عشق على صفيح ساخن نورهان العشرى الثاني

عشق على صفيح ساخن بقلم نورهان العشري ج٢

كاد قلبي يتوقف؛ هكذا بكل بساطة! بلا اعتذار، بلا تفسير، بلا نقاش حول سبب اختفائي. فقط توقعٌ وأمر، وكأنه يعتقد أنه لا يزال يملك الحق في استدعائي مجدداً إلى عالمه.

ضحكتُ بخفوت قبل أن أتمكن من منع نفسي، وصوت الضحكة فاجأني أنا شخصياً:

— “أنت بجد شايف أن دا ممكن يحصل؟”.

أظلمت تعابير وجهه وقال:

— “أنتِ حامل في ابني”.

— “بس دا مش هيغير اللي حصل”.

للمرة الأولى منذ دخوله المتجر، تملكت المشاعر الحقيقية ملامحه الصارمة لتكسر جموده: ألمٌ خاطف لكنه لا يخطئه أحد.

نظرت “راما” بيننا بتمعن وسألت:

— “هو ايه اللي حصل بالضبط؟”.

ولم يجب أحد منا، لأن بعض الجروح أخطر من أن تُناقش علناً، خاصة هذا الجرح، وتحديداً هنا. فإمبراطورية “الزيني” لها أعداء في كل مكان: سياسيون، عائلات منافسة، محققون فيدراليون، وخونة مختبئون داخل منظمة “جاسر” نفسها. والسبب الذي جعلني أترك “جاسر” قبل ثمانية أشهر كان مدفوناً تحت كل ذلك كقنبلة موقوتة تنتظر الانفجار.

تذكرتُ الدماء على الأرضيات الرخامية، الصراخ، إطلاق النار، و”جاسر” واقفاً في منتصف كل ذلك والق*تل يتطاير من عينيه. تلك الليلة غيرت كل شيء، ليس لأني خفتُ مما هو عليه فأنا كنت أعرف دائماً أي نوع من الرجال تزوجت بل رحلتُ لأني اكتشفت ما هو أسوأ: شخص مقرب من “جاسر” خانه، وقبل أن يختفي ذلك الشخص، حذرني سراً قائلاً: حكايات نورهان العشري

“اهربي… لو جاسر اكتشف اللي أبوكي عمله هيدمر اي حد له صله بيه بما فيهم أنتِ”

في ذلك الوقت، لم أكن أعلم أنني حامل، وعندما أدركتُ ذلك، كان الأوان قد فات؛ إذ كانت الحرب داخل منظمة “الزيني” قد تصاعدت، وبدأ الناس يموتون، وفجأة أصبح طفلي وسيلة ضغط… نقطة ضعف… وهدفاً للاغتيال.

— “سارة”.

أعادني صوت “جاسر” إلى الحاضر.

— “مكنش مفروض تخلي عليا أبدًا حاجة زي كدا.

— “كان لازم احمي ابني”.

— “ابننا”.

جاء التصحيح فورياً بنبرة تملّك.

تنحنحت “راما” ببطء وقالت:

— “دلوقتي بدأت افهم ليه اتأجل اجتماع مجلس الإدارة”.

تجاهلها “جاسر” تماماً، ثم تحولت نظراته نحو المهد الذي بجانبي، ذلك المهد المصنوع من البلوط الباهت وسأل:

— “كنتِ بتشتري حاجاته لوحدك؟”.

— “أنا أقدر اعمل كل حاجة لوحدي”.

— “لا”، قالها بهدوء، “أنتِ في الشهر الثامن من الحمل، و واقفة في في مبنى عام من غير حماية، في حين أن نص أعدائي مستعدين يدفعوا ملايين عشان يأذوكي”.

اشتعل غضبي على الفور وقلت:

— “أنا مكنتش عايزة اكون طرف في حربك دي أبدًا”.

فتصلبت ملامحه: “بس أنتِ بقيتي جزء منها في اللحظة التي اتجوزتيني فيها… و ورثها ابننا في اللحظة التي حملتي فيه”.

ـ فيه!

أذهلتني الثقة في صوته، فسألت:

“أنت مفكر أنه ولد؟

— “أنا متأكد من كدا”.

ساد صمت غريب بيننا، لأنه ذات يوم قبل أن يتحطم كل شيء كان “جاسر” يتحدث دوماً عن إنجاب ابن؛ صبي يملك عينيّ، طفل ينشأ بعيداً عن العنف. لقد حلمنا معاً بأشياء مستحيلة، والآن تقف تلك الأحلام غارقة في دمائها بيننا.حكايات نورهان العشري

تقدمت “راما” أخيراً بعد أن نفد صبرها وبدأ قناعها ينكشف وقالت ببرود:

— “بصراحة حديث مؤثر، بس بيتهيقلي مفروض يحصل في مكان غير دا مش قدام الناس كلها في مانهاتن”.

ولم ينظر إليها “جاسر” بل قال:

— “امشي يا راما”.

ساد الصمت أرجاء المتجر، وحتى الحراس الشخصيون بدا عليهم الذهول. رمشت “راما” ببطء وقالت: “نعم؟”.

— ” أنتِ سمعتي أنا قولت أيه”.

للمرة الأولى، ظهرت الإهانة الحقيقية على ملامحها المثالية المتماسكة. التفتت بنظراتها نحوي، نظرة حادة ومدركة تماماً لما يحدث؛ فـ “جاسر الزيني الرجل الأكثر رعباً في نيويورك قد نسي وجودها تماماً بمجرد أن رآني حاملاً، والجميع في الغرفة كان يعلم ذلك.

استقامت “راما” بأناقة وقالت بحذر:

— “لو كان الطفل دا ابنك فعلا فمبروك “.

لكن النعومة في صوتها كانت تحمل نبرة قاتلة. ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت:

— “لازم تخلي بالك يا سارة الأطفال اللي بيتولدوا في عائلات قوية نادر اوي لو نجوا من الحروب السياسية من غير أي أذى”.

تحولت عينا “جاسر” إلى جمر من الجليد: “اخرسي”.

أومأت “راما” برأسها إيماءة صغيرة ثم استدارت ومشت مبتعدة. وعلى الفور تحرك الحراس القريبون من المدخل ليلحقوا بها إلى الخارج، ولكن قبل أن تختفي عبر الأبواب الزجاجية، توقفت للحظة… وابتسمت. لم تكن ابتسامة مهذبة، بل ابتسامة معرفة، وكأنها تفهم شيئاً لا نفهمه أنا ولا “جاسر”. ثم اختفت.

في اللحظة التي أُغلقت فيها الأبواب، اقترب “جاسر” أكثر… أكثر من اللازم. لفحتني رائحته المألوفة المكونة من عطر فاخر وهوية الشتاء، وخانني نبضي؛ لأن جسدي رغم كل شيء لا يزال يتذكره.

قال بهدوء: “حكايات نورهان العشري

ـ مينفعش تفضلي واقفة الفترة دي كلها.

 

كدت أضحك من عدم التصديق وقلت: ”

ـ لا معلش مش من حقك تتصرف و كأنك جوزي اللي قلقان عليا بجد

 

تحرك شيء مظلم خلف عينيه وقال:

“أنا فعلًا جوزك و مش هكون غير كدا أبدًا”.

تجمدتُ مكاني وسألت: “نعم؟”.

— “القاضي رفض قض*ية الطلاق”.

شعرتُ كأن الأرض تميل بي: ” مستحيل”.

ـ مكنتش هسمح يحصل عكس كدا.

 

انفجر الغضب في صدري:

“ملكش حق في—”

قاطعني:

“أنتِ اختفيتِ من غير سبب وأنتِ حامل في طفلي!”.

— “مكنتش اعرف أني حامل لما مشيت!”.

دوى صدى الكلمات بأعلى مما قصدت، واشاح العديد من الموظفين بنظراتهم بعيداً على الفور. حدق “جاسر” بي، يتفحص وجهي بعناية، وللمرة الأولى منذ أن رآني مجدداً، ظهرت ملامح الحيرة والشك عليه وسأل:

— “عرفتي بعد ما مشيتي؟”.

— “أيوا”.

تغيرت تعابير وجهه بشكل طفيف؛ لم تصبح أرق، بل أصبحت أكثر خطورة، لأنه أدرك الآن أنني لم أخفِ الحمل بدافع التلاعب، بل اختفيتُ بدافع الخوف.

وقبل أن يتمكن من التحدث مجدداً، اقترب أحد رجاله بسرعة وانحنى قليلاً نحو “جاسى” قائلاً بصوت منخفض ومستعجل:

— “زعيم، عندنا مشكلة”.

شحذ “جاسر” انتباهه فوراً وسأل: “حصل أي؟”.

— “عربية الدفع الرباعي السود اللي في الشارع… عليها لوحح روسية”.حكايات نورهان العشري

تشنجت كل غريزة داخلي. وتابع الحارس بهدوء: “تابعة للمافيا الروسية (البراتفا)”.

تغير وجه “جاسر” على الفور ليصبح بارداً وقاتلاً، والتفت نحو نوافذ المتجر. في الخارج، عبر شارع “ماديسون آفينيو”، كانت هناك سيارة سوداء تقف عند الرصيف بنوافذ معتمة ومحرك يعمل… تراقب.

هبطت معدتي خوفاً لأنني عرفت تلك السيارة؛ إنها تابعة لـ “البراتفا”. ولاحظ “جاسر” ردة فعلي فوراً وسألني:

— “أنتِ تعرفيهم؟”.

لزمتُ الصمت لفترة طويلة، فضيق عينيه وقال: “سارة”.

وقبل أن أجيب، انفتحت أبواب السيارة وترجل ثلاثة رجال إلى الرصيف؛ معاطف داكنة طويلة، وتحركات هادفة ومحددة. أحدهم كان يحمل زهوراً، والآخران يحملان ما هو أسوأ بكثير تحت ستراتهما.

امتدت أيدي حراس المتجر إلى أسلحتهم مجدداً، وصرخت بعض الزبونات بخفوت وتراجعن إلى الخلف. أما “جاسر”، فقد تحرك ووقف أمامي مباشرة دون تردد، يحمي جسدي بجسده؛ كانت حركة تلقائية، غريزية، كالتنفس تماماً، وضاق صدري بألم دافئ.

دخل الرجال المتجر بهدوء، بلا ذعر أو عجلة، بل بثقة صامتة. ابتسم الرجل الذي يحمل الزهور بشكل خافت عندما رأى “جاسر” وقال:

— “جاسر الزيني”.

فأجابه لوكا بصوت فتاك: “فولكوف”.

تجمد الدم في عروقي… “ميخائيل فولكوف”؛ أحد أكثر زعماء “البراتفا” قسوة على الساحل الشرقي، وآخر رجل على وجه الأرض كان ينبغي له أن يجدني.

تحولت عينا ميخائيل الزرقاوان الباهتتان نحو بطني، ثم نحوي، وقال بحفاوة:

— “سارة، اختفيتِ من غير ما تودعيني”.

التفت “جاسر” نحوي ، وكان الغضب في تعابير وجهه كفيلاً بإيقاف نبضي وسألني:

— “أنتِ تعرفيه؟”.

أجاب ميخائيل أولاً: حكايات نورهان العشري

— “قعدت فترة طويلة في قصر من القصور بتاعتي”.

صمت… صمت مطبق. رأيتُ “جاسر” يحلل المعلومة ثم يرفضها فوراً ويسألني:

— “استخبيتي عند المافيا الروسية؟”.

— “مكنش عندي اختيار تاني”.

— “كان عندك أنا”.

— “كان عندك خونة في الإمبراطورية بتاعتك”، صرختُ به، “وكانت الناس بتموت في كل مكان!”.

ابتسم ميخائيل خفيفاً وقال:

ـ كانت ذكية و ذكائها اللي خلاها عايشة

بدا “جاسر” مستعداً لق*تله، قت*له فعلياً. وشعر الحراس من حولنا بذلك فتأهبت الأسلحة سراً، وبدا الهواء نفسه على بُعد نبضة واحدة من الانفجار.

مد ميخائيل الزهور نحوي؛ كانت زنابق بيضاء، فانقبضت معدتي ليس بسبب الزهور ذاتها، بل لأن الزنابق البيضاء في ثقافة “البراتفا” تحمل رسالة: *الحماية، الدين، والتملك*.

لاحظ “جاسر” ذلك على الفور وانخفض صوته بشكل خطير:

— “أنت شجاع لدرجة أنك تجيب الزهور دي في المدينة اللي أنا بحكمها”

هز ميخائيل كتفيه بخفة وقال: “سارة عاشت تحت حمايتي شهور، والتقاليد عندنا شئ مهم”.

— “أنا ميهمنيش تقاليدكم”.

— ” المفروض انك تهتم بعد كدا واختفت الابتسامة عن وجه ميخائيل وتابع: “و خصوصا أن مراتح حامل في طفل الكل فجأة بقى مهتم بيه”.

تجمدت الغرفة تماماً، وحققت عينا جاسر: ” يعني ايه دا؟”.

نظر ميخائيل إليّ مباشرة، وفجأة فهمتُ تماماً سبب مجيئه؛ *لا، ليس الآن، أرجوك ليس هنا*.حكايات نورهان العشري

تنهد ميخائيل بهدوء وقال: “أنا قولتلها أن الكلام دا لازم يتقال و في النهاية هتسمعه’

تقدم “جاسر” خطوة إلى الأمام: “قول اللي جيت عشانه”.

تحركت نظرات ميخائيل بيننا، ثم استقرت أخيراً على لوكا وقال:

— “الطفل ممكن ميبقاش طفلك”.

توقف كل شيء… كل صوت، كل نفس، كل نبضة قلب داخل المتجر. تجمد “جاسر” تماماً؛ ذلك النوع من السكون الذي يسبق الموت. وببطء، التفت نحوي ملامح صدمة، غضب، وشيء قريب جداً من شعور الخيانة وسألني:

— “اشرحيلي ايه دا”.

جف حلقي وقلت: “الموضوع مش زي ما أنت فاهم”.

تحدث ميخائيل مجدداً:

— “سارة وصلت لبيتي الآمن مُصابة ومتخدرة بعد ما بدأت الحرب الداخلية في منظمتكم”.

فأظلمت تعابير “جاسر”: ” ودا أيع علاقته بطفلي؟”.

تردد ميخائيل، وتردده هذا أرعبني أكثر مما لو كان قد أجاب على الفور، ثم قال بهدوء:

— “الدكاترة اكتشفول آثار لعقاقير خصوبة تجريبية في جسدها”.

أغلقتُ عينيّ… *لا، لا لا لا*.

حدق “جاسر” به وسأل: “ايه؟”.

وتابع ميخائيل بصوت هادئ: “في حد لعب في سجلاتها الطبية قبل شهور من اختفائها”.

ضاق صدري بعنف؛ تذكرتُ عيادة الخصوبة، فحص الدم الروتيني، والأخصائي المرموق الذي أوصى به المستشارون السياسيون لـ “جاسر”. في ذلك الوقت، كنا أنا جاسر قد ناقشنا سراً فكرة بدء عائلة، لم يكن الأمر جاداً بعد، مجرد أحاديث وخطط وأمل. ولكن بعد أن هربتُ… وجد أطباء ميخائيل تضارباً في السجلات الطبية، ملفات معدلة، وحقن هرمونات لم أوافق عليها يوماً.

نظر “جاسر” إليّ ببطء وسأل: “كنتِ عارفة الكلام دا؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *