رن عليا جارى

رنّ عليّا جاري نص الليل وأنا واقف في ريسبشن أوتيل في إسكندرية.
يا كريم… قالها عم حسن بصوت واطي، بنتك قاعدة قدام باب البيت. ليان. وشها كله دم، وهدوم النوم عليها دم برضه. لوحدها… ومش راضية تتحرك.
الدنيا لفت بيا. باب الأسانسير اتفتح، وحد كان بيضحك عند الريسبشن…
وفجأة استوعبت معنى الكلام.
ليان عندها تمان سنين.
لسه وهي نايمة بتكون حاضنه دبدوبها المفضل، اللي جابته لها من الساحل السنة اللي فاتت لما وقعت في الماء وكنت خايف عليها ومش عارف أروح بيها فين غير لما شفت الدبدوب ده في محل صغير على الشاطئ واشتريته لها بكل ما كان معايا من فلوس في جيبي وقتها. ولسه كل ما النور يطفي في الطرقة تطلب مني أبص جوه الدولاب، تقولي يا بابا شوف مش فيه عفريت بيجي ياخدني؟ وأنا أضحك وأقولها العفاريت بتخاف مني يا روحي، أنا أكبر منهم كلهم وأقعد جنبها لحد ما تنام وأيدها ماسكة في إصبعي مش عايزة تسيبه أبدًا. ولسه كل ما نجيب جيلي كانت تسيبلي القطع الحمرا، عشان كانت بتقول طعمها شبه دوا الكحة ومش بتحبها، وتعطينيها بإيديها الصغيرة وتقولي ده نصيبك يا بابا، عشان أنت طيب معايا كتير.
قلت لعم حسن يفضل معاها، ويولع نور البلكونة اللي بتشوفها من بعيد، ويحطلها بطانية لو وافقت تاخدها بس ما يضغطش عليها أبدًا، ويقولها لي بابا جاي بسرعة ما تخافش من حاجة. وبعدين اتصلت بمراتي.
منى…
ما ردتش. ولا على أول مكالمة… ولا على عشرين مكالمة بعدها. كل مرة أسمع الرنة تمر وتنتهي بلا رد، وقلبي بيتقطع أكتر ومش عارف أفكر في حاجة غير ليان قاعدة

قدام البيت لوحدها وشها كله دم.
الساعة 1217 بالليل اتصلت بحماتي، أم منى. ردت بعد الرنة الرابعة… بهدوء خلّى جسمي كله يسقع كأنني وقعت في ماء بارد من غير ما أكون حاسس بحد.
ليان فين؟! إيه اللي حصل في بيتي؟!
سكتت شوية… مش سكتة حد متوتر ولا حد مش فاهم ولا حد خايف على حاجة. دي كانت سكتة واحدة بتفكر تقول أنهي كدبة تنفع تتصدق، وأنهي كلام يطلع من فمها ينجيها من أي مسألة جاية.
قالت بهدوء ما فيهش أي ذرة قلق أو خوف انت بتستهبل بتكلمني في الوقت ده عشان تقولي ليان فين؟ وانا مالى يا كريم مش مشكلتي، دي بنتك ومراتك مش أنا.
ركنت العربية على جنب الطريق، والريح كانت بتضرب بقوة والنقل كانت معدية بسرعة بتهز العربية كلها كأنها عايزة تقلبها. فضلت ماسك التليفون على ودني ومش عارف أتحرك ولا أتكلم، مستنيها تقول إنها كانت بتهزر أو تتراجع عن كلامها أو تقولي أي حاجة تخليني أصدق إنها مش عارفة حاجة، إنها مش عايزة تقول حاجة عشان خايفة بس. بس ما عملتش كده. صوتها بقي زي ما هو، بارد ومستقر، كأنني بسألها عن سعر الخضار ولا عن أي حاجة تانية مش مهمة أبدًا.
قلت وأنا مخنوق ودمعي بيجي ومش عارف أمنعه دي عندها تمان سنين. دي طفلة صغيرة مش عارفة تضر حد، إزاي تقولي مش مشكلتك؟.
قالت ببرود زي ما كانت بتتكلم مع حد غريب كلم مراتك، هي اللي تعرف إيه اللي حصل مش أنا.
منى مش بترد عليها ولا بتفتح تليفونها من ساعة.
دي مشكلتك إنت ومراتك، ما تخلينيش أدخل في حاجات ما ليش لزمة فيها.
وقفلت السكة في وشي بكل برودة، وما سمعتش منها أي كلمة تانية ولا حتى سؤال عن حالها ولا عن إيه اللي حصل.
فضلت أبص قدامي وانا بحاول اهدى وأجبر نفسي آخد نفس، والصور بتتراقص قدام عيني ليان وهي بتضحك وهي بتشرب عصير برتقال عملته لها بنفسي، ليان وهي بتجري في الحديقة وراء الفراشة، ليان وهي بتعيط لما كنت بروح الشغل وتقولي متتأخرش يا بابا عشان خاطري. كل صورة من دول كانت بتضرب في قلبي زي السكين، ومش عارف أفهم إيه اللي حصل، وإيه اللي خلاها تطلع للشارع نص الليل لوحدها وشها كله دم، وإيه اللي منى مش بترد، وإيه اللي أمها بتتكلم بالطريقة دي كلها.
بعدها اتصلت بأخويا، أحمد. رد وهو لسه نايم، لكن أول ما سمع صوتي فاق فورًا وعرف إن فيه حاجة غلط، من غير ما أقول له كلمة واحدة.
قلتله بسرعة ومش عارف أرتب كلامي أحمد اطلع على بيتي… حالًا، ما تضيعش دقيقة واحدة.
أحمد ما سألش أي سؤال، ولا قال لي إيه اللي حصل ولا ليه ولا إيه فيه. عرف من صوتي إن الموضوع مش سهل، وإن لازم يروح من غير أي تأخير. قال كلمة واحدة بصوت جاد ومسؤول حاضر أنا رايح حالًا، ما تقلقش أنا جاي.
إحنا اتربينا مع أم كانت بتشتغل أكتر من شغلانة عشان تقدر تربينا وتعيشنا بكرامة، وكنا عايشين لوحدنا في البيت أغلب الوقت لإنها كانت بتطلع من الصبح وترجع ليلًا متعبة ومش قادرة تتكلم إلا قليل. عشان كده أمي علمتنا من وإحنا صغيرين ازاى نكون مترابطين، واننا نكون واحد وضهر وسند لبعض، ونعرف امتى كل واحد فينا في خطر من أول لحظة ونبره صوته حتى لو ما تكلمش بحاجة. كانت تقول لنا الدنيا كتير ومش كل حد فيها بيحب الخير، فما تسيبوش بعض أبدًا، ولا تخلوش حد يقدر يضرب حد فيكم والتاني واقف يتفرج. وكنا بنعمل كده دايماً، لما كان حد يضربني في المدرسة أحمد كان بياخد حقي منهم مهما كانوا أكبر منه، ولما كان أحمد بيحتاج مساعدة في دروسه كنت أساعده لحد ما يفهم كل حاجة، ولما مرضت أمي كنا بنقعد جنبها نخدمها ونقول لها كل حاجة تمام وما تقلقش من حاجة.
أحمد بقى محامي جنائي، قضى سنين كتير بيدافع عن الناس الضعيفة اللي مش معاهم فلوس يدافعوا عن نفسهم، وعرف كل أنواع الناس وكل أنواع الأذى اللي ممكن يصير في الدنيا دي. وأما أنا بقيت مستشار إداري، قضيت حياتي بين المكاتب والشركات، بحاول أنظم أمور الناس وأساعدهم ينجحوا في شغلهم، وكنت دايماً بحاول أبعد عن أي مشاكل أو صراعات بقدر المستطاع. طرقنا اختلفت كتير، وطبيعتنا كانت مختلفة، لكن إحساسنا ببعض لما يكون حد فينا في خطر عمره ما اختلف أبدًا، مهما مرت السنين ومهما ابتعدنا عن بعض في الشغل أو في الحياة.
بعد اتنين وتلاتين دقيقة كلمني، والوقت ده كان بيمر عليا زي سنين كتير، كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة كاملة وأنا مش عارف أنام ولا أجلس ولا أتحرك من مكاني.
قال بصوت هادي بشكل خوّفني أكتر من أي صوت عالي أو صوت عيط أنا معايا ليان.
قلت بسرعة وقلبي بيدق بكل قوة ومش عارف أستنى أي كلمة تانية عايشة؟ قولي لي إنها عايشة يا أحمد أرجوك.
أيوه… عايشة، الحمد لله لسه معانا. وأنا واخدها دلوقتي على الطوارئ في مستشفى قريب من هنا، عشان يتأكدوا من حالها ويعالجوا كل إصاباتها.
إيه اللي حصل لها؟ إيه اللي جابها قدام البيت وشها كله دم؟ وين منى؟ ليه مش
لمحة نيوز

معاها؟.
سكت ثانية طويلة جدًا، وصوت العربيات والسيارات المسرعة مالي الخط، وكأن أحمد كان بيحاول يجمع كلامه عشان يقولي حاجة مش عايز يقولها أبدًا. وفجأة سمعت صوت صغير في الخلفية، صوت ليان… لا عياط ولا صراخ ولا كلام، مجرد نفس خفيف طالع منها بصعوبة، كأنها بتحاول حتى وهي موجوعة ومتألمة مش عايزة تقلق حد، مش عايزة تعب أي حد بيها زي ما كانت دايماً تعمل. كانت حتى لما تتألم في سنها الصغير بتقول أنا تمام يا بابا ما تقلقش عشان ما أحسش بالذنب أو أتعب نفسي من أجلها.
قال أحمد بصوت مجروح ومحاول يبقى هادي عشان ما يزعلني أكتر اسمعني كويس يا كريم… سوق بالراحة وأنت جاي، ما تعملش حاجة تهور فيها عشان خاطرك وخاطر ليان. ومتتصلش بمنى، ولا بأمها، ولا بأي حد من أهلها أبدًا لحد ما توصل ونعرف كل حاجة مع بعض. أول ما توصل للمستشفى… لازم نتكلم، وهقولك كل حاجة شفتها وكل حاجة عرفتها، بس مش في التليفون.
وقبل ما يقفل السكة، سمعته بيبعد التليفون شوية ويقول لحد في ممر الطوارئ بصوت قوي ومحترف زي ما هو بيعمل لما يكون في قضية مهمة
ابدؤوا اعملوا ملف استقبال كامل للحالة دي فورًا… وصوروا كل علامة وكل إصابة في جسمها من غير ما تغيروا ولا حاجة من ملابسها، وسجلوا كل كلمة بتقولها مهما كانت صغيرة، واكتبوا كل ملاحظة بتشوفوها، ده مهم جدًا ومش عايز أي حاجة تتغاضى عنها أبدًا.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة من غير ما أحمد يقول لي كلمة تانية. إن أخويا شاف على وش بنتي وفي جسمها حاجات وحشة جدًا، حاجات ما قدرش يقولها لي في التليفون عشان ما ينهار وما يفقد أعصابه قبل ما يوصل، وإن ده مش حادث ولا سقوط ولا أي حاجة من دول، وإن فيه حد تعمد يأذيها، وإن ده مرتبط بمنى وبأمها بالطريقة اللي تكلمت بيها من شوية. وكل ما كنت أفكر في الحاجات دي كان قلبي بيتمزق أكتر، وكنت بحاول أتمسك بالعربية وأسوق بتركيز رغم إن عيوني بتدمع ومش عارف أشوف الطريق كويس، كل ما كنت أتخيل ليان وهي بتتعرض لأذى كنت أحس إني عايز أصرخ وأكسر كل حاجة قدامي، لكن كنت بقول لنفسي لازم أكون قوي عشانها، لازم أكون قدامها لما أروح، ومش ينفع أضعف أبدًا.
وصلت للمستشفى بعد نص ساعة تقريبًا، وكل دقيقة في الطريق كانت جحيم كامل ليا. لما دخلت باب المستشفى شفت أحمد واقف قدام غرفة الفحص، ووجهه شاحب ومش بيتكلم مع حد، وماسك ورقة في إيده وبينظر لها بتركيز وكأنه بيقراها للمرة المائة. أول ما شافني رفع راسه ونظر لي نظرة كسرتني أكتر من أي حاجة تانية، نظرة عينيه كانت مليانة غضب وجرح ومش عارف يقول لي إزاي الحاجات اللي شافها.
مشيت ناحيته بسرعة وقلت له وأنا مش قادر أستنى فينها؟ شكلها إيه؟ هي كويسة؟.
مسك إيدي بقوة وقعدني على مقعد قدام الغرفة وقال لي بصوت هادي ومحاول يخفف الصدمة عليا اهدى يا كريم أرجوك، لسه الدكاتر بيفحصوها، وبيقولوا إنها مش في خطر الموت الحمد لله، لكن إصاباتها كتير ومش بسيطة أبدًا.
إصابات إيه؟ تقول لي إيه اللي حصل لها يا أحمد أرجوك ما تخبينيش حاجة.
تنهد بعمرة وقال لي لما وصلت للبيت لقيت الباب مفتوح شوية، ولقيت ليان قاعدة قدام الباب زي ما قال عم حسن، ملقيتش حد في البيت غيرها، ولا لقيت أثر لمنى ولا لأمها اللي كانت جالسة عندها من الظهر زي ما كانت قالتلك. لما قربت منها شفت وشها مجروح في كذا مكان، وشفت كدمات في إيدها ورجلها، ولما حاولت أسألها مين عمل فيها كده كانت بتخاف وتنظر لورا كأنها خايفة إن الحاجة دي تيجي تاخدها تاني، وما كانتش عايزة تتكلم إلا كلمات صغيرة ومتقطعة. الدكاتر قالوا إن فيه ضرب في أجزاء كتير من جسمها، وإن فيه حروق صغيرة في إيدها، وإن حد حاول يخنقها كمان، وكل ده مظهر إن الحاجة دي عملتها إنسان عمدًا ومش حصل بالصدفة أبدًا.
كلامه كان بيضرب في راسي زي الصواعق، وكنت مش عارف أصدق الكلام ده، مش عارف أصدق إن فيه إنسان ممكن يعمل كل ده في طفلة عمرها تمان سنين، طفلة ما تعرفش من الدنيا غير الحب والضحك واللعب، طفلة ما أذتش ولا نملة في حياتها. قلت له بصوت مهزوز مين اللي عمل فيها كده؟ تقول لي مين يا أحمد؟ منى؟ ولا أمها؟ إزاي يقدروا يعملوا كده فيها دي بنت منى قبل ما تكون بنتي!.
قال أحمد بغضب ظاهر في صوته ليان قالت لي كلمات قليلة لما كنت جاي بيها للمستشفى، قالت لي ست نادية زعلت مني وضربتني، ست نادية دي أم منى صح؟.
هزيت راسي بصدمة وقلت أيوه دي أمها… لكن ليه؟ ليه تعمل كده؟ إيه اللي ليان تعمله عشان تستاهل كل ده؟ دي طفلة ما تعملش أي حاجة تزعل حد!.
قال أحمد ده اللي لازم نعرفه، وده اللي هنوصل له مهما كان الثمن. لما دخلت البيت كمان لقيت أشياء مكسرة، ولقيت ورقة في مكان مخفي كأن حد حاول يخبيها بس ما قدرش، ورقة مكتوبة بخط أم منى بتتكلم عن فلوس وعن ميراث وعن إنك مش عايز تعطيهم حقهم، وإن منى لازم تاخد موقف وتقف جنبهم عشان ما يضيعوش حاجة.
في اللحظة دي جات الدكتورة من الغرفة وقالت لي إن ليان فاقت وعايزة تشوفني، وإن حالها مستقرة بس هي خايفة كتير ومش عايزة حد يدخل غيري. دخلت الغرفة ببطء وقلبي بيدق بكل قوة، ولما شفتها كانت مستلقية على السرير ووجهها مليان جروح وضمادات، وإيدها مرفوعة ومربوطة، ولما شافتني حاولت تضحك بس دموعها نزلت فورًا وقالت لي بصوت ضعيف جدًا يا بابا… أنا آسفة عشان خليتك تقلق مني… ما كنتش عايزة أقولك حاجة عشان ما تزعلش.
قربت منها وقعدت جنبها ومسكت إيدها برفق ومسحت دموعها وقولتلها وأنا بحاول أكون قوي قدامها أنا هنا يا روحي، أنا جنبك وما حدش يقدر يأذيك تاني أبدًا، ما تعتذريش من أي حاجة، أنا اللي لازم أكون آسف عشان ما كنتش جنبك في الوقت ده. إيه اللي حصل يا حبيبة قلبي؟ ليه عملتلك ست نادية كل ده؟.
نظرت لي بخوف وبدأت تحكي لي بصوت متقطع ومخ sometimes متوقف من العياط كانت ست نادية جت عندنا النهاردة وعصبت كتير منك، قالت إنك بتبخل عليهم وبترفض تعطيهم الفلوس اللي لهم، وقالت إنك السبب في كل مشاكلهم، وإن لازم تعاقبك عشان تعرف غلطك. حاولت أقول لها إنك طيب وبتحبنا وبتعمل كل حاجة عشانا بس هي سمعتنيش، وقالت إنك ربيتني غلط وإنك خليتني ضدها وضد ماما. لما ماما حاولت تهديها ضربتها هي كمان، وبعدين لما ماما طلعت بره البيت عشان تتصل بحد… هي قفلت البيت وبدأت تضربني وتقول لي ده جزاءك لما تكوني بنت للراجل ده، وكل

ما كنت أبكي وأقول لها آسفة كانت بتضربني أكتر وتقولي إنك لازم تحس بوجعي زي ما هي حاسة بوجعها. وبعدين لما سمعت صوت جيران جاية قربت من البيت قالت لي لو حد عرف حاجة هترجع تقتلني، وفتحت لي البيت وقالت لي امشي ولا حد تعرفي حد، وقفلت البيت ورايا من غير ما أقدر أدخل تاني. كنت خايفة أروح عند أي حد غيرك يا بابا فعملت زي ما قالت لي بس قعدت قدام البيت عشان كنت عارفة إنك هترجع لي مهما حصل.
كلامها كان بيمزق قلبي كل كلمة بتقولها كانت سكين بيجي في قلبي، وكنت ماسك إيدها ومش عارف أقول لها إيه غير إن كل حاجة هتكون تمام وإن ما حدش هيقدر يأذيها تاني أبدًا، وإن أنا هاخد لها حقها من كل اللي عمل فيها ده مهما كان ومهما كان الثمن. خرجت من الغرفة بعد ما طمنتها شوية وقلت لها إن أنا بره عشان أخلص شوية حاجات وراجع أجلس جنبها طول الليل، ولقيت أحمد واقف بره مستنيني، ولما شاف علامات الغضب والجرح في وجهي عرف إن ليان حكت له كل حاجة.
قلت له بصوت غاضب ومليان عزم سمعت كل حاجة؟ لازم نرجع للبيت دلوقتي، ولازم نعرف كل حاجة عن الموضوع ده، ولازم ناخد حق ليان من كل اللي شارك في الأذى ده.
قال أحمد بجدية تامة أنا جاهز، وعملت كل الإجراءات اللازمة، والشرطة جاية تفتش البيت وتاخد كل الأدلة الموجودة، وكل اللي حصل ده مسجل وموثق ومش هينفع أي حد يهرب من العقاب مهما كان عنده من فلوس أو نفوذ. وأنا عرفت إن الموضوع مش بس عن فلوس وميراث، ده فيه حاجات أعمق من كتير، أم منى كانت بتخطط لده من فترة طويلة، وكانت بتضغط على منى عشان تطلب منك مبالغ كبيرة ما لهمش حق فيها، ولما كنت ترفض كانت بتعصب أكتر وتقول إنك بتعاملهم باحتقار، وإن لازم تاخد حقهم بالقوة.
رجعنا للبيت ولقينا الشرطة واصلة وفاتحة البيت، وكل حاجة في البيت مكسرة زي ما قال أحمد، ولقينا أدلة كتلة تثبت كل كلمة قالتها ليان، ولقينا تسجيلات صوتية كانت مسجلة على تليفون منى بتثبت إن أمها كانت بتخطط لده وإن منى كانت خايفة منها ومش عارفة تعمل إيه، وإنها كانت بتحاول تمنعها بس ما قدرتش، وإنها لما طلعت بره البيت كانت بتحاول تتصل بحد عشان يساعدها بس أمها أخذت تليفونها ومنعتها من أي تواصل. بعد البحث عرفنا إن أم منى كانت مديونة بمبالغ كبيرة لناس خطيرة، وكانت عايزة تاخد الفلوس دي مني بأي طريقة، ولما رفضت كانت فكرت إنها تؤذي ليان عشان تضغط عليا وأنا أدفع لها كل الفلوس اللي عايزاها، وكانت تعرف إن ليان أغلى حاجة عندي فقررت تضربني في أضعف نقطة عندي.
بعد كده اتصلت بمنى لقيتها في بيت أختها، وكانت تعيط بحرقة ومش عارفة تقول لي إيه غير إنها آسفة ومش عارفة تمنع أمها، وإنها كانت خايفة تضرب ليان أكتر لو حاولت تقف في وجهها، وإنها كانت بتحاول تجد حل من غير ما أي حاجة تصل للي وصلت له. قلت لها بصوت بارد ومجروح أنتِ آسفة؟ والدي عملت في بنتك كل ده وأنتِ قاعدة تتفرجي؟ دي بنتك يا منى، دي لحمك ودمك، إزاي تسيبي حد يعمل فيها كده حتى لو كان أمك؟ لو كنتِ قفتي في وجهها من الأول ما كانش حصل ده ولا حاجة منه، والندم دلوقتي مش هيرجع لليان صحتها ولا هيمسح الألم اللي حست به ولا الخوف اللي عاشته طول الليل ده.
في اليوم التالي اتخذنا كل الإجراءات القانونية اللازمة، وأحمد كان بيتابع كل حاجة بكل دقة ومهارة، وكل الأدلة كانت واضحة ومثبتة، وما قدرش أم منى تنكر أي حاجة ولا تطلع أي كدبة تانية تنفعها، وكل اللي ساعدها في التخطيط ده كمان اتكشف واخد جزائه. ليان فضلت في المستشفى فترة طويلة لحد ما تعافت جسديًا، لكن أثر الحادثة ده بقي معاها نفسيًا فترة طويلة، كانت بتخاف من أي حد غريب، وكانت ما تنامش إلا وأنا قاعد جنبها وماسك إيدها، وكانت كل شوية تصحى من النوم عيطانة وتقولي ما تسيبنيش يا بابا هي جاية تاخدني تاني. كنت أجلس جنبها وأهديها وأقول لها إنها في أمان، وإن ما حدش يقدر يقرب منها تاني، وكنت أضيع كل وقتي معاها، أروح بيها للأماكن اللي بتحبها، أجيب لها كل اللي بتحبه، أحكي لها قصص سعيدة عشان تمسح من ذاكرتها كل حاجة وحشة شافتها.
وبعد فترة قررت إني أتخذ قرار الانفصال عن منى، مش عشان كرهي ليها، لكن عشان الثقة اللي كانت بينا انتهت للأبد، وعشان ليان محتاجة تعيش في مكان آمن مفيهش أي خوف أو خطر، ومش عايز أي حاجة تذكرها باللي حصل ولا تخلها تحس إنها ممكن تتعرض لأذى تاني من أي حد من أهلها. منى تقبلت القرية ده بكل ألم، وعرفت إنها هي اللي خسرت كل حاجة بيدها، وقررت تبتعد عن طريقنا وتعالج نفسها وتحاول تصلح من أخطائها، واتفقت معايا إنها تزور ليان في الأوقات اللي ليان تكون مرتاحة فيها، ومش هتضغط عليها في أي حاجة أبدًا.
مع مرور الوقت بدأت ليان ترجع لطبيعتها شوية بشوية، بدأت تضحك تاني وتلعب وتطلب مني أجيب لها جيلي وتسيبلي القطع الحمرا زي ما كانت بتعمل، وبدأت تطلب مني أبص جوه الدولاب قبل ما تنام بس كانت بتقولي أنا عارفة إن العفاريت بتخاف منك يا بابا، فأنت موجود فمش خايفة من حاجة. كل ما كنت أشوفها بتتعافى كنت أحس إن الألم اللي في قلبي بيخف شوية، وكنت أتأكد إن مهما كانت الأحداث وحشة ومهما كان فيه ناس شريرة في الدنيا، الحب والصبر والحق في النهاية هو اللي بيبقى وينتصر.
وعرفت في النهاية إن الأهل مش دايماً بيكونوا معاك، وإن الحب مش دايماً بيكون كافي لما يكون الطرف التاني مش عنده شجاعة يقف جنبك، وإن أغلى ما نملك في الدنيا دي هم الأبناء، وإن لازم نحميهم بكل ما نملك من قوة، وإن ما نسمحش لأي حد مهما كان قريباً منا إنه يأذيهم أو يخليهم يحسوا بالخوف أو الندم في حياتهم. وكنت دايماً أقول لليان كل يوم أنا جنبك طول العمر يا روحي، وما حدش يقدر يأذيك أبدًا طالما أنا عايش، وأنتِ دايماً نصيبي من كل خير في الدنيا دي، وكل حاجة حلوة في حياتي جاية منك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *