أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب حكايات شروق خالد الثاني
داليا رجليها خانتها.
سندت بإيدها على طرف الترابيزة وهي بتبص للحارس كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
همست بصوت متقطع:
ـ إنت… متأكد من الاسم؟
الحارس هز راسه.
ـ أيوه يا هانم… قال بالحرف: “قولوا لرأفت الديب إن حسن منصور مستنيه… وقولوا لداليا إن أبوها رجع.”
سكتت القاعة كلها.
بسمة ضحكت بسخرية وهي بتحاول تكسر لحظة الصدمة.
ـ باين إنهم عاملين مسرحية علشان يبتزوك يا رأفت.
لكن رأفت ما بصش لها.
كان مركز مع داليا.
وشها بقى أبيض، وإيديها بتترعش.
قرب منها وسألها بهدوء:
ـ إنتِ متأكدة إن والدك مات؟
داليا ردت والدموع مالية عينيها:
ـ أنا اللي حضرت دفنته… أو على الأقل… ده اللي قالوهولنا.
عم سيد فجأة قال بصوت منخفض:
ـ لا… اللي حصل وقتها كان فيه حاجات كتير مستخبية.
رأفت لف له بسرعة.
ـ تقصد إيه؟
عم سيد اتوتر.
ـ أنا… أنا قلت أكتر من اللازم.
رأفت قرب منه.
ـ عم سيد… من تلاتين سنة وإنت في البيت ده. لو تعرف حاجة، هتقولها دلوقتي.
الراجل العجوز نزل عينيه في الأرض.
ـ في الليلة دي… الله يرحمه الحاج كامل الديب رجع البيت ومعاه راجل غرقان دم. كان بيقول للحراس: “حد يعرف إن الراجل ده عايش، هدفعه التمن.”
داليا شهقت.
ـ مين الراجل ده؟
عم سيد رفع عينه ناحيتها.
ـ كان اسمه… حسن منصور.
الصمت رجع يسيطر على المكان.
رأفت حس إن قلبه دق لأول مرة بعنف.
ـ والدي كان يعرف والدها؟
عم سيد هز راسه.
ـ كانوا أصحاب زمان… وبعدين بقوا أعداء.
ـ ليه؟
ـ معرفش… لكن بعد الليلة دي، حسن اختفى… واتقال إنه مات في البحر.
داليا رجعت خطوة.
ـ يعني… أمي كانت بتكدب عليا؟
ـ يمكن كانت بتحميكي.
بسمة صرخت بعصبية:
ـ كفاية بقى! هتصدقوا قصة راجل مجهول؟
رأفت بص لها ببرود.
ـ اسكتي.
ـ إنت كل شوية تقولي اسكتي! أنا خطيبتك!
ـ لحد النهارده بس.
الكلمة وقعت عليها كأنها صفعة.
ـ يعني إيه؟
رأفت شال خاتم الخطوبة من جيبه، وحطه على الترابيزة قدامها.
ـ انتهى كل شيء بينا.
بسمة فتحت عينيها بصدمة.
ـ مستحيل!
ـ أنا مستحيل أكمل حياتي مع واحدة شايفة الناس درجات.
صرخت وهي بتعيط:
ـ هتندم يا رأفت! أنا هخليك تخسر كل حاجة!
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ اللي بيهدد… بيكون خسر بالفعل.
في نفس اللحظة…
اتفتح باب الفيلا ببطء.
ودخل راجل كبير في السن، هدومه قديمة، وشعره كله أبيض، وماشي مستند على عصاية.
أول ما داليا شافته…
شهقت.
ملامحه…
نفس الصورة القديمة اللي كانت محتفظة بيها لأبوها.
الراجل وقف قدامها، وعينيه غرقت بالدموع.
رفع إيده المرتعشة ولمس وشها برفق.
وقال بصوت مخنوق:
ـ كبرتي يا داليا…
أنا عارف إنك مستحيل تسامحيني…
بس والله…
أنا ما سبتكوش بإرادتي.
داليا انفجرت في البكاء.
لكن قبل ما ترمي نفسها في حضنه…
سمعوا صوت تصفيق ساخر جاي من باب الفيلا.
لف الجميع.
وكان هناك رجل أنيق في الخمسينات، يبتسم ابتسامة باردة وهو يقول:
ـ يا سلام… لم الشمل خلص؟
ثم ثبت نظره على حسن منصور وقال:
ـ الهارب رجع أخيرًا… بعد خمسة وعشرين سنة.
حسن اتجمد مكانه، وهمس بخوف لأول مرة:
ـ فؤاد السيوفي… إنت لسه عايش؟!
حكايات شروق خالد
ابتسامة فؤاد السيوفي كانت هادية…
لكن عينيه كان فيهم شر يخلي أي حد يقشعر.
دخل القاعة بخطوات ثابتة، وكأن الفيلا بتاعته.
وراه أربعة رجالة ضخمين، كلهم لابسين بدلات سودا.
الحراس بصوا لرأفت مستنيين إشارة واحدة.
رأفت رفع إيده بهدوء.
ـ محدش يتحرك.
فؤاد ضحك وقال:
ـ لسه هادي زي أبوك يا رأفت… بس الهدوء ساعات بيضيع صاحبه.
رأفت رد ببرود:
ـ إنت دخلت بيتي من غير إذن… قول اللي عندك وامشي.
فؤاد وقف قدام حسن منصور.
وبصله باستهزاء.
ـ فاكر إني نسيتك؟
حسن شد على العصاية بإيده.
ـ كنت فاكر إنك هتسيب الماضي يموت.
ـ الماضي؟!
فؤاد ضحك بصوت عالي.
ـ الماضي هو اللي عملنا اللي إحنا فيه دلوقتي.
داليا بصت لأبوها وهي مش فاهمة.
ـ بابا… مين الراجل ده؟
حسن قفل عينيه لحظة.
ولما فتحهم، كان واضح إنه خد قرار عمره.
ـ ده الراجل اللي ضيع عمرنا.
الكل سكت.
حتى بسمة نسيت مصيبتها وفضلت تتابع.
حسن كمل:
ـ من خمسة وعشرين سنة… أنا وأبو رأفت كنا شركا.
كان عندنا شركة نقل بحري صغيرة.
اشتغلنا ليل ونهار لحد ما وقفنا على رجلينا.
وفجأة ظهر فؤاد.
عرض علينا ندخل معاه في شغل ممنوع.
رأفت عقد حواجبه.
ـ شغل إيه؟
حسن رد:
ـ تهريب.
القاعة اتجمدت.
ـ أنا رفضت.
وأبوك رفض.
لكن فؤاد ماكنش بيتقبل كلمة “لا”.
فؤاد ابتسم وهو بيصفق ببطء.
ـ كمل…
احكي الباقي.
حسن بص لداليا.
ـ في ليلة واحدة…
اتحرقت مخازننا.
واتقتل اتنين من رجالتنا.
واتلفقلي أنا تهمة.
ولما حاولت أبلغ…
اكتشفت إن الشرطة كلها متشتريه.
داليا دموعها نزلت.
ـ يعني كنت بريء؟
ـ أيوه يا بنتي.
ـ طب ليه سبتنا؟
حسن صوته اتكسر.
ـ لأنهم قالولي…
يا إما أختفي…
يا إما يقتلوكي إنتِ وأمك.
داليا شهقت.
ـ وأمي كانت عارفة؟
ـ كانت عارفة كل حاجة.
بس وافقت تكرهيني…
ولا تشوفك ميتة.
داليا جريت عليه.
ورمت نفسها في حضنه وهي بتعيط.
ـ ليه يا بابا…
ليه سيبتني أكبر من غيرك؟
حسن حضنها بقوة.
ـ كل يوم كنت بموت ألف مرة.
حتى عيد ميلادك…
كنت باجي أقف بعيد وأشوفك من غير ما تعرفي.
رأفت كان واقف ساكت.
حاسس إن في أجزاء من تاريخ أبوه عمره ما عرفها.
بص لفؤاد.
ـ لو الكلام ده حقيقي…
يبقى أنت السبب في كل اللي حصل.
فؤاد ابتسم.
ـ لا…
ده مجرد أول السر.
رفع إيده.
وأحد رجالته طلع ظرف أصفر قديم.
فؤاد رماه على الترابيزة.
ـ افتحه يا رأفت.
رأفت فتح الظرف.
كان فيه صورة قديمة.
أول ما شافها…
وشه اتغير.
الصورة كانت لأبوه…
واقف جنب حسن منصور…
وشخص تالت.
رأفت همس:
ـ مستحيل…
داليا قربت تشوف الصورة.
وتجمدت مكانها.
الشخص التالت…
كان عم سيد.
كبير الخدم.
الكل بص ناحية عم سيد.
الراجل العجوز بدأ جسمه يترعش.
والعرق نزل من على جبينه.
رأفت قرب منه وقال بصوت حاد لأول مرة:
ـ عم سيد…
إنت كنت معاهم؟
عم سيد دموعه نزلت.
وقال بصوت مكسور:
ـ أيوه يا باشا…
وأنا كمان…
خنتهم.
حكايات شروق خالد