ام عزباء
قصة حقيقية وواقعية حدثت في الإمارات 💼 أم عزباء دخلت مقابلة عمل وهي ماسكة إيد طفلتها، فطردتها مديرة التوظيف قدام الناس… لكن لما خرج المدير التنفيذي من المصعد، اتضح إن الطفلة الصغيرة تحمل سرًا كان يبحث عنه من ثلاث سنوات.
كانت مريم واقفة في بهو شركة ضخمة في دبي، تمسك ظرفًا أصفر فيه سيرتها الذاتية، وكأنه آخر باب نجاة قبل أن تغرق تمامًا.
كان فستانها الأزرق بسيطًا ونظيفًا، لكنه مستعار من صندوق تبرعات، وحذاؤها القديم كان يحاول يخفي تعب شهور طويلة من الجري وراء لقمة العيش.
بجانبها كانت طفلتها ليان، عمرها ثلاث سنوات، تمسك أصابع أمها الصغيرة وتنظر إلى الأبواب الزجاجية الدوارة بدهشة بريئة.
دخلت مريم المقابلة وهي تعرف أن وجود طفلة معها خطأ في نظر الشركات، لكنها لم تكن تملك حضانة، ولا أهلًا، ولا مالًا تترك به ابنتها عند أحد.
وقفت مديرة التوظيف نادين أمامها بوجه بارد وقالت: أنتِ أحضرتِ طفلة إلى مقابلة عمل؟
ابتسمت مريم بخجل وقالت: آسفة، لم يكن عندي خيار، لا أستطيع أن أتركها وحدها.
رفعت نادين حاجبها وقالت بسخرية: نحن نبحث عن موظفة محترفة، لا عن أم جاءت تحول الشركة إلى حضانة.
احمر وجه مريم، لكنها أمسكت يد ليان بقوة حتى لا تنهار، فهذه الوظيفة كانت آخر فرصة قبل أن تُطرد من الغرفة التي تسكنها.
وفي
لحظة ارتباك، مدت ليان يدها نحو انعكاس الضوء على مكتب الاستقبال، فاصطدم كوعها بكوب ماء وانسكب على الرخام اللامع.
ركعت مريم فورًا على الأرض، تخرج مناديل من حقيبتها وتمسح الماء بيدين ترتجفان، وهي تقول: آسفة، والله آسفة.
الناس مروا بجانبها كأنها غير موجودة، وبعضهم نظر إليها بشفقة باردة، أما نادين فازدادت قسوة.
قالت نادين بصوت مسموع: هذه ليست بداية جيدة، أظن أن المقابلة انتهت قبل أن تبدأ.
في تلك اللحظة فُتح باب المصعد، وخرج رجل ببدلة رمادية داكنة، خطواته هادئة لكن حضوره جعل الجميع يبتعدون من الطريق.
كان اسمه راشد المنصوري، المدير التنفيذي للشركة، مليونير شاب معروف بصرامته وبعده عن الظهور.
توقف راشد عندما رأى مريم على ركبتيها، وليان واقفة بجانبها خائفة، ونادين تنظر إليهما كأنهما عبء.
اقترب وقال بصوت منخفض: لماذا هذه السيدة على الأرض؟
ارتبكت نادين وقالت بسرعة: حضرتك، المتقدمة أحضرت طفلتها معها وسببت فوضى في الاستقبال.
نظر راشد إلى مريم وقال: قومي، واحكي لي لماذا أنتِ هنا.
وقفت مريم بصعوبة، ليان، وقالت: أنا مريم، قدمت على وظيفة مساعدة إدارية، وأحتاج العمل لأنني مسؤولة عن ابنتي وحدي.
قالت نادين مقاطعة: لكنها غير مناسبة، من لا تستطيع ترتيب رعاية طفلتها لن تستطيع ترتيب جدول مدير.
رفع راشد يده فصمتت، ثم قال لمريم: ابدئي من المكان الذي تريدينه.
ابتلعت مريم ريقها وقالت: قبل ثلاث سنوات كنت أعمل في فندق صغير، وشاهدت حادث سيارة لرجل وزوجته، وأنقذت طفلة رضيعة من المقعد الخلفي قبل أن تشتعل السيارة.
تجمد وجه راشد فجأة، وبدأ ينظر إلى ليان بطريقة مختلفة.
أكملت مريم: لم يعرف أحد أهل الطفلة، والمستشفى قال إن أوراقها احترقت، وبعد أشهر أخذتها بقرار رعاية مؤقتة، ثم صارت ابنتي.
اقترب راشد خطوة وسأل بصوت مخنوق: هل كان في يد الطفلة سوار صغير عليه حرف ر؟
شهقت مريم وقالت: نعم، لكنه ضاع في المستشفى، كيف عرفت؟
لم يجب، بل جلس على أقرب كرسي كأن قدميه لم تعودا تحملانه، ونظر إلى ليان التي كانت تحدق في عينيه بنفس لون عينيه تمامًا.
قال بصوت مكسور: لأن أختي وزوجها ماتا في حادث منذ ثلاث سنوات، وابنتهما اختفت، والشرطة قالت إن جسدها احترق ولم نجد شيئًا.
سقطت نادين في صمت مرعب، أما مريم فضمّت ليان أكثر وقالت: أنا لم أخطفها، والله أنقذتها.
قال راشد وهو يحاول تمالك نفسه: أعرف، أنتِ لم تأخذيها من عائلتها… أنتِ حفظتِها لنا.
لكن قبل أن يطلب تحليل النسب، ركض موظف الأمن من الخارج وهو يحمل ملفًا قديمًا وقال: سيدي، هناك شيء غريب في أرشيف الحادث.
فتح راشد الملف فوجد توقيع نادين نفسها على تقرير قديم يقول إن الطفلة ماتت، رغم أنها لم تكن تعمل في الشركة وقتها إلا باسم مختلف.
التفت راشد إلى نادين بوجه تغيّر تمامًا، فسقطت من يدها حقيبتها، وظهر داخلها السوار الصغير المحفور عليه حرف ر.
وقبل أن يصرخ أحد، قالت ليان بصوت طفولي وهي تشير إلى نادين: ماما مريم، دي الست اللي كانت بتزعق فيا في المستشفى،
تجمّد الهواء في بهو الشركة.
نظر الجميع إلى ليان الصغيرة، ثم إلى نادين التي شحب وجهها فجأة حتى بدا وكأن الدم اختفى منه.
قال راشد ببطء: “ماذا قالت الطفلة؟”
مريم ابنتها أكثر وهي تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.
أما نادين فحاولت أن تضحك وقالت: “إنها طفلة… الأطفال يتخيلون أشياء كثيرة.”
لكن ليان هزّت رأسها بعناد طفولي وقالت: “أنا فاكراها… كانت لابسة أبيض وبتقول للناس يبعدوني عن ماما.”
ساد الصمت.
فتح راشد الملف القديم مرة أخرى، ثم نظر إلى تاريخ التقرير.
كان التقرير مكتوبًا بعد الحادث بيومين فقط.
والأغرب من ذلك أن الاسم الموجود أسفل التوقيع لم يكن “نادين” بل “نجلاء حمد”.
قال راشد: “نجلاء… هذا اسمك القديم؟”
بدأت يد نادين ترتجف.
اقترب رجل الأمن وقال: “سيدي، أثناء البحث في الأرشيف وجدنا أيضًا طلب تغيير اسم رسمي منذ سنتين.”
رفع راشد عينيه إليها.
هذه المرة لم تستطع الهرب.
جلست على أقرب كرسي وهي تهمس: ”
لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هنا.”
قال راشد بحدة: “إلى أين؟”
لمحة نيوز
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت: “لأنني كنت هناك يوم الحادث.”
شهقت مريم.
وأكملت نادين بصوت مرتجف:
“كنت أعمل في شركة تأمين تتولى ملفات الحوادث. عندما وصلت إلى المستشفى رأيت السوار الذي يحمل حرف (ر). وعرفت أن الطفلة هي ابنة رجل أعمال مشهور.”
سأل راشد: “وما علاقتك بهذا كله؟”
انفجرت بالبكاء.
وقالت: “أخي كان مدينًا بمبالغ ضخمة لأشخاص خطرين. سمعوا أن الطفلة هي الوريثة الوحيدة لثروة كبيرة بعد وفاة والديها. أرادوا الوصول إليها.”
تجمد الجميع.
وأضافت: “عندما علمت أن الطفلة نجت، أخفيت الحقيقة في التقرير وكتبت أنها ماتت. ظننت أنني أحميها من أولئك
الأشخاص.”
صرخ راشد: “وتُخفين طفلة عن عائلتها ثلاث سنوات كاملة؟!”
قالت وهي تبكي: “في البداية كان خوفًا… ثم تحوّل إلى جريمة لا أستطيع الاعتراف بها.”
نظر راشد إلى ليان.
كانت الصغيرة مختبئة خلف مريم.
ثم التفت إلى مريم وقال: “أنتِ من ربيتها طوال هذه السنوات؟”
أومأت برأسها والدموع في عينيها.
قالت: “لم أكن أعرف من تكون. بالنسبة لي كانت ابنتي فقط.”
سألها: “هل كنتِ تستطيعين التخلي عنها لو أردتِ حياة أسهل؟”
هزّت رأسها بسرعة.
“أبدًا.”
ابتسم راشد لأول مرة منذ بداية الحديث.
ثم نزل على ركبتيه أمام ليان وقال بلطف: “أنا خالك يا ليان.”
اختبأت الطفلة
أكثر خلف مريم وهمست: “أنا بحب ماما مريم.”
عندها امتلأت عينا راشد بالدموع.
وقال: “وستبقى ماما مريم دائمًا.”
بعد أسابيع أُجري تحليل الحمض النووي.
وجاءت النتيجة مؤكدة بنسبة قاطعة أن ليان هي بالفعل ابنة أخت راشد الراحلة.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن النتيجة.
بل القرار الذي اتخذه راشد.
ففي مؤتمر صغير داخل الشركة وقف أمام الموظفين جميعًا وقال:
“قبل أسابيع دخلت هذه السيدة إلى شركتنا تبحث عن وظيفة. بعض الناس رأوا فيها أمًا فقيرة تحمل طفلة وتسبب الإزعاج. أما أنا فرأيت إنسانة أنقذت حياة طفل وربّته ثلاث سنوات دون أن تنتظر مقابلًا.”
ثم التفت إلى مريم.
وأضاف:
“ابتداءً من اليوم، مريم هي مديرة قسم المسؤولية المجتمعية في الشركة.”
شهق الحضور.
أما نادين فتم فصلها وأُحيل ملفها إلى الجهات المختصة للتحقيق في كل ما حدث.
وبعد أشهر، انتقلت مريم وليان إلى منزل جديد وفرته الشركة لهما.
وكان راشد يزور الطفلة كل أسبوع.
لكن في أول يوم مدرسة، حدث موقف جعل الجميع يبكون.
سألت المعلمة ليان أمام التلاميذ:
“ما اسم ولي أمرك؟”
فابتسمت الصغيرة وقالت بثقة:
“عندي خال اسمه راشد…”
ثم أمسكت يد مريم وأكملت:
“بس أمي هي مريم… وهي اللي أنقذتني مرتين.”
“مرتين؟” سألت المعلمة.
ضحكت ليان وقالت:
“مرة من النار.
.. ومرة من الدنيا.”
فساد الصمت في الفصل.
أما مريم، فلم تستطع منع دموعها هذه المرة. ❤️
تمت.