قبل الولادة زهرة الربيع الثاني والاخير

أنا ساعتها كنت هبكي من كتر الإحراج والكسوف، وكنت بتمنى الأرض تتشق وتبلعني من التصرف ده.. بس المفاجأة كانت رد فعل أبويا.
أبويا لا انفعل، ولا زعق.. بالعكس، اتفاجأت بيه بيقعد بمنتهى الهدوء، حط رجل على رجل، وابتسم ابتسامة هادية جداً مليانة وجع وعزة نفس في نفس الوقت، وبص لعادل نظرة طويلة حسستني إن عادل قدامه نملة صغيرة.
أمي لسه هترد وتنفجر فيه، أبويا شاور لها بإيده بحزم وقال اهدي يا أم سمر.. سيبيني أرد على جوز بنتي عشان واجبه علينا نوضّح له الأصول اللي يمكن محدش علمهاله.
سكتت أمي، وفضل البيت ساكت سكوت يقبض القلب. أبويا مد إيده في جيب الجاكت الداخلي، وطلّع محفظته القديمة، وطلع منها ورقة مطبقة وأربع بواكي فلوس، وحطهم على الترابيزة قدام عادل بالراحة.
عادل عينه وسعت وبص للفلوس باستغراب، وأبويا اتكلم بصوت هادي ورزين يرن في أركان الصالة
بص يا عادل يا ابني.. الورقة اللي قدامك دي، وصل من مركز الولادة. المركز مأخدش 10 آلاف زي ما سمر فاكرة.. المركز يوم الولادة حصلت مضاعفات لسمر، واحتاجت أكياس دم وحقن سيولة وحضانة للولد ساعتين مراقبة، والحساب طلع 16 ألف جنيه مش 10! بنتك كانت بين إيدين ربنا، وأنا اللي دفعت ال 6 آلاف الفرق من مكافأة المعاش اللي طالع

بيها، ومارضيتش أقول لبنتي عشان نفسيتها وماتشيلش هم، ولا اتصلت بيك في شغلك عشان ما أقلقكش وأنت بعيد ومش في إيدك حاجة تعملها.
عادل وشه بدأ يتغير، ولونه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يبلع ريقه بصعوبة.
أبويا كمل وهو بيشاور على الفلوس اللي على الترابيزة
أما بقى ال 3 تلاف جنيه اللي وجعين قلبك وشايف إننا لطشناهم وعايشين بيهم على قفاك.. فسمر صرفت 2400 جنيه في الصيدلية، وروشتات ابنك وعلاج بنتي موجودة عندي في البيت بالتاريخ والوقت.. يعني بنتي ماكلتش بيهم ولا شربت. وبما إنك شايف إن بنتي وابنك أكلوا وشربوا في بيتي على حسابك.. فادي ال 3 تلاف جنيه بتوعك كاملين أهو، وحاطط لك عليهم كمان ألفين جنيه تمن اللقمة والشوربة والفاكهة اللي دخلت بطن بنتي في ال 20 يوم اللي قعدتهم عندي.. عشان متفضلش تحسبها في سرك وتقول أهلها استغلوني!.
عادل اتهز في مكانه هزّة عنيفة، وحاول يتكلم ويبرر وهو بيتلعثم
يا.. يا عمي.. لا والله ما أقصد كده.. أنا بس كنت فاكر…
أبويا قاطعه بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش
أنت فاكر إيه يا عادل؟! فاكر إن بيت الراجل اللي على المعاش محتاج 3 تلاف جنيه بتوعك عشان ياكل ويشرب؟! أنا ربيت بنتي 25 سنة، عمري ما حسبت عليها لقمة، ولا حسستها إنها حمل عليا. كنت بشقى وأتعب عشان أدخلها أحسن مدارس وأجيب لها أحسن أكل. وأما جوزتهالك، جوزتهالك عشان أسلّم أمانتي لراجل يصونها ويبقى ضهر وسند ليها ولعيالها، مش لواحد يرجع من السفر بعد غياب شهر يحاسب مراته اللي طالعة من ولادة وموت على بامبرز ابنه وعلبة لبن صناعي!.
الدموع نزلت من عيني زي الشلال، وكنت ببص لأبويا بفخر وامتنان ملوش حدود، وفي نفس الوقت ببص لعادل بقرف وندم إني اخترت الإنسان ده وربطت حياتي بيه.
أمي اتكلمت ساعتها بحرقة
بنتي قعدت عندي في عز تعبها، كنت بقوم أسهر بالولد عشان هي ترتاح وتنام، كنت بعمل لها الحمام والشوربة البلدي كل يوم من مالي الخاص عشان يجيلها لبن ترضع ابنك، وفي الآخر جاي تقول واكلين على قفاك؟! يا خسارة يا عادل.. يا خسارة تربية الراجل المحترم ده فيك!.
عادل كان وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا، مد إيده عشان يرجع الفلوس لأبويا وهو بيقول بصوت مكسور
حقك عليا يا عمي.. أنا غلطان.. والله العظيم شيطان ودخل بيننا، وأنا كنت مضغوط في الشغل ومصاريف السفر دوشتني.. امسحها فيا يا أبويا.. متزعلش مني.
أبويا قام وقف، وبص لعادل من فوق لتحت وقال جملة نزلت على عادل زي الصاعقة
شيل فلوسك يا عادل.. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول لو راحت مبترجعش، والكرامة لو اتكسرت ملهاش تمن. بنتي وابنها هيرجعوا معايا البيت دلوقتي، مش عشان غضبانين.. لأ، عشان بنتي تفوق من صدمتها، وأنت تفضل مع نفسك هنا في الشقة تراجع حساباتك وتتعلم يعني إيه تكون رب بيت وراجل يتحمل مسؤولية عيلة.. ولما تعرف قيمة النعمة اللي في إيدك، تبقى تيجي تخبط على بابي وتطلبها زي ما طلبتها أول مرة، بس ساعتها هتكون الحسبة تانية خالص.
أبويا بص لي وقال بحنية قومي يا سمر.. لفي الولد وخدي حاجتك وتعالي ورايا.
عادل حاول يقف قدامنا ويترجى أبويا يا عمي أبوس إيدك، الناس هتقول إيه؟! ما تخرجش بنتك من بيتي، أنا آسف والله هبوس راسها قدامك أهو!.
أبويا حط إيده على كتفه وزقه بالراحة وقال له الناس مبتاكلش معانا عيش يا عادل.. خلي الناس تنفعك. عيّل بيتك وعقلك الأول، وبعدها بيوت الناس تفتح لك أبوابها.
شلت ابني في حضني ومشيت ورا أبويا وأمي وسبت عادل واقف في نص الصالة عينه في الأرض، مذلول ومكسور، والفلوس اللي كان بيعيّرني بيها مرمية على الترابيزة قدامه شاهدة على صغره ورخصه.
يومها بس عرفت الفرق بين دكر بيعد القروش وبيذل أهل بيته، وبين راجل حقيقي بيبني كرامة بنته بروحه وفلوسه ومعاشه.. وخرجت من باب الشقة وأنا رافعة راسي بالسما، لأني ضهري مسنود على جبل حقيقي عمره ما يميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *