حكايات شروق خالد الاول

في الليلة التي سبقت عملية استئصال ثديي بالكامل، امتلأت غرفة نومي بصوت حماتي أمينة القادم من هاتف زوجي كريم.

قالت بنبرة لا تعرف الرحمة:

“الست المؤمنة كانت هتأجل العملية لحد ما ربنا يأذن. يمكن المرض ده ابتلاء علشان يفوقها ويكسر غرورها.”

جلست على طرف السرير في شقتنا بحي التجمع الخامس بالقاهرة، أضم البطانية بقوة حتى ابيضت أصابعي.

في صباح اليوم التالي، كان الأطباء سيستأصلون ثديي لإنقاذ حياتي من السرطان.

بالنسبة لي…

كان ذلك أكثر يوم مرعب في حياتي.

أما بالنسبة لحماتي وزوجي…

فكل ما كان يزعجهما أن موعد العملية جاء قبل يوم واحد من العزومة السنوية التي تقيمها العائلة بعد صلاة الجمعة.

تنهد كريم وقال لوالدته:

“سيبيها عليّ يا أمي… هعرف أتعامل معاها.”

ثم أغلق الهاتف، واستدار إلى الناحية الأخرى من السرير، ونام وكأن شيئًا لم يكن.

—

بعد أسبوعين…

انتهت الجراحة.

لكن الألم الحقيقي بدأ بعدها.

كل حركة كانت تمزق جرحي.

وحتى التنفس كان يجعلني أشعر وكأن سكينًا تغوص في صدري.

في إحدى الظهيرات، دخلت حمام غرفة النوم وأغلقت الباب بالمفتاح.

كنت بالكاد أقف على قدمي.

فتحت خزانة الأدوية، وأخرجت علبة المسكن التي أوصى بها الطبيب.

لكن قبل أن ألمس أول قرص…

انفتح الباب بعنف.

نسيت أن أمينة تحتفظ بنسخة من مفاتيح الشقة كلها.

دخلت بخطوات سريعة، وخطفت الدواء من يدي.

ثم قالت وهي تنظر إليّ بازدراء:

“المسكنات دي أول طريق الإدمان.”

“مش هسمح بمدمنة تعيش في بيت ابني.”

فتحت العبوة.

وسكبت الأقراص كلها داخل المرحاض.

ثم ضغطت زر السيفون.

وقفت عاجزة أراقب العلاج يختفي مع المياه.

همست بصوت مكسور:

“لا… أرجوكي…”

وفي تلك اللحظة…

دخل كريم.

نظر إليّ وأنا أجلس على الأرض أتألم.

لكنه لم يقترب.

قلت وأنا أبكي:

“كريم… الدوا… رمت الدوا… مش قادرة أستحمل.”

نظر إليّ ببرود وقال:

“أمي عندها حق.”

“إنتِ بقيتي عايشة دور المريضة.”

“زهقت من الكلام عن السرطان.”

ثم حمل صندوق الضمادات والشاش المعقم وكل مستلزمات تغيير الجرح…

وألقاه داخل سلة القمامة.

وقال:

“قومي انزلي نضفي الجنينة.”

“البيت مش هيقف علشان إنتِ تعبانة.”

ثم خرج مع والدته، وأغلقا الباب خلفهما.

ساد الصمت.

لكنهما لم يكونا يعلمان…

أنني كنت أستعد لهذه اللحظة منذ ستة أشهر كاملة.

حكايات شروق خالد

بمجرد أن اختفى صوت سيارة كريم من الشارع، أغلقت سارة عينيها للحظة، ثم استجمعت آخر ما تبقى لديها من قوة.

كانت أنفاسها متقطعة، لكن عقلها ظل يقظًا.

زحفت ببطء نحو خزانة الحمام، ومدت يدها خلف أنبوب الصرف، حتى التقطت كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا كانت قد أخفته قبل أشهر.

فتحت الكيس.

كان بداخله هاتف قديم، ووحدة تخزين إلكترونية تحتفظ عليها بنسخ من عشرات المستندات.

لم تكن تشك يومًا في أن كريم ووالدته أمينة قد يبلغان هذا القدر من القسوة، لكنها كانت تشك في شيء آخر…

المال.

منذ أن بدأت تعمل محاسبة في الجمعية الخيرية التي كان كريم يديرها، لاحظت وجود تحويلات مالية لا تتطابق مع سجلات التبرعات.

في البداية ظنت أنها أخطاء محاسبية.

لكن كلما راجعت الملفات، اكتشفت أن ملايين الجنيهات اختفت من حسابات الجمعية على مدار سنوات.

وعندما واجهت كريم بالحقيقة، أجابها بابتسامة باردة:

“في حاجات أكبر منك بكتير… وانسي اللي شفتيه.”

منذ ذلك اليوم بدأت تجمع الأدلة في صمت.

واليوم…

بعد أن حاولا حرمانها من العلاج وإجبارها على الاستسلام، أدركت أن وقت الصمت انتهى.

أخرجت الهاتف واتصلت بالرقم الوحيد المحفوظ عليه.

رد صوت هادئ:

“معاك المقدم أحمد من الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة.”

قالت سارة بصوت متعب:

“أنا جاهزة… وكل الأدلة معايا… لكن محتاجة إسعاف الأول.”

ساد الصمت لثوانٍ، ثم جاء الرد الحاسم:

“اطمني يا مدام سارة… الإسعاف والقوة الأمنية اتحركوا بالفعل. المرة دي… محدش هيقدر يأذيكي تاني.”

وفي الخارج…

كانت أصوات سيارات الشرطة تقترب شيئًا فشيئًا، بينما لم يكن كريم وأمينة يعلمان أن حياتهما كلها على وشك أن تنهار خلال دقائق.

حكايات شروق خالد

أغلقت سارة الهاتف بعد أن أنهت المكالمة، وأسندت رأسها إلى باب خزانة الحمام وهي تحاول استعادة أنفاسها.

كان الصمت يملأ الشقة، إلا من صوت عقارب الساعة المعلقة في الصالة.

للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن الصمت مخيفًا.

بل كان يعني شيئًا واحدًا…

أن كريم وأمينة ليسا في المنزل.

رفعت وحدة التخزين الإلكترونية بين أصابعها، وحدقت فيها طويلًا.

لم تكن مجرد قطعة صغيرة من المعدن والبلاستيك.

كانت سنوات كاملة من الحقيقة.

كل كشف حساب.

كل إيصال مزور.

كل رسالة إلكترونية.

وكل تحويل مالي خرج من حسابات الجمعية الخيرية إلى حسابات خاصة بأسماء وهمية.

تذكرت أول مرة لاحظت فيها الأمر.

كان ذلك قبل ثلاث سنوات.

كانت تعمل متطوعة في القسم المالي للجمعية التي كان كريم يتولى إدارتها، بينما كانت أمينة تظهر أمام الناس باعتبارها رئيسة مجلس الأمناء.

كان الجميع يصفهما بأنهما مثال للنزاهة.

وكانت صورهما تملأ صفحات الجرائد المحلية أثناء توزيع المساعدات على الأسر المحتاجة.

لكن خلف الكاميرات…

كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.

في إحدى الليالي، طلب منها كريم مراجعة كشوف التبرعات قبل إرسالها إلى المراجع المالي.

وأثناء المراجعة، لاحظت أن مبلغًا كبيرًا خرج من حساب الجمعية تحت بند “مصاريف علاج عاجلة”.

بحثت عن الملف.

لم تجد أي مستند يثبت وجود الحالة.

ظنت أنه خطأ.

لكنها عندما راجعت الشهر السابق…

وجدت عملية مشابهة.

ثم الشهر الذي سبقه.

ثم الذي قبله.

وبدأت الأرقام تتكرر.

مئات الآلاف من الجنيهات تختفي كل عدة أشهر.

وعندما سألت كريم بهدوء، أغلق جهاز الكمبيوتر أمامها وقال بابتسامة باردة:

“دي أمور إدارية… وإنتِ مالكيش دعوة بيها.”

منذ تلك اللحظة، بدأ الشك يتسلل إلى قلبها.

لم تواجهه مرة أخرى.

بل بدأت تبحث في صمت.

كانت تصل إلى الجمعية قبل الجميع بساعة.

وتغادر بعدها بساعتين.

وخلال تلك الفترة، كانت تنسخ المستندات على وحدة التخزين الصغيرة التي تخفيها الآن بين يديها.

في البداية كانت الأدلة قليلة.

ثم أصبحت كثيرة.

ثم تحولت إلى ملف كامل يمكنه إسقاط المؤسسة بأكملها.

لكنها لم تتحرك.

كانت تنتظر.

كانت تعرف أن مواجهة كريم وحده لن تكفي.

فالرجل كان يملك علاقات واسعة، ويعرف كيف يخفي آثاره.

لذلك قررت أن تجمع كل شيء دفعة واحدة.

وبعد أشهر، تواصلت سرًا مع الإدارة المختصة بمكافحة جرائم الأموال العامة.

لم تصدق في البداية أنهم استمعوا إليها باهتمام.

لكن بعد مراجعة المستندات، تغير كل شيء.

أصبح اسمها شاهدًا سريًا في تحقيق ضخم.

وطُلب منها ألا تخبر أحدًا مهما حدث.

التزمت الصمت.

حتى بعد مرضها.

حتى بعد العملية.

وحتى بعد أن تحول بيتها إلى مكان لا تشعر فيه بالأمان.

اليوم فقط…

شعرت أن لحظة النهاية قد اقتربت.

سمعت من بعيد صوت صفارة سيارة إسعاف.

رفعت رأسها بصعوبة.

ثم تلتها صفارة سيارة شرطة.

ازداد الصوت اقترابًا.

حتى توقف أمام الفيلا.

وبعد ثوانٍ، دوى جرس الباب مرات متتالية.

ولما لم يفتح أحد، سمع أفراد القوة صوتًا خافتًا صادرًا من الداخل.

صرخت سارة بكل ما بقي لديها من قوة:

“أنا هنا…”

“في الحمام…”

“ساعدوني…”

استطاع رجال الإسعاف الدخول بمساعدة قوة الشرطة، وبعد دقائق وصلوا إليها.

انحنى أحد المسعفين قائلًا:

“اطمني يا مدام سارة… إحنا معاك.”

بدأ الفريق الطبي في فحصها سريعًا، بينما كان ضابط المباحث يلتقط صورًا للمكان، ولعبوة الدواء الفارغة، ولسلة القمامة التي أُلقيت فيها المستلزمات الطبية.

وفي أثناء ذلك، وصلت سيارة سوداء أخرى.

ترجل منها المقدم أحمد.

دخل الشقة بخطوات ثابتة، ثم نظر إلى سارة وقال:

“أنا آسف إنك اضطررتِ تستحملي كل ده.”

أشارت إليه بوحدة التخزين الإلكترونية.

تناولها بحرص شديد، ثم وضعها داخل حقيبة الأدلة.

قال بهدوء:

“من اللحظة دي… القض*ية خرجت من إيدهم.”

وقبل أن يكمل حديثه…

توقف الجميع عندما سُمع صوت سيارة كريم وهي تدخل بوابة الفيلا.

كان قد عاد لأنه نسي ملفًا مهمًا.

ترجل من السيارة وهو يضحك مع والدته أمينة، لكن ابتسامته اختفت فور أن رأى سيارات الشرطة والإسعاف أمام المنزل.

تبادل الاثنان نظرة مرتبكة.

ثم أسرعا نحو الباب.

قال كريم بانفعال:

“في إيه؟”

“مين سمح لكم تدخلوا بيتي؟”

التفت إليه المقدم أحمد بهدوء، ثم أبرز بطاقته الرسمية.

وقال:

“إحنا هنا بناءً على بلاغ رسمي، وأوامر صادرة من النيابة.”

تدخلت أمينة بسرعة وهي ترفع صوتها:

“دي مرات ابني… وهي تعبانة نفسيًا… وإحنا اللي بنراعيها.”

لكن أحد أفراد الشرطة أشار إلى المسعفين الذين كانوا ينقلون سارة على سرير الإسعاف، وإلى فريق الأدلة الجنائية الذي انتهى من توثيق كل ما وجد داخل الشقة.

ساد صمت ثقيل.

ولأول مرة…

بدأ الخوف الحقيقي يظهر على وجه كريم.

أما سارة، فبينما كانت تُنقل إلى سيارة الإسعاف، نظرت من بعيد إلى زوجها السابق في قلبها، وأدركت أن سنوات الصمت انتهت، وأن الفصل القادم لن يكون عن الألم…

بل عن الحقيقة التي ستخرج إلى النور، مهما حاول أصحابها إخفاءها.

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *