زياد وميرال نورهان العشرى الثاني

حكاية زياد و ميرال بقلم نورهان العشري ج٢

أجاب “مازن”:

— “سواق مأجرينه من حساب خاص.. بس الحساب ده مربوط بفيزا كارت بتاعة مكتب عيلة المسيري.”

تباطأ نبضي وتحول إلى برودة قاتلة.

— “أنهي كارت بالظبط؟”

تردد “مازن”.

— “مازن.. انطق.”

— “حساب مصاريف بيت والدك.. عاصم بيه.”

سقطت الكلمات في الغرفة كالرماد.

أبي، “عاصم المسيري”، لم يغادر قصر شارع النخيل الفاخر دون مساعدة منذ قرابة عام كامل، بعدما أصيب بجلطة قبل ثمانية عشر شهرًا؛ كانت خفيفة بالمعايير الطبية لكنها دمرت كبرياءه. كان لا يزال يرأس مؤسسة “المسيري” اسمًا فقط، أما التحركات الفعلية لحسابات منزله فكانت تمر عبر طبقات من الموظفين والمساعدين وأفراد العائلة.

مما يعني أن البطاقة كان يمكن استخدامها من قِبل عدة أشخاص:

زوجة أبي، “شيرين”.

أخي الأصغر، “يوسف”.

مساعد أبي القديم، “طارق علام”.

أو أي شخص يملك وصولاً من خلالهم.

سألتُه:

— “كلمت حد في البيت؟”

— “لأ.. أنا كلمت أميرة.”

“أميرة” هي ابنة أخت “مازن”، فتاة هادئة ولماحة تعمل بدوام جزئي في المبنى السكني الخاص بأبي كموظفة استقبال ليلية أثناء دراستها للتمريض. لم تكن تدين لي بشيء، وهذا كان أحد الأسباب التي جعلتني أثق بها.

تابع “مازن”:

— “هي شافت ميرال هانم هناك النهاردة.”

التفتُّ إليه ببطء:

— “في مبنى والدي؟”

— “أيوة.. حوالي الساعة تمانية وأربعين دقيقة بالليل. ميرال وصلت لوحدها، وسألت عن عاصم بيه، وطلعت فوق.”

جف حلقي تمامًا:

— “مين اللي سمحلها تطلع؟”

— “شيرين هانم.”

شغلت صدري ضغطة صامتة كادت تخنقني.

دخلت “شيرين المسيري” حياة والدي بعد وفاة أمي، واحتلت مكانتها من خلال إتقانها لفن أن تصبح شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه. في العلن، كانت رصينة، أنيقة، سيدة تذكر تواريخ ميلاد المتبرعين وترسل رسائل التعزية المكتوبة بخط يدها. وفي الخفاء، كانت تعرف كيف تجعل أي غرفة تبدو أكثر برودة دون أن ترفع صوتها بنبرة واحدة.

لم تحبها “ميرال” قط.

وكنت أظن خطأً أن ذلك مجرد غيرة أو توتر طبيعي بين امرأتين قويتين.

ربما كانت “ميرال” ترى ما رفضتُ أنا رؤيته.

سألتُ:

— “إيه اللي حصل فوق؟”

— “أميرة معرفتش.. بس بعد نص ساعة بالظبط، طلبوا أسانسير الخدمات للدور الخاص. ونفس الراجل اللي ظهر في الكاميرا نزل ميرال هانم من الباب الجانبي.”

— “وبابا”

— “مفيش أي معلومات عنه.”

نظرتُ إلى “ميرال” مرة أخرى. قبل ثلاثة أشهر، وقفت عند باب غرفتنا، وعيناها تلمعان بدموع رفضت أن تسقط، وتوسلت إليّ للمرة الأخيرة لأقول لها الحقيقة.

*”أرجوك يا زياد.. لو في أي حاجة، بلاش تبعدني عنك وتخبي عليا.”* حكايات نورهان العشري

لكنني أغلقت الباب في وجهها تمامًا.

أقنعتُ نفسي بأن تركي لها هو الحماية المثالية. اعتقدتُ أنه إذا ابتعدتْ قبل أن تصل فضيحة عائلة “المسيري” إلى الصحافة، وقبل أن تشتد التهديدات الموجهة لاستثماراتي، وقبل أن تخرج التحقيقات الفيدرالية مع شركاء والدي القدامى إلى العلن، ستكون أكثر أمانًا بعيدًا عن اسم عائلتي.

لذا، جعلتها تكرهني.

تركتها تعتقد أنني اخترت الإرث والعائلة على حبها.

وبينما كنت أهنئ نفسي غبيًا على تضحيتي الباسلة، دخل شخص آخر مباشرة إلى الفراغ الذي خلفته ورائي.

ارتجف الظرف في يدي.

**”إلى زياد — لا تثق بأحد.”**

نظر “مازن” إليه وقال:

— “يا زعيم، لازم تفتح الظرف ده.”

لم أكن أريد ذلك.

ليس لأنني أخشى ما كتبته “ميرال”، بل لأنني أخشى التفكير في مدى الوحدة والعذاب اللذين عانتهما وهي تكتبه.

فضضتُ الختم بعناية.

في الداخل كانت هناك ثلاث ورقات مطوية وصورة صغيرة.

انزلقت الصورة إلى كفي أولاً.

كانت صورة أشعة فوق صوتية (سونار).

ملامح صغيرة دقيقة.. انحناءة جبهة.. يد صغيرة لا تتعدى الهمسة.

وفي الأسفل، كتبت “ميرال” بخط يدها:

*”زين المسيري — الأسبوع الـ 13.”*

انقطع نفسي بحدة مؤلمة.

نظر “مازن” بعيدًا، مانحًا إياي خصوصية حزن أكبر من أن تسعه جدران الغرفة.

فردتُ الرسالة لأقرأ:

“زياد، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى كان عندي حق لما خوفت.

أنا معرفش هما قالوا لك إيه عني. ومعرفش لو لسه مصدق إن الطلاق ده كان فكرتك لوحدك. أنا بس كل اللي أعرفه إني حاولت أوصلك وكل الطرق اللي توديني ليك كانت مقفولة. أنا عرفت إني حامل بعد الطلاق بست أسابيع. كلمت مكتبك مرتين، والسكرتيرة قالت لي إنك مش فاضي. بعت إيميل لحسابك الخاص، بس الرسايل كانت بترجع ومبتوصلش. رحت لحد شقتك وأمن المبنى قالي إن اسمي اتشال وممنوع أدخل. افتكرت إنك مسحتني من حياتك خلاص.وبعدها.. شيرين جاتلي…

تشنجت أصابعي على الورقة.

“قالت لي إنك عرفت بموضوع الحمل وإنك مش عايز أي علاقة بيا ولا بالطفل. وقالت لي إني لو حاولت أتصل بيك، المحامين بتوعك هيبهدلوني في المحاكم وهيقولوا إن الطفل ده مش ابنك. كان معاها ورق يا زياد.. ورق عليه إمضاءك وخط إيدك. كنت عايزة أصدق إنه مزور، بس بعد كل اللي حصل بينا، مكنتش عارفة أصدق إيه ولا إيه.

حكايات نورهان العشري

سمعتُ صوت أنفاسي يتصاعد متقطعًا كأنه يأتي من مكان بعيد.

واهتزت الورقة الثانية في يدي وأنا أقلبها.

“شيرين أجرّت لي شقة تحت اسم (مؤسسة المسيري للدعم الأسري). وقالت لي إن دي مساعدة مالية من والدك إنت مالكش دعوة بيها. كانت بتتحكم في الفلوس، وبتتحكم في الدكتورة اللي كانت عايزاني أروح لها. ولما كنت بسأل عن أي حاجة، الفلوس كانت بتقف بالأيام. كنت خايفة.. وكرامتي كانت ناقحة عليا برضه ومكنتش عايزة أشحت. حاولت أشتغل أونلاين، بس كل شغل أو عقد كان بيجيلي كان بيتغى فجأة أول ما بيعملوا تحريات ويوصلوا لشركات تابعة لعيلة المسيري. أنا عارفة الكلام ده باين إزاي.. وعارفة إنك ممكن تسأل نفسك أنا ليه محاربتش أكتر من كدة. بس أنا حاربت. حاربت في صمت، عشان كنت شايلة ابننا في بطني، وكل باب كنت بخبط عليه كان بيتقفل في وشي بقوة أشد. النهاردة الصبح، جاتلي رسالة من حد بيقول إنه من طرف والدتك الله يرحمها. قالولي إن والدك عاصم بيه كان بيسأل عليا، وطلبوا مني أروح بيت شارع النخيل الليلة دي ومعايا إثبات الحمل. لو حصل لي أي حاجة.. ابدأ بشيرين. بس متقفش عندها.

 

السطر الأخير كُتب بضغط شديد على الورق حتى تداخل الحبر فيه: “في حد تاني بيساعدها.

أنزلتُ الرسالة.

ولم أنطق بكلمة لثوانٍ طويلة. لم أستطع.

الغضب سيأتي لاحقًا، كنت أشعر به يغلي في مكان ما تحت أضلعي. لكن ما طفا على السطح أولاً كان شعورًا أثقل بكثير. العار الشديد. لقد حاولت “ميرال” الوصول إليّ. اتصلت بمكتبي، أرسلت لي إيميلات، ذهبت إلى منزلنا… وكل الطرق سُدّت في وجهها بينما كنت أجلس أنا في غرف الاجتماعات، مقنعًا نفسي الغبية بأنني أتحمل الألم من أجل حمايتها! أنا لم أحمِها.. بل جعلتُ عزلها واستهدافها أمرًا سهلاً للغاية. جاءني صوت “مازن” خفيضًا:

“يا زعيم.”

نظرتُ إليه.

“في حاجة كمان.”

كدتُ أضحك بسخرية مكسورة:

“طبعاً.. أكيد في.”

عرض شاشة هاتفه مجددًا.

هذه المرة كانت رسالة من “أميرة”:

«يا مازن، أنا شفت دفتر الزوار زي ما طلبت مني. مدام ميرال الجارحي مكنتش متسجلة باسمها الحقيقي النهاردة. اتسجلت باسم “م. شاهين”. وشيرين هانم هي اللي وقعت على دخولها بنفسها.»

ـ شاهين.

الاسم العائلي القديم لأمي المتوفاة “شاهيناز شاهين”.

دارت الغرفة بي. همستُ:

— “ليه شيرين تستخدم اسم عيلة أمي بالذات؟” حكايات نورهان العشري

لم يجب “مازن”.ولم يكن بحاجة للإجابة. أمي، “شاهيناز شاهين”، توفيت عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري. سكتة دماغية مفاجئة كما قال الأطباء حينها. فجأة، وبلا مقدمات. وتوقف والدي عن الحديث عنها تمامًا بعد ذلك، إلا في المناسبات الرسمية الخاضعة للرقابة.

وتزوج “شيرين” بعدها بثلاث سنوات.

قالت لي “ميرال” ذات مرة إن كل بيت فيه غرفة يفضل الناس يتظاهروا إنهم مش شايفينها. وقتها اعتقدتُ أنها تقصد المشاعر، الحزن، وجروح العائلة القديمة.

الآن، تساءلتُ إن كانت تقصد شيئًا أكثر واقعية وملموسًا.

غرفة مخفية.. ملف مغلق.. اسم لا يزال يفتح الأبواب الموصدة. أصدر جهاز المراقبة بجانب فراش “ميرال” إنذارًا خفيفًا. انتفض جسدي بالكامل نحوها.

دخلت الممرضة مسرعة، تفقدت الشاشة، عدلت المحلول، وتحدثت إلى “ميرال” بصوت دافئ لطيف رغم غيابها عن الوعي.

أوضحت الممرضة قائلة:

“الضغط وطي شوية.. بس بيرجع يستقر تاني.”

وقفتُ عاجزًا تمامًا بجانب الفراش، كل غرائزي وقوتي بلا نفع هنا. أستطيع شراء شركات، وإلغاء عقود، وتحريك فرق حراسة كاملة عبر المدن في دقائق، لكنني لا أستطيع إعادة الدم واللون إلى وجنتي “ميرال”.

سألتُ:

— “ممكن أمسك إيدها؟”

بدت الممرضة متفاجئة من سؤالي المؤدب، ثم لان تعبير وجهها وقالت:

— “بس براحة خالص.”

جلستُ بجانب الفراش وأخذت يد “ميرال” بين كفيَّ.

كانت أصابعها باردة كالثلج.

وقلتُ بصوت متهدج:

— “ميرال.. أنا زياد.”

لا حركة. أحنيتُ رأسي، متجنبًا سلك المحلول المثبت في معصمها وهمستُ:

— “أنا هنا دلوقتي.. وعارف إن ده مش هيصلح أي حاجة. وعارف إنه كان المفروض أكون هنا من بدري.. بس أنا هنا.”

ظلت يدها ساكنة تمامًا. ضغطتُ بجبهتي برفق على عقل أصابعها، تاركًا الصمت يحمل اعترافي الصادق.

أول مرة التقيت فيها بـ “ميرال”، كانت تجادل مدير متحف حول طريقة الإضاءة. كنتُ قد تبرعتُ بالمال لترميم جناح خاص، وكانت هي مؤرخة الفنون المستقلة التي تم التعاقد معها للإشراف على مجموعة خاصة تجهيزًا لعرضها. أتذكر دخولي إلى المعرض متوقعًا تعبيرات الامتنان التقليدية، لأجد امرأة ترتدي حذاءً مسطحًا ملطخًا بالألوان تخبر المدير بحدة أن الإضاءة الغالية لا تعني إضاءة جيدة بالضرورة. ثم التفتت إليّ وقالت بجرأة:

“حضرتك المتبرع.. قولهم إن الفلوس مش بتشتري الجمال

وقعتُ في حبها أسرع مما اعترفت لنفسي به يومًا.

لم تكن “ميرال” تهتم إطلاقًا بلقب وعائلة “المسيري”. كانت تحب المكتبات القديمة، والشاي بالليمون، والمشي على الكورنيش حتى في عز البرد. كانت تبكي عند سماع الموسيقى الأوركسترالية، وتغضب بشدة عندما يخلط الناس بين اللطف والضعف. لقد علمتني أن الحب لا يجب أن يبدو كعملية استحواذ أو صفقة تجارية.

وقد كافأتها أنا بأن قررت بمفردي وبمنتهى الأنانية أي ألم يمكنها تحمله وأي ألم أبعدها عنه.انفتح الباب بلطف.

عادت الدكتورة “صفا” ممسكة بجهاز لوحي (تابلت)، وتعبير وجهها يؤكد أنها تعرف الآن أكثر مما كانت تعرفه منذ ساعات. حكايات نورهان العشري

وقالت:

“يا زياد بيه، أمن المستشفى اتبلغ بكل حاجة. مفيش أي زوار هيدخلوا من غير موافقة مباشرة من مدام ميرال أول ما تصحى. ولحد ما ده يحصل، الطاقم الطبي وبس.”

“شكراً ليكي.”

نظرت الطبيبة إلى الرسالة في يدي وقالت:

“لازم تعرف إنها استردت وعيها لثواني بسيطة وهي في عربية الإسعاف.”

رفعتُ رأسي بلهفة:

“قالت إيه؟”

ترددت الدكتورة “صفا” قبل أن تجيب:

“سألت لو البيبي لسه عايش.. وبعدين قالت: قولوا لزياد إني حاولت ”

مزقت الكلمات شيئًا ما في داخلي. التفتُّ بعيدًا بسرعة، لكن ليس بالسرعة الكافية لإخفاء تأثري الشديد.

ابتعد “مازن” مقتربًا من النافذة ليعطيني مساحة، وقالت الدكتورة بنبرة هادئة:

— “هي أقوى بكتير من اللي ظاهر عليها.”

— “أنا عارف.”

— “لأ،” قالت الدكتورة، “إنت ممكن تكون عارف هي كانت مين زمان. لكن النهاردة، إنت بتشوف هي اضطرت تضحي وتكون إيه عشان تعيش.”

وقعت الكلمات على قلبي كالمطرقة. أومأت برأسي موافقًا.

سألتُ وأنا عاجز عن إكمال السؤال:

— “هل البيبي ممكن…؟”

— “نبضه قوي. بس جسم ميرال مر بجهد وضغط رهيب. الـ 24 ساعة الجايين دول هما الأهم. استقرار، محاليل، تغذية، وبدون زعل أو توتر. د

ي أولوياتنا.”

بدون توتر…

بينما ظل “شيرين المسيري” يمتد بالفعل ليخيم على هذه الغرفة.

— “أنا هضمن إن محدش يلمسها أو يقرب منها.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *