زياد وميرال نورهان العشرى الاول
حكاية زياد و ميرال بقلم نورهان العشري ج١
في تمام الساعة 10:30 وبعد مرور ثلاثة وتسعين يومًا على توقيعي أوراق الطلاق وابتعادي عن المرأة التي ما زلت أعشقها، رنّ هاتفي ليزفّ إليّ خمس كلمات حطّمت كل ما ظننت أنني ضحيت لأجله: “طليقتك فاقدة للوعي.. وحامل في الشهر الرابع.”
كنت أظن أنني دمرت زواجنا لأحميها، لكنني كنت على وشك اكتشاف أن شخصًا يحمل اسم عائلتي كان يدمر حياتها طوال الوقت.
انفجر الصمت داخل شقتي الفاخرة في حي “تريبيكا” عندما أضاءت شاشة هاتفي.
— “زياد باشا المسيري” سأل صوت امرأة مستعجل على الطرف الآخر، “أنا بكلمك من مستشفى سانت كاترين الطبية. طليقتك، ميرال الجارحي، دخلت عندنا من حوالي عشرين دقيقة. هي فاقدة للوعي، والفحص بيأكد إنها حامل في الأسبوع الـستاشر تقريبًا.”
عجزتُ عن التنفس، حامل، فاقدة للوعي. طليقتي!
مزقت هذه الكلمات كل جدار بنيته حول قلبي طوال الأشهر الثلاثة الماضية. وأوراق الطلاق التي أجبرت نفسي على توقيعها بدت فجأة وكأنها أسوأ خطأ ارتكبته في حياتي.
وفي غضون دقائق، كان سائقي الشخصي ورئيس حراستي منذ سنوات، “مازن الزيات”، ينتظرني بالسيارة الجيب أسفل المبنى التقطتُ معطفي دون أن أنبس ببنت شفة.
الرجل الذي عرفته “ميرال” اختفى في اليوم الذي وقعتُ فيه تلك الأوراق. والرجل الذي يصعد إلى تلك السيارة الآن هو شخص أكثر برودًا وقسوة؛ تلك النسخة مني التي كانت تجعل المجرمين، والمسؤولين الفاسدين، ورجال العصابات يلوذون بالصمت بمجرد نظرة واحدة.
كانت رائحة مستشفى “سانت كاترين” تعج بالمعقمات، والقهوة المحترقة، والإرهاق. حكايات نورهان العشري
ظل “مازن” يتبعني عن كثب ونحن نعبر قسم الطوارئ، وكانت يده تستقر بالقرب من سلاحه المخفي تحت سترته؛ وهي عادة قديمة لم يتمكن أي منا من التخلص منها قط.
عند مكتب العناية المركزة، رفعت الممرضة رأسها لتنظر إليّ.
— “أنا جاي عشان ميرال الجارحي.”
— “حضرتك تقربلها إيه؟”
كان يجب أن أقول “لا أحد”.
لكن الحقيقة فلتت من بين شفتيَّ قبل أن أتمكن من منعها.
— “أنا جوزها.”
نظرتْ إلى شاشة الكمبيوتر أمامها وقالت:
— “بس مكتوب هنا إنه طليقك.”
ثبّتُ نظراتي في عينيها مباشرة وقلت بلهجة حاسمة:
— “رقم الأوضة كام؟”
بعد صمت قصير، أجابت بصوت خافت:
— “347.”
دفعتُ باب الغرفة بسرعة جعلت “مازن” يصطدم بي تقريبًا.
المرأة المستلقية على ذلك الفراش لم تكن تشبه “ميرال” التي أذكرها إلا بالكاد.
قبل ثلاثة أشهر فقط، غادرت منزلنا فخورة، جميلة، وثائرة.
أما الآن، فقد بدت هشّة إلى حد يمزق النياط.
كانت المحاليل معلقة في كلتا ذراعيها، وتلتف كدمات داكنة حول أحد معصميها. وجنتاها غائرتان، وعظام ترقوتها بارزة بوضوح تحت بشرتها الشاحبة. وحتى وهي غائبة عن الوعي، كانت إحدى يديها المرتعشتين تستقر بحماية فوق الانحناءة الطفيفة لبطنها. طفلنا…
كادت ركبتاي تخونانني وتنهاران.
وبعد لحظات، دلفت الطبيبة إلى الغرفة.
— “أنا دكتورة صفا.” راجعت تقرير ” مدام ميرال” الطب هي بتعاني من جفاف شديد، وسوء تغذية، ونقص خطر في الحديد. تقريباً مكنتش بتابع الحمل ده خالص ولا بتاخد أي رعاية. نبض البيبي لسه قوي، بس طليقتك في حالة حرجة جداً.”
كانت كل جملة تقال تقع على رأسي كالمطرقة، أشد من التي قبلها.
— “إيه اللي حصل؟” همستُ بسؤال.
ترددت الدكتورة “صفا” قبل أن تجيب:
— “هي مقالتش لينا حاجات كتير قبل ما تفقد الوعي.. بس واضح جداً إن في حد قريب منها كان قاصد يمنع عنها الرعاية أو الدعم اللي كانت محتاجاه بشدة.”
ثقلٌ بارد كالموت استقر في صدري.
— “تقصدي إيه؟”
وبدلًا من الإجابة، ناولتنا الطبيبة حقيبة أدلة مغلقة تحتوي على حقيبة يد “ميرال”.
— “دي وصلت مع متعلقاتها الشخصية.”
وفي داخلها، كان هناك ظرف مطوي.
وما إن ميزتُ خط يد “ميرال” حتى توقف قلبي تمامًا.
كانت هناك خمس كلمات مكتوبة على واجهة الظرف:
**إلى زياد .. لا تثق بأحد.**
شعرت وكأن الدماء قد انسحبت بالكامل من عروقي.
وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف “مازن” معلنًا عن وصول رسالة. نظر إلى الشاشة، ثم رفع عينيه ببطء ليلتقي بنظراتي. لم أرَ هذا التعبير على وجهه إلا قبل أحلك ليالي حياتي.
— “يا زعيم،” قال بصوت خافت للغاية، “أظن كده عرفنا مين اللي خان ميرال هانم.”
وصمت لبرهة كانت كافية ليتوقف نبضي تمامًا، قبل أن يتابع:
— “والشخص المسؤول عن ده… شايل نفس اسم عيلتك.”
لمدة لحظة، تضاءل الكون كله ليرتكز على وجه “مازن”.
وتلاشى الصوت المنتظم لجهاز مراقبة نبضات “ميرال” في الخلفية. بدت أضواء المستشفى الفلورية ساطعة أكثر مما ينبغي، بيضاء وباردة ولا تبالي بشيء. تشنجت قبضة يدي حول الظرف المغلق حتى تجعد الورق بين أصابعي.
قلتُ بنبرة خافتة:حكايات نورهان العشري
— “قول اللي قلته تاني كدة.”
تحرك فك “مازن” بتوتر قبل أن يجيب:
— “الشخص المسؤول عن ده… شايل نفس اسم عيلتك.”
فكرتي الأولى كانت مستحيلة. أما الثانية، فكانت أسوأ بكثير. **المسيري.**
لم يكن هذا اسمي وحدي. كان اسم أبي، المطبوع على واجهات المباني والشركات الكبرى والمؤسسات الخيرية. كان اسم أخي، المحفور على أبواب غرف الاجتماعات. كان اسم زوجة أبي، الذي تحمله كحليٍّ تتباهى به في كل حفلة فاخرة. كان اسمًا يرجو الناس التقرب منه أو يفرون رعبًا من سطوته.
والآن، أصبح هذا الاسم مرتبطًا بـ “ميرال” المستلقية فاقدة للوعي على فراش المستشفى، بكدمات تلتف حول معصمها، وطفلنا الصغير الذي يصارع في صمت داخل أحشائها.
سألتُه:
— “مين؟”
نظر “مازن” نحو الدكتورة “صفا”، ثم أعاد بصره إليّ:
— “مش هنا يا زعيم.”
هنا تدخلت الدكتورة “صفا” ونظراتها تزداد حدة:
— “يا زياد بية، لو في أي تهديد على سلامة المريضة بتاعتي، أنا لازم أعرف فوراً.”
أجبتُها قبل أن ينطق “مازن”:
— “فعلاً، في خطورة عليها.”
شلت الطبيبة ذراعيها متكتفة؛ كانت في الأربعينيات من عمرها، بعينين متعبتين لكنهما لا تفوتان شاردة ولا واردة. وقالت:
— “طيب، يبقى تبدأ وتقولي لو في أي خطر على ميرال لو سمحنا لزوار معينين يدخلوا عندها؟”
— “أيوة.”
خرجت الكلمة من فمي قبل أن أملك دليلاً، وقبل معرفة التفاصيل أو وضع استراتيجية. لكن شيئًا ما في رسالة “ميرال” كان قد اتخذ القرار نيابة عني بالفعل.
*لا تثق بأحد.*
نظرت الدكتورة “صفا” إلى الممرضة الواقفة عند الباب وقالت:
— “امنعي الزيارة فوراً. ومحدش يدخل الأوضة دي غير الطاقم الطبي المعتمد لحد إشعار آخر.” ثم التفتت إليّ: “هل حضرتك مفوض قانونياً لاتخاذ القرارات بالنيابة عنها؟”
جرحني السؤال بعمق أكبر مما ينبغي.
فمنذ ثلاثة وتسعين يومًا، تخلَّيتُ بمحض إرادتي عن حقي في أن أكون زوجها.على الأقل، على الورق.
قلتُ:
— “كنت كدة فعلاً.”
— “مش ده اللي سألته.”
نظرتُ إلى “ميرال”.
رموشها مسترخية على وجنتيها الشاحبتين. يدها تستقر فوق انحناءة بطنها الصغيرة وكأنها، حتى وهي غائبة عن الوعي، تحاول حماية ما لم أكن أعلم بوجوده أصلاً.
اعترفتُ قائلاً:
— “لأ… مش قانونياً.”
لان تعبير الدكتورة “صفا” قليلاً، لكن بصرامة:
— “يبقى في الحالة دي، مقدرش أقولك أي تفاصيل طبية غير في حدود القانون وبس. لو هي صحيت وطلبت وجودك، الوضع هيتغير. لحد ما ده يحصل، مصلحة المريضة وحمايتها هي الأولوية الأولى عندي.”
لأول مرة في تلك الليلة، يمنحني رفض أحدهم شعوراً بالراحة والاطمئنان.
كانت “ميرال” بحاجة إلى أشخاص لا ينحنون لمجرد دخولي الغرفة مستندًا إلى نفوذي وسلطتي.
قلتُ بصوت خافت:
— “تمام.. احميها.”
درست الدكتورة “صفا” ملامحي لثوانٍ طويلة، ثم أومأت برأسها:
— “هي محتاجة راحة تامة، ومحاليل، ومتابعة مستمرة. لو صحيت، بلاش تضغط عليها بكلام كتير. ضغط دمها مش مستقر، والتوتر والزعل في حالتها دي خطر جداً.”
— “فاهم.”
أجابت وهي تثبت عينيها في عينيَّ:
— “لأ.. إنت شكلك راجل بيفهم في لغة الأوامر والسيطرة. أنا عايزاك تفهم يعني إيه رعاية وحنية.”
أصابتني كلماتها بدقة محرجة.
نظرتُ إلى “ميرال” مجددًا وقلت:
— “هتعلم بسرعة.”
غادرت الدكتورة الغرفة بعد أن أمرت أمن المستشفى بالتواجد بشكل غير ملفت في الممر. انتظر “مازن” حتى أُغلق الباب ثم اقترب مني.
سألتُه:
— “وصلت لإيه؟”
أخرج هاتفه وعرض عليّ الشاشة.
ملأت الشاشة صورة مشوشة، لقطة من كاميرات المراقبة الخارجية للمستشفى. كان هناك رجل يرتدي معطفًا رماديًا يساعد “ميرال” على الخروج من سيارة صالون داكنة. كانت ركبتاها تلتويان وتكاد تسقط، ولم يكن الرجل يمسكها برفق، بل كان يسندها بالكاد ليُبقيه
ا واقفة حتى يلاحظها موظفو المستشفى.
وبعدها… اختفى.
سألتُ بحدة:
— “مين ده؟” حكايات نورهان العشري
