ست البنات نهى مجدى الثالث والاخير

الحلقه الواحده والعشرون

بالرغم مما أبديه من صمود وقوه الا أن داخلى متصدعاً تصدع من آمن وأحب وأخلص ثم وجد المقابل جارحا ً كمن أعطى الذهب وقوبل بالنحاس فما بال من أعطى قلبا ً يخفق ثم وجد فى النهايه الخواء , خواء المشاعر والتواجد وحتى خواء من ظننا يوما ً انهم دائمون .
هنالك اشخاص نشعر معهم ان الحياه حتى وان تهدمت وارتطمت السموات السبع بالأراضي السبع سيظلون هم كما هم معنا الان , ثم نجدهم بكل هدوء ينصرفون تاركين نزيفا ً لا ينضب , كيف لهم ان يفعلوا هكذا بنا ونحن من ارتمينا بين ايديهم باكين واخبرناهم انهم هم كل ما لدينا من متاع الحياه فإن تركونا نموت وفى النهايه تركونا حتى انهم لم يستديروا ليروا ان كنا متنا حقا ً اما مازال النبض يسرى فى عروقنا , كيف لهم ان تغمض اجفانهم وهم غارسين بنصل سيفهم الحاد بين أضلعنا .
كنا نقبّل الأرض من أسفل قدميهم ونحمل ذلك التراب الذين خطوا عليهم خطواتهم الحمقاء ونغتسل به لعلنا نتقرب منهم أكثر فما كان منهم الا ان القوا رواسبهم فى وجوهنا وطالبنا بالتحمل , كلما شعروا انهم تملكونا عثوا فى الارض فسادا ً واصبحت حياتنا مرتع لهم وعلينا ان نتحمل تحت مسمى الحب
الحب برئ منهم ومنا , فليس الحب ان يعيش طرف على حساب حياه الاخر فآحدهم يزبل والاخر ينمو ويترعرع , فإن لم يكن الحب متوازنا ً ومتساويا ً لفشل فشل زريع , ولعلك زرعت نفسك فى غير موضعك فزبلت وتساقطت اوراقك معلنه بدء نهايتك , وعليك ان تختار بين طريقين إما ان تستكمل تلك الحياه المُهينه وتصبح طرفا ً بائسا ً فيها فى سبيل ان تستمر تلك العلاقه المقفره او تعلنها صريحه ً انك لن تكمل سيرك فى هذا الطريق ولكن عليك تحمل تبعات قرارك
إياك ان تبكى وحدك ليلا ً
إياك ان تتذكره او تشتاق إليه
إياك ان تسترجع كل ذكرى لكما معا ً
إياك ان تذهب لذلك المكان الذى اعتدتا الذهاب اليه ووضع العطر نفسه الذى يحب تنفسه فيك
إياك ان تستمتع لتلك الأغنيه التى ظللتما طوال الليل تتراقصون عليها وكأن الحياه تنصاع لكما فقط وخلقت من اجلكما
إياك ثم إياك ان يخفق قلبك له مره أخرى لأنك إن عدت عدت مهزوما ً مكسورا ً تستحق ان تنسحق اسفل قدميه ولن يعيرك انتباهه قط .
وكنت انا من اللواتى قررت الانسحاب فلا حب بلا كرامه ولا بقاء بلا شعور , كنت اتمزق ولا أبدى فلقد اقسمت الا يكسرنى احدهم يوما ً وكما كنت اشتعل من أجله سأشتعل من أجل نفسى فقط .
مرت الأيام ثقيله لن أكذب وأدعى اننى لم استيقظ كل يوم من أيام شهور العدّه التى يستطيع فيها ردى بسهوله وانا اتوقع ان يقتحم عمرغرفتى ويجذبنى من يدى بقوه وهوا يخبرنى اننى عدت لعصمته ولن يتركنى انساب من بين اصابعه بسهوله كما ينساب الماء المهدور من يد لا تعرف قيمته , ولكن ذلك لم يحدث , كل يوم كان يمر على كان الانتظار ينهش من لحمى ويقتات عليه بالرغم من اننى سأرفض ذلك الوضع وسأعنفه كثيرا ً الا اننى كنت اوقن انه سيأتى حتى انهت تلك الايام وأخفقت فى مشاعرى مره أخرى كما اخفقت من قبل , يومها انتظرت حتى دقت الساعه الثانيه عشر بعد منتصف الليل واعلنت اننى اصبحت حره الان ومحوته من قلبى , كنت امزق ذكرياته معى وكأننى أولد من جديد , أخذت وقتا ً طويلا ً كى أدرك اننى لست شيئا ً لأحد ولكن يغفر لى اننى فى النهايه أدركت ذلك .
فى الصباح استيقظت على رنه هاتفى المعتاده , فتحت عينى والقيت نظره على المتصل فوجدته صفي , نهضت متكاسله خامله امسك بهاتفى ببطئ حتى ادركته وفتحت محادثه معه
– صباح الخير يا ميراس
– صباح الخير ياصفي
– نمتى كويس ؟
– عادى
– انا استنيت لما تخلصى شهور العدّه علشان اقدر اتكلم معاكى براحتى من غير مااحس انى عائق فى حياتك
– صفي , انت شايف ان دا وقت مناسب للكلام دا , انا لا مستعده نفسيا ً ولا جسديا ً لأى حاجه من دى ومش مركزه غير فى ابنى ودراستى فمن فضلك امسحنى من دماغك
– انا اسف يا ميراس انا مقصدتش اشتتك , انا بس كنت عايز ….
– ارجوك يا صفي سبنى دلوقتى الله يرضى عنك وهنبقى نتكلم بعدين
اغلقت الهاتف دون ان اسمع رده ولم أريد سماعه ففى تلك المرحله لم يكن يعنينى أى أحد حتى وان حطمت قلوب الجميع كما تحطم قلبى من قبل .
اصبحت شبه منعزله لا افعل شئ سوى دراستى فقط ومراعاه ابنى , دخلت الدبلومه واصررت ان انجح فيها واتفوق لألتحق بالجامعه التى عشت طوال حياتى احلم بها والتى كنت سأتخلى عنها بكل سهوله اذا طلب هوا ذلك , ولكن لا يهم لن اذكره فى حديثى ولا فى حياتى مره اخرى
قبل بدء اختبارات العام الأول من الدبلومه كنت منهكه تماما ً فى المذاكره والتحصيل لأتفوق وانجح فيها بتقدير كبير يساعدنى ان استكمل عامى الثانى واذا حافظت على ذلك التقدير المرتفع سألتحق بكليه الهندسه على الفور , فنت آكل الكتب أكلا ً وكأننى على صراع معها أخرج فيها همومى واحزانى وكآبتى وصدمتى وكل ما يجول بخاطرى وبقلبى , كنت انتقم من نفسى ومن الجميع بتلك الطريقه , ارد للعالم الصاع صاعين وارد لنفسى كرامتى وكبريائى , لم يكن يهمنى تعب ولم يكن الكلل يتطرق إلى , زهدت الطعام والتنزه والخروج من المنزل واصبحت راهبه علم فقط اجلس فى صومعتى اتعبد بالعلم والدراسه واوقات فراغى هيا وقت اهتمامى بتميم الذى اصبح صديقى المقرب ومكمن أسراري ومنبت سعادتى .
أتذكر تلك الليله التى كنت ساهره فيها ممسكه بكتابى وبجوارى كوب الشاى الدافئ الذى نسيته فى خضم مذاكرتى وطرقت امى الباب ولم تكن معتاده على السهر بل تذهب لتنام ومعها تميم لتتيح لى وقتا ً هادئا ً لزياده التركيز ولكنها فى تلك الليله لم تنم بل دخلت حمراء العينين منكسه الرأس تبدوا عليها علامات البكاء الحار فانقبض قلبى وارتجفت اوصالى وشعرت ان هنالك شيئا ً سيئا ً حدث
– فيه ايه ياماما مالك ؟
جلست بجوارى تقاوم دموعها المترقرقه فى عينيها
– مفيش حاجه ياحبيبتى سلامتك كنت بطمن عليكى
تركت مافى يدى وجلست بجوارها استجدى منها الكلمات لطمئن قلبى
– انتى مبتعرفيش تكدبى وملامحك بتكشفك , قوليلى فيه ايه متوقعيش قلبى
– عمر اتجوز
سقط قلبى واختفت الكلمات من فمى وهدء نبضى حتى كاد يختفى ولكنى استطعت ان ارسم ابتسامه زائفه بنجاح بالغ مع نظره متعجبه اعتقد اننى تدربت عليها جيدا ً
– طيب واحنا مالنا
ربتت امى على يدى التى ترتجف لا ادرى أمن بروده صقيع اصابت جسدى فجأه ام توتر احاول اخفائه بقوه ؟!
– انتى لو كدبتى على الدنيا كلها مش هتعرفى تكدبى على امك يا ميراس , انا بفهمك وبحس بيكى من غير ما تتكلمى , اقدر اعرف بتفكرى فيه لو سرحانه واقدر أحس باللى فى قلبك حتى لو خبتيه فى سابع ارض
– صدقينى يا ماما انا مسحت عمر من زمان ومش مركزه فى حاجه دلوقتى غير فى مذاكرتى بس
– يعنى مش عايزه تعرفى اتجوز مين ؟
– اكيد رجع لداليا
– وعرفتى منين ؟
– مش انتى بس ياماما اللى قلبك بيحس بالحاجه البعيده عنك
– بس انا بحس بالناس اللى بحبهم يا ميراس
– وانا مبحبش حد يا ماما وصدقينى لو رجع لداليا ولا ااتجوز غيرها كل دا مبيفرقش معايا , انا اخترت طريقى ومصممه عليه
– ياريت يكون الكلام دا من قلبك بجد
ربت على يديها انا الاخرى لأبث لها شعورا ً بالطمئنانيه افتقر انا اليه الان
– صدقينى انا مش زعلانه
قبلت رأسى وانصرفت وتركتنى احاول ان ألملم شتات أمرى , حاولت ان اغوص فى المذاكره حتى افقد وعيى ولكن صفحات كتابى تحولت لصفحات حياتى مع عمر , كنت ارانا نرقص على سطوره ونضحك بين فقراته , كنت ارى صورته مرتسمه بدلا ً مما يرتسم بداخل ذلك الكتاب , تحولت الحروف لأسمه وتحولت الكلمات لكلماته التى طالما القاها على سمعى ويلقيها على مسامعها الان , لم اشعر بنفسى الا وانا لا استطيع القرائه من كثره الدموع التى تراكمت فى عيناى فأغلقتهما وتساقطت على كتابى محت كلماته , امسكته بكل قوتى والقيته جانبا ً وانا أضع يداى على أذناى وكأننى امنع صوته ان يتردد بداخلى وانا أبكى بحرقه الأطفال , ظللت ابكى حتى نشرت الشمس شعاعها على القريه فأمسكت بهاتفى واتصلت بصفي الذى بدا من صوته انه كان غارقا ً فى النوم ومع ذلك مالبث الهاتف ان رن حتى اجاب بسرعه
– عايزه اسئلك سؤال ياصفي
– خير يا ميراس
– انت بتحبنى ليه ؟ هوا انا فيا ايه يتحب ؟ انت كدا بتظلم نفسك مع انسانه مش باقي منها غير رماد قلب مات
– انا راضي بالرماد دا
– انت تستحق انسانه لسه بتعرف تحب , انت مش عارف يعنى ايه انسانه قلبها اتكسر وكرهت الدنيا كلها
– انا هرجعلك حبك للدنيا يا ميراس
– انا سمعت كلام من دا كتير وللاسف صدقته , صدقته وحبيت بصدق اوى , حبيت زى مراهقه بتسمع كلمه حلوه لأول مره وزى قلب اول مره يدوق الحب والاهتام ويدق له وتتأسر مشاعره لحد ما تبقى مش ليه ومش عارف يسيطر عليها وعلشان كدا كان جرحى اكبر وأعمق
– انتى اتحبيتى علشان تستحقى الحب وحبيتى علشان قلبك كان محتاج يحب لكن مع ذلك انتى اقوى من ناس كتير قتلت روحها تحت مسمى الحب ولما حسيتى انك اخترتى غلط اعترفتى وبعدتى
– ولما انا قويه اوى زى مانت فاكر كدا بعيط ليه دلوقتى لما عرفت ان عمر اتجوز
– علشان احنا بنى ادمين بنحب وبنتوجع وبيصعب علينا نفسنا لما نهديها لحد ميحسش بقيمتها , وعادى لما نعيط ونخبط راسنا فى الحيطه كمان , النبى بكى يوم وفاه ابنه وقال ” إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك ياإبراهيم لمحزونون ” , يعنى من حق قلبنا يتوجع ومن حق عنينا تبكى علشان احنا بنى ادمين
– يعنى دا مش معناه انى لسه بحبه
– عايزه ترجعيله ؟!
– لا بالعكس انا زعلانه على كل يوم حبيته فيه وهوا ميستاهلش الحب دا ولا عرف قيمته
– يبقي بتعيطى علشان موجوعه ودا حقك يا ميراس
– انت انسان عظيم يا صفي
– لا عظيم ولا حاجه انا بس بحبك
– صدقنى انا نفسي مبقتش بحبنى
– لازم تحبى نفسك وتقدريها وتعرفى انك عملتى اللى غيرك عجز عنه وهستناكى تفرحينى بالنجاح اللى متأكد انك هتحصلى عليه بسهوله لأنك اتخلقتى علشان تنجحى
اغلقت الهاتف وقد هدئت نفسى كثيرا ً وقلت ثورتها وشعرت ان الحياه يمكن ان تعطى الأنسان فرصه جديده ليحيا وقد تكون تلك هيا الفرصه التى استحقها ولكن لابد من التريث كثيرا ً حتى لا اسقط فى فخ مشاعرى مره اخرى , فالذبيح يعتقد انه يحب قاتله والمخطوف يظن انه وقع بغرام خاطفه وحتى المريض النفسى لابد وان يشعر ان طبيبه النفسى هوا بطل احلامه وخيالاته وكلها تُرهات عقليه لا صحه لها فلا نحن نحب من أذونا ولا يجب ان نحب من مدوا لنا يد العطف حتى نتأكد اننا نحبهم بصدق وليست بقايا روح تقاوم الموت .
ولكنى الان افضل وكأننى أخذت جرعه محفزه جعلتنى قادره على الاستمرار حتى وان خارت قواى مره اخرى فحتما سأجد ملاذ آمن تستطيع فيه اقنعتى ان تتساقط حتى تظهر من خلفها ملامحى القميئه وتبدو عورات قلبى عديمه الجدوى فتطلع عليها العيون والقلوب الاخرى , حتما سأجد يدا ً حانيه تدفع عنى صفعات الحياه المتتاليه عديمه الرحمه ولكنى لن اكون انانيه مثلنا فعل عمر معى وانظر لنفسى نظره الخيلاء وكأن لا أحد قبلى ولا هنالك حبيب بعدى , من حق صفى ان يجد له زوجه مناسبه شابه يافعه فى بدايه حياتها وليست ركام امرأه تركها الجميع على قارعه الطريق وانصرفوا ببرود , اتمنى لو يجد الحب فى اخرى فسأكون سعيده من أجله مثلما فعل كثيرا ً من اجلى .
لاادرى ان كنت اريد ذلك حقا ً ام اهيئ نفسي لصدمه اخرى حتى يعتاد قلبى وقعها فلا ينهار , ظللت افكر فى عمر وزواجه بداليا وفى صفى الذى أثرنى على نفسه كثيرا ً , كم كنت عمياء عندما وقعت فى حبه وكما قال الاخرون متى تعرف انك وقعت فى الحب ؟ عندما تعشق رجلا فيه كل ما كنت تكره من صفات ومع ذلك تعشقه
أمسكت بقلمى وكتبت بخط عريض فى بدايه كتابى حتى لا أغفل عنه ويذكرنى دائما بما حدث لى فلا يتقهقر قلبى ولا ينسحب
” من الظلم ان أبدو لك قويا ً فتعتقد أنى استحق الألم ”
تلك الكلمات ستذكرنى دوما بما عانيته سلفا ً ولن اعود لذلك يوما ً , وبعد ايام عندما اتخطى اختباراتى وانجح فيها بجداره سأكون قد حقتت نصف حلمى ويتبقى النصف الاخر ومن يدرى لعل اليد التى تلكزها هيا من ستتكئ عليها يوما ً

ست البنات

الحلقه الثانيه والعشرون

ماذا يعنى الانتماء هل هوا رجوع الشخص لموطنه بعد غياب طويل أم اشتياق تشعر به كلما تركت اماكن واشخاص جمعتك بهم ذكريات خطت أخاديد عميقه فى قلبك وعقلك . واذا كان هذا الانتماء فلابد وان يكون هناك مكان فارغ لانتماء الروح تشعر به كلما تركت قلبا وروحا عهدت أليها بكل ماتملك من مشاعر صادقه . كنت اظن ان عمر هوا ملاذى الذى إن غبت عنه فمالى الا ان اعود تسبقنى عبراتى ولكن لم يحدث هذا وعندما لم يحدث علمت الحقيقه اننى انزعته نزعا من داخلى حتى وان انتزعت معه لحمى وشحمى وشعرت بأقسي درجات الالم كمن يزيل وشم رسمه على جسده من مئات السنين ولم يفلح معه سوى ماء النار ولكنى فى النهايه ارتحت . عندما خرج من داخلى وشفي تقرح قلبى اصبحت ارى العالم بنظره مختلفه . لم اندم على مافعلته معه ولكنى كنت سأندم كثيرا اذا اطلت البقاء فى هذه المهزله .

مرت الايام سريعه كعادتها وتفوقت فى اختباراتى كما عاهدت نفسي واقسمت وشاطرنى فرحى اهلى واصدقائي وكل من تمنى لى الخير يوما بقلب صادق . كان صفي معى دائما حتى عندما يسافر لعمله كان وجوده طاغيا فلم احتج لشئ الا ساعدنى فيه ولم اعيش لحظات فرحى حتى شاطرنى فيها وحتى انتكاساتى وتعثراتى كان يمد لى يده لينتزعنى منها . وبعد انتهاء اختباراتى ونجاحى الذى شفي قلبى العليل تقدم رسميا لخطبتى وطلب زواجى من ابى واخى . ونادانى ابى ليسألنى عن رأيي فأخبرتهم اننى موافقه على ذلك ولكن لازواج حتى انتهى من عامى الثانى فى الدبلومه واطمئن على مستقبلى وحتى يتيح لنا الوقت براحا اكبر لمراجعه قرارنا فى كل يوم من ذلك العام فلا اريد ان اخطئ مره ثانيه واتسرع فى قرار مصيرى كهذا وبالفعل وافق صفي على ذلك وقرأ ابى معه الفاتحه واحضر لى خاتما ذهبيا أنيقا وسوارا منقوش عليه اسمى ووعدنى انه سيعمل اكثر واكثر ويجتهد حتى يجعلنى لا احتاج لشئ . كلما مرت الايام كلما شعرت بعظمته وكلما اقتربت منه اكثر وتوغل حبه فى قلبى فلم يكن يؤرقنى سوى علمى بأن ذلك الزواج لا يروق لخالتى !
مثلها مثل كل أم تريد لأبنها عذراء يافعه لم يسبق لها الزواج ولا الانجاب ليكون ولدها هوا زوجها الاول والاخير فما بالك فتاه سبق لها الزواج مرتان وانجاب طفل واجهاض اخر وبرغم يقينى بحبها لى واهتمامها بحالى وبالطبع تريد لى الخير دوما الا انها كباقى البشر يتمنون لك الخير بعيدا عنهم يتعاطفون معك يحزنون لألمك لكنك عندما تقترب منهم وتلجأ لهم تجدهم ينفرون منك وعندما تتعدى على ممتلكاتهم يدفعونك بقوتهم لتسقط .
كنت ارى فى عينيها نظره لوم قاسيه كنظرتها لسارق أخذ منها شيئا غاليا وهرب حتى امى لاحظت ذلك ولكنها صمتت لا تدرى ماذا تفعل اترفض ذلك الزواج وتظلم ابنتها وصفي ام توافق وهيا تعلم ان ابنتها ستكون دوما فى موقع السارق فكانت تؤثر الصمت لتترك للايام كتابه باقى احداث قصه حياتى . لم انكر اننى فكرت فى ترك صفي حتى وان كنت لم اجد من يحبنى مثله ابدا ولكن مالفائده فأنا بذلك احكم عليه بالتعاسه وهوا لا يستحق ذلك ابدا . وكنت قد عاهدت نفسي الا اترك سعادتى لأحد يسرقها منى وسأقاتل وادافع عنها ماحييت حتى وان كلفنى ذلك عمرى كله ولكنى لن انهزم ولن انسحب من معاركى الحياتيه ابدا لذلك كان شغلى الشاغل ان اجعل خالتى ترضى عن تلك الزيجه ومازال امامى وقتا ً كافيا ً لذلك , فكنت اشركها فى خياراتى واسئل عنها باستمرار واجعلها ترى نجاحى وتقرب الناس منى وفخر بلدتى وكل ما يعرفنى بنجاحى الذى احققه باستمرار وكانت ترى سعاده صفي بوجوده معى وخطبته لى وكان لابد لنا من جلسه تجمعنا نخرج فيها مافى صدورنا فإما المواجهه وإما الفرار وانا اخترت المواجهه , ذهبت لها بمفردى وصفي فى عمله بالقاهره فما رأتنى الا ان رحبت بى ترحيب فاتر وأدخلتنى وجلست بمحاذاتى فنظرت لها مبتسمه
– ازيك ياخالتى عامله ايه ؟
تحدثت ببطئ وتثاقل
– كويسه الحمد لله
-ابتسمت لها ودخلت فى صلب الموضوع مباشره ً
– بصى ياخالتى انا عارفه كويس انتى بتحبينى قد ايه وبتخافى على مصلحتى وكنتى زعلانه علشانى لما عابد مات ولما اتطلقت من عمر وطول الوقت بسمعك بتدعيلى ان ربنا يكرمنى ويعوضنى , ليه ياخالتى لما العوض دا بقى هوا صفي انتى بقيتى بتتعاملى معايا زى الغريبه
– انا بعاملك ازاى يا ميراس مانا بعاملك عادى زى ماكنت بعاملك قبل كدا
– لا ياخالتى , من يوم ماصفي اتقدم لى وانا بشوف فى عنيكى نظره عتاب وزعل مش هقدر اقول كره لانى عارفه ان مهما حصل انتى مش هتكرهينى بس على الاقل مبقتش نظره حب ورضا زى الاول
صمتت خالتى ولم تعقب فأكملت حديثى
– انتى فاكره ياخالتى لما كنت بنجح فى المدرسه كنت بجرى عليكى انتى الاول افرحك علشان عارفه انك كنتى بتبقى قلقانه عليا ولما ابويا كان عاوز يطلعنى من التعليم انتى اللى وقفتى له وقولتى ميراس شاطره وهيبقى لها مستقبل ولازم تكمل , فاكره ياخالتى ؟
– فاكره ياميراس
– طيب فاكره لما عابد اتقدم لى وكنتى فرحانه زى ماتكون أمل بنتك هيا اللى بتتجوز ولما مات كنتى بتعطيى اكتر ما كنت بعيط ولما عرفتى اللى عمر وداليا كانوا عاملينه فيا كنتى عاوزه تموتيهم وقولتى لامى اللى يقرب من ميراس اخنقه بإيدى
– علشان كنت شايفاكى مظلومه
– طيب ليه بتظلمينى انتى دلوقتى؟
– انا مبظلمكيش بالعكس انا نفسي ربنا يرزقك بكل الخير اللى فى الدنيا علشان انتى تستاهلى ويعوضك عن حزنك وحظك القليل فى الدنيا
– وصفي ؟
– صفي ابنى الوحيد على اربع بنات كان نفسي افرح بجوازه على بنت بنوت , متزعليش منى يا ميراس انتى بنتى بس ايه اللى يخليه يتجوز واحده اتجوزت قبل كدا مرتين ومعاها عيل هيربيه وهوا مش من صلبه
– على قد كلامك ما بيوجعنى ياخالتى على قد مانا عارفه ان عندك حق بس كنتى هتقولى كدا لو حد من بناتك فى مكانى وجه حد زى صفي اتقدم لهم
صمتت خالتى ونكست رأسها بالأرض فاستطردت
– طبعا ياخالتى كنتى هتفرحى وتقولى دا نصيب لكن علشان انا اللى فى الوضع دا فانتى مش فرحانه علشانى
– والله يابنتى انا بحبك قد ما بحب بناتى بس حاجه فى قلبى بتنغص عليا فرحتى وانتى لازم تقدرى موقفى
– والله ياخالتى مقدره ومش زعلانه منك مهما قولتى وعملتى , انا بس عايزاكى تدينى وتدى نفسك فرصه احنا لسه قدامنا فتره خطوبه طويله نقدر فيها نفكر ونقرر براحتنا ولو حسيتى انك مش قادره تتقبلى الموضوع صدقينى انا هنسحب
– لا يابنتى انا عارفه ان صفي بيحبك من زمان وكان نفسي تبقى اول بخته ويبقى اول بختك بس هوا النصيب
– ربنا يخليكى ليا يا خالتى انا والله فرحانه اوى انى هعيش معاكى , فاكره لما كنت بهرب من عند ابويا واجى ابات معاكى هنا واستخبى تحت السرير
ضحكت خالتى وتغيرت نظرتها واحتضنتنى وقبلت رأسى , كنت اشعر فى ضمتها بالدفئ بالرغم من كل شئ فهناك اشخاص نجد الشوك فى صدورهم وآخرين كلما اقتربنا منهم شعرنا بطيب ريحهم ودفئ قلوبهم برغم كل شئ , ظللت معها اكثر من ساعتين نتحدث ونستعيد ذكرياتنا الحلوه التى ربنا ضاعت بين ذكريات اخرى او غطتها غمامه الزمن فلم نعد نتذكرها فكنت ازيح التراب عنها لتستعيد معها شعورها القديم وتعلم كم كنا مقربتين من بعضنا البعض والقادم سيصبح افضل بكثير مما مضى , اعددنا طعام الغداء سويا ً وجلسنا معا ً ومع أخوات صفي فمر الوقت سريعا ً دون ان ندرى وهكذا هيا الاوقات الحلوه تمر بلا شعور مننا ولكنى عند انصرافى تركت شخصا ً آخر غير الذى وجدته عندما حضرت , شخصا ً ضاحكا ً مبتسما ً تطل من عينيه نظره رضى شعرت بها جيدا ً .
عدت لبيت ابى وانا فى قمه سعادتى فكان ذلك الامر يؤلمنى ويؤرقنى دوما ً أما الان فأنا على يقين ان خالتى ستعيد التفكير فى الأمر وستتبدل معاملتها معى قريبا ً جدا ً , مالبثت ان وصلت حتى جائنى اتصال من صفي أجبته بسعاده تخطت اسلاك الهاتف ووصلت له سريعا ً
– ازيك يا حبيبتى
– الله يسلمك ازيك انت
– انتى مش هتشيلى انت دى وتخليها ازيك يا حبيبى
ضحكت خجلا ً كفتاه لم تسمع كلمات الحب من قبل
– عارفه ياميراس انا ساعات بحس ان تميم مش ابنك وانك عمرك ما اتجوزتى ولا حتى عرفتى راجل
– ليه بقى ؟
– علشان لسه خدودك بتحمر زى المراهقين كل مابقولك كلمه حلوه وبتتلخبطى وحالتك بتبقى حاله لو قولتلك بحبك
– صدقنى ياصفي الخجل ملوش عمر محدد فيه ستات عدت الستين لما بتقولها كلمه حلوه بتخبى وشها وتبص على الارض وفيه بنات طبعها الجرأه وبنات طبعها الخجل وبنات وشها يحمر من كلمه وبنات تتكعبل لو حد بص لها
– وانتى ست البنات كلهم يا حبيبتى
شعرت بنغزه فى قلبى من كلمته الاخيره لم ادرى أتألمت لسماعى كلمه كنت اشعد بالسعاده كلما نطقتها شفتاه انم تألمت لكذبه أخرى كنت اصدقها من كذباته التى لا تنتهى , خيم الحزن على قلبى وتبدلت نبرتى فشعر بها صفي
– مالك يا ميراس
– مفيش حاجه انا كويسه
– لا مش كويسه , كنتى فرحانه ودلوقتى صوتك اتغير وسكتى فجأه , انا قولت حاجه زعلتك ؟
– لا
– طيب قوليلى مالك
– هقولك علشان احنا اصحاب قبل أى حاجه وطول عمرك متعوده احكيلك على كل حاجه
– طبعا ياحبيبتى وهفضل صاحبك حتى لما ابقى جوزك
– اصل عمر كان بيقولى انى ست البنات وانا للأسف كنت بصدق ولما الموضوع كله طلع كذبه مبقتش حتى اصدق اى كلمه مدح اتقالتلى فى يوم ولما انت قولتها دلوقتى فكرتنى بيه
– بصى يا حبيبتى مش معنى ان وثقتى فى انسان وحبتيه وطلع مش اهل للثقه ولا للحب انك تفقدى ثقتك بنفسك , انتى ست البنات واحلى بنت فى العالم واوعى تكون الكلمه دى ذكرى وحشه فى حياتك تكسرك وتحسسك انك متستحقيهاش لانى هفضل اقولك ست البنات من هنا لحد ما تعجزى
ضحكت لكلماتك المطيبه وتفتحت اورده قلبى من جديد
– وهفضل ست البنات وانا عجوزه ؟
– ايه رأيك تبقى ست العواجيز
ضحكنا سويا ً وتخطينا الأمر بسلاسه وتلك الكلمه التى كانت تنغز قلبى بقوه تجددت معها ذكرى طيبه ستمكث فى قلبى بدلا من قرينتها السيئه , ظللنا نتحدث ونضحك حتى أتانى اتصال اخر , أبعدت الهاتف عن أذنى ونظرت للمتصل فوجدتها وفاء , استئذنت من صفي ان اغلق الهاتف معه لأحدث همسه صديقتى فخشيت ان اخبره انها وفاء حتى لا يتضايق من الامر , بالفعل اغلق صفي الخط وانتقلت لمحادثه وفاء
– ازيك ياوفاء
– ازيك انتى يا ميراس عامله ايه
– انا بخير الحمد لله وانتى
– انا مش كويسه خالص يا ميراس
– ليه كدا قلقتينى
– داليا من ساعه ما جت وهيا بقت حد تانى , متحكمه فى عمر وبتمشى كلمتها فى البيت ومش بتسكت لحد وكأنها بتعاقبنا على طلاق عمر ليها واننا موقفناش معاها , تخيلى بتزعق لماما وتقولها كلام وحش اوى وماما طبعا بتسكت ومش راضيه تقول لعمر علشان ميحصلش مشاكل جديده غير ان قلبها واجعها على فراق تميم , والنبى ياميراس ترجعى لعمر
– انتى بتقولى ايه يا وفاء
– والله عمر مش بيجيب سيرتك بحاجه وحشه ابدا ً وعمره ما كان هيوافق يطلقك لولا العقربه اللى متحكمه فيه وواكله عقله
– عمر مش صغير يا وفاء بطلوا تخلقوا للناس اعذار لحد ماتصدق انها مظلومه والكلام دا ملوش لزوم دلوقتى
– والله يا ميراس انتى لو كلمتى عمر هترجعيه بسهوله هوا اصلا نفسه يكلمك بس عزه نفسه منعاه
– عزه نفسه منعاه وانا معنديش كرامه وبعدين مين قالك اصلا انى بفكر فيه ولا حتى عاوزه ارجعله , عمر دا صفحه اتقفلت ومش هتتفتح تانى يا وفاء فاهمانى
– داليا حامل يا ميراس
– حامل
– ايوه ودا اللى خلانى اكلمك , سمعتها بتتكلم فى التليفون وبتقول لاختها انها مقررتش تخلف الا لما خلته كتب لها نص اللى يملكه علشان تأمن مستقبها بحجه انها خايفه لحسن يطلقها مره تانيه وطبعا عمر علشان هيموت على عيل وافق وكتب لها نص الشركه والاراضي وحتى البيت اللى احنا قاعدين فيه والفلوس اللى عندنا , تعب وشقى ابويا ومن بعده عابد وعمر بقوا فى جيب داليا ومن ساعه من كتب لها وهيا بتتعامل على انها صاحبه كل حاجه واحنا ضيوف عندها بتبيع وتشترى فينا ومحدش قادر يتكلم , وطبعا عمر لو اشتكيناله مش هيعمل لها حاجه علشان هيخاف يكرر اللى حصل معاكى ويخسر ابنه تانى , مش عارفه اعمل ايه ياميراس
– دى مشاكلكم انتوا يا وفاء وانا مليش دخل بيها , مفيش اى سبب يخلينى ادخل فى حاجه متخصنيش واحارب علشان ناس موقفتش جمبى ولا قدرتنى , عمر رجع لداليا وهوا عارف كويس انها عمرها ماحبته نص الحب اللى حبيتهوله وانتى رفضتى حتى تقوليله اللى عملته معاكى ووالدتك ساكته على طول لا بتعترض ولا حتى بتقوله ان اللى بيعمله دا غلط , انا خلاص ياوفاء اتخطبت وهتجوز
– اتخطبتى ؟
– ايوه اتخطبت لصفي ابن خالتى راجل محترم وبيحبنى من زمان وكل مشكله حصلتلى وانا مع عمر كان هوا اللى بيقف جمبى فيها مش اخوكى وعمرى ما هصغره ولا هكسره علشان هوا ميستاهلش منى غير كل تقدير وحب
– وتميم ؟
– ماله تميم , تميم ابن عابد مش ابن عمر ومع ذلك مش هنكر ان عمر كان بيحبه وبيعامله زى ابنه بس هل سئل عليه من يوم مااتطلقنا , طبعا لا , عمر انسان انانى مش بيفكر غير فى نفسه وفى احلامه وطموحاته , وخلاص لقى احلامه مع داليا اللى هتجيب له ولى العهد ليه بقى يفكر فى ابن اخوه , وصدقينى انا عمرى ما همنعه عنكم ولا امنعكم عنه بس خلاص انا اتنازلت كتير علشان ابنى وانتوا مقدرتوش التنازل دا وجه الوقت اللى اقف قدامكم واقولكم لا
– انتى اتغيرتى اوى ياميراس
– لازم اتغير , تفتكرى بعد كل اللى حصل واللى شفته هفضل زى مانا , التغيير سنه الحياه ياوفاء ولو الانسان متغيرش وفضل على نفس الوضع يبقى غبى ومتهاون وانا لا غبيه ولا عمرى هتهاون فى حقى يوم زياده
– تحبى اقول لعمر انك هتتجوزى
– انا مش داليا يا وفاء
– ماشى يا ميراس , مع السلامه
لم استطيع تخبئه لذه انتصارى حتى وان كان انتصارا ً وهميا ً , لم اشمت فيه ولن افعل يوما ً ولكنى على الاقل استطعت ان اقول لا بملئ فمى بلا خجل ولا خوف , واضع قوانينى بنفسى لا ان تُملى علي , اعلم ان القادم ليس بالقليل ولكنى على أتم الاستعداد لملاقاته بقلب قوى وعزيمه لا تصدأ

ست البنات

الحلقه الثالثه والعشرون

لم اشعر بسعاده قط مثل التى شعرت بها بعد انهاء محادثتى مع وفاء وكأنى وصلت اخيرا للمعادله الصعبه . كيف اكون انا بلا تنازلات ولا انسحابات . اصبحت اقوى وأصمد لا يقلقنى أحد ولا اهتم لشئ اخر . لا انكر اننى فى البدايه شردت قليلا عندما علمت بخبر حمل داليا إلا أننى تجاوزت الامر فلدى من الامور مايجعلنى انغمس فيه لرأسي ودراستى القادمه ليست سهله إنما هيا التى يتوقف عليها مستقبلى القادم كله . لذلك لم اجعل عقلى يتذكر تلك المحادثه ولا يستدعيها ولم أحدث بها صفي فكفانا تذكرا للماضي ولنجعل مستقبلنا نصب أعيننا فهوا أحق بالتذكر . مرت الايام التاليه عاديه لا حدث فيها ولا تغيير لم يكن امامى سوى دراستى وابنى الذى نطق كلمه ” ماما ” لأول مره وانا نائمه فاستيقظت فزعه احتضنه وأتلذذ بسماع اسمى من بين شفتيه الصغيرتين فكانت تهون على ساعات الاستذكار الطويله وخوف الانتظار وترقب النتيجه وكأننى اترقب الحكم عليا بالحياه , كنت قد اعتزلت الجميع حتى لا يشغلنى شئ عن مستقبلى وطموحى وأنهمكت حد الانغماس فى المطالعه والمذاكره حتى صفي أقل من محادثاته وزياراته كى لا يشغلنى ويستقطع وقتا ً طويلا ً من يومى , وظل يترقب أخبارى من بعيد خوفا ً ان يكون عبئ علي وليدع المجال لإرادتى ف تحقيق ما أردته طوال عمرى , ولم يخزلنى القدر ولا الطموح وفى النهايه وصلت ..
وصلت بعدما تورمت قدماى من السير وتساقط العرق أنهاراً من التعب وأوشكت ان اسقط من الاعياء ولكنى وصلت الأن وارخيت جسدى كله على أعتاب نجاحى بعدما وصلت لما حلمت به يوما ً بل وأكثر وضمنت لى مقعدا ً بين صفوف طالبات كليه الهندسه , فكنت بذلك انا اول فتاه فى قريتى ترتاد ذلك المجال فكان فخرا ً لى ولأسرتى ولكل من أحبنى وتمنى لى الخير يوما ً وأولهم كان صفي الذى بشرنى بنتيجتى وفرحتى وأملى المتجدد ولم يغمض له جفن حتى اطمئن بنجاحى وركض ركضا َ حتى وصل لبيتى وأمسك بيداى لأول مره منذ خبطتنا وسعادته تبرز من عينيه جليه وصادقه
– مبروك ياست البنات
– الله يبارك فيك ياصفي
– انا منمتش من امبارح وطول الليل فاتح الموقع اللى هتظهر عليه النتيجه خايف انام لحسن تظهر ومبقاش انا اول واحد بشرتك بيها
– للدرجه دى فرحان علشانى
– فرحان دى كلمه قليله على اللى حسه والله العظيم , انا حاسس ان كل حاجه فى حياتى اتمنتها ومجتش جتلى النهارده لما انتى نجحتى وحققتى حلمك , احساسى زى أب بنته نجحت وداخله الكليه وهيا ماسكه فى ايده وبتضحك له , انتى مش بس حبيبتى انتى بنتى اللى كبرت قدام عنيا وصاحبتى اللى مش بخبى عليها حاجه ودنيتى اللى مستنى اعيشها
– انا مش عارفه ارد على كلامك ياصفي
– انا مش عايزك تردى غير بحاجه واحده بس
– ايه هيا ؟
– تنزلى دلوقتى تشترى فستان الفرح
– فستان ؟! , بس ياصفي انا هتكسف ألبس فستان انا مش اول مره …
وضع يده على فمى فأغلقه برقته المعهوده وهوا يبتسم لى بعذوبه
– انتى اول كل حاجه حلوه , انتى ميراس البنوتة الصغيره اللى اتربت معايا وكبرت وهيا متعرفش حاجه عن الدنيا كل اللى كانت بتعمله انها بتذاكر والنهارده نجحت وكمان كام يوم فرحها على اكتر انسان حبها فى العالم , بذمتك فيه أميره يوم فرحها متلبسش فستان
– انا بجد أميره فى نظرك ؟
– انتى اميره العالم وأميره قلبى والانسانه الوحيده اللى أسرت قلبى ومشاعرى وخلتنى مش شايف غيرها فى الدنيا , طيب وحياتك لاخلى الفرح يدوم تلات ايام بلياليهم علشان الغريب والقريب يعرف ان صفي اتجوز ست البنات
– ربنا يخليك ليا ياصفي انا اقل من حبك دا بكتير اوى
– وحياه عيونك الحلوين اللى بيصبرونى على أى حاجه فى الدنيا انا ما بعرف للحياه طعم غير لما ابقى جمبك وكنت مستعد اعيش جمبك وانا ماليش اى دور فى حياتك لمجرد انى اطمن عليكى
– للدرجه دى يا صفي احنا شبه بعض , انا كمان كنت مستعده …
– كنتى مستعده لإيه ؟
– لا ولاحاجه , دا كلام قديم وراح لحاله
– لو بتحبينى تنزلى دلوقتى تختارى الفستان
– طبعا بحبك
– انتى بتقولى ايه ؟؟!!
– خلاص ياصفي
– لالا خلاص ايه , وحياه ابوكى تقوليها تانى
– ابويا ايه ياصفي اعقل مش كدا
– طب والله لو ماقولتيها تانى لنادى على خالتى واقولها انك عاوزانا نتجوز عرفى وانا اللى مش راضى
– يخرب عقلك دا انت مجنون
– مجنون بحبك يا ميراس
– وانا والله العظيم بحبك
كان يتراقص كالأطفال يقفز فى الهواء ويصرخ ويصفق بيديه ويقبّل يدى وكأننى اخبرته بسر الحياه , لم أرى من قبل مثل تلك الفرحه التى فى عينيه كم هوا صفي القلب والأسم , ظل يقفز ويرقص حتى أتت أمى على إثر صوتنا وعلى وجهها دهشه حقيقه تنظر لصفي وترفع حاجباها دهشه وهيا تدق على صدرها بتعجب
– مالك ياصفي يابنى
انتبه صفي لأفعاله فتوقف وهوا يتعرق وينظر لى لعلى انقذه من ذلك الموقف ولكنى رفعت كتفاى انسحابا ً وتركت له الساحه
– ولا حاجه ياخالتى فرحان بنجاح ميراس
لم تقتنع أمى بذلك فأطالت النظر اليه من الاعلى وحتى الأسفل
– مانت جاى بعقلك يابنى وانت اللى عرفتنا انها نجحت
كنت اكتم ضحكاتى وانا انظر له متحرجا ً أحمر الوجنتين يبحث يمينا ً ويسارا ً لعله يجد مخرجاً
– اصل لامؤاخذه ياخالتى انا مظاهر الفرحه عندى بتيجى متأخر شويه
نظرت له أمى بريبه حقيقيه وهيا تنصرف متمتمه بكلمات لم أسمع منها غير دعائها له بالهدايه ومالبثت ان انصرفت حتى انفرجت ضاحكه وزفر صفي انفاسه المكتومه بصدره
– بقى كدا بتبعينى
– اعملك ايه مش انت اللى قولت مش فارق معاك حد
– انا ميفرقش معايا غيرك ياقلبى ولا عايز من الدنيا الا انتى
– ربنا يخليك ليا ياعمر
– عمر !
ما أغبانى كيف صدرت منى تلك الكلمه الغبيه لأحطم بها قلبه هكذا فى اكثر لحظاته سعاده , اقسم اننى لم أقصد ذلك ولكنى حفظتها ورددتها كثيرا هكذا حتى تملكت منى , يالثقل دمى وفظاعه افعالى
– انا اسفه ياصفي انا اسفه , والله العظيم ماقصد انا غلطت بس انا ….
– ولا يهمك يا حبيبتى انا عارفه انك مش قصدك
حاول الابتسام حتى لا يحملنى ثقل ما قذفته بوجهه ولكن انفاسه المتقطعه ونظرته المنكسره كانت اكثر فصاحه من لسانه العذب , حاولت ان اعيده لفرحته السابقه ولكن ما القيته بقلبه كان اشد واكثر قسوه
– طيب مش هتنزل معايا تختار الفستان
– من عنيا ياحبيبتى شوفى حابه تنزلى امتى وانا تحت امرك
– دا العشم بردو ربنا يخليك
– طيب انا همشى دلوقتى علشان انام انتى عارفه منمتش من امبارح ولما تحبى تنزلى اتصلى بيا
– صفي
– ايوه يا حبيبتى
– هنضرب ورقتين العرفى امتى ؟
كان يعلم جيدا ً اننى اريد ازاله وقع تلك الكلمه وذلك الأسم من قلبه وأصلح ما افسدته سابقا ً فابتسم واقترب منى وقبّل رأسي بحنان وانصرف
كنت نادمه أشد الندم على غلطتى برغم انها لم تكن مقصوده وأنبت نفسى ان انتبه لكل ما يلفظه لسانى بعد ذلك حتى لا اتسبب بتحطيم اكثر القلوب صفاء ومحبه لى , تحدثت الى همسه صديقتى واخبرتها ان تستعد لتذهب معنا لشراء الفستان فلديها ذوق جيد فى الانتقاء والاختيار وشراء الاشياء بسعر أقل فرحبت على الفور واتفقنا ان ننزل معا ً فى المساء حتى يكون صفي قد استيقظ من نومه وجست اتخيل فستانى الذى سأرتديه وكأنها اول مره اتزوج فيها , ففى المره الاولى عندما تزوجت عابد كان فستانا ً تقليديا ً لم انتقيه ولم اختاره فقد كنت تعيسه جدا لزواجى منه بدلاً من عمر ولذلك رفضت ان اذهب لاختياره واختاره عابد بدلا ً منى كان فستانا ً من الستان المطرز ليس فيه اى ملامح اخرى فكان بالنسبه لى عبائه اخرى تضاف لما ارتديه , وعندما تزوجت بعمر الذى انتظرته طويلا ً كان زواجا ً حزينا ً مقيتا ً لم ارتدى فيه سوى عبائتى السوداء , أما تلك المره فأشعر اننى اتزوج كالفتياات الاخريات لا شئ ينقصنى فمعى رجل احبه وسأقترن به طيله حياتى وسأختار فستانى بإرادتى سيكون فستانا ً من الستان والشيفون مرصعا ً بالكريستال الشفاف واللؤلؤ الأبيض وستكون معه تنوره واسعه كلما استدرت تفتحت اجنحته وطار بى عاليا ً حتى ألامس عنان السماء ومعه حذاء يشبه حذاء سيندريلا فى الأفلام الكرتونيه سيكون ملائما ً لى فقط ولن ترتديه غيرى وعندما تكتمل هيئتى ألاقى أميرى ” صفي ” فى بذلته الرسميه السوداء الانيقه وقميصه الأبيض ورابطه عنقه الذهبيه اللامعه التى تنعكس على وجهه الخمرى الرجولى وشعره الكثيف وملامحه المنمقه فتزيده جمالا ً وبهائاً , ظللت اتخيل ذلك اليوم وذلك الحفل بكل تفصيله فيه حتى المدعوون وهم يهنئوننى والفرحه تغمرهم وكاسات العصير وكعكه الفرح ورقصه البدايه وتدافع الحاضرين لالتقاط الصور معنا و ….. وتميم
اتخيل نفسى مرتديه فستانى الابيض ذو التنوره المتفتحه وحامله تميم وينظر لى الجميع نظره رفض وامتعاض وكأن أم مثلى لا تستحق ان تعيش دور المراهقات وتحلم بفستان الأميره , شعرت بغصه فى حلقى عندما تذكرت ذلك الامر ولكنى لن انصاع لأحد ولن اترك سعادتى بيد غيرى فقلبى احق بالسعاده حتى وان انتزعتها عنوه من الحياه
وكأننى كنت اتمنى وأبواب السماء تتفتح لكلماتى فكل ما تخيلته وحلمت به أحضره لى صفي ووضعه أسفل قدامى وسئلنى المزيد من الأمانى فلم يترك فى قلبى القليل ولا الكثير حتى أحضره وأكثر حتى اصبحت غرفتى مملتئه عن اخرها بما احضره لى ولتميم , فقد اشترى له نفس بذلته واخبرنى انه سيكون صاحب الحضور الاول فى الفرح ولن ينازعه فيه اخر , كان يطمئن قلبى ويطيب بخاطرى حتى لا يكون فى قلبى شئ ينتقص فرحتى , فعل كل شئ يجعلنى سعيده حتى انه اشترى هديه قيمه لهمسه صديقتى إكراما ًلى واخبرنى انه قد انتهى تقريبا ً من كل شئ فى شقتنا ولا يريد منى سوى ان استعد للزفاف وان اجعل السعاده نصب عينى فلا أحيد عنها أبدا ً
كانت الأيام المتتاليه أكثرها سعاده فبدء الأقارب بالحضور من كل حدب وصوب وعرف القاصى والدانى بأمر الزفاف فحضر وأحضر معه الهدايا وأصبح بيتنا مكتظا ً بالأقارب والمعارف والجيران وأغانى الفرح لا تنقطع وصوت شاديه يصدح فى بيتنا وهيا تغنى بعذوبه

الحنة ياحنة ياحنة يا قطر الندى
يا شباك حبيبي ياعيني جلاب الهوى
لا لا لا الصبر ده حاجة محالة
يا أروح له يا أقوله تعالا
لو يطلب مني العين
راح أقوله خد الإتنين
وتحني الليالي فرحتنا سوى
وأفرش له ضفايري ياعيني على شط الهوى

وكعادتنا فى الزفاف كان كل من يحضر يجلب معه السكر والدقيق والبيض والخبز واللبن واللحوم والطيور وكل ما تشتهى الأنفس فأصبح بيتنا مرتع للخيرات ومقصد للجميع سواء من أتى ينهئ ويبارك او يأكل من ذلك الخير , كنت اشعر وكأننى أميره تذف فى هودجها الذهبى المرصع الى أميرها فلم يكن فى الارض أسعد منى ومن صفي الذى ينافسنى فى السعاده فكان يحدثنى كل خمس دقائق وكأنه يعوض عاما ً كاملا ً لم نكن نتحدث فيه وكانت سيمفونيه عشقنا تعزفها أمهر الفرق الموسيقيه , وكنت انا الاخرى منشغله معهم فى الترحيب بمن أتوا ومساعدتهم فى الطهى والخبز حتى اننى لم يكن لدى وقت لمسك الهاتف وكان يغصب صفي كثيرا ً اننى منشغله عنه ولا احدثه كثيرا ً وكنت أهدئ من روعه وأخبره ان القادم سيكون له وحده ولكن علينا الا نهمل فى ضيوفنا وهم من اتوا ليشاطرونا افراحنا ولحظاتنا السعيده فكان يهدئ ويقتنع ولم يكن هناك من هوا أكثر بالا ً منه ولا اطيب قلبا ً ومع ذلك يظل يتصل طوال اليوم لعلى اتفرغ له ولو بالقليل , حتى وانا منغمسه فى الطهى وتقطيع اللحم وتوزيعه على الجالسين على المائده ظل الهاتف يرن بلا انقطاع حتى نهضت ابنه عمتى واحضرته لى
– ابله ميراس التليفون مش مبطل رن من الصبح
ضحكت وانا امسح يدى لأتناول الهاتف منها
– دا عمك صفي أكيد
– مش عارفه اناا فتحت اهو خدى ردى
فتحت زر الإجابه ووضعته على أذنى حتى لا يتسخ الهاتف من إثر يدى المتسخه فحملته بين أذنى وكتفى وانا اضحك من ذلك الوضع الغريب
– ايوه يا حبيبى والله مشغوله مش عارفه ارد عليك
– ازيك يا ميراس
– عمر

ست البنات
الحلقه الرابعه والعشرون

فى أوج سعادتك قد تصطدم بحائط صلد يشدق رأسك نصفين فتسيل الدماء منها معلنه نهايه تلك السعاده وبدايه الألم وها أنا الان اقف مشدوهه ارتعشت يدى فسقطت القماشه التى كنت انظفها فيها وتحولت ملامح سعادتى لحزن خيم على ملامحى بغته فتعاقد حاجباى وضغطت على اسنانى حتى سمعت صرير احتكاكها وتوقفت الأصوات من حولى فلم اعد اسمع سوى صوت تنفسي وضربات قلبى المتسارعه … وصوته هوا
– عايز ايه يا عمر
– للدرجه دى مش عايزه حتى تردى السلام
– ظهرت ليه دلوقتى ياعمر
– سمعت انك هتتجوزى
– اه وعلشان كدا ظهرت وطبعا هتقولى مكنتش متخيل انك هتتجوزى وان اى راجل مبيستحملش يشوف اللى كانت مراته مع واحد غريب
– لا يا ميراس مش هقول كدا ويمكن حتى مش عارف وانا بتصل بيكى هقول ايه بس كل اللى اعرفه انى لما سمعت انك هتتجوزى مقدرتش استحمل ومسكت التيلفون وكلمتك
– والمفروض بقى انى الغى جوازى وارجعلك زى المدام ما عملت مش كدا
– ليه يا ميراس بتكلمينى بالعنف دا
– عايز ايه من واحده فرحها كمان كام يوم وطليقها بيتصل بيها يقولها اتجننت لما عرفت انك هتتجوزى , ايه المطلوب منى !
– اهدى يا حبيبتى
– اخر مره اسمعك تتكلم معايا كدا فاهم ولا لا ؟
– كدا اللى هوا ازاى
– انت عارف كويس انا اقصد ايه , الاسلوب بتاعك دا ينفع مع داليا مش معايا يا عمر, انا مخطوبه لراجل ضافره برقبه ميه راجل تانى , حبنى واخلصلى ووقف جمبى فى كل وقت اتكسرت فيه وكنت انت السبب فى الكسره دى
– انا اسف
– آسف ؟ ! , آسف دى تقولها لو كسرت كوبايه غصب عنك مش كسرتنى
– انا عمرى مااكسرك ياميراس يمكن غلط ويمكن قصرت ويمكن عاندت ومقدرتش اقولك انى مش عارف اعيش من غيرك بس عمرى ما قصدت اكسرك ولا اوجعك ولا حتى اكون سبب فى حزنك
– المطلوب منى بقى انى اصدق الكلمتين دول واترمى فى حضنك
– موحشكيش حضنى
بقدر مقتى له واشمئزازى من محادثته التى لا هدف ولا طائل منها الا اننى توقفت قليلا ً عند كلمته تلك لا ادرى لماذا أحنينا ً لذلك الحضن الشائك الذى لفظنى خارجه بقوه واستبدلنى بأخرى ام ندما َ على وقتا َ تركت فيه نفسى بين يديه وكأننى دميه يمرح بها كيفما شاء حتى اصبحت اتقزز من تلك الذكرى
– متتصلش بيا تانى ياعمر احسنلك , مش كل الناس رخيصه وبتعمل مؤامرات علشان تدلل على نفسها فيه ناس غاليه اوى ياعمر لدرجه انها لما بترخص نفسها مع ناس متستحقش بيفتكروا انها نصاحه منهم
– طول عمرك غاليه وانا عارف دا كويس ومقدر غضبك اللى مخليكى كارهانى للدرجه بس افتكرى انك قولتيلى قبل كدا ان على قد الحب بييجى الوجع , والوجع اللى شايفه فى صوتك دلوقتى بيأكد ان الحب جواكى لسه مخلصش
– لو تفتكر كمان قولتلك قبل كدا انك موهوم والظاهر ان الوهم دا مرض بيزيد مع الايام
– انا بحبك يا ميراس ولسه بحبك وعارف انى غلطت لما كلمت داليا ورجعتها ووافقت انى اطلقك بس انتى دوستى على كرامتى وخلتينى اعند واطلقك وعارف كمان ان غلطى مش هقدر اصلحه بعد ما بقى فيه طفله بينا , انا خلفت بنت وسميتها ” مرام ” , مش عارف ليه انا اخترت الأسم دا بس حسيت انه بيفكرنى بيكى
– مبروك عليك بنتك اللى كنت بتتمناها حافظ بقى على مامتها وسيبنى فى حالى
– وتميم ؟
– ماله تميم
– مصيره هيكون ايه لما تتجوزى ؟

– معايا طبعا ً
– وجوزك بقى هيقبل انه يربيه وهيعامله زى ابنه , طيب انا كنت بعتبره ابنى لانه ابن اخويا لكن الغريب هيعتبره ابنه ليه
– صدقنى ساعات الغريب بيبقى احن من القريب مليون مره
– لو اتجوزتى انا هاخد تميم اربيه مع بنتى
– تصدق صعبت عليا , تاخد تميم بصفتك ايه ؟ , الظاهر انك مش واخد بالك ان فى حاله جوازى تميم بالمحكمه يروح لامى مش ليك
– هاخده بالقوه مش بالمحكمه
– بص ياعمر , خلينا ننهى القصه دى انا لسه بحترمك وعلى الاقل بفتكرك بالخير لكن لو بدئت الشر معايا هتلاقى اضعافه انا مش ميراس الهبله اللى القطه تاكل عشاها انا حد تانى خالص صدقنى انت متعرفوش
– للدرجه دى اتغيرتى
– واكتر واللى يقرب منى او من ابنى هاكله بسنانى فاهم ولالا
– سامحينى يا ميراس انا عامل زى اللى واخد ضربه على دماغه مخلياه مش مركز ولا عارف بيقول ايه انا دماغى هتنفجر من التفكير والعجز
– اللى بينا خلص من زمان ياعمر بس انت علشان انانى بتحب تملك كل حاجه لكن انا مش من ممتلكاتك , ولو سمحت كفايه لحد كدا علشان انا مش فاضيه
– بتمنالك كل سعاده يا ميراس حتى لو مع غيرى
– وانا بتمنالك تحس بالرضا ولو لمره واحده فى حياتك وخلى بالك من بنتك دى نعمه انت دعيت ربنا كتير علشان يديهالك
كدت احطم الهاتف بين اصابعى من الغضب , ركضت لغرفتى وانهرت فى البكاء كيف اصبحت أحدثه هكذا ومتى تعلمت كل تلك القسوه والتجبر ألهذه الدرجه اوجعتنى الحياه حتى بدلت طباعى ام تلك بقايا اطلال قصه حب ولت ومازال ألمها باقيا ً فى القلب , سحقا ً لمرار نبتلعه حتى يتحجر حلقنا وتصبح قلوبنا كالحجاره او اشد قسوه , ظللت ابكى لا اعرف لماذا فقط اردت البكاء وإخراج مافى صدرى حتى هدئت واصبحت افضل , خرجت من غرفتى فوجدت تميم بين يدى امى حملته منها وظللت احتضنه وانا اقاوم دموعى وكأننى اخبره ان كل من اقترب ناحيته مفقود حتى وإن تحولت لوحش كاسر من أجله من اجل حياتنا معا ً , سمعت هاتفى يرن مره أخرى فانقبض قلبى وارتعدت أوصالى , خشيت ان يكون عاود الكره ولكن اخبرتنى ابنه اخى انه صفي , أمسكت الهاتف وركضت الى غرفتى ولم ألبث ان بدئت حديثى حتى انهرت فى البكاء لا أدرى لماذا , سمع صفي صوتى فارتعش صوته وسئلنى بأنفاس متهدجه
– فيه ايه ياحبيبتى مالك حصل ايه ؟
لم استطيع تجميع الكلمات ولا السيطره على بكائي المستمر فانفعل صفي وارتفع صوته مكررا ً حديثه
– فيه ايه يا ميراس اتكلمى قلبى هيقف
نطقت كلماتى بين دموعى وانا اشهق لألتقط أنفاسي المضطربه
– عمر اتصل بيا
– عمر ؟! وعاوز ايه دا ؟
عاودت البكاء وانا اتحدث بصوت خافت
– مش عارفه , فى الاول كان بيقول انه مش قادر يستحمل فكره انى هتجوز ولما لقى مفيش فايده هددنى بتميم
– عمر دا لازمله واقفه , انا مكنتش اقدر اتصدر له قبل كدا علشان كنتى عاوزاه لكن دلوقتى ملوش مكان بينا ومش من حقه يتدخل فى حياتنا ولا من حقه حتى انه يتصل بيكى , انا هروح له واتكلم معاه
– لا ياصفي ابوس ايدك , خلى الفرح يعدى على خير انا مش عايزه مشاكل وهوا وعدنى انه مش هيكلمنى تانى
– وانتى مصدقاه ؟
– صدقنى انا قولتله كلام عمرى ماتخيلت فى يوم انه يطلع منى واكيد مش هيعرض نفسه للاحراج مره تانيه , عمر مهما كان انانى وعايز يملك كل حاجه بس كرامته عنده غاليه اوى
– طيب ياميراس اهدى انتى دلوقتى واغسلى وشك وانسى كل اللى حصل وانا هاجيلك كمان شويه
– ماشى
اغلقت اتصالى معه وتوجهت لصنبور المياه احمل من مياهه بين يداى وألقيها على وجهى لعلى استفيق من تلك الحاله وأعود لحالتى السابقه التى لم يدعنى اهنئ بها , حاولت ان انغمس معهم مره اخرى بعدما تعجبوا من غيابى الطويل بغرفتى ولكن روحى لم تعد متفتحه كما كانت فكنت اتصنع الابتسامه والسعاده وعيناى لا تغفل عن تميم , مرت الساعات طويله وبطيئه لم يعد هناك ما يسعدنى فيها حتى أتى الليل وانصرف اغلب الموجودين ولم يتبقى سوى الأقارب المقربون وحضر صفي حامله بين يديه باقه من الزهور النضره التى تبعث الراحه فى النفوس وعلى وجهه ابتسامه صافيه مثله يحسدنى عليها كل الموجودين , طلب ان نجلس بعيدا ً عن الازدحام الضوضاء وبالفعل اتجهنا ناحيه غرفه الضيوف وجلسنا نتحدث بهدوء
– لسه زعلانه يا قلبى
– لا وحياتك ياصفي خلاص موقف وعدى
– طيب عينى فى عينك كدا
لم استطع النظر إليه ولم استطع تخبئه حزنى وألمى الدفين فبادرنى هوا بجملته
– انا لسه جاى من عند عمر
انتفضت من مجلسى حتى شعرت ان من بالخارج انتبهوا لحركتى ونظرت له غير مصدقه ومضطربه
– بجد ؟
– تفتكرى ياقمر هكدب عليكى
– وليه روحت له ؟
– علشان مضمنش الجاى
– يعنى ايه ؟
– يعنى مضمنش انه يسيبنا فى حالنا ومش هستحمل ان اى حاجه تزعلك ولا تنزل دموعك دى مره تانيه
– ووافق يقابلك ؟
– طبعا , انا روحتله لحد بيته عيب كبير لو مقابلنيش
– وحصل ايه طمنى
– ولا حاجه اتكملت معاه بكل هدوء عرفته انى بحبك وانك بتحبينى وان جوازكم انتهى ومفيش امل واحد فى المليون انكم تكونوا لبعض تانى وطمنته على تميم انه هيبقى اعز عندى من ابنى ولو فى يوم اخدنا تميم منهم او منعناهم يشوفوه يبقى من حقه ساعتها ياخد موقف لكن لحد الوقت دا ملوش انه يكلمك لأنك فى عصمة راجل وقولتله انه بعد مكالمته معاكى احنا كتبنا الكتاب علشان اقطع عليه اى فكره او خط رجوع بيفكر فيه وأقسملى انه مش هيتعرض لك تانى وانه كان بيتأكد انه واخدانى بمزاجك مش غصب عنك , اكون واخدك تخليص حق يابنت خالتى
ضحكت كثيرا ً وهدئت روحى واستكانت وكأن حملاً ثقيلاً كان يرقد على كتفاى أزاحه صفي بكل سهوله فعادت ابتسامتى لشفتاى وابتسامتى لقلبى مره اخرى
– مبسوطه ياست البنات ؟
نظرت له بعشق متأجج يثور بركانه من عيناى الهائمه والمتيمه بحبه وانا اربت على يديه الدافئتين استمد منها قوتى , الان عرفت كيف لى ان حصلت على كل تلك القوه فلابد انها من انبعاث روحه وصموده ورجولته التى تفيض أمانا ً على من حوله فتدعهم يستوطنون أسفل ذراعيه بسلام نفسي جياش وجسد انهكه التعب
– ازاى مبقاش مبسوطه وانت معايا ياصفي بنا يخليك ليا
– انا اتفقت مع عمى بكره هنكتب الكتاب من غير اى اعتراض
– ومين قالك انى معترضه انا موافقه جداً
خرجت من طيات قلبى صريحه واضحه لا غبار عليها وشك
– ريحتى قلبى يلا بقى جهزى نفسك ياعروسه وهمشى انا علشان معطلكيش , وبقولك للمره المليون ياميراس طول مانتى معايا مفيش كائن على وجه الأرض هيقدر يزعلك ولا يستحق دمعه واحده من عيونك , انتى غاليه ودموعك دى زى الماس مينفعش تنزل على حد ميستاهلش
عدت أطير بجناحين من لؤلؤ وزمرد أحلق بهما عاليا وألامس عنان السماء , كيف لإناس بتلك القلوب الطاهره ان يكونوا بيننا مندسين بين من لا قلوب لهم ولا نشعر بهم ولا بحهم ولا بجاذبيه روحهم الصادقه الطاهره , فنتغافل عنهم ونلقى بأنفسنا بين ايادى لا تعرف الرحمه فهنيئا لمن عرف تلك القلوب يوما ً وطوبى للمحرومين …

ست البنات
الحلقه الخامسه والعشرون

” متى ستعرف كم أهواك يا رجلاً أبيع من أجله الدنيـــا وما فيها
يا من تحديت في حبي له مُدنـاً بحالهــا وسأمضي في تحديهـا
لو تطلب البحر في عينيك أسكبه أو تطلب الشمس في كفيك أرميها
أنـا أحبك فوق الغيم أكتبهــا وللعصافيـر والأشجـار أحكيهـا
أنـا أحبك فوق الماء أنقشهــا وللعناقيـد والأقـداح أسقيهـــا ”

كم اعشق رجلا ً أجد الحياه بين يديه عندما افتقدها يستدعيها وعندما اتفتت يلملمنى أشلائاً ويزرعنى بيديه فأنمو من جديد مزهره متفتحه مقبله على الحياه , كم كنت اصدق مقوله ” مالحب الا للحبيب الأولى ” وفى النهايه وجدتها سرابا ً بحتا ً , ربما نلتقى بمن لا يستحقون حبنا فنظن أنهم المأوى والسكن ونضع فى كفوفهم أمانينا وفى النهايه نجدهم أكثر من خزلونا بل حطمونا ولم يلتفتوا ليروا نتيجه أفعالهم ولربما ظننا أننا نحب أو توهمنا الأعجاب حب او الشفقه حب او الامتنان حب ولكن فى النهايه يبقى الحب حبا ً ومادونه لا شئ , وقد ننتظر عمرنا كله نبحث عن الحب الحقيقى فنتخبط بين ذلك وذاك حتى نصل لملاذنا فى النهايه , وها أنا وجدت ملاذى فى رحاب صفي , كنت آراه قريبا ً فصديقا ً أما الان اراه حبيبا ً وزوجا ً وأشعر ان مامضى كان وقتا ً لا يٌحتسب من عمرى , أزال همى وطمئن قلقلى وأراح قلبى فهنيئا ً لى به قرينا ً , كنت احسب المتبقى لى دونه بالساعات والدقائق اتمنى ان يأتى زفافنا على عجل شديد وألا يحدث ما يؤلم قلبى مره اخرى فأنا لم اعد اتحمل الألم ولكن لربما يكون الألم مصاحبا ً لبعض الأشخاص وبعيدا ً عن دونهم ومالقيت فى حياتى سعاده مثل مالقيتها بجواره حتى ان ايامى القليله المتبقيه على زفافنا مرت سريعه هادئه لا شوائب فيها حتى أتى يومنا المنتظر وبدايه سعادتنا التى بحث كلانا عنها طويلا حتى وجدها أخيرا ً بعد تيه طويل .
صمم صفي ان يُكتب كتابنا فى اليوم التالى حتى أننى لم اكن مصدقه ان ذلك يحدث حقا ً كنت ارتعد ان يحدث شئ يجعل كل ذلك يتوقف أخشى الا يتركنى عمر أهنئ بحياتى الجديده كما يهنئ هوا بحياته ولكنى كنت على ثقه كبيره بصفي انه يستطيع ردع كل من يقف فى طريقنا فكان خوفى عليه أكثر من خوفى على نفسي وسعادتى وكنت أبكى لله تضرعا ً الا يحدث له مكروه وألا نُحرم تلك النعمه التى نحن فيها ولم يخزلنى الله ومر كل بسلام وتيقنت كم ان لكل منا قلب يحمل الخير والشر معا ً وما بينهم شعره دقيقه كحد السيف لا تُرى تستطيع تحويل انسان من ملاك رحيم ليشطان رجيم ولعل رق قلب عمر لى ورأف بنا بعد حديث صفى واقتنع ان سعادتى معه فإن شعر معى بالحب يوما ً لابد وأن يتركنى انعم بما تبقى من حياتى ولعل خشيته من داليا هيا ما جعلته يتوقف لا أعلم ولا يهمنى شئ سوى ان صفي أصبح زوجى الان ولن يفصلنا شئ , بمجرد ان انتهى شيخ قريتنا من عقد القران حتى نهض صفي عن ملسه دون أن يصافح أحد ولا يلتفت لأحد وركض ناحيتى وانا اجلس مع نساء عائلتنا فى الغرفه المجاوره , فتح بابها واتجه ناحيتى وانا اتوسطهم واحتضننى بقوه فى وجود كل من حولى وكأنه لا يعبئ للعالم طالما اننى معه , كنت فى شده تحرجى وخجلى فكنت انظر عن يمينى ويسارى وانا ارى تعابير وجههم المختلفه بين الفرحه والاندهاش والغضب الحقد ولكنه أدار وجهى ناحيته وكأنه يقولى لى الا تنتبهى لغيرى , لم يحدثنى ولم يتفوه بكلمه ولكن نظرته واحتضانته كان لوقعها ابلغ الأثر فغنت عن كل الحديث , كنت اشعر أننى شئ مميز , حاله لا تتكرر وكأنى فريده من نوعى , فالنساء كالورود تنبت مع رجل وتذبل مع الاخر وانا ازدهر بقرب صفي , كان اهل بلدتنا الصغيره جميعهم يتحثون عن ذلك الرجل الذى يعشق فتاه تزوجت وانجبت ويعاملها كأنها مراهقه لم ترى النور من قبل , وليله زفافى حضر اهل بلدتنا كافه وكأنهم ينتظرون ان يروا ذلك العُرس الذى المنتظر .
كان يوم زفافنا أسطوريا ً حضر الجميع مهنئين ومباركين , أرتدى صفي بذلته الرسميه فصار أشبه بنجوم التلفاز وعلى وجهه ابتسامته العذبه يصافح الجميع ويتلقى التهانى وسعادته تقفز من عينيه قفزا ً وارتدى تميم بذلته المشابهه لصفي فكان طفلا ً جميلا ً تتجه الأنظار إليه وكان يحمله صفي أغلب الوقت حتى لا يدع مجالا ً للشك فى قلوب كل من حضروا انه مستاء لوجود تميم بل كان يتعمد ظهورهم معا ً حتى يتأكد الجميع انه يعشقنى كما انا سواء كنت عذراء او أما ً لطفل ففى الحالتين حبه لى لا يتغير بل هوا أكثر من على الارض سعاده لاقترانه بى ومافعله صفي كان كافيا ً لاقتطاع الكثير من الألسنه التى لا تنفك تتحدث عنا بما ليس فينا وكأنهم يعلمون ماتخفى صدورنا فتجدهم يبتسمون فى وجهك وما تلبث ان تستدير حتى يتحدثون عنك وينعتونك بما ليس فيك فكان هذا اكثر ما يخيفنى فى ليله زفافنا ان يتحدث الناس عنى واعلم جيدا ً انهم ما تركوا شيئا َ حتى قالوه فمنهم من خمن ان صفي تزوجنى رأفه بحالى ومنهم من أشفق على صفى لزواجه من ثيب وليس عذراء ومنهم من تداول خبر رفض صفي لبقاء تميم معى , فكنت استمع الى بقايا حديث من هذه او تلك وكنت ابتسم فى قراره نفسى لان صفي جعلهم يصمتون ولن يتجرأ أحد منهم ان يتكهن بشئ بعد الأن.
أما أنا فكنت اجمل عروس بشهاده كل من حضر زفافى فقالوا عنى اننى كنت اشبه أميرات الافلام الكرتونيه بفستانى الأبيض الناصع واسع التنوره وبحجابى الأبيض الذى زادنى رونقا ً وبهاء ً وابتسامتى التى لم تترك فمى بل خرجت من قلبى صادقه فأضفت بريقا ً لوجهى وجمالا ً لن تتركه أشهر مستحضرات التجميل فى العالم وإن من الحب شفاء ً للصدور وجمالا ً للوجوه فلا غيره يضفي النُضره على الوجه حتى يشع منه السعاده والابتهاج .
طلب منى ان نستهل الزفاف برقصه هادئه فاحمر وجهى وزاغت عيناى فنهض وانحنى أمامى مادا ً يده إلى وعلى وجهه ابتسامه متشفيه وكأنه يعلم اننى ارتعد تحرجا ً ولكن ليس أمامى سوى ان اضع يدى بيده فجذبنى برقه لأنهض ووضع يديه حول خصرى أما انا فوضعت يداى على كتفيه كما كنت أرى على تلفازنا الصغير فى الافلام السينمائيه واقتربت منه اخبره اننى لا اعرف ماذا أفعل فأحاطنى أكثر بذراعيه وقرب وجهه من وجهى حتى تلاقت عينانا بلا عائق بيننا والتحمت نبضات قلبينا معا ً وابتسم لى وهوا يخبرنى أن ادع جسدى يتحرك على هدير الموسيقى بلا تفكير وستكون هذه أفضل رقصه رقصتها يوما ً , وبالفعل تركت جسدى تحركه النغمات صار يتحرك يمينا ً ويسارا ً والى الأمام والخلف وفجأه حملنى أمام كل الحضور ودار بى فى القاعه بأكملها فكان يدور ويدور معه جسدى وعقلى فتشبثت به أكثر خشيه الوقوع واغمضت عينى وانا احتضنه بشده حتى انزلنى بهدوء ولمس وجهى برقه ففتحت عينى لألتقى بعينيه التى تشع عشقا ً وهياما ً فابتسم واخبرنى الا أخشى شيئا ً فى وجوده ولن يفلتنى من بين يديه أبدا ً ثم حملنى مره أخرى وصار يدور حول نفسه اكثر واسرع ولكن تلك المره كنت متفتحه العينين متسعه الأبتسامه يشعر قلبى بالأمان فلا أخشى السقوط ولا الانفلات طالما اننى معه , ضحك كثيرا ً عندما تأكد بأن كلماته أتت وقعها وصرت أقوى به فأنزلنى ببطئ وقبلنى من رأسى وهوا ممسكا ً بيداى بين يديه وكأنه يمسك العالم من أطرافه .
مرت ساعات زفافنا أسعد من اى شئ مضى لم اكن اتخيل ان اعيش تلك السعاده يوما ً فعشتها اكثر مما تخيلت أضعافا ً حتى انتهت مراسم الزفاف وعدنا لبيتنا وكان صفي مصراً على اصطحاب تميم معنا إلا ان أمى اخبرته انه بأمان معها لنهنئ نحن بليلتنا الأولى وستحضره لنا فى الصباح الباكر , كنت مطمئنه بوجود امى واعلم ان تميم يعشقها اكثر منى بل يتركنى ليذهب إليها فلم اكن قلقه بشأنه وكان صفي يثبت لى دوما ً انه رجلٌ فى وقت نفذت منه الرجوله فلم اكن اشعر بالخوف ولا القلق معه بل كنت ارفرف بجناحين من نور لم أشعر اننى غريبه عنه ولم اكن اخجل منه ذلك الخجل الشديد الذى كنت اشعر به تجاهه من قبل بل اصبحت استشعر منه قربا ً جعلنى ما إن اصبحنا وحدنا حتى احتضنته بشده جعلته لا يصدق مافعلت فأمسك بيداى ونظر لعينى بدهشه كبيره وتحدث بعذوبه
– انا مش مصدق نفسي انتى بتحضنينى
– الحضن دا الحاجه الوحيده اللى بيعملها الانسان علشان يحس بالأمان والاحساس اللى بحسه معاك اكتر من اى كلام ممكن يوصفه
– للدرجه دى نجحت انى اقرب لك
– انت ملكت قلبى ياصفي
– ياااه ياميراس لو اقدر افتحلك قلبى تشوفى حبك مالكه ازاى صدقينى مكنتش هتردد لحظه
– انت حاجه حلوه اوى ربنا بعتهالى يعوضنى بيها عن كل حاجه وحشه فى حياتى
– ربنا يقدرنى وافضل محسسك بكل حاجه حلوه حساها معايا دلوقتى
– طول مااحنا مع بعض هتكون ايامنا كلها حلوه
احتضننى بشوق ولهفه وكأن غائبا ً عاد لتوه من رحله سفر بعيده ظن حبيبه فيها انه لن يعود ولكن انقلبت الاحداث وتضاربت الامور ليعود لمن استحق حبه منذ البدايه فأمسك فيه بيديه بكل قوته حتى لا يفقده مره اخرى .
حياتى مع صفي لم تكن تشبه اى شئ سبق كان أكثر ثقافه وإطلاع وعلى قدر كبير من الطموح والإصرار والمثابره , كان على استعداد للسهر طوال الليل حتى ينهى عمله بدقه أكبر فكانت يوما ً بعد يوم أسمه يلمع ويتردد بين اصحاب الشركات الكبرى , لم يكن غنيا ً بقدر عمر ولكنه لم يجعلنى أشتهى شئ بل كان يحضر كل مااستطاع احضاره واكثر وكان تميم نصب عينيه دوما ً وعندما كانت وفاء تتصل بى تريد تميم كان يرحب ويأخذه بنفسه لمنزل جدته ليقضى معها يومان حتى لا تشتاق إليه وتظن انه حرمهم منه , وكنت استمد النجاح والدعم منه حتى انه هوا من طلب منى تأخير الأنجاب حتى استطيع ان أكمل دراستى فى كليه الهندسه بلا مجهود زائد ولا طفل يجعلنى أتشتت عن حلمى , ولكنى انا من اردت ان انجب منه طفلا ً يزيدنى قربا ً منه فأجد قطعه منه متمثله فى شخص آخر وبعد ان أنهيت اختباراتى للعام الثانى بكليه الهندسه أنجبت ابنتى ” ملاذ ” , حملها بين يديه غير مصدق تلك الهبه الربانيه فكانت جميله الملامح صغيره الجسد ناعمه الشعر ملساء الجلد تعجز الكلمات عن وصف برائتها وجمالها حتى ان تميم ظل يحتضنها ويقّبلها فكانت سعاده آخرى تضاف لسعاداتنا المتتاليه , انا من اسميتها ملاذ فكانت ملاذا ً كأبيها ما إن حملها حتى دمعت عيناه واحتضنها كثيرا ثم هرع يحتضننى ويقبل رأسى وكأنى وهبته هديه عظيمه
– انا مش هقدر اوصفلك قد ايه انا فرحان ان بقى عندى نسخه صغيره منك
– بجد فرحان ياصفي
– فرحان ! دى أقل كلمه ممكن تتقال انا حاسس ان ربنا ادانى عمر فوق عمرى اعيشه بعيونها الصغيره
– انا كمان فرحانه اوى ان فيه حاجه ربطتنى بيك اكتر واكتر
– بس متنكريش انك مربوطه بيا من غير حاجه
– طبعا انا ماسكه فيك بإديا عمرى ما هفرط فيك
– ربنا يخليكى ليا ياأحلى حاجه حصلتلى
كنا نشاهد تميم وملاذ يكبرون العام تلو الآخر وقلوبنا بهم تمتلئ بالسعاده فلم يكن هناك فارق بينهم وكان تميم يعتقد ان صفي أباه حتى اننى اخشى ذلك اليوم عندما يذهب لمدرسته ويعلم انه تميم عابد وليس تميم صفي فبالتأكيد سيُصدم وقتها ولكننا نحاول تهيئته من الآن , فى خضم حياتنا لم ننسى طموحنا بل كنا نشجع بعضنا البعض على ذلك , فكان صفي يدفعنى نحو النجاح دفعا ً وكنت خلفه اتابع معه عمله واساعده بقدر ما ااستطيع حتى اصبح يتنقل من عمله ليأخذ منصبا ًأفضل وأصبح وضعنا افضل مما سبق بكثير .
فى وسط حياتنا كنا نتلقى الدفعات والصفعات , فكانت الأيام لا تخلو من القبيح بقدر عدم خلوها من الجيد وطالما نحن احياء سنتلقى الكثير من الصدمات التى تقومنا وتجعلنا أفضل , ولكن هناك صدمات تترك أثرا ً فى قلوبنا لم يستطيع حتى الزمن اخفاؤه وكان أصعبها يوم ان طلب منى صفي قطع علاقتى بهمسه صديقه طفولتى وقرينه عمرى , اتذكر يومها اننى اخبرته انها أهم منه عندى واننى احبها بقدر حبى لولدى تميم ولن اتركها مهما حدث واتهمته انه يريد ان يجعلنى خالصه له فقط ونشب بيننا نقاشا ً أحتدم وعلا صوتنا حتى اضطر فى النهايه لأخبارى بما حدث
– انتى لسه محسسانى انى عدوك يا ميراس
– لما تبقى عايزنى اقطع علاقتى بهمسه صديقه اللى عمرى اللى مليش غيرها متبقاش كدا بتعادينى
– وهان عليكى تقوليلى كدا
– اللى بتطلبه دا ملوش غير معنى واحد انك عاوزنى انسى اهلى واصحابى وابقى ليك لوحدك ودا مكنش اتفاقنا ياصفي
– من امتى وانا كدا وامتى طلبت منك تسيبى اهلك ولا اصحابك لو انا وحش اوى كدا كنت قولتلك قاطعى اهل عابد لكن انا اللى بشجعك علشان تتصلى وتسألى عليهم
– طيب ممكن تفهمنى اللى بتطلبه دا ليه ؟
– فيه حاجات قله الكلام فيها احسن ومن فضلك اسمعى كلامى
– مش هسمع ياصفي الا لما تقولى ايه سبب طلبك دا
– فاكره لما كنتى بتختارى الفستان وجت همسه معانا
– ايوه فاكره
– مخدتيش بالك من نظراتها ليكى
– لا , وبعدين هيبقى ايه الغريب فى نظراتها
– يا ميراس همسه كانت بتبص لك بحقد
– وهتحقد عليا ليه
– علشان هيا لسه متجوزتش وانتى جوزك بيموت فى التراب اللى بتمشى عليه وانتى ناجحه اكتر منها ومتفوقه و…
– انت عاوز تكرهنى فيها وخلاص مش كدا
– همسه اتصلت بينا يا ميراس
– اتصلت بيك ؟؟ جابت رقمك منين واتصلت ليه ؟
– قالتلى انها خدت الرقم من تليفون سيادتك
– واتصلت بيك ليه
صمت صفي ولم يُعقب فاضطررت لإعاده السؤال لعله يعطينى سببا ً يجعل عقلى يتوقف عن الفوران
– كانت بتقولى انها معجبه بيا
– ايه ؟؟!!!
– قولتلك مليون مره ياميراس الدنيا مش زى مانتى شايفاها وانا مش عدوك ولا عمرى هكون انا بخاف عليكى اكتر من نفسي
– ازاى همسه تعمل كدا دى صاحبه عمرى , دانا معرفش غيرها فى حياتى
– ياحبيبتى انتى اتجوزتى قبلها ولما الجواز دا فشل ربنا وفقك فى حد بيحبك وكان مستعد يستناكى طول عمره ونجحتى فى حياتى وحققتى حلمك من حقها تغير وتتمنى زوال النعمه منك
– وانت قولتلها ايه ؟
– كيد قولتلها انى بعشقك وعمرى لا شوفت ولا هشوف غيرك
– للدرجه دى انا طلعت هبله
– لا ياحبيبتى انتى مش هبله انتى طيبه وهمسه كمان اكيد كانت بتحبك بس القلب بيتغير بين لحظه والتانيه ولازم تفهمى دا كويس ,هنلاقى ناس كانت بتحبنا وفجأه بقت بتكرهنا وناس تانيه كان بينا خلافات كتير ومكناش فاهمين بعض وبقينا اعز اصحاب, الحياه مش بتمشى على وتيره واحده ولازم قلبك يكون حديد ميتأثرش بأى حاجه ولا بأى حد
– بس انا مش كدا والله
– محدش معصوم ويمكن لو كنتى فى مكانها كنتى هتحسى باللى حست بيه وعلشان كدا عاوزك تقطعى علاقتك معاها علشان مش هتقدرى تبقى عارفه اللى حصل وتتعاملى كأن محصلش حاجه لكن كمان عاوزك تسامحيها وتقدرى موقفها
– متهيألى مفيش حد زيك دلوقتى ياصفي
– بالعكس فيه وانتى اكبر اثبات على كدا
علمنى صفي أكثر مما علمنى اى شخص آخر فصرت اخشى عليه الابتعاد واخشى على روحى ان تنسحب من جسدى يوما ً خشيه فقدانه .

ست البنات

الحلقه السادسه والعشرون

الآن فقط عرفت لما تحدث لنا أشياء نظنها نهايه العالم وعندما تدورالايام نجد انه لم يكن هنالك افضل من ذلك , عندما اسرح بمخيلتى واسترجع ماحدث لى منذ يوم طلبنى عابد للزواج ارى ان هنالك الكثيرمن الصدمات التى كادت تهلكنى لولا اننى تمسكت ببقايا أرادتى والان اشكر الله عليها فما حدث صنع الكثير لى وأعطانى تجارب حياتيه لم اكن سأكتسبها يوما ً دون ان يحدث ذلك , أما الان فأعتقد اننى وصلت لمرحله الاستقرار , بعد أيام سأتخرج من الجامعه بتقدير عام امتياز كافحت كثيرا حتى حصلت عليه بالرغم من أعباء الحياه ومسؤليه طفلين إلا ان صفي شاركنى كل ضغوط الحياه , منذ ان انتقلنا للسكن فى القاهره لأكون بجوار جامعتى ويكون صفي بجوار عمله وقد صدمنى تغيير طريقه الحياه والازدحام الشديد والعادات المختلفه عن عاداتنا , فنحن قد نشئنا فى قريه صغيره يعرف بعضنا البعض بخلاف القاهريين فكل منهم فى حاله لا يتدخل احدهم فى حياه الاخر وبالتالى اذا مرضت يوما ً او احتجت لمعين لن تجد فكنا نقتسم الشقاء قبل الراحه وحتى ساعات السهر بجانب ملاذ وتميم كنا نتشاركها فكان أحدنا يسهر نصف الليل ثم يذهب لينام والاخر يجلس بدلا ُ عنه بعد ان يكون اخذ قدره من النوم , فكان تميم يذهب لروضه مدرسيه قريبه من بيتنا الصغير الذى استأجرناه وملاذ تذهب لسيده أخرى فى منزلها ترعاها وتهتم بها حتى نعود , فكنت احمل ملاذ واركض بها تجاه جارتى التى تستضيفها فى منزلها بمقابل شهرى وصفي يحمل تميم ويذهب به لروضته ثم نتقابل فى مكان حددناه سابقا ً لنستقل الحافله التى اهبط منها على مقربه من جامعتى ويستكمل صفي طريقه حتى ان يصل لعمله , كانت فتره الصباح وقتها تأخد من ساعتين الى ثلاث ساعات منذ ان نستيقظ وحتى نستقر فى أماكنا وعند العود نفس الشئ , فإذا انهيت محاضراتى قبل ان ينهى صفي عمله كنت انتظره فى المكان الذى حددناه سابقا ً فأظل استذكر ما أخذت من محاضرات حتى يأتينى فبدونه أخشى العوده واخشى استقلال الحافلات وحدى فمازال قلبى الطفولى يخشى الغربه ولا يجد أمانه الا فى وجود صفي , وعندما نعود لمنزلنا بعد ان احضرنا اطفالنا كنا نتشارك أعمال المنزل ولأن صفي عاش سنوات كثيره وحده فقد اعتاد الطهى والتنظيف , فإذا طهوت انا كان يبدل ملابس الطفلين وينظف بقايا الافطار المتساقطه واذا قرر ان يطهو هوا لنا كنت ارتب البيت واعد مائده الطعام حتى ننتهى جميعاً من اعمالنا ونجلس معا ً لنتناول الغداء , حتى تميم كان يساعد والده الذى يعشقه كما لم يُعشق والد من قبل فكان يقلده فيما يفعل ويرتدى مريول المطبخ الصغير ويخبره انه المساعد الخاص به وكان صفي ذو قلب طفولى يلعب معه ويمرح ويتنافسا على من ينهى طبقه أولا ًاو من يسبق الاخر ويركض الى الروضه اسرع فكلما مرت الايام وكبر تميم تعلق به اكثر واكثر , حتى ملاذ اصبحت تقلد تميم فى كل شئ فكان مرجعها الاول ومن بعده والدها الذى يوافقهم على اعمالهم التخريبيه أما انا فكنت الام الصارمه التى تصرخ طول اليوم ويضحك عليها ابنائها .
برغم الارهاق الجسدى الذى لم نتعرض له يوميا ً الا انه فى نهايه كل يوم عصيب نتعرض له كان يأخذنى بين ذراعيه ويحتضننى حتى اغفو بين يديه وأذهب فى سُبات عميق لا أفيق منه الا فى اليوم التالى وقد تحمل هوا استيقاظ ملاذ فى منتصف الليل بل وفى بعض الايام عندما اتكاسل عن الاستيقاظ كان يستيقظ هوا ويعد الفطور ولا يوقظنى الا بعد ان ارتدى هوا وابنائنا كامل ملابسهم وكنت اعوض له ذلك فى الايام التى تخلو من المحاضرات فكنت اعيد ترتيب المنزل وتنظيفه وأعد له الأكل الذى يحبه واترك الاولاد معى فى المنزل فلا يحمل عناء ذهابهم او مجئيهم فكان يوما ً غير تقليديا ً يكسر قيود الروتين اليومى الممله .
كنا نتحمل بعضنا البعض فمن لديه طاقه يفيض على من اوشكت طاقته على النفاذ واذا اوشكت على الانفجار من إثر ضائقه ماديه او أعباء حياتيه كان يذكرنى بكل جميل يحدث لنا وكيف اننا الان معا ً دون ضغوط نفسيه فالمشاكل الحياتيه سهله الحل ولكن المشاكل النفسيه تأخذ من العمر والجسد فكنت استشعر ذلك وتهدأ روحى وتسكن .
اما زياراتنا الى قريتنا الصغيره كانت فى الاول اسبوعيه ثم بعد ذلك اصبحت فى فترات غياب الاختبارات ولم يخل صفي بوعده تجاه اهل عابد بل كان يحمل تميم ويذهب به إليهم ويتركه حتى تتصل جدة تميم وتطلب من صفى الحضور لأخذه وفى بعض الاوقات كان يعيده عمر ..
فى البدايه كنت اخشى مواجهته واخشى النظر فى عينيه فأحن إليه وأشتاق لما مضى فكنت اتعمد عدم الخروج او أخذ تميم بسرعه والدخول حتى لا تتلاقى عينانا ولكن ذات مره ذهب صفي للقاء أصدقائه ولم يكن فى المنزل غيري وطرق عمر الباب ومعه تميم ,عندما فتحت ووجدته امامى تسارعت دقات قلبى وبدا التوتر جليا ً فى ملامحى ولكننى استعدت رباطه جأشى وقررت المواجهه فنظرت له بعينان يملأهما التحدى فكانت نظره قويه بعد غياب طويل , وما إن تلاقت عينانا حتى ابتسم
– عامله ايه يا ميراس
تمالكت نفسي وحاولت السيطره على انفعالاتى وانا اجيب
– كويسه جدا , ازيك انت ياعمر
ابتسم مستطردا ً
– ماشى الحال , شكرا على سؤالك
– احنا فى النهايه عيله واحده لازم نسأل على بعض
– بس !
– اكيد
– سعيده فى حياتك يا ميراس
– جدا , صفي راجل محترم وطيب بيحبنى اكتر مابيحب نفسه وحياتنا فى القاهره مستقره وبكمل دراستى بتفوق وتميم متعلق بصفي , مفيش حاجه ناقصانى علشان مبقاش سعيده
– قولتى كل حاجه وقولتى ان صفي بيحبك لكن مقولتيش انك بتحبيه
– لو مكنتش بحبه مكنتش اتجوزته
– يمكن اتجوزتيه عِند
– عِند فى مين ياعمر ؟ فيك ؟
– يمكن
– انا مش غبيه علشان اعاندك وأذى نفسي ولو كنت بعاندك كنت اتجوزت لما عرفت انك رجعت لداليا لكن بالعكس انا خدت وقتى وفكرت وقررت وطلع قرارى دا احسن قرار خدته فى حياتى
– واحسن من قرار جوازك منى ؟
– الكلام دا ملوش لزوم ياعمر انا دلوقتى متجوزه وبحب جوزى وانت رجعت لمراتك وبقى عندك بنت , صدقنى لما تفكر فى الموضوع صح هتعرف ان جوازنا كان غلطه مش اكتر
– يعنى محبتينيش زى ماكنتى بتقولى
– بالعكس حبيتك جدا بس حب مراهقه , زى البنت اللى بتفكتر انها بتحب المدرس بتاعها وبتحب ممثل فى التلفزيون وبتحب ابن الجيران , حب برئ طفولى والايام هيا اللى بتكبره او بتنهيه وانت نهيت الحب دا والحب اللى بينتهى مكنش صادق من الاول
– بس حبى ليكى كان صادق
– هوا انت فاكر الحب دا كلمتين ياعمر , حب ايه اللى صادق وصاحبه بيخون وبيكدب وبيخبى , الحب دا نبات رقيق جدا محتاج صدق ورعايه واهتمام وحب علشان يكبر وينمو لكن غير كدا بيدبل ويموت وانا معاك دبلت
– انا عارف انى جيت عليكى وعملت تصرفات غبيه بس اوعى فى يوم تفتكرى ان حبى ليكى كان كدب
– داليا عامله ايه معاك ؟
– عادى
– يعنى ايه عادى
– داليا ام بنتى
– ولما رجعتها كانت ام بنتك بردو
– عايزه توصلى لإيه ياميراس
– اوعى تستغبانى ياعمر ولا تصدق نفسك , بص للحقيقه بنظره حد تانى غيرك , دايما نظره الانسان لنفسه منصفه , ربنا يوفقك فى حياتك ويوفقنى انا كمان
كنا مستمرين فى حديثنا واقفين انا باب شقتى ولكن تميم تململ من الوقفه معنا فدخل ليشاهد التلفاز وظللت اتحدث مع عمر حتى أتى صفي ونحن مازلنا نتبادل حديثنا , توتر عمر واستأذن بالانصراف ولكن صفي دعاه للدخول برغم رفض عمر الا انه ألح عليه كثيرا ً حتى فشل فى اقناعه وانصرف عمر ودخل صفي معى الى الداخل , كانت ملامحه متغيره حتى وإن حاول الا يُظهر ذلك ومر اليوم بسلام دون ان نتطرق بالحديث الى ذلك الموضوع ولكن قلبى لم يكن مرتاحا ً فكنت كالطفل الذى أفسد ما فعلته أمه فخاصمته وظل منتظرا ً على باب غرفتها حتى تسامحه , حاولت تجاهل الامر كثيرا ً الا اننى وجدتنى فى النهايه اجلس أمامه وافاتحه فيما حدث
– انت زعلان منى
– وازعل منك ليه ياحبيبتى
– انت عارف ياصفي بلاش تحسسنى بالذنب اكثر من كدا
– والله مافاهم تقصدى ايه
– علشان جيت لقتنى واقفه مع عمر , والله ياصفي كان تميم معانا ويادوب لسه ….
وضع يده على فمى يغلقه وعلى وجهه ابتسامته العذبه
– انتى ازاى تفكرى انى بكدبك ولا بشك فيكى
– بس شكلك متغير من ساعه ماعمر مشى
– دى غيره عليكى مش زعل منك , غيرت لما لقيته واقف معاكى وانا عارف انه لسه بيحبك لكن مش شك فيكى واوعى تفكرى بالشكل دا تانى
– يعنى مش زعلان منى
– عمرى ماازعل منك لانى بحبك وبثق فيكى وبحترم وجودك واخلاقك واحترامك لنفسك قبل اى شئ وعارف كويس انك وقت الجد بميه راجل
– طيب ولو مش فى وقت الجد
– لا دى حاجه تانيه عايزالها قاعده وانا فاضى
– انا بحبك اوى ياصفي وبحب تفهمك واعتزازك بيا
– ياحبيبتى كرامه الراجل من كرامه مراته واللى يقلل من مراته يبقى بيقلل من نفسه ولو طلبتى منى انك تاخدى تميم وتروحى بيه لجدته بنفسك والله عمرى ماهرفض
لا أعلم كيف لرجل ان يقلل من شأن زوجته فيهينها وينتقص منها وهوا يظن ان ذلك لا يمسه بسوء ولا يعلم انه كلما احسن اليها احسنت اليه وكلما اساء اليها اخرجته من قلبها وعقلها فأقلل هوا من شأن نفسه الاف المرات اكثر , وكيف لحياه قائمه على الاهانه والشك ان تستمر الا إكراها ً فلماذا نستبدل الحب والرحمه بما يهدد البقاء ويمزق الاواصر فبدلا ً من ان نحيا ونحن نعشق وجودنا بجانب بعضنا البعض اصبح وجودنا إلزاميا ً لاستكمال الواجهه الاجتماعيه فقط , فكم من بيت تهدم واطفال تشردت لأننا لم نحسن الحب , وصفي كان رمزا ً للحب ونشأ ابنائنا فى بيت يملؤه الحب فكانوا اسوياء وقلوبهم مليئه بالمشاعر الصادقه .
ولأن ” كل هذا حتما سينتهى ” فإيضا التعب انتهى وبعد ان كنت اسهر الليالى متورمه الاجفان لأذاكر مافاتنى اصبحت الان رئيسه قسم الهندسه المعماريه بالجامعه وبعد ان كنت اركض لألحق بالحافله اصبح لدينا سياره حديثه يوصلنى بها صفي لعملى , وأما هوا فأصبح ذو مركز مرموق حصل عليه بتعبه واجتهاده واصبحنا نتملك منزلا ً جميلا ً فى وسط القاهره حتى وإن لم يكن كبيرا ً بما يكفى ولكنه منمقا ً ومليئا ً بالحب وكبر ابنائنا الصغار الذين كنا نشكو شقاوتهم ومكرهم وسهرنا بجوارهم فأصبح تميم طالبا ً بالجامعه واصبحت ملاذ فى المرحله الثانويه واصبحت لديهم اهتمامات اخرى وعالما ً مختلف عن عالمنا الذى نشئنا فيه وتربينا حتى اننى وصفى لم نعد نفهم بعض اقوالهم ولا نستطيع مواكبه العولمه التى يسبقونها واصبحت اوقات فراغنا كبيره وحديثهم معنا قليل , فلا تعب يدوم ولا راحه تبقى ومهما مر علينا من اوقات عصيبه اصابت ارواحنا بالخدر والالم الان انه حتما سيأتى الافضل يوما ً ما .

لذلك اقف امامكم الان طلابى الاعزاء اقص لكم حكايتى فى اليوم الاول لكم بكليه الهندسه لتكون لكم عبره تستفيدوا منها ولو بأقل القليل أما أنا فسأنهض الان لأعود لبيتى فمازال امامى الكثير من المهام التى لو أؤديها بعد .
انصرفت عائده لمنزلى مع صفي فى سيارتنا الصغيره ومالبثنا ان دخلنا من الباب حتى جذبنى تميم من يدى ودخلنا غرفته وأغلق بابها خلفنا
– فيه ايه ياتميم بالراحه عليا انا لسه راجعه ومش قادره
– عايزك فى موضوع مهم ياماما
– طيب مقولتش الموضوع ليه واحنا برا
– بصراحه مش عايز اتكلم قدام بابا
– ليه ياتميم هوا احنا بنخبى عليه حاجه
– لا ياماما مش قصدى بس الموضوع مُحرِج شويه
– مُحرِج ؟! فيه ايه ياتميم قلقتنى
– انا عايز اخطب مرام بنت عمى عمر

ست البنات

الحلقه السابعه والعشرون

وكأننا ندور فى دائره مغلقه نلتف حولها ثم نعود لنفس النقطه مره آخرى , الان وبعد مرور كل تلك السنوات التى ابتعد عنهم فيها يأتى ابنى الان ليعيد ترابطنا معا ً مره آخرى , اليس هناك فتيات اخريات سوى ابنه داليا !! وكيف لى ان اتصرف فى ذلك الموقف , شردت كثيرا حتى حثنى تميم على الاستفاقه من مخيلاتى
– ماما , انتى سمعانى ؟
– ايوه سامعاك
– ورأيك ايه فى الموضوع ؟
– موضوع ايه ؟
– فيه ايه ياماما مالك ؟
– مفيش حاجه مرهقه شويه , كان عندى يوم طويل النهارده وحفله استقبال الطلاب الجدد وتعبانه جدا , هنام شويه وابقى كويسه
– طيب ياماما على الاقل اوعدينى انك تفاتحى بابا فى الموضوع
– اشمعنى هيا يا تميم؟
– يعنى ايه اشمعنى هيا ؟
– ليه مرام بالذات اللى عاوز تخطبها
– وليه متبقاش هيا
– علشان ….
– انتى مخبيه حاجه ياماما ؟
– هخبى ايه , انا قولتلك انى تعبانه لو سمحت سبنى دلوقتى
– حاضر
انصرف تميم وتركنى أكاد أجن من فرط انفعالى , كنت اريد تحطيم كل ما تقع عليه عيناى ولكنى خشيت ان يسمعوا صوتى بالخارج , دفنت رأسي بين يداى ودموعى تتساقط ألما ً وكأن كل ذكرياتى المنصرمه هاجمتنى دفعه واحده , كنت اسمع صفي ينادى ولكنى لم أجيب حتى دخل الغرفه فوجدنى هكذا , اغلق الباب خلفه بسرعه وركض تجاهى
– فيه ايه يا ميراس مالك ؟
– تميم ياصفي
– ماله تميم بعد الشر فيه ايه ؟
رفعت رأسي ونظرت له بعينات يحرقهما البكاء
– تميم عايز يتجوز مرام بنت داليا
زفر انفاسه المحتبسه وجلس بجوارى يربت على يدى ويبتسم
– ياشيخه وقعتى قلبى افتكرت الولد واقع فى مشكله
نظرت له بعينان تكاد التهامه من شده غضبها
– واللى بقولهولك دا مش مشكله , دا مصيبه
– ومصيبه ليه بس ياحبيبتى ماهو مسيره انه يتجوز
– يتجوز اى حد فى الدنيا الا مرام بنت داليا
– ومالها مرام يا ميراس , البنت كويسه ومحترمه والواحد مشافش منها الا كل خير
– كفايه انها بنت عمر وداليا
– ملناش دعوه بابوها وامها المهم البنت
– وهيا العقارب بتخلف ايه غير عقارب زيها
– ياميراس متخليش غضبك يسيطر على تفكيرك عمرك ماكنتى قاسيه بالشكل دا , وعمر وداليا قصه انتهت من زمان وانتى نفسه عارفه انهم محاولوش يضايقونا ولا اتعرضوا لنا طول السنين اللى فاتت
– يمكن كانوا بيخططوا للجوازه دى , لا دا مش يمكن انا متأكده ان دا تخطيط داليا , صدقنى دى انسانه مش سهله انت متعرفهاش زيي
– مش يمكن الزمن غيرها
– مستحيل
– على فكره انا كنت عارف ان اليوم دا هييجى
– ليه ؟؟
– ببساطه تميم قضى اغلب وقته فى بيت جدته , انتى ناسيه انه كان بيروح كل اجازه بننزل فيها البلد وكان بيبات عندهم وطبعا البيت مفيهوش غير مرام حتى اولاد وفاء مش بيكونوا موجودين كتير واغلب وقت تميم كان بيقضيه مع مرام فلازم هيحبها وهتحبه
– عمرى ما فكرت فى كدا
– دلوقتى مبقاش تفكير بقى امر واقع ولازم يكون فيه تفكير سليم
– تفكير فى ايه يا صفي انت عاوز تجننى
– ليه بس ياحبيبتى انا عايزك تهدى
– اوعى تفتكر انت ولا هوا انى ممكن اوافق على المهزله دى
– طيب ارتاحى دلوقتى وبكره نكمل كلامنا
– مفيش كلام هيتفتح تانى فى الموضوع دا
– اللى تشوفيه يا حبيبتى , انا هخرج واسيبك تنامى
كان الغضب يسيطر على جسدى كله فكانت انفاسي متسارعه وضربات قلبى تتزايد وارتفع ضغط دمى حتى كدت اختنق , خرجت للشرفه استنشق بعض الهواء فسمعت صوت صفي يحادث تميم , اعلم انه لن يتركه حزينا ً ولن يهنئ حتى يهدئ من روعه ويطمئنه , اقترب اكثر دون ان يرونى واستمعت لحديثهم
– متزعلش نفسك ياتميم اللى انت عاوزه هوا اللى هيكون
– يابابا انا مش عارف ليه ماما اتضايقت لما فاتحتها فى الموضوع انا كنت فاكر انها هتفرح انى هتجوز بنت عمى
– مامتك مش زعلانه انك هتتجوز بالعكس دا اسعد يوم فى حياتها ولا معترضه على مرام بس زى ماتقول كدا كان فيه شويه مشاكل بينها وبين مرات عمك عمر
– مشاكل ؟؟ مشاكل ايه يابابا
– ياابنى متحشرش نفسك فى مشاكلنا ولا تحمل نفسك فوق طاقتها وصدقنى احنا مش عايزين غير مصلحتك ومامتك هيا اللى طلبت منى اتكلم معاك
– يعنى هنروح نطلب مرام من عمى عمر
– لو بتحبها اتمسك بيها وسيب مامتك عليا
– ربنا يخليك ليا يا بابا
بالرغم من غضبى الشديد مما سمعته من صفي ووعده لتميم بخطبه مرام الى ان قلبى كان يتراقص فرحا ً كلما أثبتت لى المواقف اننى اخترت الرجل الصحيح الذى استند اليه وقت غضبى وحاجتى للأمان فلا فرق لديه بين ملاذ وتميم بل يحب تميم أكثر من اى شئ اخر ودائما ما يخبر الجميع انه ابنه البكرى لذلك يحتل الكثير من قلبه والان يتحدث اليه كما لو كان يحبه اكثر منى ويخشى حزنه وألمه , حاولت التفكير مرارا ً فى ذلك الامر ولا اجد مبررا ً يمكن ان يصدقه تميم ويثنيه عن رغبته تلك , هل اخبره اننى ارفض مرام لان امها فعلت معى الكثير يوم ان تزوجت زوجها , وقتها سيخبرنى انه لو اقتحم حياتى انثى اخرى تزوجها صفي فبالتأكد كنت سأفعل معها الافاعيل , هل حقا َ كنت سأفعل ذلك او سأتركها تأخذ قلب زوجى منى ؟ هل كنت سأتحول لوحش كاسر يبيح فعل كل شئ فى سبيل استعاده حياته السابقه ام أننى كنت سأطبق المثاليه التى أدعيها ؟ .هل اخبره اننى احببت عمه حبا ً فاق كل تفكير حتى اننى من شده حبى له كرهته كما لم اكره أحد من قبل ؟ وهل حقا ً ارفض مرام من اجل داليا ام اننى ارفضها كى لا ألتقى بعمر مره اخرى ؟ , قلبى يتخبط وعقلى يشتعل لا اعلم ما ألم بى ولكننى احترق كعود ثقاب اشعله احدهم وتركه يتهاوى , رفضت ان اتناول الطعام معهم وطلبت منهم ان يدعونى ولا يقتحموا خلوتى بنفسي حتى اليوم التالى .
صبيحه اليوم التالى كنت قد سهرت طوال الليل افكر فيما حدث حتى انقشع الليل وظهرت الشمس جليه , خرجت من غرفتى فوجدت صفي نائما ً أمام التلفاز فذهبت لغرفه تميم ايقظته وجلست بجواره انظر اليه ,انظر لذلك الطفل الذى عانيت كثيرا ً من اجله فكان لى السند والهدف والمحفز الذى جعلنى اقوى اضعاف المرات , فتح عينيه ببطئ ونظر لى باستفهام
– ماما , مالك فيه حاجه ولا ايه ؟
– انا موافقه على الخطوبه
نهض من فراشه يحتضننى فى سعاده غامره لم يستطيع اخفاءها وركض ليخبر صفي بما حدث , بعد قليل حضر صفي لغرفه تميم وتركه يجرى اتصاله بمرام يخبرها بقرارى
– انتى بجد وافقتى ؟
نظرت لصفي بابتسامه يشوبها الالم
– ايوه
جلس بجوارى ورفع رأسى بيده لتتلاقا عينانا
– ايه اللى حصل ؟
ابتسمت بهدوء واستطردت
– ولا حاجه فكرت فى كلامك واقتنعت بيه
– بس ميراس مش بتقتنع بسهوله
– بصراحه حسيت انه اختبار لنفسى قبل اى حاجه تانيه فيه جوايا شكوك حابه اتأكد منها وفعلا تميم ومرام ملهمش علاقه بمشاكلنا زمان حرام ناخدهم بذنبنا والبنت يمكن تكون كويسه ,انا عشت حياتى فاكره ان السعاده هلاقيها مع شخص هوا اكتر حد وجعنى وكسرنى واللى كنت ببعد عنه بقى هوا مصدر سعادتى وخايفه اظلمهم زى ماظلمت نفسي زمان
– انا كنت واثق فى عقلك وفى قلبك , مش ميراس اللى تحكم على الناس وتظلمهم وهيا اكتر واحده اتوجعت من الظلم
لا ادرى لما وافقت هل حقا اختبر نفسى اذا كنت ارفض تلك الزيجه بسبب عمر؟ ام اننى الان اختلق العذر لداليا فيما فعلته معى سلفا ً , ام اننى حقا ً اراهم مظلومون فى تلك المعركه , لا اعلم اين هيا الحقيقه ولكنى سأجتاز ذلك لأجل ابنى ولأجل نفسى .
لم يتوانى تميم لحظات وسمعته يحدث مرام فى الهاتف , لم اكن اعلم ان بينهم اتصالا ً او حديثا ً من الاساس ويبدو اننى لا اعلم الكثير , كان يسئلنى كل دقيقه متى سيتصل ابى بعمى عمر ويحدد معه موعدا ً , فكان يخفق قلبى كلما ردد الامر واتحجج ببعض الاعمال التى تعيق ذهابى لبلدتنا ذلك الاسبوع وكلما مر يوم واخر كان يزداد إلحاحا ً حتى اننى كنت اثور عليه فى بعض المرات بحجه عدم تفرغى لذلك الامر حتى كف عن سؤالى , علمت انه اصبح يتغيب من الجامعه بل توقف عن تناول الطعام معنا واحتل الحزن ملامحه كل من فى المنزل يلومنى ولا احد يشعر بقلبى وما به من خوف وقلق شديد ولكنى فى النهايه رضخت ووافقت ان يحددوا موعدا ً
ركض صفي ومعه تميم وحملا الهاتف واتصلا بعمر وحددا معه موعدا ً يوم الجمعه القادم , كانت دموعى توشك على التساقط وانا اضع يداى على اذنى لا اريد سماع حديثهم واتمنى ان يحدث اى شئ يعيق تلك الزياره الكريهه الثقيله على قلبى ولكن للأسف لم يحدث شئ واتى يوم الجمعه سريعا ً جدا ً وانا التى ظننته لن يأتى ولكنا حتما ً سنصطدم بما نخشاه يوما ً .
امسك صفي بيدى واخبرنى ان كل شئ سيكون على مايرام وترجانى الا اخزل تميم , ارتديت ملابسى متثاقله ولكنى انتقيتها بعنايه حتى اننى ارتديتها وخلعتها اكثر من مره لأجد الزى المناسب الذى يجعلنى اصغر فى العمر ولا يبدو الزمن على ملامحى , جلست بجواره فى السياره ابتهل الى الله كى ينتهى ذلك اليوم بلا خسائر ودقات قلبى فى تزايد مستمر كلما اقتربنا من المنزل حتى توقفت السياره امام الباب الذى خرجت منه منذ سنوات كثيره احمل تميم بين يدى وابكى بانهيار بعد ان طلقنى عمر , حتى عندما توفت جده تميم منذ سنوات قليله لم احضر العذاء وتحججت بوجودى فى القاهره حتى لا ادخل ذلك المنزل مره اخرى وها أنا الان اقف امامه اوشك على دخوله مره اخرى .
توقفت أمامه لدقائق وكأن قدماى تسمرتا فى الارض لا تريد التحرك حتى حثنى صفى وتميم على التقدم , امسك صفي بيدى فكنت ارتعش بلا إراده وتقدم تميم لدق جرس الباب , لحظات قليله مرت كالسنوات استعدت فيها كل ذكرياتى فى ذلك المنزل , يوم ان تزوجت عابد ويوم ان توفى ويوم زواجى بعمر ويوم احتراق ظهرى ويوم عاد عمر بعد ان شفي من مرضه ويوم طلقنى عمر وعاد لداليا , مشاعر متخبطه متصارعه بداخلى , اسحب جسدى للوراء اريد ان اعود من حيث اتيت وأوبخ نفسى لموافقتى على تلك المهزله ولكن توقفت عندما فتح عمر الباب وظهر من خلفه وكأن السنوات لم تمر .
كما هوا جذابا ً مبتسما ً بعذوبه هيئته القويه وجسده الرياضى لم يتأثر كثيرا ً ربما نمت بعض الشعيرات البيضاء فى رأسه وذقنه ولكن زادته وسامه ً , صافح تميم واحتضنه وصافح صفي ثم جاء دورى , كنت اريد ان انظر لمرآتى لأتأكد اننى مازالت جميله ولم اصبح عجوز شمطاء , جل مايهم المرأه مظرها حتى وإن تحاربت مع عدوها تريد ان تكون فى كامل زينتها , مد يده لى ليصافحنى وعلى وجهه ابتسامه اكثر اتساعا ً , حاولت الا تتلاقى نظراتنا ومددت له يدى لأصافحه بسرعه واعيدها مره اخرى ولكنى فى النهايه ضعٌفت ونظرت له وكأننى اريد ان ارى مااذا فعل الزمن به , وكأن الزمن عاد للوراء ونحن الان نقف امام باب منزلى القديم نتبادل اطراف الحديث حول من منا اخطئ فى حق الاخر , اشحت بنظرى سريعا ً حى لا يتضايق صفى وسحبت يدى التى امسك بها بقوه ونظرت للأسفل وكأنه افاق لمن يقفون بجانبنا فأنزاح عن الطريق وسمح لنا بالدخول .
لم يتغير البيت كثيرا ً , كما اتذكره جيدا , منزل العائله ذو الاثاث الكبير الذى يحمل الطراز القديم وتلك الاريكه التى كانت تجلس عليها جدة تميم رحمها الله , والغرفه التى كنت ارقد فيها وغرفه وفاء الفارغه حتى صوره عابد التى تتوسط الردهه بجانب صوره والده , لم يتغير شئ ولم يتبدل اى منهم , كنت اسرح بنظرى هنا وهناك استعيد ذكريات ذلك المنزل الذى عاصرت فيه الكثير حتى وجدتها تقترب منى مبتسمه , كما هيا مازالت تحتفظ بملامحها بالاضافه لتأثيرات الزمن الذى لا تستطيع مساحيق التجميل أخفاؤه , مرتديه عبائه ذو الوان شبابيه وواضعه الكثير التبرج فى وجهها مرتديه حزاء ذو كعب عالى ليخفى قصر قامتها ولكنها مازالت ممتلئه الجسد نضره الوجنتين , اقتربت منى تحتضننى وكأن اشواك وُضعت فى صدرى , صافحتها بابتسامه باهته واتجهنا ناحيه غرفه الضيوف جلسنا على اقرب مقعد وجلست داليا بجوارى
– والله زمان يا ميراس

ست البنات

الحلقه الثامنه والعشرون

لم أدرى انه سيأتى يوما ً ونجلس جميعنا نتجاذب اطراف الحديث وكأن شئ لم يكن , لم أتخيل يوما ً اننى سأجلس بجوار داليا وعمر وبصحبتى صفي حتى وان ذلك لو أتى برأسى يوما ً لأقسمت انه ضرب من ضروب الخيال ولكنه الان يتحقق , نجلس جميعنا فى منزل العائله وتجلس داليا بجوار وبجوارها تميم ثم صفي وعمر , نظرت لى داليا بابتسامه وبدئت هيا الحديث اولا
– والله زمان يا ميراس
التفت لها ولم استطيع تصنع الابتسام فقد داهمتنى جميع ذكرياتى فى ذلك المنزل حتى جعلتنى اشعر بالاختناق فأجبتها بوجه عابس وملامح جامده
– زمان على ايه يا داليا
ابتسمت مره اخرى واستطردت
– زمان على قعدتنا دى
– ليه هوا احنا كنا بنقعد مع بعض قبل كدا
خفضت صوتها اكثر وتمتمت بهدوء
– كنا بنقعد وكنا اصحاب وحبايب قبل ماتتجوزى عمر
ابتسمت بسخريه متعمده
– على الله تكونى شبعتى منه
– صدقينى ياميراس انا مبقتش داليا بتاعت زمان , انا عارفه انى عملت معاكى كتير يخليكى متحبيش تقابلينى ولو صدفه بس كنت صغيره وطايشه وكنت بغير منك
– بتغيرى منى انا ؟
– طبعا لازم اغير منك , بنت جميله وناجحه والكل بيتكلم عليكى بالخير وجوزى بيحبك وبعد ماكان ليا لوحدى بقيتى تشاركينى فيه ومش كدا بس دا انتى بسببك طلقنى
– شكل الزمن نساكى هوا طلقك ليه , عمر مطلقكيش بسببى عمر طلقك علشان كنتى عايزه تموتيه
– انا عارفه انى عملت حاجات كتير غلط ومش ببرئ نفسى منها بس على الاقل حاولى تسامحينى علشان ولادنا
– وموضوع ولادنا دا بقى طبعا من تدبيرك مش كدا
– والله ابدا انا معرفش حاجه عن الموضوع غير لما صفي اتصل بعمر وحدد ميعاد
– والمفروض بقى انى اصدق
– والله يا ميراس مابكدب عليكى
– بصى يا داليا انا زمان سبت حقى كتير وجيت على نفسى اكتر بس عايزاكى تعرفى انى مش هعمل دا مع ابنى واللى هيحاول انه يأذيه هموته بأديا
– انا عمرى مافكرت أذى تميم انا طول عمرى بحبه ولو مش مصدقانى اسئليه لو كنت اعرف حاجه
نظرت لها بتشكك لم يستطع قلبى تقبلها ولا تصديقها فما فعلته معى جعل قلبى صلدا ً لا يشعر تجاهها حتى بالشفقه , نظرت لها بجمود وتفرس وكأنى احاول اختراق عقلها لأعلم ما يدور به , ظللت انظر اليها ولا اتحدث حتى بادرنى عمر بسؤاله فأخرجنى من حاله الشرود التى كنت فيها
– عامله ايه ياميراس
اضطربت وتعالت دقات قلبى وابتلعت لعابى بصعوبه وانا اجيبه دون النظر لعينيه
– بخير الحمد لله
امسك صفي بيدى واستطرد بابتسامه
– مع انى لسه مشوفتش العروسه بس متأكد ان ميراس احلى منها بكتير
ضحك الجميع لداعبته ونظرت له ممتنه فاستطرد عمر حديثه
– ميراس طول عمرها حلوه
شعرت بإحكام يد صفي على يدى وكأنه لا يريد ان يبدو عليه الضيق فزاد من ضغط يده وحول مجرى الحديث
– طيب مش هنشوف العروسه ولا ايه؟
نهضت داليا ونادت مرام بصوت عالى فأتت منكسه الرأس بطيئه الخطوات , لم آراها منذ كثير فقد أصبحت شابه جميله قصيره القامه كوالدتها شبه ممتلئه الجسد بيضاء البشره ولديها عيون عمر كلما نظرت اليها شعرت بأننى اراه فيهما , اقبلت على استحياء مدت يدها لتصافحنى فنضهت واحتضنتها ثم صافحت صفي وتميم وجلست بجوار داليا التى تحدثت بدورها
– مرام بنتك يا ميراس مش هوصيكى عليها
نظرت لداليا وابتسمت متحدثه
– متقلقيش مرام هتكون مع راجل
لا ادرى لما قلتها ولما نظرت لعمر بعدما انهيت جملتى , ولكنى وجدته متحرجاً بدا عليه التوتر فاعتدل فى مجلسه ونظر للأسفل حتى اننى لم الحظ نظرات صفي المختنقه , لا ادرى لما لم اصمت وكأننى كنت اريد قولها كنت اريد ان اتسبب له بألم , كنت اريد ان انهض واصفعه على وجهه صفعه اجمع فيها كل ألم شعرت به منذ سنوات ولكنى استدركت وجوده , استدركت ان ذلك يتسبب بألم أكبر لصفي الذى لم أرى منه السوء يوما ً , ولكنى كنت كالجريح الذى يريد ان يرد الجرح لمن آذاه يوما ً ولا يدرى انه بذلك يأذى الاخرون , نكست رأسى للأسفل فكانت عبراتى تخنقنى فامنعها بكل مالدى من قوه حتى شعرت بيده تحتضن يدى اكثر وكأنه يشد آزرى , رفعت رأسى ونظرت له فوجدته مبتسما ً ينظر لى بعينان تحمل من الحب والشفقه اضعافا ً , ابتسمت حتى كادت دموعى ان تسقط فضمنى لصدره حتى استطيع مسح دموعى دون ان يرانى احد وقبل جبهتى وهوا يحدثهم مداعبا ً
– الام لما ولادها بيتجوزوا بتحس انهم هينسوها وبيصعب عليها تعبها معاهم فمابالك بقى بميراس وتعبها مع تميم
مسحت دموعى خلسه وانا بين يديه دون ان يشعر احد وابتسمت لحديثه فكنت ارى الغيره تشع من عينى عمر واعلم ان مايفعله تميم لجعل الجميع يعلم بمدى قدرى وقيمتى لديه , تحدث تميم لأول مره منذ جلسنا
– متخافيش ياماما محدش ممكن ينسينى تعبك معايا ابدا
ابتسمت له وربت على كتفه
– ربنا يبارك فيك ومرام كمان بنت اصول ومش هتنسيك اهلك
ابتسمت مرام وتحدثت هيا الاخرى
– مستحيل ياطنط دا تميم مش بيبطل كلام عن حضرتك وعن عمو صفي
نظرت لصفي وقد زال كل مافى قلبى من حزن وضيق وتحدثت بابتسامه
– مهما حكالك عن عمك صفي هيبقى اقل بكتير من الحقيقه
ابتسم صفي وشعرت بدقات قلبه تتراقص وهوا يعلم جيدا ً صدق حديثى وبدء فى الحديثت عن تفاصيل الخطبه والزواج وحدد يوما ً لقرائه الفاتحه وتقديم هدايا العروس وانهينا جلستنا وانصرفنا الى القاهره , بمجرد ان فتحت لنا ملاذ الباب اتجهت لغرفتى استريح من عبئ الطريق ولحق بى صفي
– لسه متضايقه ؟
لم انتبه لدخول صفي خلفى فابتسمت متحدثه
– متضايقه من ايه ؟
امسك بيدى كما يفعل دوما وجلسنا على طرف الفراش نتحدث
– كان باين عليكى انك متضايقه او زعلانه او يمكن ندمانه
– ندمانه ؟؟ تقصد ايه ؟
نكس صفي رأسه للأسفل فلامست وجهه بيدى ورفعته ليواجهنى وتتلاقى عينانا
– تقصد انى ندمانه على جوازى منك وحنيت لعمر ؟
صمت صفي ولم يعقب فاكملت حديثى
– عارف ياصفي انا وافقت على المقابله دى ليه ؟
ابتسمت متسائلا ً :
– ليه ؟
– يمكن امتحان لنفسى ويمكن مواجهه كنت محتاجاها , انا عارفه ان افكارى طفوليه بس مين قال ان الست بتكبر بالعكس بتفضل زى ماهيا بتحب وتغير وتشتاق للاهتمام وانت عمرك ما حرمتنى من اى حاجه بالعكس فى كل موقف بتثبتلى انى كنت صح جدا فى كل قرار خدته بس كنت محتاجه المقابله دى لنفسى قبل اى حد تانى , كنت عايزه اواجه داليا وعمر مش علشان اشوف كنت صح لما سبته ولالا لأنى متأكده من القرار دا كويس جدا لكن كنت عايز اشوف احساسى هيبقى ايه لما اقابلهم لسه هحس بالألم ولانسيته
– وياترى حسيتى بإيه ؟
– مش هكدب عليك واقولك انى متأثرتش بالعكس حسيت بكل وجع مر عليا بسببهم كنت عايزه اقوم اتخانق معاهم ع اللى عملوه معايا زمان وكأن جوايا بركان ثاير بسببهم بس مجرد مالمستنى فوقت حسيت انى هضيع من حياتى اوقات كتير احس فيها بالكره والانتقام بدل مااحس فيها بحبك واحتوائك ليا , طول عمرنا اللى عشناه مع بعض كنت بتمسك ايدى فى كل موقف صعب يعدى علينا ومكنتش فاهمه ايه سبب مسكه الايد دى لكن فهمتها وحسيتها لما مسكتك دى حسستنى بالقوه والسند والنعمه اللى ربنا ادهالى وبدل مااشكره عليها ضيعت وقت طويل فى التفكير فى ناس متستحقش حتى الوقت اللى بيضيع بسببهم وبعد السنين دى كلها لسه بتسألنى اذا كنت ندمانه ؟
– صدقينى ياميراس انا بحبك اكتر ما بحب نفسى وكل يوم بعيشه معاكى بحبك اكثر ومجرد ماحسيت انك متضايقه كنت هتجنن وخوفت تكون الضيقه دى سببها انك شوفتى عمر و …
– وحنيت له مش كدا ؟
– تقريبا ً
– من يوم مااتكتب كتابنا عمرى مافكرت غير فيك ولا سمحت لنفسى حتى استرجع ذكرى عيشتها مع عمر لانه مبقاش مسموح لخيالى انه يشوف غيرك واللى حسته النهارده وجع مش حنين
– بعد الشر عليكى من الوجع يارب انا اللى اتوجع وانتى لا
– بعد الشر عليك اللى يوجعك يوجعنى وانت الانسان الوحيد فى العالم اللى بتبدل حزنى لفرح ولولا وجودك ودعمك مكنتش هبقى راجعه مبسوطه دلوقتى وحاسه بالانتصار
– الستات هيفضلوا زى ماهما حتى لو بلغوا الميه سنه بردو هيفضلوا يكيدوا بعض
– بقى كدا طيب هنشوف بقى مين هيتمم الجوازه دى
– لا بلاش الله يخليكى لحسن تميم يتجنن فيها
– بصراحه ياصفي انا حسيت بألفه تجاه مرام مش حاسه انها زيهم بالعكس شايفاها بتحب تميم وتميم كمان بيحبها
– عندك حق وعموما لسه قدامنا فتره خطوبه هنتأكد منها فيها بس اهم حاجه تكونى مستعده نفسياً لمقابلات تانيه هتجمعنا بيهم
– متقلقش مراتك قويه جدا
– انا متأكد من دا جدا جدا
لا اعلم مالذى ابدل كل حزنى لسعادى وراحه , هل وجود صفي بجانبى هوا ما يعطينى القوه على المواجهه ويجعلنى اشعر بالتحدى ام انه يؤكد لى فى كل يوم انه كان افضل ما حصلت عليه يوما ً , ولعل حديثه صحيح وشعرت بالانتصار أمام داليا التى تأكدت ان ماحصلت عليه كان افضل مما سعت له هيا كثيرا بشتى الطرق فلا نحصل على السعاده بالمكائد وإنما بقلوبنا الصافيه التى تفتح ابوابها للجميع , لم أعد احمل فى قلبى ألما ً ولا حزنا ً ولا عتابا ً لأحد و كأنها تدابير الله التى يضعنا امامها فنشعر انها النهايه ولا نعلم انها بدايه جديده كنا فى أشد الاحتياج اليها , والان بدئت استعد لمراسم الخطبه بقلب متفتح وسعاده حقيقه تجاه تلك الفتاه التى احبها ابنى لعلها هيا افضل ما سيحصل عليه يوما ً ولا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر , فأدرت مشغل الموسيقى واستمعت لأغنيتى المفضله باستمتاع ..

ستفتِّش عنها يا ولدي في كل مكان
وستَسأل عنها موج البحر وتسأل فيروز الشطآن
وتجوب بحاراً وبحاراً، وتفيض دموعك أنهاراً
وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً

وسترجع يوماً يا ولدي مهزوماً مكسور الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان
فحبيبةُ قلبك ليس لها أرض أو وطن أو عنوان
ما أصعب أن تهوى امرأةً يا ولدي ليس لها عنوان

ست البنات
الحلقه التاسعه والعشرون

لم تمر ايام حتى استعد كل منا لمراسم الخطبه فبدئت ملاذ بإعداد فستانها الوردى المرصع واشترى تميم بذله جديده واشترى لصفي واحده هوا الاخر وأصر ان تكون بذله صفي شبيهه ببذلته كما فعل هوا معه يوم زواجنا وأخذنى كليهما لأفخم بيوت الازياء لأشترى زى فريد يجعلنى اجمل من فى ذلك الحفل , كانت الايام تسير بهدوء لا عثرات فيها , لم ألتق عمر وداليا مره اخرى ولم نتحدث عن شئ , جعلنا جل اهتمامنا ينصب على خطبه تميم , لم يكن هناك حديثا ً ساريا ً بينى وبين مرام فكنت اكتفى بحديث تميم معها وكذلك نحن الامهات طالما ابناؤنا بخير لانكترث لأنفسنا ولا لأى شئ اخر فقط نريد ان نراهم سعداء لذلك قد نفعل من أجلهم الكثير حتى وان كانت تلك الاشياء مرهقه على النفس والقلب لكنها لا تُقارن بهم على أيه حال لذلك نفعلها ولا نكترث , من يٌصدق اننى وافقت على تلك الزيجه بل ذهبت اليهم راضيه وقد تكون تلك الزياره هيا افضل ماحدث يوما ً , لذلك تركت تميم يفرح بعروسه التى يحبها واختارها بين جميع الفتيات .
كان حفل الخطبه فى منزل العروس ذهبنا مساء ً بعد اتمننا شراء الهدايا واحضرنا معنا شبكه العروس التى انتقتها من احدث مجلات الذهب العالميه وتخطى ثمنها الآلاف والآلاف لكننا لم نستطيع ان نتدخل فى ذلك الامر فتركنا لهم الخيار وليتنا لم نفعل فقد انفقنا فيها نصف ما ادخرناه انا وصفي طوال اعوام من العمل الشاق ولكن صفي أصر على ان نشترى ماطلبته ولذلك فعلنا , عندما دخلنا المنزل كانت الزينه مُعلقه والانوار تملئ المكان وهناك التقيت بمن ظننت انى لن اراهم مره اخرى ولكنى كنت اكثر ثباتا ً مما مضى وتفاعل صفي معهم كأنه صديق حميم تقبل الجميع وجوده بل وانبهروا به فكانت نظراتهم تملأها الاعجاب وكنت اتبختر انا كالطاووس لا يسعنى العالم ومعى ذلك الرجل العظيم , لم تتفارق يدانا ولم تتباعد فكنت انا العروس محط انظار الجميع وصفي عريسي الذي لا يغيره الزمن .
مر اليوم بسلام دون ان احتك بعمر وداليا سوى بسلام خاطف وانشغلت عنهم باقى اليوم فلم القى لهم بالاً كنت اشعر اننى اسعد الموجودين واكثرهم حظاً حتى اننى لم اشغل بالى بأحد , عدنا المنزل سعداء لا ينتقص من سعاداتنا شئ ومرت الايام المتتاليه كما هوا المعتاد , كنت ألحظ السعاده على وجه تميم فأمتلئ بها انا الاخرى حتى ان ملاذ اصبحت تشعر بالغيره وتريد ان تجد شريك حياتها هيا الاخرى لتنعم معه بقصه حب مثل تلك التى يعيشها تميم ولكنى اخبرتها ان مازال امامها الوقت طويلا ً على ذلك الامر وتلك الاشياء لا يجب التسرع فيها وإنما كلما أبطئنا الامر كان افضل واكثر عقلانيه .
مر شهران روتينيان استكمل فيها تميم عامه الاخير بالجامعه واستمر الحال كما هوا ولكن قبل بدء اختباراته بشهر لاحظت تغييرا ً طرأ عليه فلم يعد يتحدث كثيرا واختفى مرحه المشهود به بل اصبح يقضي بغرفته اوقاتا ً أطول بلا مبرر , فى البدايه ظننت انه بسبب ضغط الاختبارات وهذا هوا عامه الاخير فى كليه التجاره يريد ان ينهيه بشكل لائق ولكنى تيقنت بخطأ ظنى عندما دخلت غرفته دون طرق بابها فوجدته جالسا ً مهموماً يدفن رأسه بين يديه وكتبه كما هيا منذ نظمتها اخر مره لم يطرأ بها أى تغيير يدل على فتحه لها او مذاكرته فيها , جلست بجواره على الفراش ووضعت يدى على رأسه فانتفض وأفاق من شروده
– ماما ؟!
– مالك يا تميم ؟
اعتدل فى جلسته ونهض واقفا ً
– مفيش حاجه انتى ازاى تدخلى من غير ماتخبطى
كانت صدمتى اضعافا ً فذلك المتحدث لا يقرب لابنى ابداً ولا يعرف انه من المستحيل ان يحدثنى تميم هكذا فما حدث جعله ينقلب على عقبيه
– انت اول مره تكلمنى كدا يا تميم
نفض رأسه والتف يقّبل يدى وجلس بجوارى منهكا ً
– انا اسف ياماما سامحينى
ربتّ على يده ومسحت برأسه كما كنت افعل عندما كان صغيرا ً يرتكب الاخطاء ثم يجلس بجوارى منكس الرأس
– فيك ايه ياحبيبى ؟
اعتدل ونظر لى بعينان دامعتان وألقى سؤاله على مسامعى , سؤالا ً خشيت كثيرا ً سماعه ولكنى كنت اعلم انه سيأتى يوما ً ما
– انتى كنتى متجوزه عمى عمر ؟
صمت قليلا ً ثم ابتسمت واجبته بثقه
– ايوه
امسك بيداى وتحدث محنقا ً
– وليه محدش قالى الموضوع دا قبل ؟
– انت مسئلتش
– هوا لازم اسئل فى كل حاجه علشان اعرفها
– انت عرفت امتى ان صفي مش باباك ؟
– لما دخلت المدرسه
– يومها انت جيت من المدرسه بتعيط علشان قالولك ان باباك اسمه عابد مش صفي مكنتش قادر تقبل فكره ان فيه حد تانى غير صفي يبقى ابوك مع ان المفروض احنا كنا نعرفك الموضوع دا قبل ما تدخل وتتصدم بالحقيقه بس مقدرناش , صفي مقدرش يقولك انه مش ابوك وانا مقدرتش اكسر قلبك ولما كان لازم نقولك يومها عرفناك ان والدك اتوفى وان صفي هوا ابوك الحقيقى لكن من غير مايتكتب اسمه فى الشهاده ودلوقتى انت سئلتنى اذا كنت اتجوزت عمر وجاوبتك
– وقتها انا كنت صغير يا ماما مكنتش هفهم وكنت هتصدم لكن متهيألى انا كبرت كفايه علشان اقدر افهم واستوعب حاجه زى دى , ازاى تطلعينى انسان عبيط مش عارف حاجه واهله ضاحكين عليه
– بس احنا مضحكناش عليك فى حاجه , كل اللى عملناه اننا مفتحناش موضوع ملوش لزمه ولا هدف انه يتفتح , ممكن اعرف مين اللى قالك واللى قالك غرضه ايه بالظبط انه يفتح الموضوع دا ؟
– عمى عمر هوا اللى قاللى
– كنت متأكده انه مش هيسكت
– وطبعا مكنتيش عايزه تقوليلى علشان معرفش انك كنتى بتحبى عمى عمر وانتى متجوزه بابا
– محصلش
– لا حصل
– اقسملك بالله ياتميم انك فاهم غلط
– طيب فهمين متخليش الافكار تجننى
– انا عرفت عمك عمر وانا بنت صغيره ,مجرد مراهقه بتشوف واحد بيعدى من قدام بيتها كل يوم فحست انها معجبه بيه ولأنى مكنتش بخرج ولا بشوف حد فمكنش قدامى غيره , وهمت نفسى انى بحبه وانه فتى احلامى لحد ماخلصت الدبلوم وباباك اتقدم لى , مش هقولك انى كنت فرحانه بالعكس كنت مصدومه ان اللى عايز يتجوزنى هوا اخو الشخص اللى كنت فاكره نفسي بحبه ومع ذلك من يوم مااتكتب كتابنا عمر ما فكرت غير فيه ولا شوفت غيره , اتجوزته شهرين وبعدين تعب وبدئت معاه رحله علاج حرمتنى من اى احساس بالسعاده , كبرت عشرين سنه على عمرى والايام اللى المفروض كانت تبقى اسعد ايام حياتى اتحولت لأتعسها ومات وانا لسه حتى موصلتش لعشرين سنه وكنت حامل فيك وعلشان خاطرك طلب عمك عمر انه يتجوزنى وانا رفضت لانى عشت مع ابوك ايام قليله لكن حلوه وحسيت فيها قد ايه هوا قلبه طيب وحبنى بجد وتحت ضغط اللى حواليا وظروفى اللى متسمحش ارجع بيت ابويا تانى بمسؤليه اكبر .. وافقت , عشت اسود ايام حياتى معاه يمكن مش هقدر اقولك تفاصيل الحياه دى لكن صدقنى لو قولتلك انى كنت بضحك على نفسى وبوهم نفسى انى سعيده , كنت برضى بأقل الحقوق وأقل قدر من السعاده واعيش عليه , قدمت تنازلات كتير فى سبيل انى اعيش انا وانت بعيد عن المشاكل لكن فى النهايه طلعت موهومه , لا الشخص اللى كنت فاكراه عظيم طلع عظيم لا الحب اللى فى قلبى كان صحيح , وعلشان كدا انسحبت وسبت لهم العالم بتاعهم , صفي كان بيحبنى من زمان وانا معرفش وعمره ماقالى ولا فرض نفسه عليا وفى اكتر وقت كنت حاسه فيه بالضياع كان هوا القشه اللى الغريق بيتعلق فيها , معرفتش معنى الراجل الحقيقى الا معاه ومحستش انى مسنوده وقلبه قوى الا فى وجوده , حَبك اكتر ما حب اختك ملاذ اللى من صلبه بالعكس طول عمرها بتغير منك وبتزعل من صفي انه بيهتم بيك اكتر منها , لا قصرنا معاك ولا حسسناك بنقص يبقى ليه نفتح مواضيع ملهاش لزوم تتقال وهتقلب المواجع على الفاضى
– حقك عليا ياماما انا عارف انى كلامى يضايق بس انى متتخيليش شكلى كان عامل ازاى وانا بسمع الكلام دا من عمى
– عمر قالك انى كنت بحبه وانا متجوزه عابد
– مقالش كدا بوضوح بس دا اللى فهمته
– وايه اللى فتح الكلام ؟
– كنت متفق مع مرام انى هروحلها يوم الجمعه ولما روحت ملقتهاش هيا وطنط داليا , سئلت عمى عمر قالى انهم على وصول وطلب منى اقعد استناهم , سئلنى عليكى وعلى حياتك مع بابا فانا استغربت السؤال وسئلته عن سبب الاسئله دى وطبعا هوا ماصدق انى سئلته علشان يقولى انه كان متجوزك وانه طول عمرك بتحبيه واتجوزتى بابا علشان تنتقمى منه انه رجع لطنط داليا
– دا تخريف يا تميم وانا مستعده احلفلك على مصحف انى مكدبتش عليك فى حاجه من اللى قولتها لكن عمر مغرور ومش قادر يقبل فكره انى فضلت صفي عنه , انا اللى طلبت الطلاق وحتى لو مكنتش اتجوزت صفي عمرى ماكنت هرجع له , انا محدش آذانى غيره
– بس هوا مش قادر ينساكى , كل كلمه قالها كانت بتدل على حبه ليكى
– يابنى انت لسه صغير , الحب مش بالكلام ياتميم واللى يأذى مستحيل يعرف يحب , وفيه فرق كبير بين الحب والتملك , الحب بيقوى والتملك بيقتل , انا كنت ضعيفه وتايهه وحب ابوك الحقيقى هوا اللى قوانى علشان كدا بقولك متفتحش ملفات ملهاش لزمه انها تتفتح وانا هتصرف مع عمر
– لا ياماما ارجوكى انا وعدته انى مش هقولك حاجه
– ماشى ياتميم وانا هحترم كلامك
خرجت من غرفته وقلبى يكاد يتفجر من شده الغيظ , تمنيت لو امسكت الهاتف وطلبت رقمه وقمت بتوبيخه على مافعل ولكنى احترمت وعد تميم له ولكنى لن استطيع كتم ذلك الامر طويلا ً فأمسكت بيد صفي استبقه الى الغرفه فى سرعه وتوتر حتى انه سار خلفى دون تساؤل
– شوفت اللى حصل ياصفي انا كنت عارفه ان الموضوع دا مش هيعدى على خير
– حصل ايه بس قلقتينى ؟
– عمر قال لتميم اننا كنا متجوزين
– وليه يقول حاجه زى دى ؟
– علشان طفل ومش مسؤل , انسان مغرور وأنانى ميفرقش معاه مشاعر اى حد
– طيب اهدى ياحبيبتى
– اهدى ازاى وتميم بقاله كام يوم مكتئب وفاكر امه كانت بتحب عمه وهيا متجوزه ابوه , دا انسان مريض
– من الحب ماقتل
– اتصرف ازاى دلوقتى ؟
– ولا حاجه انتى خلاص وضحتى لتميم كل شئ وهوا فهم سيبى الايام تكشف الناس على حقيقتها
حقا ً الايام هيا اكبر اختبار يقع فيه الانسان عندها تتساقط الاقنعه وتظهر الحقائق وحتى وإن حاولت ان تتعلم فلن تجد افضل منها معلما ً , كالعاده هدئ صفي من روعى وأراح قلبى مما جعلنى اتخطى ذلك الامر ولكنى لم أرى تغييرا ً كبيرا ً طرأ على تميم فمازال شاحب الوجه مشتت التفكير لاأدرى ماذا ألم به لم يمضى سوى شهور قليله على الخطبه ولا اجده سعيدا ً كما كان فى بدايه الامر ولكن ماكان يطمئن قلبى ان معاملته معى لم تتغير ولم تؤثر كلمات عمر ولا حديثه الفائت فى شئ ولكن قلبى يتمزق من اجله .
فضلت الصمت وعدم التدخل فى الأمر ولكنى كنت احاول التوصل لسبب ذلك الحزن البادى على وجهه فلم استطع محادثه عمر ولا زوجته ولاابنته ففكرت فى وفاء هيا الوحيده التى استطيع محادثتها حتى اننى عندما قابلتها فى الخطبه كانت سعيده للغايه ومتتمنه لوجودى فلا عداء بيننا ولا ضغينه , فتحت هاتفى وجلبت رقمها الذى سجلته ليله الخطبه وانتظرت ردها حتى آتانى
– ازيك ياوفاء عامله ايه
– بخير يا ميراس الحمد لله , انتى عامله ايه ؟
– ان بتصل بيكى يا وفاء علشان احط حد لعمايل اخوكى احنا مبقيناش صغيرين واذا كان هوا آذانى زمان واستحملت فانا مستحيل هستحمل يآذى ابنى
– حصل ايه ياميراس قلقتينى
– تميم ميعرفش انى كنت متجوزه عمر ومفيش اى داعى ان هوا ولا اخته يعرفوا ايه اللى يخلى عمر يقوله ويفهمه انى كنت بحبه وانا متجوزه عابد
– وليه عمر يعمل كدا ؟
– معرفش انا اللى بسألك
– عمر لحد دلوقتى مش ناسيكى حتى علاقته مع داليا كويسه من برا بس ولولا وجود مرام كان زمانه طلقها من زمان
– وانا ماليش دعوه بكل دا وقولتلك الكلام دا من سنين انا سبت حياتكم وبعدت عنكم ليه انتوا مش بتسيبونى فى حالى
– عمر رجع له الكانسر مره تانيه ولما عرف كتب الباقى من املاكه بأسم تميم بجانب ورث تميم من عابد طبعا ً كان عايز يعوضه ويعوضك بس طبعا لو كتبه بإسمك هتبقى كارثه , ولما داليا عرفت قلبت الدنيا لان دا حقها وحق بنتها واتصلت بيا قالتلى اللى حصل وانا غبيه فى وسط الكلام قولتلها ياريت تميم يتجوز مرام ويبقى الورث فى بيته , بعدها عرفت انكم اتقدمتم لخطوبه مرام لتميم قولت يمكن صدفه ويمكن داليا صارحتك بالموضوع
– من امتى داليا بتصارح , قلبى مكنش مرتاح لها بس ابنى بيحب بنتها
– سامحى عمر يا ميراس , عمر مريض بجد
برغم غضبى الشديد منه الا ان قلبى تألم من اجله فما زال قلبى لا يتحمل أذيه أحد ولا اتمنى له السوء , دعوت له كثيرا ً ان يمن الله عليه بالشفاء ويجعل الطريق واضحا ً امام ابنى ويرشده للصواب , لن استطيع اخبار احد بما عرفته من وفاء لذلك سأنتظر حتى اعلم ما يدور بعقل تميم وما جعله هكذا لعلى اصل لمبتغاى .
اصبح تميم قليل الخروج من غرفته حتى انه لم يعد يتناول طعامه معنا فكنا نرسله له فى غرفته الخاصته وكان يتحجج دائما بكثره المذاكره وتعاقب الاختبارات حتى اننى صنعت له وجبه الاسماك التى يحبها وملئت له طاوله الطعام بكل ما تشتهى الانفس ومع ذلك رفض تناولها فطلب تميم من ملاذ ان تُدخل له الطعام فى غرفته ولكنى استوقفتها تلك المره وقررت ان اذهب بها اليه .
حملت الطعام بين يدى واقتربت من غرفته لأطرق بابها ولكنى سمعت صوته عاليا ً وكأنه فى عراك مع أحدهم بالداخل عرفت من خلاله انه يحدث مرام فى الهاتف , تسمرت مكانى القى السمع على غير عادتى ولكن قلبى ينهشه القلق , لم استطع سماع الكثر وإنما تبيت بعض الحديث فسمعته يتحدث بعصبيه مفرطه
– اللى بتطلبيه دا مستحيل وقولتلك الكلام دا مليون مره ولازم تحددى موقفك من دلوقتى
لا اعلم ماحدث ولا ماذا سوف يحدث ولكنى بالتأكيد لم اخبره بما سمعته …

ست البنات

الحلقه الثلاثون والأخيره

لماذا لا تسير الحياه على وتيره واحده كالماء المتدفق بنعومه ونحن ركبان السفينه التى تطفو عليه بهدوء لا نعبئ بما هوا قادم ولا نهتم ولكن للاسف تلك هيا سُنه الحياه , متقلبه كالبحر هائجه كالموج صافيه كالسحب قويه كالرياح لا تدوم ولا تستقر ولابد لنا ان نتقبل كل هذا بل ونتماشى معها حتى لا نغرق بين الامواج , بالأمس تخطيت ماحدث لى وكل مامررت به والان لابد لى انت اتخطى ما يحدث خلف ظهرى ولا اهتم سوى بأسرتى التى جاهدت طويلا لأبقيها بأمان , لا اعلم مايحدث بين تميم ومرام ولكنى متأكده انها سبب كل ذلك الحزن الذى يرتسم على وجهه منذ فتره ليست بالقليله , لم استطع فتح حديث اخر معه فاستعنت بمن يشد آزرى دوما ً وطلبت من صفي التدخل فى ذلك الامر , اتجهت ناحيته وانتظرت حتى انهى تناول طعامه وطلبت منه الحديث بمفردنا , دخلنا غرفتنا وبدئت الحديث معه
– انا محتجاك ياصفي
– خير ياحبيبتى عنيا ليكى
– تميم بيضيع منى
– تميم ؟!! ليه بس بعد الشر
– الشر اقرب لينا من نفسنا مش عارفين نبعد عنه
– مش قلتى انك شرحتى له كل حاجه واتفهم الموضوع
– كنت فاكره كدا لكن للاسف كل يوم حالته بتسوء بقى مهموم وحزين ومنعزل ولما روحت ادخله الاكل سمعته بيتخانق مع مرام مش عارفه هيا طالبه منه ايه
– طيب ليه مدخلتيش تتكلمى معاه
– لا انا عايزك انت اللى تفتح معاه الموضوع
– بس يا ميراس ..
– بس ايه ؟
– يمكن تميم ميحبش يتكلم معايا
– ليه بتقول كدا ؟
– لان عمر مفهمه انك كنتى بتحبيه وانتى متجوزه ابوه ومفهمه انك اتجوزتينى عِند فيه يعنى فى النهايه انا مجرد آداه بتغيظى بيها شخص بتحبيه
– بس انت عارف ان كل دا مش حقيقى
– انا عارف لكن هوا ميعرفش
– وجه دورنا نعرفه , ارجوك ياصفي
– حاضر ياحبيبتى انا رايح له
– خد معاك التليفون وافتح الخط علاشان اسمع مش هقدر اصبر
– من عنيا
جلست فى غرفتى انتظره على احر من الجمر اجلس على اشواك مدببه تخترق احشائى وانا ألتاع انتظارا ً لا اقوى على التدخل ولا اقوى على الجلوس , يعلم الله ان كل لحظه تمر وكأنها سنوات كثيره ولكن عزائى اننى استمع لحديثهم حتى ولو من بعيد
سمعت صوت صفي يبدء الحديث مع تميم فعلمت انه قد دخل له فاسترقت السمع اكثر
– عامل ايه يا تميم؟
– فيه ايه ياجماعه هوانا مسافر ولاايه مانا قاعد معاكم فى البيت
– ومالك متعصب ليه كدا؟
– علشان من كام يوم ماماجت وسئلتنى نفس السؤال انتوا بتدخلوا بالدور
– لا ياحبيبى ماما قلقانه عليه بتقول بقالك فتره متغير ومش على طبيعتك والنهارده سمعتك بتتخانق مع مرام
– يعنى كمان بتتصنطوا عليا
– فيه ايه ياتميم مالك انت مكنتش كدا وليه بتتكلم معايا بالاسلوب دا
– انا اسف ياعمو صفي فى النهايه انت جوز ماما اللى عايشين فى بيتك وبتصرف علينا من فلوسك مينفعش نتجاوز حدودنا معاك
عندما سمعت تلك الكلمات سقط قلبى وتفتت وكأن احدهم طعننى بخنجر اخترق ضلوعى ونغز قلبى , سقطت دموعى رُغم منى وانا اكتم انفاسى خشيه ان يظهر صوتى بينهم فينتبه تميم اننى استمع اليهم , صمت صفي بُرهه ثم سمعته يتحدث بصوت خافت ونبره حزينه
– ايه اللى بتقوله دا ياتميم , عمو صفي ؟!! يعنى مبقتش بابا
– زمان لما كنت لسه صغير كنت فاكر انك ابويا واتصدمت لما عرفت انك جوز ماما بس تخطيت الموضوع واعتبرتك عوض من ربنا ليا لكن للاسف افكارنا واحنا صغيرين بتتغير كل مابنكبر
– وايه اللى صدر منى خلاك تغير تفكيرك القديم
– عنيا فتحت وعرفت حاجات كتير مكنتش هعرفها منكم
– وطبعا عرفتها من عمك ومراته وبنته
– مش مهم من مين المهم انها الحقيقه
– ممكن اعرف ايه الحقيقه اللى عرفتها عنى
– طبعا حضرتك مكنتش هتقولى انك السبب فى طلاق ماما من عمى عمر وانك فهمتها انك بتحبها علشان تتجوزها وتاخدنى فوق البيعه وتضمن ميراثى وميراث ماما من ابويا وانى لما تميت 21 سنه وبقيت اقدر اتصرف فى ورثى خلتنى احطه فى البنك بإسمك وانا فاكر انك خايف عليا اصرفه اتاريك بتحوشه لنفسك وطبعا بتصرف علينا منه واشتريت الشبكه منه بس دايما مفهمنا ان كل دا من خيرك انت مش من خير ابويا الحقيقى
– انا دايما كنت بقول لوالدتك انها ظالمه عمر وداليا لكن دلوقتى اتأكدت ان اللى شافته منهم كان اقل القليل , انا مش هزعل منك انك صدقت كل اللى اتقالك لكن كان نفسي تحس بحبى ليك وتعرف انك ابنى انا مش ابن حد تانى , انا اللى ربيتك فى حضنى وشفتك بتكبر قدام عنيا , انا اللى شيلتك على كتافى وقولت للعالم كله انك ابنى اللى هتبقى احسن منى , انا اللى كنت مابصدق مامتك تروح شغلها واروح اجيبك من الحضانه تروح معايا الشغل علشان مش قادر ابعد عنك ولا هاين عليا اسيبك تعيط , انا اللى وجعك كان بيوجعنى وفرحتك بتنور الدنيا قدامى , فرحتى بملاذ لما اتولدت كانت اقل بكتير من فرحتى بيك وانت بتكبر قدامى وبتنجح وبتكون علاقات واصحاب لحد ماوصلت للجامعه وبقيت عريس وعايز تخطب وبرغم رفض ميراس لجوازك من مرام الا انى اصريت ان البنت اللى تختارها لازم ترتبط بيها حتى لو كانت مين واشترينا الشبكه بنص الفلوس اللى فضلنا السنين اللى فاتت دى كلها نحوش فيها والنص التانى كنت هجهز لك بيه شقتك حتى ملاذ مفكرتش فيها ولا فى جوازها كان كل همى اشوفك مبسوط ومتحسش فى يوم ان ملكش اب تتسند عليه , وبالنسبه لفلوسك اللى كتبتها بإسمى دا كان اقتراح ميراس لانها شكت فى ارتباطك من مرام يكون بسبب طمعهم فى فلوسك وخافت تأثر عليك و تكتب لها ورثك زى ماداليا عملت مع عمك وكتب لها اللى عنده وعلشان كدا خلتك تكتبه بإسمى وممكن تروح البنك وتتأكد ان الفلوس بأرباحها محدش لمسها ولا اتسحب منها جنيه واحده , انا يابنى مش محتاج فلوسك ولا فلوس ميراس علشان اصرف عليكم انا لو هحفر فى الصخر مش هخليكم نفسكم فى حاجه بس انت للاسف واقع تحت ايد ناس قلوبها اتملت شر وكل يوم بيمر عليهم بيزيدوا توحش , عمك عمر لان امك رفضت تكمل معاه عاوز ينتقم منها من خلالك وداليا لانها عارفه ان ميراس احسن منها مليون مره والطمع مالى قلبها عاوزه تاخد فلوسك وهيا اللى خلت مرام تقرب لك وتفهمك انها بتحبك وانا وماما كنا عارفين الكلام دا ومش عايزين نقوله علشان منظلمش البنت لكن خلاص مبقاش ينفع السكوت اكتر من كدا
– ياااه يا بابا شايل فى قلبك كل دا ومش عاوز تزعلنى
– لو معملتش كدا مبقاش أب وانتى ابنى انا فاهم يعنى ايه ابنى انا
كانت دقات قلبى تتراقص ودموعى تنهمر على وجنتى بسعاده وانا استمع لبكاء تميم ندما ً على مااوجع به قلب ابيه
– سامحنى يابابا متزعلش منى انا حاسس انى مخنوق ومصدوم مش عارف اصدق مين واكدب مين
– صدق اللى عمره ماكدب عليك ياتميم واللى بيخاف على مصلحتك مش اللى عايز منك حاجه
– ليه حضرتك بتقول ان مرام مش بتحبنى ؟
– دا يابنى كلام سمعناه والله اعلم بالحقيقه , لكن انت من جواك حاسس بإيه هوا دا المهم
– مش عارف يابابا , مع ان مرام هيا اللى صارحتنى بحبها الاول لكن انا حبيتها بجد وكنت حاسس انها الانسانه اللى هتكملنى لكن بعد الخطوبه حسيت انها بتتغير مش عارف ليه
– ازاى ؟
– قالت لى ان ماما هيا سبب طلاق ابوها لامها وسبب المشاكل اللى بينهم لحد دلوقتى وانها مش هترتاح لو عاشت مع ماما فى بيت واحد ولو بحبها لازم اشترى لها شقه فى مكان تانى اكتبها بإسمها وطبعا لما قولتلها اننا معندناش القدره اننا نشترى شقه فى الوقت الحالى قالتلى ان معايا كتير من ورث بابا يكفى ويفيض وللاسف قولتلها انى كتبته بإسم حضرتك فقالتلى انك عملت كدا علشان تاخد فلوسى زى ماخدت فلوس ماما
– وبعدين ؟
– قالتلى انى لازم اصارحك واطلب فلوسى علشان اقدر اسعدها واجيب لها كل اللى نفسها فيه ودا سبب خناقنا انى قولتلها مش هقدر اعمل كدا مع حضرتك
– انت شايف ان اللى بتطلبه منك دا طبيعى
– مش عارف ساعات بقول انها طماعه وساعات بقول يمكن نفسها تحس انها مسؤله من راجل تانى غير ابوها يجيب لها اللى نفسها فيه
– يابنى انا وامك اتجوزنا فى بلدنا واتنقلنا هنا علشان شغلى ودراستها سكنا فى شقه اوضه وصاله فى حته شعبيه بعيده عن شغلنا مكنش معانا فلوس ناخد تاكسى وكنا بنستنى الاتوبيس كان بيعدى علينا اليوم منعرفش هيبقى معانا فلوس تكفى تانى يوم ولالا , كنت انا بشتغل الصبح وبالليل بصمم مواقع على الانترنت علشان ازود دخلى وامك كانت بتدرس فى الجامعه وبتذاكر لكم علشان نوفر فلوس المدرسين , تفاصيل كتير مهما حكيتها مش هوفيها قدرها بس صدقنى مكناش زعلانين ولا حاسين ان فيه حاجه نقصانا بالعكس كنا حاسين اننا أمان لبعض ووجودنا مع البعض اهم مليون مره من اى حاجه تانيه مع انها كان ممكن تطالب بورثها ونعيش كويس بس انا حلفت ماهتصرف جنيه على حياتنا وهيا وافقت علشان هيا ست اصيله وحتى لما ربنا رزقنا عمرها ماطلبت حاجه لنفسها وكل طلباتها كانت ليكم وللبيت
– مفيش زيكم دلوقتى يابابا
– لا فيه ودور وانت تلاقى
سادت فتره صمت لم اسمع فيها شيئا ً حتى وجدت صفي يفتح الباب بابتسامه هادئه ويغلق الهاتف , ركضت نحوه احتضنه بكل لهفه وشوق فبكل ابجديات العشق اعشقه حتى وان ضافوا لعمرى أعمارا ً فليس مثله أحد يمسح بيده على قلبى فيبدله حاله من حزن لفرح ولا هنالك فى الكون اصفي منه قلبا ً واطيب منه سريرة ً ولو صعدت روحى للسماء لظللت انتظره حتى يلحق بى جنات النعيم فمن مثله حُرِم على جسده العذاب , كانت دموعى تسقط على صدره فيمسح وجنتاى بأطراف انامله ويمرر يده بين خصلات شعرى الذى خطه الشيب واصبحت بعض خصلاته رماديه اللون , ظل يمسح على شعرى حتى هدئت واعتدلت انظر اليه
– ربنا يخليك ليا يا احسن حاجه حصلتلى فى عمرى كله
– ويخليكى ليا ياصاحبه الصون والعفاف
ابتسمت وارتميت برأسى على صدره كالظمئان الذى وجد البئر اخيرا ً فكان مائه باراً يجلى القلب ويزيل الظمأ
جلسنا نتحدث فيما حدث وطمئننى ان تميم الان افضل بكثير وسيجتاز تلك المحنه قريبا وما حدث لم يكن سيئا ً فبرغم كل شئ الا ان تميم الان اكثر وعيا ً ونضجا ً وسيُميز الصالح ببصيرته الفطريه , ظللنا نتحدث حتى اجتاح النعاس أجفاننا فأطفئنا الانوار ورحنا فى سُبات عميق لا نريد تناول الطعام فماحدث اشبعنا وجعل ارواحنا ممتلئه , غفوت بهدوء وانتقلت لموجه احلامى المتخبطه ولكنى لم انعم بذلك الهدوء طويلا حتى وجدت ملاذ توقظنى وتطلب منى الرد على الهاتف بسرعه , افقت مزعوره تائهه لا اعلم مايحدث فوجدتها تعطينى الهاتف فى يدى , امسكته ووضعته على أذنى فأتانى صوت مرام تبكى لم اتبين المتصل فى البدايه فسئلته بصوت يرتجف من الفزع
– مين معايا
– انا مرام ياطنط
ظننت ان تميم قد اشعل عراكا ً حاميا ً معها فلذلك تطلبنى ولكنى وجدتها تبكى حتى الانهيار
– فيه ايه يامرام بتعيطى ليه ؟
– بابا بيموت يا طنط
لا ادرى لم خفق قلبى بشده وشعرت بنغزه فيه جعلت صوتى يرتجف ونبرتى تخبو
– انتى بتقولى ايه ؟
– بابا فى المستشفى وعاوز يشوفك ,تعالى بسرعه ياطنط الدكاتره بيقولوا مفيش قدامه كتير
اغلقت الهاتف واستدرت لأضعه على الطاوله فسقط من يدى على الارض ووجدت صفي ينظر لى بزعر فقد نهض مفزوعا ً هوا الاخر
– فيه ايه ياميراس
اجبته بصوت خاف وعقل تائه
– عمر فى المستشفى بيموت وعايز يشوفنى
نهض صفي وامسك بيدى يحثنى على النهوض
– ومستنيه ايه ؟
نظرت له نظره ترقب وإعجاب
– مش زعلان ؟
ضحك وهوا يجذبنى واقفه
– البسى بسرعه وانا هوصلك
لم تمض الدقائق حتى وصلنا لمكان المشفى الذى وصفته لى مرام , كنت خائفه متلجلجه يظهر التوتر جليا ً على ملامحى ويداى المرتجفتان فأمسك بهما صفي يطمئننى
– انا هستناكى هنا
طوال الوقت اجده متفهما ً لكل مايحدث فلولا احتوائه لى لكنت ضائعه منذ الازل , هبطت من السياره واتجهت للداخل سئلت على مكان غرفته فأشارت لى الممرضه على مكانه , ذهبت اليه بخطى متثاقله وقلب مرتجف فوجدت داليا ومرام تقفان باكيتان على باب غرفته , خشيت مواجهه داليا وحديثا الموجع ولكنى وجدتها متفهمه تلك المره وانزاحت عن الباب لتتيح لى طريق الدخول وما إن رأتنى مرام حتى ركضت نحوى
– بسرعه ياطنط ارجوكى
نظرت لداليا وكأنى اطلب منها السماح بالدخول فأشارت بيدها ناحيه الباب وجلست على المقعد المقابل للغرفه
فتحت الباب ودخلت بقلب منقبض وارتجافه تسرى فى جسدى كله , بحثت بعينى فى الغرفه الصماء ذات السرير الواحد والاجهزه الموصوله بالجسد حتى وجدته يتوسطها , على سرير ابيض ذو قوائم معدنيه يرقد مغمض العينين وتخرج من جسده الكثير من الانابيب وعلى فمه قناع تنفس , اغلقت الباب خلفى ودخلت بهدوء اخشى اصدار صوت ولكنى مالبثت ان جلست فى المقعد المجاور له حتى فتح عينينه وازاح قناع التنفس والتفتت ينظر لى
– كنت عارف انك هتيجى
– متتكلمش ياعمر انت تعبان
كان وجهه شاحبا ً وعيناه لا يستطيع فتحها عن اخرها فامتلئت بالصفار , وجنتاه وشفتاه لا دماء تسرى فيهما وجسده مسجى لا يتحرك , كانت الكلمات تخرج من فمه ضعيفه هزيله كجسده الراقد امامى وصوته خافت يكاد لا يُسمع ولكنه كان عنيدا ً حتى فى مرضه الشديد
– كان نفسى تبقى اخر واحده اشوفها قبل مااموت
– متقولش كدا ياعمر انا مبحبش الكلام دا وانت عارف
– حقك عليا خليتك تعيشى التجربه مرتين
– ان شاء الله هتخف وتبقى كويس
لاادرى لما تساقطت دموعى برغم إصرارى الشديد على حبسها الا انها أبت الانصياع فاستدرت اخفيها ولكنه مد يده الهزيله ببطئ وربت على يدى فاعتدلت ناحيته
– متدوريش وشك خلينى اشبع منك
– هتخف ياعمر وهتغلب المرض زى ماغلبته قبل كدا وهتعيش وتجوز بنتك وتفرح بحياتك و……
لا ادرى لما اصبحت ملامحه جامده , كان ينظر لى وابتسامه هادئه على شفتيه ولكنه لا يحرك عينيه ولا تنغلق اجفانه , اقتربت منه احرك جسده فوجدته متخشبا ً لكزته بيدى وانا انادى عليه فلم يستجب , قربت يدى من شفتيه لأشعر بتنفسه ولم اجده , علمت وقتها انه لم يعد هنا , وضعت يداى على وجهى ابكى وابكى , ابكى على كل شئ حدث , على يوم رأيته فيه يمر أمامى شابا ً متفتحا ً تعشقه المراهقات , ويوم تزوجته , ويوم لمس جسدى لأول مره , ويوم تركته , وايام سعى فيها خلفى , كنت اعلم انه يعشقنى ولكنه لم يكن جديرا ً بحبى له وليس كل الحب مقبولا ً , لم استطع رؤيته هكذا فنهضت عن مقعدى وخرجت وانا منهاره فى البكاء فعلمت مرام ماحدث وسقطت على الارض تبكى فى حرقه اما داليا فمن وسط دموعها نظرت لى بعينان يملأهما الغضب وتحدث لأول مره
– حتى وهوا بيموت اختار انه يموت بين ايديكى انتى مش انا
تحدثت اليها انا الاخرى بغضب اشد لا اعلم سببه
– يمكن علشان انا الوحيده اللى مكنتش عايزه منه حاجه
تركتها وركضت ناحيه صفي فلم يعد قلبى يتحمل رؤيتها ولا الحديث اليها , عندما اقتربت منه ورآنى آتيه ابكى بانهيار خرج من السياره واتجه ناحيتى وبدون حديث احتضننى بين يديه وتركنى ابكى حتى هدأ قلبى
– الله يرحمه ياحبيبتى
– يارب
شعرت اننى اوشك على السقوط فسندنى واتجهنا سويا ً ناحيه السياره عائدين للمنزل , جلست بجواره واسندت ظهرى للخلف وتركت الذكريات تتداعى وتنساب فى هدوء الى رأسى , فلا أحد يستطيع ان يتكهن بما تحمله له الحياه بين طياتها وعليه ان يتقبل كل شئ بل ويعد العده للقتال فالحياه لا تنتظر الضعيف ولا المتكاسل بل تسحقه سحقا ً وإن كان عليك العيش فعش كريماً منتصراً مرفوع الرأٍس تنحنى لك الحياه وتتذلل لك الصعوبات , لا أدرى ماذا سيفعل تميم مع مرام ولكنى متأكده انه سيُعيد لها كل ما كتبه عمه من اجله فلا حاجه لنا به فنحنا اغنى الناس بنفوسنا لا بأموالنا المتراكمه فلا الاموال تهب الكرامه ولا الفقر يتطلب الخنوع ولكل منا نقطه فارقه فى حياته تجعله إما يُكمل طريقه السابق او يحيد عنه واتمنى ان تجد مرام الوقت الكافى لتعديل مسارها والابتعاد عن سموم أمها التى ستكون هيا اول المقتولين بها , فلترقد روحك فى سلام ياعمر ولتتنزل السك..ينةً علينا , مضينا فى طريقنا وانا استرجع ابيات سمعتها قبلا ً ومازالت محفوره فى ذاكرتى كلما نادانى أحدهم ” ست البنات ” .

فيكفي أننا يوما تمردنا على الأحزان

وعشنا العمر ساعات

فلم نقبض لها ثمناً

ولم ندفع لها ديناً

ولم نحسب مشاعرنا

ككل الناس .. في الميزان

تمت.
بقلم نهى مجدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *