دخانها الأبيض من الشبابيك.
الباب بتاع الأوضة اتفتح فجأة، وظهر وسط الدخان ضل راجل ضخم لابس قناع أسود ودرع واقي.. صرخت وكنت هضغط على الزناد، بس الراجل في لمح البصر طيّر المسد..س من إيدي، ومسكني من كتافي وزعق بنبرة آمرة بس مألوفة: “اثبتي يا بسمة! أنا لواء فريد.. زميل يونس! إحنا محاصرين المكان كله!”
بره في الصالة، الراجل اللواء الكبير أبو جرح كان واقع على الأرض، إيديه متكلبشة ورا ضهره، والدم سايل من رجله، ورجالة العمليات الخاصة ماليين المكان.
اللواء فريد وطى شال أخويا الصغير اللي صحي وبدأ يصرخ، ومسكني من إيدي وخرج بيا بره البيت وسط الحراسة المشددة. أول ما خرجت للمزرعة، شفت عربية إسعاف تانية واقفة، وبابها المفتوح مبين يونس وهو قاعد جوه، رابطين كتفه بالشاش، وأول ما شافني.. ابتسم بتعب وعينيه لمعت بالدموع.
جريت عليه وأنا بنهج والملفات في حضني، ورميت نفسي في حضنه وأنا بعيط من كل قلبي: “أنت كويس؟ يونس.. كل ده خلص؟”
يونس ضمّني بإيده السليمة، وباس راسي وقال وهو بيبص للواء الكبير وهو بيتجرجر للعربيات المكلبش: “خلص يا قلب يونس.. الشبكة كلها وقعت.. والبلد دي نضفت من الحوت الكبير.”
بصيت للورق اللي في إيدي، ولأخويا اللي بقا في أمان، وقولتله وأنا بتنفس لأول مرة من يوم ما دخلت السجن: “يعني أنا مش مجرمة؟”
يونس ضحك وسط وجعه وقال: “أنتِ بطلة يا بسمة.. والاسم الجديد والفلوس دي بقوا حلالك.. مكافأة من الدولة عشان نجدتي ضابط عمليات خاصة.”ابتسمت وسط دموعي، وحسيت فجأة بوزن الجبل اللي كان على كتافي بيقع. لكن فرحتي مكملتش ثانية واحدة.. لمح لمح البصر نظرة عين اللواء فريد وهو بيبص ليونس.. نظرة مكنش فيها فرحة نصر، كان فيها توتر وخوف حقيقي.
اللواء فريد قرب من باب عربية الإسعاف، وبص ليونس وقاله بصوت واطي ومكتوم: “يونس.. القوات قفلت طريق الصحراوي كله، وقبضنا على المساعدين بتوعه.. بس فيه مصيبة.”
يونس حاول يقوم وسند على دراع الإسعاف: “مصيبة إيه يا فندم؟ الراس الكبيرة وقع خلاص!”
اللواء فريد هز راسه يمين وشمال وبص للورق اللي في حضني وقاله: “الراجل اللي قبضنا عليه جوه ده مش اللواء.. ده الشبيه بتاعه! اللواء الحقيقي مكنش في المزرعة أصلاً.. اللواء الحقيقي هرب بكشف الحساب الأصلي، ومعاه الأكواد بتاعة الحسابات الدولية اللي فيها تلاتة مليار جنيه.. والشفرة دي مب تفتحش غير ببصمة عين حد من عيلة الهلالي.. يعني ابن عمك اللي مات، أو.. أو أنت يا يونس!”
الدنيا لفت بيا تاني.. اللعبة مخلصتش؟
يونس وشه اتقلب، والدموع جفت في عينيه وحل مكانها رعب حقيقي، بصلي وقالي ونفسه بيتقطع: “بسمة.. الورقة اللي كانت في الخزنة.. أنتِ قريتي اللي فيها كله؟”
قلتله وأنا بترعش: “آه.. تاريخ ميلاد أخويا والباسورد..”
”لأ يا بسمة!” يونس زعق بصوت هز المكان، “الورقة كان فيها ضهر.. مكتوب فيه إيه؟”
فتحت الورقة بسرعة وبصيت في ضهرها تحت نور كشافات عربيات الشرطة.. شفت سطر مكتوب بخط صغير جداً زق قلبي في رجلي:
(لو وصلتِ هنا واللواء هرب.. اعرفي إن المقر السري تحت أرض المزرعة.. والمدخل من تحت السرير اللي خبيتي وراه أخوكي).
في نفس اللحظة.. ومن جوه بيت المزرعة اللي لسه خارجين منه.. سمعنا صوت صرخة مكتومة.. بس مكنتش صرخة حد من العساكر.. دي كانت سرينة إنذار إلكترونية بدأت تصفر من تحت الأرض، ووراها صوت ميكانيكي مرعب.. كأن فيه بوابات حديد ضخمة بتقفل وتقفل على كل اللي جوه!
يونس شد الطبنجة من حزام اللواء فريد وهو بيصرخ: “المقر تحتنا!! اللواء الحقيقي جوه المزرعة ومستني عيلتي!”
وقبل ما أي حد يتحرك، أرض المزرعة كلها اتهزت تحت رجلينا، وصوت انفجار مكتوم طلع من تحت البيت.. والدخان الأسود بدأ يخرج من الشباك الصغير اللي لسه سايبه أخويا عنده من دقيقتين!النفس وقف، والكون كله اتحول لثواني مرعبة كأنها سنين. الدخان الأسود كان بيخرج من شباك الأوضة زي التعبان، ويونس رغم إصابته جِري زي المجنون ناحية البيت وهو بيصرخ: “بسمة! خليكي مكانك!”
لكن رجلي مسمعتش كلامه، جِريت وراه وأنا شايلة أخويا ودموعي بتطير في الهواء. اللواء فريد ورجالته دخلوا ورانا وهما رافعين السلا..ح، واقتحمنا الأوضة اللي كان فيها أخويا من ثواني.
الدخان كان خانق، بس شفت يونس واقف عند السرير اللي اتزاح من مكانه، وبان تحته سلم حديد نازل لسرداب ضلمة تحت الأرض. من قلب السرداب، كان طالع صوت كحة مخنوقة وصوت رنان لضحكة شريرة مرعبة.. ضحكة اللواء الحقيقي اللي كان فاكر إنه هيهرب.
”يونس هلالي.. جيت برجليك يا ابن الهلالي! افتح الشفرة وإلا المزرعة كلها هتنفجر فوق دماغنا ودماغ المزة وأخوها!” صوت اللواء كان جاي من تحت، وواضح إنه كان مصاب ومحشور في البوابة الرقمية اللي قفلت عليه بعد الانفجار المكتوم.
يونس بصلي نظرة أخيرة، نظرة ودعني فيها بكل حنية الدنيا، وقبل ما حد يلحقه، نط جوه السرداب.
”يونس!!” صرخت بأعلى صوتي وكنت هنزل وراه، بس اللواء فريد مسكني جامد: “ارجعي ورا يا بسمة! السرداب هينهار!”
سمعنا صوت ضرب نار متبادل من تحت.. طلقة.. والتانية.. وبعدها صوت صرخة اللواء الحقيقي وهو بيقع. ووراها علطول، صوت يونس وهو بيزعق من تحت: “فريد!! اقفلوا بوابة السرداب حالا!! اللواء ضرب قنبلة موقوتة وباقي دقيقة واحدة!! اقفلوا البوابة عشان تعيشوا!!”
”يونس لأ!! اخرج حالا!!” صرخت بهستيريا وأنا بملخ نفسي من إيد اللواء فريد.
يونس ظهر وشه لثانية من تحت، بص لأخويا وبصلي، وقال بابتسامة صافية وعين مليانة دموع: “أنا فديت بلدي يا بسمة.. وعشت تلات سنين في السجن عشان اللحظة دي.. عيشي بالفلوس الحلال وحبي أخوكي.. وأنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك.”
وبإيديه الاتنين، سحب الذراع الحديدي الداخلي.. البوابة الفولاذية اتقفلت برزعة هزت الحيطة، واتقفل عليها بالترقيد الإلكتروني.
اللواء فريد سحبني بالقوة بره البيت وإحنا بنجري، ويدوب رجلينا لمست تراب المزرعة بره.. والبيت كله انهار لجوه وانخسف بيه الأرض في انفجار كتمه التراب والخرسانة.. ومات معاه السر، ومات معاه اللواء الخاين.. ومات معاه يونس.
وقفت في وسط الضلمة، والفجر بدأ يشقشق بنوره الضعيف. بصيت للخراب اللي قدامي، وبكيت كأني عمري ما بكيت قبل كده. يونس مكنش مجرم، يونس كان البطل اللي حماني وحمى البلد دي بدمه.
طبطبت على أخويا الصغير وضمتّه، وحطيت إيدي في جيبي.. لقيت كشف الحساب والبطاقة الجديدة. بصيت للسما وقولت: “وعد عليا يا يونس.. هعيش شريفة زي ما عرفتني، وهربي أخويا بفلوسك اللي بقت حلال.. وعمري ما هنسى الراجل اللي اتجوزته في السجن.. ومات عشان يديني الحياة.”