سلفتى أمانى السيد الثالث والاخير
بعد ما شفت الفيديو…
فضلت أعيده مرة… واتنين… وعشرة.
كل مرة كنت بركز في نفس الجملة.
“خلصتي؟”
الجملة كانت بسيطة…
لكن معناها كبير.
يعني جوزي كان عارف إنها بتفتش في البيت.
ومش بس عارف…
كان مستنيها تخلص.
قفلت اللاب وأنا إيدي بتترعش.
أنا كنت فاكرة إن المشكلة بيني وبين سلفتي.
لكن الظاهر…
إن اللي قدامي أكبر بكتير.
نمت الليلة دي وأنا عاملة نفسي طبيعية.
ضحكت معاه.
حضرت العشا.
حتى لما سألني:
“مالك؟”
قلتله بابتسامة:
“ولا حاجة.”
أول مرة أمثل عليه.
ولأول مرة…
هو يصدق التمثيل.
…
تاني يوم خرج الشغل.
وأول ما نزل…
بدأت أنفذ اللي في دماغي.
كنت محتاجة أعرف…
هو بيسيب الشقة إمتى؟
ويرجع إمتى؟
وهل فعلًا بيروح الشغل كل يوم؟
استلفت عربية صاحبة ليا.
وقفت بعيد عن الشركة اللي بيشتغل فيها.
فضلت مستنية.
بعد نص ساعة…
شوفته نازل من عربيته.
دخل الشركة.
اطمنت شوية.
لكن بعد أقل من ربع ساعة…
خرج من باب جانبي.
ركب تاكسي.
وقلبي وقع.
يعني هو ما دخلش الشغل أصلاً.
ركبت العربية ومشيت وراه.
كان التاكسي بيغير شوارع كتير.
لحد ما وقف قدام عمارة قديمة في منطقة بعيدة عن شغلنا.
نزل.
بص حواليه.
وبعدين دخل.
استنيت برا حوالي نص ساعة.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وفجأة…
شفت واحدة نازلة من العمارة.
كانت سلفتي.
وقفت مكاني.
يعني هما كانوا مع بعض.
بس ليه؟
بعدها بدقيقتين…
خرج هو.
ولا واحد فيهم بص للتاني.
كل واحد مشي في اتجاه.
كأنهم متفقين محدش يشوفهم مع بعض.
صورتهم بالموبايل من بعيد.
ورجعت البيت.
…
طول الطريق كنت بفكر.
لو هما متفقين…
يبقى بيدوروا على إيه؟
النوتة؟
ولا حاجة تانية؟
دخلت البيت.
وأول حاجة عملتها…
قعدت أراجع كل ذكرياتي.
من أول يوم اتجوزنا.
افتكرت حاجة كنت ناسيها.
بعد الجواز بشهر تقريبًا…
صحيت يوم لقيت جوزي بيفتش في دولاب المطبخ.
وقتها ضحك وقال:
“بدور على كوباية.”
لكن كان فاتح درج الوصفات.
افتكرت مرة تانية…
لما سألني فجأة:
“هو مامتك كانت بتكتب كل وصفاتها فين؟”
استغربت السؤال وقتها.
وقلتله:
“في كشكول قديم.”
ساعتها قال:
“نفسي أشوفه.”
أنا رفضت.
لأن النوتة كانت عند ماما.
بعدها بكام شهر…
ماما ادتهالي.
ومن يومها…
بدأت كل المشاكل.
وقتها بس…
ربطت كل الخيوط.
الموضوع عمره ما كان عن الغيرة.
كان عن النوتة.
…
فضلت أقلب في النوتة صفحة صفحة.
كل الوصفات مكتوبة بخط ماما.
لكن وأنا بقلب…
حسيت إن فيه صفحة أتخنت عن باقي الصفحات.
قربتها من النور.
كان واضح إن فيه ورقتين لازقين في بعض.
جبت مجفف الشعر.
وسخنتها بهدوء.
وبدأت أفصلهم.
ولما اتفتحوا…
وقعت ورقة صغيرة جدًا.
مطوية أربع مرات.
فتحتها.
لقيت كلام بخط جدي.
“اللي يلاقي الورقة دي… يبقى عرف إن السر لسه متحافظ عليه.”
استغربت.
جدي؟
إيه علاقة جدي بالموضوع؟
كملت قراءة.
“الوصفات دي مش قيمتها في الأكل… قيمتها في اللي مستخبي معاها.”
وقفت.
حسيت إن قلبي هيقف.
كملت.
“النسخة الأصلية من العقد موجودة في المكان اللي محدش هيفكر يدور فيه.”
عقد؟
أنهي عقد؟
آخر السطر كان مقطوع.
باقي الورقة متقطع.
كأن حد شال النص التاني.
اتجننت.
يعني حد فتح النوتة قبلي.
وأخد جزء من الورقة.
وده يفسر ليه سلفتي كانت بتدور.
بس…
مين خد الجزء الناقص؟
…
وأنا بفكر…
رن جرس الباب.
بصيت من العين السحرية.
لقيت حماتي.
فتحت.
دخلت وهي مبتسمة.
قالت:
“وحشتيني.”
كانت لطيفة بشكل غريب.
ودي أول مرة تحصل.
قعدت.
وشربت شاي.
وبعدين قالت فجأة:
“هو الكشكول القديم لسه عندك؟”
الكوباية وقعت من إيدي.
بصتلها.
“إيه؟”
ابتسمت وقالت:
“كشكول الوصفات.”
قلت وأنا بحاول أخبي توتري:
“ليه؟”
قالت:
“افتكرته بس.”
لكن عنيها كانت بتلف في الشقة كلها.
وكأنها بتدور عليه.
بعد نص ساعة…
قامت تمشي.
وأول ما خرجت…
دخلت أوضة النوم.
لقيت درج الكومود مفتوح.
أنا متأكدة…
إني كنت قفلاه.
جريت على مكان النوتة.
الحمد لله.
كانت موجودة.
بس…
الورقة اللي لقيتها من شوية…
اختفت.
فتشت كل مكان.
مفيش.
حماتي سرقتها.
يبقى هي كمان تعرف.
…
لأول مرة…
حسيت إن العيلة كلها داخلة في الموضوع.
مش سلفتي بس.
…
بالليل…
رجع جوزي.
كان طبيعي جدًا.
وأنا بقيت أراقب كل حركة بيعملها.
دخل الحمام.
نسي موبايله على الكنبة.
الموبايل رن.
الاسم اللي ظهر…
“أم أحمد.”
استغربت.
هو مفيش حد في العيلة اسمه أحمد.
الرنة وقفت.
بعدها وصلت رسالة.
“لقينا نص الورقة.”
قلبي وقع.
فتحت الرسالة بسرعة.
لكن كان الموبايل مقفول ببصمة.
مقدرتش أدخل.
بعد دقيقة…
خرج من الحمام.
أخد الموبايل بسرعة.
وبصلي نظرة طويلة.
كأنه حس إني حاولت أفتحه.
…
تاني يوم الصبح…
لقيته خرج بدري جدًا.
استنيت عشر دقايق.
ودخلت أوضة المكتب بتاعته.
كان دايمًا مانعني أقرب منها.
فتحت الأدراج.
أوراق عادية.
فواتير.
ملفات شغل.
لحد ما لقيت ظرف بني كبير.
فتحته.
لقيت جواه…
صور.
كلها صور لبيت ماما.
من بره.
ومن جوه.
وصور للنوتة.
وصور ليا وأنا شايلة الكشكول.
حتى صورة ليا وأنا خارجة من بيت ماما يوم ما أخدته.
رجلي مابقتش شايلاني.
يعني هما بيراقبوني من زمان.
وأنا ولا كنت حاسة.
في آخر الظرف…
كان فيه ورقة مكتوب فيها عنوان.
وعليها معاد.
الجمعة…
الساعة تسعة بالليل.
بس.
من غير أي تفاصيل.
صورت الورقة بسرعة.
ورجعت كل حاجة مكانها.
…
فضلت مستنية يوم الجمعة.
وقبل المعاد بساعة…
قلتله:
“أنا رايحة عند ماما.”
قال:
“تمام.”
كان مبسوط إني خارجة.
وده أكدلي إنه رايح المكان ده.
خرجت قبله.
لكن ما روحتش لماما.
وقفت بعيد مستنياه.
بعد نص ساعة…
طلع بعربيته.
اتحرك.
ومشيت وراه.
وصل لنفس العمارة القديمة.
لكن المرة دي…
ما دخلهاش.
لف وراها.
كان فيه مخزن كبير.
بابه حديد.
واقف قدامه عربيتين.
واحدة منهم…
عربية سلفتي.
والتانية…
عربية حماتي.
استخبيت ورا سور منخفض.
وشفتهم بينزلوا.
بعد شوية…
وصل راجل كبير في السن.
أول مرة أشوفه.
كلهم سلموا عليه باحترام.
كأنه كبيرهم.
دخلوا المخزن.
استنيت دقيقتين.
وبعدين قربت على الباب.
كان موارب سنة صغيرة.
سمعت الأصوات.
الراجل الكبير قال:
“النص اللي مع البنت لسه موجود.”
جوزي رد:
“إحنا قربنا ناخده.”
سلفتي قالت بعصبية:
“هي بدأت تشك.”
حماتي قالت:
“سيبوها عليا… هعرف أجيبه منها.”
إيدي كانت بتترعش.
كنت همشي…
لكن سمعت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي.
الراجل الكبير قال بصوت حاسم:
“لو رفضت تسلم الكشكول… يبقى ننفذ الخطة التانية.”
سلفتي سألته:
“وهي إيه الخطة التانية؟”
ساد صمت ثواني…
وبعدين الراجل قال كلمة واحدة خلتني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي…
“الحريق.”
استنيت ثانية…
واتنين…
وتلاتة.
قلبي كان بيدق بعنف.
“الحريق.”
الكلمة كانت كفاية تخليني أعرف إن الموضوع خرج من مجرد سرقة وصفات أو كشكول.
دول مستعدين يولعوا في بيت…
عشان ياخدوا ورقة.
رجعت لورا بهدوء.
وأول ما بعدت عن المخزن جريت.
ركبت العربية وأنا نفسي بيطلع بالعافية.
أول حاجة عملتها…
اتصلت بماما.
ردت وهي بتضحك.
“إيه يا بنتي؟”
صرخت:
“اقفلي البيت فورًا… ومتفتحيش لحد.”
اتوترت.
“في إيه؟”
قلت بسرعة:
“هفهمك بعدين… بس اعملي اللي بقولك عليه.”
قفلت.
ورجعت على بيتها بأقصى سرعة.
…
وصلت لقيتها مستنياني قدام الباب.
وشها كله خوف.
أول ما دخلنا حكيتلها كل حاجة.
الفيديو.
الورقة.
المخزن.
وكلمة الحريق.
وشها اصفر.
وقعدت على الكرسي.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت بصوت عمرى ما سمعته منها قبل كده…
“أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
بصيتلها مصدومة.
“إنتِ عارفة؟”
هزت راسها.
قامت ناحية الدولاب القديم.
طلعت صندوق خشب صغير.
كان عليه قفل صدئ.
فتحت القفل بمفتاح صغير كانت لابساه في سلسلة حوالين رقبتها.
ومن جوه…
طلعت ظرف أصفر قديم.
وقالت:
“ده السبب الحقيقي.”
فتحت الظرف.
كان فيه عقد بيع أرض.
وأوراق ملكية.
وأسماء كتير.
قلت باستغراب:
“مش فاهمة.”
قالت:
“جدك الله يرحمه كان شريك مع والد حماتك.”
“كانوا شارين أرض زمان.”
“لكن والدها زور أوراق البيع.”
“وجدك عرف قبل ما يموت.”
“فعمل نسخة أصلية من العقود… وخباها.”
“ولأنه كان عارف إنهم هيفتشوا البيت كله… خبى مكانها في الكشكول.”
حسيت الدنيا لفت بيا.
يعني…
كل السنين دي…
الوصفات كانت مجرد ستار.
…
سألتها:
“والعقد فين؟”
ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
“ولا عمره كان جوه الكشكول.”
استغربت.
“أمال الورقة؟”
قالت:
“الورقة كانت لغز.”
“العقد الحقيقي مستخبي في مكان تاني.”
“ومايعرفوش مكانه غيري.”
أنا شهقت.
“طب ليه ساكتة؟”
قالت وهي بتتنهد:
“كنت فاكرة إنهم نسوا.”
“لكن واضح إنهم لسه بيدوروا.”
…
لسه هتكلم…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصينا من الشباك.
جوزي.
وسلفتي.
وحماتي.
نازلين.
قلبي وقع.
قلت:
“هما عرفوا إني هنا.”
ماما قالت بهدوء:
“افتحي الكاميرات.”
استغربت.
قالت:
“ركبت كاميرات بعد آخر مرة حسيت إن حد دخل البيت.”
فتحت التسجيل.
وشوفناهم بيخبطوا بعنف.
وبعدين…
جوزي طلع مفتاح.
فتح الباب.
أنا اتجمدت.
كان معاه نسخة من المفتاح.
دخلوا.
وابتدوا يقلبوا البيت كله.
حماتي كانت بتقلب الدولاب.
سلفتي بتكسر الأدراج.
وجوزي واقف بيقول:
“دوروا كويس.”
كل حاجة كانت متسجلة.
كل كلمة.
كل حركة.
كلها دليل.
ماما بصتلي وقالت:
“كفاية.”
طلعت موبايلها.
واتصلت بالشرطة.
…
بعد أقل من عشر دقايق…
وصلت عربيتين شرطة.
دخلوا البيت.
وإحنا معاهم.
أول ما شافونا…
وشوشهم اتقلبت.
جوزي حاول يبتسم.
قال:
“إحنا جينا نطمن.”
الضابط قال بهدوء:
“ونطمنتوا وإنتوا بتكسروا العفش؟”
سلفتي اتلخبطت.
حماتي سكتت.
وماما طلعت تسجيل الكاميرات.
وبعدين…
طلعت تسجيل المخزن.
الضابط سمع كلمة:
“الحريق.”
بص لهم.
وقال:
“واضح إن الموضوع أكبر من خناقة عائلية.”
…
خدوهم كلهم.
حتى الراجل الكبير.
لأن الشرطة كانت راحت المخزن بعد البلاغ.
ولقت أوراق مزورة.
وعقود كتير.
واتضح إنهم كانوا عصابة بتستولى على أملاك ورثة كبار بالطريقة دي.
يدوروا على العقود الأصلية.
ولو ملقوهاش…
يهددوا أصحابها.
…
بعد أيام…
طلبوني في النيابة.
سلمت كل التسجيلات.
وكل الصور.
وبعد التحقيق…
ثبت إن جوزي كان متجوزني من البداية بهدف واحد.
الكشكول.
مكنش حب.
ولا جواز.
ولا حياة.
كل حاجة كانت خطة.
…
رجعت البيت.
وقعدت أبص في صور فرحي.
افتكرت كل كلمة حب قالهالي.
كل وعد.
كل حضن.
طلع كله تمثيل.
أصعب إحساس…
لما تكتشف إن حياتك كلها كانت مبنية على كدبة.
…
بعد شهرين…
صدر الحكم.
اتحبس هو.
واتحبست سلفتي.
وحماتي.
والراجل الكبير.
وباقي أفراد الشبكة.
أما الأرض…
فرجعت لأصحابها الشرعيين.
وماما أخيرًا ارتاحت.
…
قبل ما نقفل البيت القديم…
دخلت المطبخ.
فتحت الكشكول.
قلبت صفحاته.
ولقيت آخر صفحة بخط ماما.
ماكنتش واخدة بالي منها قبل كده.
مكتوب فيها:
“أغلى وصفة في الدنيا…
مش الأكل.
أغلى وصفة…
إنك تعرف تختار الناس اللي يدخلوا حياتك.”
دموعي نزلت.
قفلت الكشكول.
وحطيته في مكتبة جديدة.
المرة دي…
مش عشان أسراره.
لكن عشان ذكرى ست علمتني إن الوصفة الحلوة ممكن تتورث…
لكن الثقة…
لازم تتوهب للشخص الصح.
بعد سنة…
افتتحت مشروع صغير باسمي.
مطعم بيقدم وصفات ماما.
كل أكلة كنت بعملها…
كنت بحس إنها لسه معايا.
الناس كانت تيجي من أماكن بعيدة.
مش عشان الأكل بس…
لكن عشان الحكاية اللي وراه.
أما سلفتي…
فبقت عبرة لكل واحد فكر إن الطمع ممكن يبني مستقبل.
وأما أنا…
فأدركت إن اللي حاولوا يسرقوا وصفات ماما…
خسروا كل حاجة.
لأن الوصفة الحقيقية…
ماكانتش مكتوبة في الكشكول.
كانت مكتوبة في إيدين اتعلموا الحب قبل الطبخ… وفي قلب عمره ما عرف يبيع ضميره.
النهاية