جحود اهل حكايات صافي هاني الثاني والاخير
وهنا تحولت نظرات السمسارة المصدومة من أمي وأبويا إليّ وأنا واقفة بثبات أخد رشفة أخيرة من قهوتي، وأبويا بيصرخ بانهيار وبيحاول يجري يمسك فيا عشان يسترحمني أوقف المحضر، لكن محضر المحكمة جه وقفا قدامه بحسم ومنعه من الاقتراب وهو بيقرا كشف الجرد وبيأمرهم حالا يفضوا البيت زي ما طلبوا مني من دقايق ألم زبالتي وأمشي، ووقتها بس فهموا إن البنت اللي اعتبروها طول عمرها فاشلة وغلبانة وبتضيع وقتها ورا الكمبيوتر هي اللي بقت تملك سندات ديونهم وحياتهم كلها، وبصتلي أمي بدموع الاستعطاف وقالت بصوت مكسور: “يا بنتي إحنا أهلك!” فبصيت لها بهدوء ورديت عليها: “البيت ده فعلا مش للبيع يا ماما… ده خلاص اتسجل وبقى بيتي، وبيتكم أنتوا اتعرض للمزاد ومبقاش ليكم مكان فيه غير الشنطة اللي لسه رامينها حالا على الأرض”، وساعتها فتح محضر التنفيذ باب البيت على مصراعيه ودخل العمال يبدأوا نقل الأثاث، وسط صدمة أخويا اللي دخل وراهم يجري وهو مش مصدق الكابوس اللي واقع على عيلته كلها.
وقف أخويا كريم في نص الصالة وعينيه طايرة من رأسة وهو بيبص للعمال اللي بدأوا يشيلوا الصالون، وبص لأبويا اللي قاعد على الكرسي بيترعش وأمه اللي منهارة بتعيط، وصرخ فيا بجنون: “إنتِ اتجننتي؟! إزاي تعملي في أهلك كده عشان شوية فلوس وشغل هبل على الكمبيوتر؟!”
بصيت له بهدوء وأنا بمسح التراب الوهمي من على كم قميصي، ورفعت حاجب واحد وقولت بصوت حاسم خلى الكل يسكت: “فلوس هبل؟ الشغل اللي كنتوا بتستحقروه وبتتريقوا عليه في كل عزومة وكل قاعدة عائلية، هو اللي كان بيمول شركات بابا اللي فلست، وهو اللي دفع ديونه لما هربت من الدائنين، وهو نفسه اللي اشترى سندات البيت اللي أنتوا قاعدين فيه دلوقتي.”
كريم فتح بقه بصدمة ومش عارف ينطق حرف واحد، والسمسارة انسحبت بهدوء وبسرعة من باب البيت بعد ما فهمت إن اللعبة أكبر بكتير من مجرد عمولة بيع وشراء، وقفلت وراها الباب بهدوء.
أبويا مد إيده ليا بوجع وقال بصوت منكسر: “يا ناتالي… حقك علينا، كل اللي عوزتيه هيتنفذ، بس سيبينا نعيش في بيتنا، ده تعبير عمرنا.”
قربت منه خطوة ووطيت لمستواه وقولت: “تعب عمركم؟ ولما كنتوا بتكسروا روحي وتفهموني إني مالليش قيمة وإن عمتي الله يرحمها كانت بتعطف عليا بإيجار الشقة دي، كان إيه؟ لما طردتوني من جوه قلوبكم قبل البيت ده، كان إيه؟”
في اللحظة دي، دخل محضر المحكمة ومعاه الورق النهائي وقال: “يا ريت تجهزوا نفسكم، الشاحنة جاهزة تحت، وفترة السماح انتهت.”
أمي جريت عليّا وحاولت تمسك دراعي وهي بتعيط بحرقة: “يا بنتي ابوس إيدك… هنجري نروح فين في سننا ده؟!”
بعدت إيدها بهدوء، وشديت شنطة السفر القديمة اللي هما بنفسهم رموهالها من دقايق، وحطيتها قدامهم على الأرض وقولت: “زي ما طلبتوا مني بالظبط… ابدوا لموا هدومكم، قدامكم أسبوعين.”أبويا سند نفسه على الحائط وهو بيبص للشنطة اللي قدامه، ودموعه نزلت بصمت وهو حاسس أخيراً بوزن الكلمات اللي وجهوهالها طول السنين اللي فاتت، بينما أمي قعدت على الأرض منهارة جنب الشنطة وهي بتلطم على وشها بعد ما أدركت إن الغرور والكبرياء هما اللي ضيعوا كل حاجة، وكريم وقف عاجز لا عارف يدافع عنهم ولا يواجهني، والعمال بدأوا يخرجوا بآخر قطعة أثاث من البيت عشان يسلموه بالكامل، فالتفت بهدوء وفتحت باب الشرفة عشان هواء الصبح البارد يدخل ويملى البيت اللي أخيرًا بقى ملكي بالكامل وبقيت أنا سيدته الحقيقية، ومشيت بخطوات ثابتة وقفت قدام مرايا الطرقة وبصيت لنفسي نظرة ثقة لقيت فيها البنت القوية اللي قدرت تبني نفسها بنفسها من غير ما تحتاج لأي حد، وسيبتهم واقفين قدام شنطة السفر الوحيدة اللي فضلت لهم من إمبراطوريتهم الوهمية، وهم بيبصوا لبعض في رعب من المجهول اللي استنوا هم بايديهم يصنعوه.صوت قفل الباب وراهم وهو بيترزع بعنف كان هو الإعلان الرسمي لنهاية صفحة قديمة مليانة بالقهر والتقليل من الكבير والصغير، وبصيت حواليا في البيت الواسع الهادي اللي مبقاش فيه غير صدى خطواتي وحدي، وفتحت لاب توب بتاعي ورجعت أكمل شغلي بتركيز أعمق وابتسامة نصر حقيقية على شفايفي، وأنا شايفة إن الدماغ اللي كانوا بيستحرقوها ويقولوا عليها “قاعدة ورا الشاشة بلا فايدة” هي اللي قدرت بذكائها وبهدوئها ترجع الحق لأصحابه وتقفل باب الذل للأبد.وبعدها بكام يوم، وصلني إيميل رسمي من البنك بإنهاء كافة إجراءات نقل ملكية بيت العيلة القديم بشكل نهائي وبدون أي منازعات قانونية، وإن الفلوس المتبقية من المزاد هتدخل حسابي الشخصي. قفلت اللاب توب ووقفت قدام الشباك أبص على جنينة الورد اللي زرعتها بإيدي، وأنا حاسة إن الوزن الثقيل اللي كان على صدري طول سنين عمري اتقشع أخيرًا. تلفوني رن برقم غريب، رديت بهدوء، فطلع صوت أبويا مكسور وضعيف وهو بيحاول يستعطفني ويطلب مني مجرد مكان أخير يقعدوا فيه، فبصيت للباب المقفول وقاتله بصوت ثابت لا رجعة فيه: “الباب اللي اتقفل في وشي سنين مش هينفع يتفتح تاني بالسهولة دي… اعتبروا ده أول درس في إن اللي بيزرع الكبرياء بيحصد الندم”، وقفلت السكة في وجهه ورميت التلفون على السرير وأنا ببتسم لبداية حرة ومستقلة بالكامل، وفتحت صفحة جديدة في حياتي مفيهاش مكان لأي حد يستصغرني أو يقلل من تعبي.وفجأة، الباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة، خبطات حسيت إن وراها خوف مش إنساني وكأن اللي بره هيموت ويدخل، وقفت من مكاني بهدوء وبخطوات بطيئة قربت من الباب، وفتحت الملبس الأمني وبصيت في العين السحرية، وهنا لقيت منظر ماكنتش أتوقعه أبدًا ولا حتى في أسوأ كوابيسهم… كريم واقف لوحده وشه أصفر وشفايفه بتترعش وماسك في إيده ظرف أسفلت مقفول ومكتوب عليه اسمي بخط عمتي القديم، وبصت للعدسة وقال بصوت مرعوب وعيونه مليانة دموع: “ناتالي… افتحي، أرجوكِ افتحي… في كارثة أكبر بكتير من اللي بابا وماما حكوه.. الكارثة دي تخص عمتي الله يرحمها ومصيبتنا كلنا!”قلبي دق بقوة مش خوف، لكن لإن طيف عمتي اللي كانت سند ليا دايماً ظهر في الصورة تاني، وبحركة سريعة فتحت الباب على مصراعيه ومن غير ما أنطق حرف واحد، كريم وقع على ركبه قدامي وهو بيترعش ومد إيده بالظرف الأسود وعينه هربانة من الخوف، وقال بصوت منقطع: “الظرف ده… لقيته جوه الڤلصوكة القديمة بتاعتها في بيت العيلة، لما عمال النقل شالوا الخزنة القديمة لقوا الحائط الخلفي مهترئ والظرف ده وقع منه، ومكتوب عليه بخط إيدها (سر عائلة ريتشارد الذي سينقذ ناتالي أو يهدمهم للأبد)”، مديت إيدي ببطء وخدت الظرف من بين إيديه، وفتحت الختم الشمعي القديم اللى كان محافظ على أسراره سنين طويلة، وطلعت ورقة قديمة مصفرة عليها توقيع عمتي بتاريخ اليوم اللي توفيت فيه، وأول ما عينيا جابت السطر الأولاني، اتجمد الدم في عروقي ولقيتني بقول لنفسي بصدمة كاملة: “يعني كل اللي عملوه معايا… طلع مجرد ستارة عشان يخبو الكارثة دي؟!” ورفعت راسي بصيت لكريم اللي كان بيبكي بندم حقيقي، ولقيت الباب وراه بيتحرك ببطء وبتدخل منه…
شخصية مجهولة وقفت في الظل وخطت خطوة لقدام، والوجه اللي ظهر من العتمة خلى كريم يصرخ برعب وأنا عيني اتسعت غير مصدقة للرؤية: دي كانت عمتي بنفسها، واقفة قدامنا وحية بتشهد على نهاية إمبراطورية الكذب والخداع، وقبل ما أي حد ينطق حرف، رفعت عمتي الورقة اللي في إيدي وقالت بصوتها الهادئ الحازم: “اللعبة خلصت يا ناتالي… والورث الحقيقي جه وقت تسليمه.”